النص المفهرس
صفحات 441-460
- البقرة - فصاعداً، لأنه جَمْعٌ في المعنى، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، فيكونُ بينهما عمومٌ وخُصوصٌ من وجهٍ، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في كتبهم. وهل الكلامُ مصدرٌ أو اسمُ مصدر؟ خلافٌ. والمادةُ تَدُلُّ على التأثير، ومنه الكَلْمُ وهو الجرحُ، والكلامُ يؤثِّر في المخاطب قال(١): وُجُرْعُ اللسانِ كُجُرْحِ البَدِ ٥٥٣ - ويُطْلَقُ الكلامُ لغةً على الخطِّ والإِشارةِ كقوله(٢): رَدَدْتُ عليها بالدموعِ البوادِرِ ٥٥٤ - إذا كُلَّمَتْنِي بالعيونِ الفواتِرِ وعلى النفساني، قال الأخطل (٣): جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دَلِيلًا ٥٥٥ - إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما قيل: ولم يُوْجَدْ هذا البيتُ في ديوان الأخطل، وأمَّا عند النحويين فلا يُطْلَقُ إلا على اللفظِ المركَّب المفيدِ بالوَضْعِ. قوله: ((من بعد ما عَقَلُوه)) متعلَّقٌ بـ((يُحَرِّفُونه)). والتحريفُ: الإِمالة والتحويلُ، و((ثم)) للتراخي: إمَّا في الزمانِ أو في الرتبةِ، و((ما)) يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أي: ثم يُحَرِّفون الكلامَ من بعدِ المعنى الذي فَهِموه وعَرفوه. ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً والضميرُ في ((عَقَلوه)» يعودُ حينئذٍ على الكلامِ، أي مِنْ بعدِ تَعَقُّلِهِم إياه. قوله: ((وهم يَعْلَمون)) جملةٌ حاليةُ، وفي العاملِ فيها قولان، أحدهما:(عَقَلوه))، ولكنْ يلزَمُ منه أن تكونَ حالاً مؤكدةً، (١) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١٨٥، وصدره: ولو عن نّثًا غيره جاءني وهو في الخصائص ٢١/١؛ ومفردات الراغب ٤٥٧؛ والنثا: النبأ. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر المحيط ٤٥٢/٢. (٣) ليس في ديوانه، وهو في ابن يعيش ٢١/١؛ والشذور ٢٨. ٤٤١ - البقرة : لأنَّ معناها قد فُهِمَ مِنْ قولِه ((عَقَلُوه)) والثاني: وهو الظاهرُ، أنه يُحَرِّفونِهِ، أي يُحَرِّفونه حَالَ عِلْمِهِم بذلك. آ. (٧٦) قوله تعالى: ﴿وإذا لقُوا﴾ .. الآية، قد تقدَّم نظيرُها أولً السورةِ(١)، وقد تقدَّم الكلامُ على مفرداتها وإعرابها، فأغنى ذلك عن الإِعادةِ. وهذه الجملةُ الشرطيةُ تحتملُ وجهَيْن، أحدُهما: أن تكونَ مستأنفةٌ كاشفةٌ عن أحوال اليهودِ والمنافقين. والثاني: أن تكونَ في محلّ نصبٍ على الحال معطوفةً على الجملة الحالية قبلها وهي: ((وقد كان فريقٌ)) والتقدير: كيف تطمعون في إيمانِهِم وحالُهم كَيْتَ وكَيْتَ؟ وقرأ ابن السَّمَيْفَع: لاقُوا(٢)، وهو بمعنِى لَّقُوا، فَاعَل بمعنى فَعِل نحو: سافر وطارَقْتُ الفعل(٣). قوله: ((بما فَتَحَ الله)) متعلَّقُ بالتحديث قبلَه، وما موصولةٌ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ أي: فَتَحَه الله. وأجازَ أبو البقاء(٤) أن تكونَ نكرةً موصوفةً أو مصدريةً، أي: شيءٌ فَتَحه، فالعائدُ محذوفٌ أيضاً، أو بفتحِ الله عليكم وفي جَعْلِها مصدريةً إشكالٌ من حيثُ إن الضميرَ في قولِه بعد ذلك: (لِيُحاجُوكم به)) عائدٌ على ((ما)) هذا هو الظاهرُ، وما المصدريةُ حرفٌ لا يعود عليها ضميرٌ على المشهورِ خلافاً للأخفشِ (٥) وأبي بكر بن السراج (٦)، إلا أَنْ يُتَكَلَّفَ فيُقال: الضميرُ يعودُ على المصدرِ المفهومِ من قوله: ((أَتُحَدِّثُونهم)) أو من قوله فَتَح، أي: لِيحاجُوكم بالتحديثِ الذي حُدِّثْتُمُوهم(٧)، أو بالفتح (١) الآية ١٤ من البقرة. (٢) البحر ٢٧٢/١. (٣) طارق النعل: صيَّرها طاقاً فوق طارق. (٤) الإملاء ٤٥/١. (٥). ليس له في ((معاني القرآن)) نص صريح يفيد ذلك. (٦) الأصول ١٦١/١. (٧) كذا في الأصل والمفعول الثاني محذوف أي حدثتموهم إياه، وح ص: حدثتموه، وهو الصواب. ٤٤٢ - البقرة - الذي فَتَحه الله عليكم. والجملةُ من قولِهِ: ((أتُحَدِّئونهم في محلِّ نصبٍ بالقَوْل، والفتحُ هنا معناه الحكمُ والقَضاءُ، وقيل: الفَتَّاحُ: القاضي بلغةٍ اليمن، وقيل الإِنزالُ. وقيل: الإِعلامُ / أو التبيينُ بمعنى أنه بَيِّنَ لكم صفة [١/٣٢] محمدٍ عليه السلام، أو المَنُّ بمعنى ما مَنَّ عليكم به من نَصْرِكم على عَدُوِّكم، وكلُّ هذه أقوالٌ مذكورةٌ في التفسيرِ. قوله: ((ليحاجُّوكم)) هذه اللامُ تُسَمَّى لَام كي بمعنى أنها للتعليل، كما أنَّ ((كي)) كذلك، لا بمعنى أنها تَنْصِبُ ما بعدَها بإضمار بـ((كي)) كما سيأتي، وهي حرفُ جرِّ، وإنما دَخَلَتْ على الفعل لأنه منصوبٌ بأَنْ المصدريةِ مقدرةٌ بعدها، فهو معها بتأويل المصدرِ أي للمُحاجَّةِ، فلم تَدْخُلْ إلا على اسم لكنه غيرُ صريح. والنصبُ بأَنْ المضمرةِ كَما تقدَّم لا بكَيْ خلافاً لابن كيسان والسيرافي(١) وإن ظَهَرتْ بعدها نحو قوله تعالى: ((لكيلا تَأْسَوْا))(٢) لأن ((أَنْ)) هي أمُّ البابِ، فادِّعاءُ إضمارِها أَوْلَى مِنْ غيرِها. وقال الكوفيون(٣): ((النصبُ باللامِ نفسِها، وأَنَّ ما يظهر بعدَها من كي وأَنْ إنما هو على سبيلِ التأكيد)»، وللاحتجاجِ موضعٌ غيرُ هذا من كتب النحو. ويجوز إضمارُ أَنْ وإظهارُها بعد هذه اللامِ إلَّ في صورةٍ واحدةٍ وهي ما إذا وقع بعدها ((لا)) نحو قوله: ((لئلاّ يَعْلَمْ)) (٤)، ((لئلا يكونَ للناسِ))(٥)، وذلك لِما يَلْزَمُ من توالي لَاَميْن فيثقُل اللفظُ. والمشهورُ في لغةِ العربِ كَسْرُ هذه اللامِ لأنها حرفُ جر وفيها لُغَيَّةٌ شاذّةٌ وهي الفتح. وهذه اللامُ متعلقةٌ بقوله: ((أَتُحَدِّثُونهم)). وذهب بعضُهم إلى أنَّها متعلقةٌ بـ((فَتَحَ))، وليس بظاهرٍ، لأنَّ المُحاجَّةِ ليست علة للفتح، وإنما هي (١) الحسن بن عبدالله شَرْح ((الكتاب))، توفي ٣٦٨. انظر: البغية ٥٠٧/١. (٢) الآية ٢٣ من الحديد. (٣) انظر: الإنصاف ٥٧٥ . (٤) الآية ٢٩ من الحديد. (٥) الآية ١٥٠ من البقرة. ٤٤٣ - البقرة - نَشَأَتْ عن التحديث، اللهم إلا أَنْ يُقالَ: تَتَعَلَّقُ به على أنها لامُ العاقبة، وهو قولُ قيل بِهِ فصارَ المعنى أنَّ عاقبةَ الفتحِ ومَآلَة صارَ إلى أَنْ حاجُّوكم، أو تقول: إنَّ اللام لامُ العِلَّة على بابِها، وإنمَا تَعَلَّقَتْ بِفَتَحَ لأنه سببٌ للتحديث، والسَّبَبُ والمُسَبَّبُ في هذا واحدٌ. قوله: ((به)) الضميرُ يعودُ على (ما)) من قوله: ((بما فتح الله)) وقد تقدَّم أنه يضعفُ القولُ بكونِها مصدريةً، وأنه يجوز أن يعود على أحدٍ المصدَرَيْنِ المفهومين من ((أَتُحَدِّثُونهم و((فتح)). قوله: ((عند ربكم)) ظرفٌ معمولٌ لقولهِ: ((لِيحاجُّوكم)) بمعنى لِيحاجُّوكُمْ يومَ القيامة، فَكَنَى عنه بقوله: ((عند ربكم))، وقيل: ((عندَ)) بمعنى في، أي: ليحاجُوكم في ربكم، أي: فيكونون أَحَقِّ به منكم. وقيل: ثَمَّ مضَافٌ محذوفٌ أي: عند ذِكْرِ ربِّكم، وقيل: هو معمولٌ لقوله: ((بما فتح الله)) أي بما فتح اللهُ مِنْ ربكم ليحاجُوكم، وهو نَعْتُه عليه السلام وأَخْذُ ميثاقِهم بتصديقه. ورجَّحه بعضُهم وقال: ((هو الصحيحُ، لأنَّ الاحتجاجَ عليهم هو بما كانَ في الدنيا)» وفي هذا نظرٌ مِنْ جهةِ الصناعة، وذلك أنَّ ((لِيُحَاجُوكِم)) متعلقٌ بقوله: ((أَتُحَدَّثونهم)) على الأظهرِ كما تقدَّم فيلزَمُ الفَصْلُ به بين العاملِ - وهو فَتَح ـ وبين معموله - وهو عند ربك - وذلك لا يجوزُ لأنه أجنبيّ منهما . قوله: ((أفلا تَعْقِلون)) تقدَّم الكلامُ على نظيرَتِها(١). وفي هذه الجملةِ قولان: أحدُهما [أنها] مندرجَةٌ في حَيِّز القولِ. والثاني أنها من خطابِ الله تعالى للمؤمنين بذلك فَمَحَلُّها النصبُ على الأولِ ولا محلَّ لها على الثاني، ومفعولُ ((تَعْقِلُون)) يجوزُ أن يكونَ مراداً ويجوزُ أَلَّ يكونَ. آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَعْلمون أنَّ اللهَ﴾ .. تقدَّمِ أنَّ مذهبَ الجمهورِ أنَّ النيةً بالواوِ التقديمُ على الهمزةِ لأَنَّها عاطفةٌ، وإنما أُخِّرَتْ عنها لقوةٍ (١) الآية ٤٤ من البقرة. ٤٤٤ - البقرة - همزةِ الاستفهام، وأنَّ مذهبَ الزمخشري تقديرُ فِعْلٍ بعدَ الهمزةِ، ولا للنفي. و ((أنَّ اللهَ يَعْلَمُ)) يجوزُ أن تكونَ في محلِّ نصبٍ، وفيها حينئذٍ تقديران، أحدُهما أنَّها سادَّةٌ مسَدَّ مفردٍ إن جَعَلْنَا عَلِمَ بمعنى عَرَف، والثاني: أنها سادةٌ مَسَدَّ مفعولَيْنِ إِنْ جَعَلْنَاها متعديةً لاثنين كظنَنْتُ، وقد تقدَّم(١) أنَّ هذا مذهبُ سيبويهِ والجمهور، وأنَّ الأخفشَ يَدَّعي أنها سَدَّتْ مَسَدَّ الأول والثاني محذوفٌ، و((م)) يجوز أن تكونَ بمعنى الذي وعائدُها محذوف، أي: ما يُسِرُّونه ويُعْلِنُونِه، وأن تكونَ مصدريةٌ أي: يعلم سِرَّهم وعَلَّنَهم، والسِرُ والعلانِيَةُ متقابِلان. آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿ومنهم أُمّيُّون﴾ .. ((منهم)) خبرٌ مقدَّمٌ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و((أَمُِّّون)) مبتدأ مؤخر، ويجوزُ على رأي الأخفشِ أن يكونَ فاعلاً بالظرف قبلَه وإنْ لم يَعتمدْ، وقد بَيِّنْتُ على ماذا يعتمد فيما تقدَّم. ((وأمُّون جمع أُمّيّ وهو مَنْ لا يكتب ولا يقرأ، واختلف في نسبته، فقيل: إلى الأم وفيه معنيان، أحدُهما: أنه بحال أمِّه التي وَلَدَتْهِ مِنْ عَدَمِ معرفةِ الكتابة وليس مثلَ أبيه، لأن النساءَ ليس منْ شُغْلِهِنَّ الكتابةُ. والثاني: أنَّه بحاله التي وَلَدَتْهُ أمُّه عليها لم يتغيّرْ عنها ولم يَنْتَقِلْ. وقيل: نُسِبَ إلى الْأُمَّة وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، بمعنى أنه ليس له من الناس إلا ذلك. وقيل: نسب إلى الأُمّة على سذاجَتِها قبل أن تَعْرِفَ الأشياء كقولهم: عامِّي أي: على عادة العامَّة. وعن ابن عباس: ((قيل لهم أمُِّّون لأنهم لم يُصَدِّقوا بأم الكتاب)) وقال أبو عبيدة(٢): (قيل لهم أُمْيُّون لإِنزالِ الكتابِ عليهم كأنهم نُسبوا لأُمِّ الكتاب)). وقرأ ابن أبي عبلة (٣): ((أُمَُّون)) بتخفيف الياء، كأنه اسْتَثْقَلَ تواليَ تضعیفین . (١) راجع المسألة في إعرابه للآية ٢٥ من البقرة. (٢) لم يشر إلى ذلك في كتابه ((مجاز القرآن)). (٣) البحر٢٧٥/١؛ ابن عطية ٣٢٩/١، ولكنهما نصًا على أن قراءته بتخفيف الميم وليس الياء. ٤٤٥ - البقرة - قوله: ((لَا يَعْلَمون)» جملةٌ فعلية في محلِّ رفعٍ صفةٌ لأمُّّونُ، كأنه قيل: أمُِّّون غيرُ عالمين. قوله: ((إلا أمانيَّ)) هذا استثناءٌ منقطعٌ، لأن الأمانيَّ ليست من جنسٍ الكتاب، ولا مندرجةٌ تحتَ مدلوله، وهذا هو المنقطعُ، ولكنَّ شرطه أن يُتَوَهِّمَ [٣٢/ب] دخولُه بوجهٍ ما كقولهِ (١): «ما لهمْ به من عِلْم إلا اتِّبَاعَ الظنّ» / وقول النابغة: (٢) ولا عِلْمَ إلا حُسْنُ ظنٌّ بصاحبِ ٥٥٦ - حَلَفْتُ يميناً غيرَ ذي مَثْنَوِيَّةٍ لأنَّ بِذِكْرِ العلم استُحْضِرَ الظنُّ، ولهذا لا يَجُوز: صَهَلَتِ الخيلُ إلا حماراً. واعلمْ أنَّ المنقطعَ على ضَرْبَيْن: ضربٍ يَصِحُّ تَوَجُّهُ العاملِ عليه نحو: ((جاء القومُ إلا حماراً)) وضربٍ لا يتوجَّهُ نحو ما مَثَّل به النحويون: ((ما زاد إلا ما نَقَصَ، وما نَفَعَ إلا ما ضَرَّ» فالأول فيه لغتان: لغةُ الحجازِ وجوبُ نِصْبِهِ ولغةُ تميمٍ أنه كالمتصل، فيجوزُ فيه بعد النفي وشِبْهِهِ النصبُ والإِتباعُ، والآيَةُ الكريمة من الضَرْب الأول، فَيَحْتملُ نصبُها وجهين، أَحَدُهُما: على الاستثناء المنقطع، والثاني: أنه بدلٌ من الكتاب، و((إلا)) في المنقطع تُقَدَّر عِند البصريين بـ ((لكن)) وعند الكوفيين بـ ((بل)). وظاهرُ كلام أبي البقاء(٣): أن نَصْبَه على المصدرِ بفعلٍ محذوفٍ، فإنَّه قال: ((إِلا أَمانيَّ)) استثناء منقطع، لأنَّ الأمانيَّ ليس من جنسِ العلم، وتقديرُ ((إلَّ) في مثلِ هذا بـ«لكنْ))، أي: لكنْ يَتَمِنَّونه أمانيَّ، فيكونُ عندَه من بابِ الاستثناء المفَرَّعِ المنقطعِ، فيصيرُ نظيرَ: ((ما علمتُ إلا ظناً)) وفيه نظرٌ. (١) الآية ١٥٧ من النساء . (٢) ديوانه ٥٥؛ والكتاب: ٣٦٥/١؛ والقرطبي ٥/٢. ومثنوية: استثناء. (٣) الإملاء ٤٥/١. ٤٤٦ - البقرة - والأمانيُّ جمع أُمْنِيَّة بتشديد الياء فيهما. وقال أبو البقاء (١): ((يجوز تخفيفُها فيهما)). وقرأ أبو جعفر بتخفيفها(٢)، حَذَفَ إحدى الياءَين، تخفيفاً، قال الأخفش(٣): ((هذا كما يُقال في جمعِ مفتاح: مفاتح ومفاتيح))، قال النحاس (٤): ((الحَذْفُ في المعتلِّ أكثرُ)) وأنشد قول النابغة(٥): ٥٥٧ - وهل يُرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ثلاثُ الْأُثافي والرسومُ البلاقِعُ وقال أبو حاتم: ((كلُّ ما جاء واحدُه مشدّداً من هذا النوع فلك في الجمعِ الوجهان)) وأصلُّه يَرْجِعُ إلى ما قال الأخفش. ووزن أُمْنِيَّةَ: أَفْعُولة من مِنَّى يُمَنَِّ إذا تلا وفرأ، قال(٦): تَمَّنِّيَ داودَ الزبورَ علی رِسْلِ ٥٥٨ _ تَمَنَّی كتابَ اللهِ آخرَ لیلِهِ وقال كعب بن مالك(٧): وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ ٥٥٩ - تَمَنَّى كتابَ اللهِ أَوَّلَ لَیلِه وقال تعالى: ((إلا إذا تَمَنَّى ألقى الشيطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ»(٨)، أيَ: قَرَأَ وتَلا، فالأصلُ على هذا: أُمْنُوية، فاعتلَّت اعتلالَ ميِّت وسيِّد، وقد تقدَّم. وقيل: (١) الإِملاء ٤٥/١. (٢) وهي قراءة شيبة والأعرج أيضاً كما في القرطبي ٥/٢. (٣) معاني القرآن ١١٨. (٤) إعراب القرآن ١٩٠/١. (٥) ديوان ذي الرمة - وليس النابغة - ١٢٧٤؛ والمقتضب ١٧٦/٢؛ والمخصص ١٠٠/١٧؛ والأشموني ١٨٧/١؛ والجمع ١٥٠/٢؛ والدرر ٢٠٦/٢. والعمى هنا: الجهل، والبلاقع: لا شيء فيها. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٦/٢؛ وشواهد الزمخشري ٤٩٥/٤؛ واللسان مني. (٧) اللسان: مني، وابن عطية ٣٣٠/١؛ ومجمع البيان ١٤٤/١؛ والقصيدة في رثاء عثمان. (٨) الآية ٥٢ من الحج. ٤٤٧ :- البقرة بـ الأمنيّةُ الكذبُ والاختلاقُ. وقيل ما يتمنَّاه الإِنسان ويَشْتهيه. وقيل: ما يُقَدِّرُه وَيَحْزِرُهُ مِنْ مَنَّى إذا كَذَّبَ أو تمنَّى أو قدَّر، كقوله(١): ٥٦٠ - لا تَأْمَنَنَّ وأنْ أَمْسَيْتَ فِي حَرَمٍ حتى تُلاقِي ما يَمْنِي لَكَ الماني أي: يقدِّر لك المقدِّرُ. وقال الراغب (٢): ((والمَنْيُ القَدْرُ، ومِنه ((المّنا)) الذي يُوزَنُ به، ومنه: المَنِيَّة وهو الأجَلُ المقدَّرُ للحيوان، والتمنّي: تقديرُ شيءٍ في النفسِ وتصويرُه فيها، وذلك قد يكونُ عن ظَنٍّ وتخمين، وقد يكونُ بناءً على رَوِيَّةٍ وأصلٍ، لكنْ لمَّا كان أكثرُه عن تَخْمينِ كان الكذبُ أَمْلَكَ له، فأكثرُ التمنّي تصوُّرُ ما لا حقيقةً له، والْأُمْنِيَّةُ: الصورةُ الحاصلةُ في النفسِ مِنْ تمنّي الشيءِ، ولمَّا كان الكذبُ تَصَوُّرَ ما لا حقيقة له وإيرادَه باللفظِ صار التّمنّي كالمبدأ للكذبِ [فعُبِّر به عنه، ومنه قولُ عثمانَ رضي اللهُ عنه: ((ما تَغَيْتُ ولا تَمَنِيْتُ منذ أَسلِمْتُ))](٣). وقال الزمخشري (٤): ((والاشتقاقُ مِن مَنَّى إذا قدَّر، لأن المتمِنِّي يُقَدِّر في نفسِه ويَحْزِرُ ما يتمنَّاه، وكذلك المختلقُ، والقارىءُ يقدِّر أنَّ كلمةَ كذا بعد كذا)) فَجَعَلَ بين هذه المعاني قَدْراً مشتركاً وهو واضحٌ . قولُه: ((وإنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون)) ((إنْ)) نافيةٌ بمعنى ما، وإذا كانت نافيةً فالمشهورُ أنها لا تعملُ عملَ ((ما)» الحجازيةِ، وأجاز بعضُهم ذلك ونَسَبه لسيبويهِ(٥) (١) البيت لسويد بن عامر المصطلق، وهو في اللسان: منى، والتاج: منى، والقرطبي ٦/٢؛ وينسب أيضاً إلى أبي قلابة. (٢) المفردات ٤٩٦. (٣) غير واضح في المصورة عن نسخة الأصل وما أثبتناه من ع. وارجاع الضمائر: فَعَبْر بالتمني عن الكذب (٤) الكشاف ٢٩٢/١. (٥) لعل هذا مفهوم من عبارته في الكتاب ٣٠٦/٢ ((في معنى ليس)). ٤٤٨ - البقرة - وأَنْشدوا(١): ٥٦١ - إنْ هُوَ مستولياً على أَحَدٍ إِلَّ على أَضْعَفِ المجانين و ((هو)) اسمُها و((مستولياً)) خبرُها، فقولُه ((هم)» في محلِّ رفعٍ بالابتداء، لا اسم ((إنْ))، لأنها لم تَعْمَل على المشهور، و((إلاَّ)) للاستثناء المفرغ، و ((يَظُنُّون)) في محلِّ الرفع خبراً لقولِه ((هم)) وحَذَفَ مفعولَي الظنِّ للعلمِ بهما، أو اقتصاراً، وهي مسألةُ خلافٍ. آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿فويلٌ للذين يكتُبون﴾ .. وَيْلٌ مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كانَ نكرةً لأنه دعاءً عليهم، والدعاءُ من المسوغاتِ سواءً كان دعاءً له نحو: ((سلامٌ عليكم))(٢)، أو عليه كهذه الآية، والجارُّ بعده الخبرُ فيتعلَّقُ بمحذوف. وقال أبو البقاء(٣): ((ولو نُصِبَ لكانَ له وجهٌ على تقدير: أَلْزَمهم الله ويلاً، واللامُ للتبيين لأنَّ الاسمَ لم يُذْكَرْ قَبْلَ المصدر)) يعني أنَّ اللامَ بعد المنصوبِ للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، وقولُه: ((لأنَّ الاسم)) يعني أنه لو ذُكِرَ قبلَ ((ويلَ)) فقلت: ((ألزم الله زيداً ويلاً)) لم يَحْتَجْ إلى تبيين بخلاف ما لو تأخر، وعبارةُ الجَرْميّ توهم وجوبَ الرفعِ في المقطوعِ عن الإِضافة، ونَصَّ الأخفش (٤) على جوازِ النصبِ فإنه قال: ((ويجوزُ النصبُ على إضمار فعلٍ أي: أَلْزمهم الله ويلاً)) . واعلم أن ويلاً وأخواتِه وهي: وَيْح ووَيْس وَوَيْب وعَوْل من المصادرِ المنصوبةِ بأفعالٍ من غير لفظِها، وتلك الأفعالُ واجبةُ الإِضمارِ، لا يجوز (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الأزهية ٣٣؛ والمقرب ١٠٥/١؛ والهمع ١٢٥/١؛ ورصف المباني ١٠٨. والذين أثبتوا لها عملاً لم يشترطوا لذلك شيئاً. (٢) الآية ٢٤ من الرعد. (٣) الإملاء ٤٥/١. (٤) معاني القرآن ١١٨. ٤٤٩ - البقرة - إظهارُها البتة لأنها جُعِلَتْ بدلاً من اللفظ بالفعلِ ، وإذا فُصِل عن الإِضافةِ فالأحسنُ فيه الرفعُ، نجَوَ: ((وَيْلٌ له)) وإن أُضِيفَ نُصِبَ على ما تقدَّم، وإن كان عِبارةُ الجرميّ توهُم وجوبَ الرفعِ عند قَطْعِه عن الإِضافة فإنه قال: ((فإذا أَدْخَلْتَ اللامَ رَفَعْتَ فَقلت: ويلٌ له، وَوَيْحٌ له)) كأنه يُريد على الأكثر، ولم يَسْتعمل العربُ منه فعلًا لاعتلال عينه وفائِه، وقد حكى ابن عرفة (١): (َوَيَّلَ الرجلُ)) إذا دَعا بَالَيْل، وهذا لا يَرُدُّ، لأنه مثلُ قولهم: ((سَوَّفْتَ وَلَوْلَيْتَ)) إذا قلتَ : له سوف ولو. ومعنى الوَيْلِ شِدَّةُ الشر قاله الخليل، وقال الأصمعي: الوَيْلُ: التفجِّع، والوَيْل: الترحُّم. وقالٍ سيبويه(٢): ((وَيْل: لِمَنْ وَقَع في الهَلَكَةِ، وَوَيْحْ زَجْرٌ لِمَنْ أَشْرَفَ عِلى الهَلاكُ)) وقيل: الويلُ الحُزْن، وهل وَيْل وَيْحِ وَوَيْس وَوَبْبَ بمعنى واحد أو بينها فرقٌ؟ خلافٌ، وقد تقدَّم ما فرَّق به سيبويه في بعضِها. وقال قومٌ: وَيْلٌ في الدُّعاء عليه، ووَيْحٌ وما بعدَه ترخُمٌ عليه. وزعم الفرّاء أن أصلَ وَيْل: وَيْ أَي ◌ُزْن، كما تقول: وَيْ ثُفلان، أي حُزْن له، فَوَصَلَتْه العربُ باللامِ، وقَدَّرَتْ أَنَّها منه فَأَعْرَبوها وهذا غريبٌ جداً. ويقال: وَيْل وويلَةِ بالتاء، وقال امروء القيس(٣) :. ٥٦٢ _ له الويلُ إِنْ أَمْسی ولا أمُّ عامٍ لَدَيْهِ ولا البَسْبَاسَةُ ابنَةُ يَشْكُرًا وقال أيضاً:(٤) (١) إبراهيم بن محمد المعروف بنفطويه، عالم بالحديث والعربية، أخذ عن ثعلب والمبرد وأخذ عنه المرزباني، له: غريب القرآن ومسألة سبحان. انظر: النزهة ٣٦٠؛ البغية ٠٤٢٨/١ (٢) الكتاب ١٦٧/١. (٣) الذيوان ٦٨؛ واللسان: قرب. (٤) من معلقته المشهورة، وهو في ديوانه ١١ وشرح المعلقات للتبريزي ٧٠. مرجلي: عاقر بعيري، وتاركي : أمشي غير راكبة مترجلة. ٤٥٠ - البقرة - فقالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ إِنَّك مُرْجِلي ٥٦٣ - ويومَ دَخَلْتَ الخِدْرَ خِذْرَ عُنَيْزَةٍ فويلات جمع وَيْلَة لا جمعُ وَيْل كما زَعَم ابن عطيةٍ(١) / لأنَّ جمعَ [٣٣/أ] المذكر بالألفِ والتاءِ لا يَنْقَاسُ. قوله ((بأيديهم)) متعلُّقٌ بیکتبون، ويبعُدُ جعُْه حالاً من ((الكتاب))، والكتاب هنا بمعنى المكتوب، فنصبُه على المفعولِ به، ويَبْعُدُ جَعْلُهُ مصدراً على بابِهِ، وهذا من بابِ التأكيد فإن الكُتْبَةَ لا تكون بغير اليدِ، ونحوُه: ((ولا طَائِرٌ يَطِيرُ بجناحَيْهِ(٢)، (يقولون بأفواهِهم)). وقيل (٣): فائدةُ ذكره أنَّهم باشَرُوا ذلك بأنفسِهم ولم يَأْمُرُوا به غيرَهم، فإنَّ قولَك: فَعَلَ فلانٌ كذا يَحْتملُ أنه أمر بفعلِه ولم يُباشِرْه، نحو: بنى الأميرُ المدينةَ، فأتى بذلِك رَفْعاً لهذا المجازِ. وقيل: فائدتُه بيانُ جُرْأَتِهِم ومُجَاهَرَتِهِم، فإنَّ المباشِرَ للفعل أشدُّ مواقعةً مِمِّنْ لم يباشِرْه. وهذان القولان قريبان من التأكيد، فإنَّ أصلَ التأكيدِ رَفْعُ توهُّمِ المجاز. وقال ابنُ السَّرَّاج: ((ذِكْرُ الأيدي كنايةٌ عن أنهم اختلفوا ذلك من تِلْقائهم ومِنْ عندٍ أنفسِهم)) وهذا الذي قاله لا يَلْزَمُ. والأيدي جمعُ يَدٍ، والأصلُ: أَيْدُيِّ بضمَّ الدالِ كَفَلْس وَأَفْلُس في القلة فاستُثْقِلَت الضمةُ قبل الياءِ فَقُلِبَت كسرةً للتجانسِ نحو: بِيْض جمعَ أَبْض، والأصلُ: بَيْض بضم الياء كحُمْر جمع أَحْمر (٤)، وهذا رأيُ سيبويه(٥)، أعني أنه يُقِرُّ الحرفَ ويُغَيِّر الحركةَ ومذهبُ الأخفشِ عكسُه، وسيأتي تحقيقُ مذهَبَيْهما عند ذِكْرِ ((معيشة)) إنْ شاء الله تعالى. (١) التفسير ٣٣١/١. (٢) الآية ٣٨ من الأنعام. (٣) الآية ١٦ من آل عمران. (٤) انظر: الممتع ٤٦٨. (٥) الكتاب ١٠٢/٢، ٢٠٠. ٤٥١ ٠٠ - البقرة ـ وأصل يَد: يَدْي بسكونِ العَيْنِ، وقيل: يَدَي بتحريكِها، فتحرَّك حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فقُلِب ألفاً فصارَ يداً كَرَحَيٌ، وعليه التثنيةُ: يديان، وعليه أيضاً قوله(١): ٥٦٤ _ يا رُبَّ سارٍ باتَ لن يُوَسَّدا تحتَّ ذِراعِ العَنْسِ أوكفَّ اليَدا والمشهورُ في تثنيتها عَدَمُ رَدِّ لامِها، قال تعالى: (بل يداهُ مَبْسُوطَتَان))(٢) (تَبَّت يد أبي لَهَبٍ))(٣)، وقد شَذَّ الردُّ في قوله: يَدَيانِ(٤) . . قد يَمْنَعَانِكَ أَنْ تُضَامَ وتُقْهَر! ٥٦٥ - يَدَيَانِ بَيْضَاوان عِندَ مُحَلِّمٍ وأيادٍ جمعُ الجمعِ نحو: كَلْبَ وأَكْلُب وأكالب. ولا بدَّ في قوله: ((يكتُبُون الكتابَ)) مِنْ حَذْفٍ يَصِحُّ مِعه المعنى، فقدَّره الزمخشري(٥). ((يكتبون الكتابَ المحزَّفَ)) وقدَّرَه غيرُه حالاً من الكتاب تقديرُه :: يكتُبُون الكتابَ مُحَرَّفاً، وإنما أَجْوَجَ إلى هذا الإِضمارِ لأنَّ(٦) الإِنكارَ لَا يَتَوَجَّهُ على مَنْ كَتَب الكتاب بيده إلا إذا حَرَّفه وغَّره. قوله: ((لَيَشْتَرُوا)) اللامُ لامُ كي، وقد تقدَّمت (٧). والضميرُ في ((به)» يعودُ على ما أشاروا إليه بقولهم: ((هذا من عند الله)) و((ثمناً)) مفعولُه، وقد تقدَّم (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في حجة ابن خالويه ١٧٩؛ وابن يعيش ١٥٢/٤؛ والذرر ١٣/١. والعنس: الثاقة الصلبة. (٢) الآية ٦٤ من المائدة. (٣) الآية ١ من المسد. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في أمالي الشجري ٣٥/٢؛ ومجالس العلماء ٣٢٧؛ وابن يعيش ١٥١/٤؛ والخزانة ٢٦٩/٢؛ وشرح الشافية ٦٥/٢. (٥) الكشاف ٢٩٢/١. (٦) اللام هنا مقحمة، ولم يثبتها في: ع. (٧) انظر: إعرابه للآية ٧٦ من البقرة. ٤٥٢ - البقرة - تحقيقُ دخولِ الباءِ على غيرِ الثمن عند قوله: ((ولا تَشْتَرُوا بآياتي ثمناً قليلاً))(١) فَلْيُلْتَفَتْ إليه، واللامُ متعلقةٌ بيقولون، أي: يقولونَ ذلك لأجلِ الاشتراءِ. وأَبْعَدَ مَنْ جَعَلَها متعلقةً بالاستقرارِ الذي تضمَّنه قولُه ((مِنْ عندِ الله)). قوله: ((مِمَّا كَتَبَتْ أيديهم)) متعلَّقٌ بَيْل أو بالاستقرارِ في الخبر، و((مِنْ)) للتعليلِ ، و((ما)» موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوفٌ، ويجوزُ أن تكونَ نكرةً موصوفةً وليس كقوةِ الأولِ والعائدُ أيضاً محذوفٌ أي: كَتَبَتْهُ، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةٌ أي: مِنْ كَْبِهِم، و«ويلٌ لهم مِمَّا يَكْسِبُون)) مثلُ ما تقدَّم قبلَه، وإنما كرَّر (الَّيْل)) لِيُفيدَ أنَّ الهَلَكَة متعلقةُ بكلِّ واحدٍ من الفِعْلَيْنِ على حِدَتِهِ لا بمجموعٍ الأمرَيْنِ، وإنَّما قَدَّم قولَه: ((كَتَبَتْ)) على ((يَكْسبون)) لأن الكتابةَ مُقَدَّمَةٌ فنتيجُها كسبُ المالِ ، فالكَتْبُ سببٌ والكسبُ مُسَبَّبٌ، فجاء النَّظْمُ على هذا. آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿إِلَ أيَّاماً معدودةً﴾ .. هذا استثناءٌ مفرَّغٌ، فأيَّاماً منصوبٌ على الظرفِ بالفعلِ قبلَه، والتقديرُ: لَنْ تَمَسَّنا النارُ أبداً إلا أياماً قلائلَ يَحْصُرُها العَدُّ، لأن العَدَّ يَحْصُر القليلَ، وأصلُ أَيَّامٍ: أَيْوام لأنه جمعُ يوم، نحو: قَوْم وأَقْوامٍ ، فاجتمع الياءُ والواوُ وَسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ فَوَجَبَ قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياءِ في الياءِ، مثل هيّن وميّت. قوله: ((أَتَّخَذْتُمْ)) الهمزةُ للاستفهامِ، ومعناهُ الإِنكارُ والتقريعُ، وبها استُغْنِيَ عن همزة الوصل الداخلةِ على ((اتَّخَذْتُمْ)) كقوله: ((أَفترى على الله))(٢)، ((أَصْطَفَى))(٣) وبابه. وقد تقدَّم القولُ في تصريفِ (اتَّخَذْتُمْ))(٤) وخلافُ أبي علي فيها. ويُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ هنا متعديةً لواحد. قال (١) الآية ٤١ من البقرة. (٢) الآية ٨ من سبأ. (٣) الآية ١٥٣ من الصافات: ((أَصْطَفَى البناتِ على البنين)). (٤) انظر: إعرابه للآية ٦٧ من البقرة. ٤٥٣ -: البقرة ـ: أبو البقاء(١): ((وهو بمعنى جَعَلْتُم المتعدية لواحد)»، ولا حاجةَ إلى جَعْلِهَا بمعنى ((جَعَل)) في تعدِّيها لواحد، بل المعنى: هل أَخَذْتُم مِنَ اللهَ عَهْداً، ويُحتملُ أَنْ تتعدَّى لاثنين، والأولُ ((عهد))، والثاني ((عند الله)) مقدَّماً عليه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ ((عند الله)) بأنَّخَذْتُمْ، وعلى الثاني يتعلَّقُ بمحذوفٍ. ويجوزُ نَقْلُ حركةِ همزةِ الاستفهامِ إلى لام ((قُلْ)) قبلَها فَتُفْتَحُ وتُحْذَفُ الهمزةُ وهي لغةُ مطَّرِدَةٌ قِرَأَ بها نافع في رواية ورش عنه(٢). قوله: ((فَلَنْ يُخْلِفَ الله)) هذا جوابُ الاستفهامِ المتقدِّم في قوله: (أَتَّخَذْتُمْ)) وهل هذا بطريقِ تضمينِ الاستفهامِ معنى الشرطِ، أو بطريقٍ إضمار الشرطِ بعدَ الاستفهامِ وأخواتِهِ؟ قولان، تقدَّم تحقيقُهما. واختارٍ الزمخشري(٣) القولَ الثاني، فإنه قال: ((فَلَنْ يُخْلِفَ)) متعلُّقٌ بمحذوفٍ تقدیرُه: إن اتَّخَذْتُمْ عندَ الله عَهْدَاً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عهدَه)). وقال ابنُ عطية(٤): ((فلن يُخْلِفِ اللهُ عهذَه: اعتراضٌ بين أثناءِ الكلامِ. كأنه يَعْني بذلك أنَّ قولَه: ((أم تَقُولُون)) مُعادِلٌ لقوله: ((أَتَّخَذتم)) فَوَقَعَتْ هذه الجملةُ بين المتعادِلَيْنِ معترضةً، والتقديرُ: أيُّ هذين واقعٌ؟ اتُّخاذِكم العهدَ أم قولِكم بغيرِ علمٍ، فعلى هذا لا محلَّ لها من الإِعراب، وعلى الأول محلّها الجَزْمُ. قوله: ((أَمْ تقولونَ)) أمْ («هذه يجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ متصلةٌ فتكونَ للمعادلةِ بين الشيئين، أي: أيُّ هذين واقعٌ، وَخْرَجَهَ مُخْرَجَ المتردِّدِ فيه، وإنْ [كان](٥) قد عُلِم وقوعُ أحدِهما، وهو قولُهم على اللهِ (١) الإملاء ٤٦/١. (٢) البحر: ٢٧٨/١. (٣) الكشاف ٢٩٢/١. (٤) التفسير ٣٣٤/١. (٥). سقط من الأصل، وأثبتناه من: ع. ٤٥٤ - البقرة - ما لا يعلمون للتقرير، ونظيرُه: ((وإنَّا أو إِيَّاكم لَعلى هدىً أو في ضلال مبين))(١) وقد عُلِم أيُّهما على هدىً وأيُّهما في ضلالٍ، وقد عَرَفْتَ شروطَ المتصلةِ أولَ السورة(٢). ويجوزُ أن تكونَ منقطعةً، فتكونَ غيرَ عاطفةٍ، وتُقَدَّر بـ بل والهمزةِ / والتقديرُ: بل أتقولون، ويكونُ الاستفهامُ للإنكارِ لأنه قد وقع القولُ منهم [٣٣/ب] بذلك، هذا هو المشهورُ في أمِ المنقطعةِ. وزعم جماعةً أنها تُقَدَّر بـ((بل)) وجدّها دونَ همزةٍ استفهامٍ، فَيُعْطَفُ ما بعدَها على ما قبلها في الإِعرابِ، واستدَلَّ عليه بقولهم: إنَّ لنا إبلا أَمْ شاءً، بنصْبِ ((شاء)» وقول الآخر (٣): هنالِكَ أَمْ في جنةٍ أَمْ جَهَنَّمِ ٥٦٦ - وَلَيْتَ سُلَيْمى في المَنَامِ ضجيعتي تقديره: بل في جهنّمَ، ولو كانّتْ همزةُ الاستفهامِ مقدَّرةً بعدَها لَوَجَبَ الرفعُ في (شاء)) و ((جهنم) على أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وليس لقائلٍ أن يقولَ: هي في هذين الموضعينِ متصلةٌ لِمَا عُرِفَ مِنْ أنَّ شرطَها أَنْ تتقدَّمَها الهمزةُ لفظاً أوْ تقديراً، ولا يَصْلُحُ ذلك هنا. قوله: ((ما لا تَعْلمون)) ((ما)» منصوبةٌ بتقولون، وهي موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرةٌ موصوفةٌ، والعائدُ على كِلا القَوْلَيْنِ محذوفٌ، أي: ما لا تعلمونه، فالجملة لا محلّ لها على القولِ الأولِ، ومحلُّها النصبُ على الثاني ولا يَجُوزُ أن تكونَ هنا مصدريةً. آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿بلى﴾ .. حَرْفُ جوابٍ كَنَعَم وجَيْرٍ وَأَجَلْ وإي، إلَّ أَنَّ ((بلى)) جوابُ لنفي متقدِّمٍ، سواءً دخلَه استفهامٌ أم لا، فيكونُ (١) الآية ٢٤ من سبأ. (٢) انظر: الورقة ١٢ أ. (٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في ملحق ديوانه ٥٠١؛ ورواية عجزه فيه: لدى الجنةِ الخضراءِ أو في جهنم وأوضح المسالك ٥١/٣. ٤٥٥ إيجاباً له نحو قول القائلِ : ما قام زيدٌ فتقولُ: بلى، أي: قد قام، وتقول: أليس زيداً قائماً؟ فتقول بلى، أي: هو قائم، قال تعالى: ((أَلَسْتُ بربِّكم؟ قالوا: بلى))(١) ويُروى عن ابن عباس أنهم لو قالوا: نَعَمْ لَكَفروا. فأمَّا قولُه(٢). وإيّانا فَذَاكَ بِنا تَّدائِي: ٥٦٧ - أليسَ الليلُ يَجْمَعُ أُمَّ عمروٍ وَيَعْلُوها النهارُ كما عَلاني نَعَمْ وَتَرَى الْهِلالَ كما أَراه فقيل: ضرورةٌ، وقيل: نَظَرَ إلى المعنى؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دَخْل على النفي قَرَّره، وبهذا يُقال: فكيفَ نُقِل عن ابنِ عباس أنَّهم لوقالوا نعم لكفروا، مع أنَّ النفي صَار إيجاباً؟ وقيل: قَوْلُه: ((نعم)) ليس جواباً لـ ((أليس)) إنما هو جوابٌ لقوله: ((فذاكَ بنا تَداني))، فقوله تعالى: ((بلى)) رَدِّ لقولهم: ((لَنْ تَمَسَّنا النارُ)) أي: بلى تَمَسُّكم أبداً، بدليل قوله: ((هم فيها خالدون)) قاله الزمخشري (٣)، يريد أن ((أبدأ) في مقابَلَةِ قولهم: ((إلا أياماً معدودةً)) وهو تقديرُ حَسَنٌ .. والبصريون يَقُولُونَ(٤): إنَّ(بلى)) حرفٌ بسيطٌ. وزعم الكوفيون أنَّ أصلها بل التي للإضراب، زِيْدَتْ عليها الياءِ لَيَحْسُنَ الوقف عليها، وضُمِّنت الياء معنى الإِيجاب، قيل: تَدُلُّ على رَدِّ النفي والياءُ تَدُلُّ على الإِيجابِ، يَعْنُون بالياءِ الألفَ، وإنما سَمَّوْها ياءً لأنَّها تُمال وتُكْتَبُ بالياءِ، ولتحقيقِ المذهبين موضعٌ غيرُ هذا، وسيأتي الكلامُ إن شاء الله في بقيةِ حروفٍ الجواب . قولُه: ((مَنْ كَسَبْ)) يجوزُ ((مَنْ)) وجهان، أحدُهما: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي. والخبرُ قولُه: ((فأولئك))، وجازَ دخولُ الفاءِ في الخبر لاستكمالٍ (١) الآية ١٧٢ من الأعراف. (٢) البيتان لجحدر، وهما في أمالي القالي ٢٧٨/١؛ وأمالي السهيلي ٢٤٦؛ والمقرب ٢٩٤/١؛ والمغني ٣٨٣؛ ورصف المباني ٣٦٥. (٣) الكشاف ٢٩٢/١. (٤) انظر في أحكام بلى: رصف المباني ١٥٧؛ المغني ١٢٠؛ أمالي السهيلي ٤٤. ٤٥٦ الشروط المذكورة فيما تقدَّم. ويؤيِّد كونَها موصوفةٌ ذِكْرُ قَسيمِها موصولاً وهو قولُه: ((والذين كفروا))، ويجوزُ أن تكونَ شرطيةً، والجوابُ قولُه ((فأولئك)) وعلى كلا القولين فمَحَلَّها الرفعُ بالابتداء، لكنْ إذا قلنا إنها موصولةٌ كان الخبر: ((فأولئك)) وما بعد بلا خلافٍ، ولا يكونُ لقوله ((كَسَب سيئةً)) وما عُطِفَ عليه مَحَلّ من الإعرابِ لوقوعِه صلةٌ، وإذا قلنا إنها شرطيةٌ فيجيء في خبرها الخلافُ المشهورُ: إِمَّ الشرطُ أو الجزاءُ أو هما، حَسْبما تقدَّم، ويكونُ قولُه ((كَسَب)) وما عُطِفَ عليه في محلِّ جَزْمٍ بالشرط. و((سيئةً)) مفعولٌ به، وأصلُها: سَيْوِثَةَ، لأنَّها من ساءَ يُسُوء، فوزنُها فَيْعِلة، فاجتمعَ الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فأُعِلُّتْ إِعلالَ سَيّد ومَيّت، وقد تقدَّم. وراعى لفظ ((مَنْ)) مرةً فأفرَدَ في قوله ((كسب))، و (به)) و «خطيئته)»، والمعنى مرةً أخرى، فَجَمَع في قوله: ((فأولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون)). وقرأ نافعٌ وأهلُ المدينة(١): ((خطيئاتُه)) بجمعِ السلامة، والجمهور: ((خطيئته)) بالإِفراد. ووجهُ القراءتين ينبني على معرفة السيئة والخطيئة. وفيهما أقوالٌ))، أحدُهما: أنهما عبارتان عن الكفر بلفظَيْن مختلفين. الثاني: السيئةُ الكفرُ، والخطيئةُ الكبيرةُ. الثالث: عكسُ الثاني. فوجْهُ قراءةٍ الجماعة على الأولِ والثالث أنَّ المراد بالخطيئةِ الكفرُ وهو مفردٌ، وعلى الوجهِ الثاني أنَّ المرادَ به جنسُ الكبيرةِ. ووجهُ قراءةِ نافعٍ على الوجهِ الأول والثالثٍ أَنَّ المرادَ بالخطيئات أنواعُ الكفرِ المتجَدِّدَة في كلُّ وقتٍ، وعلى الوجه الثاني أنَّ المراد به الكبائرُ وهي جماعةٌ. وقيل: المرادُ بالخطيئةِ نفسُ السيئةِ المتقدِّمة فسمّاها بهذين الاسمين تقبيحاً لها، كأنَّه قال: وأَحاطَتْ به خطيئته تلك، أي السيئة، ويكونُ المرادُ بالسيئةِ الكفرَ، أو يُراد بهم العصاةُ، ويكونُ أرادَ بالخلودِ المُكْثَ الطويلَ، ثم بعد ذلك يَخْرُجُون. (١) السبعة ١٦٢؛ الكشف ٢٤٩/١؛ البحر ٢٧٩/١. ٤٥٧ - البقرة - وقوله: ((فاولئك أصحابُ)) إلى آخره تقدَّمَ نظيرُهُ(١) فلا حاجةً إلى إعادَتِهِ. وقُرىء ((خطاياه) تكسيراً (٢)، وهذه مخالفةٌ لسَوادِ المصحفِ، فإِنّه رُسِمِ ((خطيئْتُه)) بلفظِ التَّوحيدِ. وقد تقدَّم القول في تصريف خطايا (٣). آ. (٨٣) قولُه تعالى: ﴿وإذْ أَخَذْنَا﴾ .. ((إذ) معطوفٌ على الظروفِ التي قبله، وقد تقدَّم ما فيه من كونه متصرفاً أولا. و((أَخَذْنا)) في محلّ خفضٍ ، أي: واذكر وقْتَ أَخْذِنا ميثاقَهم أو نحو ذلك. قوله: ((لا تَعْبُدُونِ)) قُرىء(٤) بالياءِ والتاء، وهو ظاهرٌ. فَمَنْ قَرَأْ بِالغَيْبَةِ فلأنَّ الأسماءَ الظاهرةَ حكمُها الغَيْبة، ومَنْ قَرَأَ بالخطابِ فهو التفاتٌ، وحكمَتُهُ أَنَّهِ أَدْعَىْ لقبولِ المخاطبِ الأمر والنهيَ الوارِدَيْنِ عليه، وجَعَل أبو البقاءِ(٥) قراءةً الخطابِ على إضمارِ القَوْلِ. قال: ((يُقْرَأُ بالتاء على تقدير: قُلْنا لهم: لا تَعْبُدُون إلا الله)) وكونُه التفاتاً أَحْسَنُ، وفي هذه الجملةِ المنفيَّةِ من الإعرابِ ثمانيةُ أوجهٍ، أَظْهَرُها: أنَّها مفسِّرةٌ لأخْذِ الميثاقِ، وذلك أنه لمَّا ذَكَر تَعَالى أنه أَخَذَ ميثاقَ بني إسرائيل كانَ في ذلك إيهامٌ للميثاق ما هو؟ فأتى بهذه الجملةِ مفسِّرةً له، ولا محلَّ لها حينئذٍ من الإِعراب. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من ((بني إسرائيل)) وفيها حينئذ وجهان، أحدُهما: أنَّها حالٌ مقدَّرة بمعنى أَخَذْنا مِيثاقَهم مقدِّرين التوحيدَ أبداً ما عاشُوا. والثاني: أنها حالٌ مقارنةٌ بمعنى: أَخَذْنَا ميثاقَهم ملتزمين الإِقامةَ على التوحيد، قالَه أبو البقاء(٦)، وسَبْقَهِ (١) الآية ٣٩ من البقرة. (٢) ذكرها في البحر ٢٧٩/١ من دون نسبة. (٣) انظر إعرابه للآية ٥٨ من البقرة. (٤) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء وقرأ الباقون بالتاء انظر: السبعة ١٦٢؛ الكشف ٢٤٩/١؛ البحر ٢٨٢/١. (٥)، الإملاء ٤٦/١. (٦) الإملاء ٤٧/١. ٤٥٨ - البقرة - إلى ذلك قطرب والمبرِّد، وفيه نظرٌ من حيث مجيءُ الحال من المضافِ إليه / في غير المواضِع الجائز فيها ذلك على الصحيحِ، خلافاً لمَنْ أجازَ مجيئها [٣٤/أ] من المضافِ إليه مطلقاً، لا يُقال المضافُ إليه معمولٌ في المعنى لميثاق، لأنَّ ميثاقاً إمَّا مصدرٌ أو في حكمه، فيكونُ ما بعده إمَّا فاعلا أو مفعولاً، وهو [غير](١) جائز لأنَّ مِنْ شرطِ عملِ المصدرِ غير الواقِعِ موقعَ الفعلِ أَنْ ينحلَّ لحرفٍ مصدريٍ وفعل وهذا لَا يَنْحَلُّ لهما، لَوقَدَّرْتَ: وإذ أَخَذْنا أن نواثِقَ بني إسرائيلَ أو يواثقنا بنو إسرائيل لم يَصِحَّ، ألا ترى أنَّك لوقُلْتَ: أَخَذْتُ علَمَ زيدٍ لم يتقدَّر بقول: أخذت أَنْ يعلَمَ زيدٌ، ولذلك مَنَع ابن الطراوة(٢) في ترجمة سيبويه: ((هذا بابُ علم ما الكِلمُ من العربية))(٣) أن يُقَدَّر المصدرُ بحرفٍ مصدري والفعل، وَرَدَّ وأنكر على مَنْ أجازه. الثالث: أن يكونَ جواباً القَسمٍ محذوفٍ دَلَّ عليه لفظُ الميثاق، أي: استَحْلَفْناهم أو قلنا لهم: باللهِ لا تعبدون. ونُسِب هذا الوجهُ لسيبويه (٤) ووافقه الكسائي والفراء(٥) والمبرِّدُ. الرابع: أن يكونَ على تقديرٍ حَذْفِ حرفِ الجرّ، وحَذْفِ أَنْ، والتقديرُ: أَخَذْنَا ميثاقَهم على أَنْ لا تعبدوا أَو بأَنْ لا تَعْبدوا، فَحُذِفَ حرفُ الجر لأنَّ حَذْفَه مطَّرَدٌ مع أَنَّ وأَنْ كما تقدَّم غيرَ مرة، ثم حُذِفَتْ (أَنْ)) الناصبةُ فارتفع الفعلُ بعدَها ونظيرُه قولُ طرفة (٦): ٥٦٨ _ أَلا أَيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى وأَنْ أشهدَ اللذاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدي (١) سقط من الأصل سهواً. (٢) سليمان بن محمد من أهل مالقة، أخذ عن الحَجَّاج الأعلم، له: الإِفصاح، وتوفي سنة ٥٢٨. انظر: البلغة ٩١؛ البغية ١ /٦٠٢. (٣) الكتاب: ٢/١. (٤) الكتاب: ٤٥٥/١. (٥) معاني القرآن ٥٤/١. (٦) تقدم برقم ٥٢١. ٤٥٩ - البقرة - وحَكَوا عن العرب: (مُرْهُ يَحْفِرَها)) أي: بِأَنْ يَحْفِرَها، والتقديرُ: عن أَنْ أَحْضُرَ، وبأَنْ يَحْفِرَها، وفيه نظرً، فإنَّ إضمارَ ((أَنْ)) لا ينقاسُ، إنَّما يجوزُ فِي مواضعَ عَدَّها النَّحْويون وجَعَلُوا ما سِواها شاذاً قليلاً، وهو الصحيحُ خلافاً الكوفيين(١). وإذا حُذِفَتْ ((أَنْ)) فالصحيحُ جوازُ النصبِ والرفعِ، وَرُوي: ((مُرْه يَحْفِرِها))، وأَحْضُر الوغِى)» بالوجهين، وهذا رأيُ المبرد(٢) والكوفيين خلافاً لأبي الحسن(٣) حيث التزم رفعَه. وللبحثِ موضعٌ غيرُ هذا هو أَلْيَقُ به. وأيَّد الزمخشري(٤) هذا الوجه الرابعَ بقراءةِ عبدِ الله(٥): (لَا تَعْبُدُوا)) على النهي. الخامس: أَنْ يَكونَ في محلِّ نصبٍ بالقولِ المحذوفِ، وذلك القولُ حالٌ تقديره: قائلين لهم لا تعبدون إلا اللهَ، ويكونُ خبراً في معنى النهي ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ المتقدمة، وبهذا يَتَّضح عطفُ ((وقولوا)) عليه، وبه قال الفراء(٦). السادس: أَنَّ ((أَنْ)) الناصبة مضمرةٌ كما تقدَّم، ولكنها هي وما في حَيِّزها في محلٌّ نصبٍ على أنها بدلٌ من ((ميثاق))، وهذا قريبٌ من القولِ الأول من حيثُ إنَّ هذه الجملة مفسِّرةً للميثاق، وفيه النظرُ المتقدم، أعني حَذْفَ ((أَنْ)) في غيرِ المواضِعِ المَقِيسة. السابعُ: أَنْ يكونَ منصوباً بقولٍ محذوفٍ، وذلك القولُ ليس حالاً، بل مجرَّدُ إخبارٍ، والتقديرُ: وقُلْنا لهم ذلك، ويكونُ خبراً في معنى النهي. قال الزمخشري(٧): ((كما تقولُ: تذهَبُ إلى فلانٍ تقولُ له كذا، تريدُ الأمر، وهو أَبْلَغُ منَ صريحِ الأمر والنهي، لأنَّه كأنه سُورع إلى الامتثالِ (١) الإنصاف ٥٥٩. (٢) المقتضب ١٣٤/٢. (٣) معاني القرآن ١٢٦/١. (٤) الكشاف ٢٩٣/١. (٥) وهي قراءة أبي أيضاً كما في البحر ٢٨٢/١؛ وسوف ينصُ المؤلف على ذلك بعد قليل. (٦) معاني القرآن ٥٤/١: (٧) الكشاف ٢٩٢/١. ٤٦٠ ۔۔