النص المفهرس
صفحات 181-200
- البقرة - فراعى المعنى فهو شاذُّ لا يُقاس عليه، وإذا أُضيفَتْ إلى معرفةٍ فوجهانٍ، سواءً كانت الإِضافة لفظاً نحو: ((وكلُّهم آتيه يومَ القيامةِ فَرْداً))(١) فراعى لفظً كل، أو معنىَّ نحو: ((فكُلَّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ))(٢) فراعى لفظَها، وقال: ((كلَّ أَتَوْه داخِرِين))(٣)، فراعى المعنى، وقولُ بعضهم: ((إن ((كُلَّما)) تفيدُ التكرارَ، ليس ذلك من وَضْعها، فإنك إذا قُلْتَ: ((كلما جِئْتَي أَكْرَمْتُك)) كان المعنى: أُكْرِمُكَ في كلِّ فردٍ فردٍ من جَيئاتِك إليّ. وقُرىء ((ضاء)) ثلاثياً(٤)، وهي تَدُلُّ على أنَّ الرباعيَّ لازمٌ. وقرىء: (وإذا أُظْلِم)) مبنياً للمفعول(٥)، وجَعَلَه الزمخشريُّ (٦) دالاً على أنَّ أَظْلَمَ متعدٍ، واستأنَس أيضاً بقول حبيب(٧): ظَلَامَيْهِما عن وجهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ ٢٤٩ - هما أَظْلما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ولا دليلَ في الآيةِ لاحتمالِ أن أصلّه: وإذا أَظْلم الليلُ عليهم، فلمًّا بُنِي للمفعولِ حُذِف ((الليل)) وقام ((عليهم)) مَقَامَه، وأمَّ حبيبٌ فِمُوَلَّدٌ. وإنما صُدِّرت الجملةُ الأولى بكلما، والثانيةُ بإذا، قال الزمخشري (٨): (لأنهم حِراصٌ على وجودِ ما هَمُّهم به معقودٌ من إمكان المشي وتأتِّيه، فَكُلَّما صادفوا منه فرصةٌ انتهزوها، وليسَ كذلك التوقُّفُ والتحُّسُ)) وهذا الذي قاله (١) الآية ٩٥ من مريم. (٢) الآية ٤٠ من العنكبوت. (٣) الآية ٨٧ من النمل. (٤) قراءة ابن أبي عبلة كما في البحر ٩٠/١. (٥) قراءة يزيد بن قطيب والضحاك. انظر: الكشاف ٢٢٠/١؛ البحر ٩٠/١. (٦) الكشاف ٢٢٠/١. (٧) ديوان أبي تمام ١٥٧/١؛ والبحر ٩٠/١. وقوله: ((هما) راجع إلى العقل والدهر. وأراد بحاليه ما يتواتر عليه من المتقابلين كالخير والشر، أجْلَيا: كشفا. (٨) الكشاف ٢٢٠/١. ١٨١ - البقرة - هو الظاهرُ، إلَّ أنَّ مِن النحويين(١) مَنْ جعلَ أنَّ ((إذا)) تُفيد التكرار أيضاً، وأنشد(٢): أَقْبَلْتُ نحو سِقاء القومِ أَبْتَزِدُ ٢٥٠ - إذاوجدْتُ أُوارَ الحُبِّ في کېدِي قال: (معناها معنى كلما)). قوله تعالى: ((ولو شاءَ اللهُ لذهَبَ بِسَمْعِهم وأَبْصارهم)) ((لو)) حرفٌ لِما كان سيقع لوقوع غيره، هذه عبارةُ سيبويه(٣)، وهي أَوْلِى من عبارة غيره: [٢٢/ب] / حرفُ امتناع لامتناع لِصحّةٍ العبارة الأولى في نحو قوله تعالى: ((لو كان البحرُ مداداً لكلماتٍ رَبِي لَنَفِدَ البحرُ))(٤)، وفي قوله عليه السلام: ((نِعْمَ العبدُ صُهَيْبٌ لولم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه))(٥)، وعدم صحةِ الثانية في ذلك كما سيأتي محرَّراً، ولفسادِ نحو قولهم: ((لو كان إنساناً لكان حيواناً) إذ لا يلزم مِنْ امتناعِ الإِنسانِ امتناعُ الحيوان، ولا يُجْزَمُ بها خلافاً لقوم، فأمَّا قولُه(٦): لاحِقُ الآطالِ نَهْدٌ ذو خُصَلْ ٢٥١ - لو يَشَأْ طَأَرَ بِه ذو مَيْعَةٍ وقول الآخر (٧): إحدى نساءٍ بني ذُهْلِ بنِ شَيْبَانا ٢٥٢ _ تامَتْ فؤادَك لویَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ (١) انظر المناقشة في: البجر ١ /٩١. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: برد، والبحر ٩١/١؛ وابترد الماء: صَبَّه على رأسه .. (٣) الكتاب ٣٠٧/٢. (٤) الآية ١٠٩ الكهف. (٥) قال السخاوي في المقاصد الحسنة ٤٤٩: ((اشتهر في كلام الأصوليين، وأصحاب المعاني والعربية من حديث عمر، وذكر البهاء السبكي أنه لم يظفر به في شيء من الكتب)). (٦). البيت منسوب لعلقمة وهو في ملحق ديوانه ١٣٤، أو امرأة من بني الحارث، وهو في المغني ٣٠٠؛ والخزانة ٥٢١/٤؛ والجمع ٦٤/٢؛ والدرر ٨١/٢. والنهد: المرتفع، والخصل: ج خصلة وهي لفيفة من الشعر، ولاحق الآطال: ضامر الخاصرة. (٧) البيت للقيط بن زرارة، وهو في اللسان: تيم، والأشموني ٤٣/٤؛ والدرر ٨١/٢ ١٨٢ - البقرة - فمِنْ تسكينِ المحرَّكِ ضرورةً، وأكثر ما تكونُ شرطاً في الماضي، وقد تأتي بمعنى إنْ كقوله تعالى: ((وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تركوا مِنْ خَلْفِهم ذريةُ ضِعافاً خافوا عليهم))(١) وقوله(٢). عليٍّ ودوني جَنْدَلٌ وصَفَائِحُ ٢٥٣ _ ولَوْ أَنَّ ليلى الأخيلِيَّةَ سَلَّمَتْ إليها صَدَئِّ مِنْ جانبِ القبرِ صائحُ السَلَّمْتُ تسليمَ البشاشةِ أَوْزَقًا ولا تكونُ مصدريةً على الصحيح، وقد تُشَرَّبُ معنى التمني فَتَنْصِبُ المضارعَ بعد الفاء جواباً لها نحو: ((فَلَوْ أَنَّ لنا كرةً فنكونَ))(٣)، وسيأتي تحريرُه في مَوْضِعِه . و((شاء)» أصلُه: شَبِىءَ علىَ فَعِلَ بكسر العين، وإنما قُلِبت الياءُ ألفاً للقاعدةِ المُمَهَّدةِ. ومفعولُه محذوفٌ تقديرُه: ولو شاء الله إذهابَ، وكَثُر حَذْفُ مفعوله ومفعولِ ((أراد)» حتى لا يكاد يُنْطَق به إلَّ في الشيءِ المستغرَبِ کقوله(٤): ٢٥٤ - ولو شِئْتُ أن أبكي دَماً لبكيتُهُ عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أَوْسَعُ قال تعالى: ((لو أراد الله أن يَتَّخِذَ ولداً)(٥). واللامُ في ((ذهب)) جوابُ لو. واعلم أنَّ جوابهَا يَكْثُر دخولُ اللامِ عليه مثبتاً، وقد تُحْذَفُ، قال تعالى: (لو نشاءُ جَعَلْنَاه ◌ُجاجاً)(٦)، ويَقِلُّ دخولُها (١) الآية ٩ من النساء. (٢) البيت لتوبة بن الحُمَيِّر، وهو في أمالي القالي ١٩٧/١؛ والحماسة ٦٥/٢؛ وابن عقيل ١٩٣/٣؛ والدرر ٨٠/٢. وزقا: صاح. (٣) الآية ١٠٢ الشعراء. (٤) البيت لإِسحق بن حسان الخريمي، وهو في الكامل ٧٠٣، وشواهد الكشاف ٤٣٧/٤. (٥) الآية ٤ من الزمر. (٦) الآية ٧٠ من الواقعة. ١٨٣ ۔۔ - البقرة - عليه منفيًّاً بـ ((ما))، ويَمْتَنِعُ دخولُها عليه منفيّاً بغير ((ما)» نحو: لو قُمْتَ لِم أَقُمْ، لِتوالي لامين فيثقلُ، وقد يُحْذَفُ(١) كقوله(٢): خُلُقَ الكرامِ ولو تكونُ عَدِيماً ٢٥٥ - لا يُلْفِكَ الراجُوك إلا مُظْهِراً و ((بسَمْعِهِم) متعلُّقٌ بِذَهَب. وقُرِىءَ: ((لَأَذْهَبَ))(٣) فتكونُ الباءُ زائدةً، أو يكونُ فَعَل وَأَفْعَل بمعنىٌّ، ونحوُه: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ))(٤). قوله تعالى: ((إنَّ الله على كل شيء قديرٌ)) هذه جملةً مؤكِّدةٌ لمعنى ما قبلَها، و((على كل شيء)) متعلِّقٌ بقدير، وهو فَعِيل بمعنى فاعِل مشتقٌ من القُدْرة وهي القُوة والاستطاعةُ، وفعلُها قَدَر بفتح العين، وله ثلاثةَ عشر مصدراً: قدرة بتثليث القاف، ومَقْدرة بتثليث الدال، وقَدْرَاً وقَدَراً وقُدَراً وقَداراً. وقُدْراناً(٥) ومَقْدِراً ومَقْدَراً. وقدير أَبْلَغُ مِن قادر قاله الزجاج، وقيل: هما بمعنَّى، قاله الهروي (٦). والشيءُ: مَا ضَّحَّ أن يُعْلَمَ من وجه، ويُخْبَرَ عنه، وهو في الأصل. [٢٣/أ] مصدرُ شاء يشاء /، وهل يُطْلق على المعدوم والمستحيل؟ خلافٌ مشهور. آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ اعبدوا ربَّكم﴾ ... ((يا)) حرف نداء وهي أم الباب، وزعم بعضهُم أنها اسمُ فعلٍ، وقد تُحْذَفُ نحو: ((يوسفُ. (١) أي جواب لو .. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في المغني ٢٨٩؛ والأشموني ٣٨/٤ والعيني ٤٦٩/٤؛ والتصريح ٢٥٦/٢. (٣) قراءة ابن أبي عبلة كما في البحر ٩١/١ .. (٤) الآية ٢٠ من المؤمنون. ووجه الشبه بين الآيتين أن الثانية تُقْرأ أيضاً تُنْبِتُ وتَنْبُتُ فتكون. من أنبت ونبت، والأولى كذلك من أذهب وذهب. وانظر السبعة: ٤٤٥ حيث نصَّ على أن قراءة الضم لابن كثير وأبي عمرو، والفتح قراءة الباقين. (٥) الأصل: وقداراً وهو سهو. (٦) علي بن محمد، كان مقيمًا في مصر، له: الأزهية والذخائر، ولم تذكر وفاته. انظر: معجم: الأدباء ٢٤٨/١٤؛ والبغية ٢٠٥/٢ . ١٨٤ - البقرة - أَعْرِضْ))(١) ويُنادى بها المندوبُ والمستغاثُ، قال الشيخ(٢): ((وعلى كثرة وقوع النداءِ في القرآن لمّ يَقعُ نداءً إلا بها)». قلت: زَعَمَ بعضُهم أنَّ قراءةَ ((أَمَنْ هو قانِتٌ))(٣) بتخفيف الميم أنَّ الهمزةَ فيه للنداءِ وهو غريبٌ. وقد يُراد بها مجردُ التنبيه فيليها الجملُ الاسمية والفعلية، قال تعالى: ((أَلَا يا اسْجُدوا))(٤) بتخفيف أَلا، وقال الشاعر(٥): ٢٥٦ - ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالِ وقال الآخر(٦): والصالحین علی سِمْعانَ من جارٍ ٢٥٧ - يا لعنةُ اللهِ والأقوامِ كُلُّهمِ و((أيّ)» اسمُ منادى في محل نصب، ولكنه بُني على الضمِّ لأنه مفردٌ معرفةٌ. وزعم الأخفشُ أنَّها هنا موصولةٌ، وأنَّ المرفوعَ بعدها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملة صلةٌ، والتقديرُ: يا الذين هم الناسُ، والصحيح الأول، والمرفوع بعدها صفةً لها يلزم رَفْعُه، ولا يجوزُ نَصْبُه على المحلِّ، خلافاً للمازني (٧)، و((ها)) زائدةً للتنبيه لازمةُ لها، والمشهورُ فتحُ هائِها. ويجوزُ (١) الآية ٢٩ من يوسف. (٢) البحر ٩٣/١. (٣) الآية ٩ من الزمر، وهي قراءة ابن كثير ونافع حمزة. انظر: السبعة ٥٦١. (٤) الآية ٢٥ من النمل. (٥) البيت للشماخ وهو في ديوانه ٤٥٦ وعجزه: وقبلَ مَنايا فادياتٍ وَآجالٍ والكتاب ٣٠٧/٢، واللسان: سنجل، والمغنى ٤١٣؛ وابن يعيش ١١٥/٨. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكتاب ٣٢٠/١؛ والسمط ٥٤٦؛ والكامل ٤٧؛ وأمالي الشجري ٣٢٥/١؛ وابن يعيش ٢٤/٢؛ والدرر ١٥٠/١. (٧) بكر بن محمد من نحاة البصرة، لزم الأخفش، له: التصريف، توفي سنة ٢٤٩. انظر: أخبار النحويين البصريين ٥٧؛ النزهة ١٨٢؛ البغية ٤٦٣/٢. ١٨٥ - البقرة - ضَمُّها إتباعاً للياء، وقد قرأ ابن عامر(١) بذلك في بعض المواضع نحو: ((أيُّهُ المؤمنون))(٢)، والمرسُوم يساعده. ولا يجوزُ وَصْفُ ((أَيّ)) هذه إلا بما فيه الألفُ واللامُ، أو بموصولٍ هِمَا فيه، أو باسم إشارة نحو: (يا أيُّها الذي نُزِّل عليه الذِّكْرُ))(٣)، وقال الشاعر(٤): على نأْيِها مُسْتَبِلٌ مِنْ ورائِهَا ٢٥٨ - ألا أيُّهذا النابِحُ السِّيدَ إنني ولـ((أيّ)) معانٍ أُخَرُ كالاستفهام والشرطِ وكونِها موصولةٌ ونكرةً موصوفةٌ وصفةً لنكرةٍ وحالاً لمعرفةٍ . و ((الناسُ)) صفةٌ لأي، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ حَسْبما تقدَّم من الخلاف. و((اعبدوا ربَّكم)) جملةٌ أمرية لا محلَّ لها لأنها ابتدائيةٌ .. قولُه تعالى: ((الذي خلقكم)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: نصبهُ على النعتِ لِرَّبكم. الثاني: نصبُه على القَطْعِ. الثالثُ: رَفْعُه على القطعِ أيضاً، وقد تقدَّم معناه. قوله تعالى: ((والذين مِنْ قبلكم)) محلُّه النصبُ لعطفِه على المنصوبِ في (خَلَقَكم))، و((مِنْ قبلكم)) صِلةُ الذين، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما تقرَّر، و ((مِنْ)) لابتداء الغاية. واستشكلَ بعضُهم(٥) وقوعَ ((مِنْ قبلكم)) صلةٌ من حيث (١) عبدالله بن عامر، إمام أهل الشام، أخذ عن أبي الدرداء وروى عنه يحيى ابن الحارث، توفي سنة ١١٨. انظر: طبقات ابن سعد ٤٤٩/٧؛ طبقات القراء ٤٢٣/١. (٢) الآية ٣١ من النور: ((وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون)) انظر: السبعة ٤٥٥. (٣) الآية ٦ من الحجر. (٤) البيت للفضل بن الأخضر أو للأخضر بن هبيرة، وهو في الحماسة ٣٠١/١؛ والمقرب: ١٧٦/١. ويعني بأيهذا النابح السيد: المتعرِّض لبني السيد، والمستيسل: الموظّن نفسه على الموت . (٥) انظر: البحر ٩٥/١. ١٨٦ - البقرة - إِنَّ كلَّ ما جاز أن يُخْبَرَ به جاز أن يَقَعَ صلةً، و((مِنْ قبلكم)) ناقصٌ ليس في الإِخبار به عن الأعيان فائدةً إلا بتأويل، فكذلك الصلةُ، قال: ((وتأويلُه أنَّ ظرفَ الزمانِ إذا وُصِفَ صَحَّ الإِخبارُ والوصلُ به تقول: نحن في يومٍ طَيِّبٍ، فيكون التقديرُ هنا - والله أعلم -: والذين كانوا من زمان قبلَ زمانكم)). / وقال [٢٣/ب] أبو البقاء (١): ((التقدير: والذين خَلَقَهم من قبلِ خَلْقِكم، فَحَذَفَ الخَلْقَ وأقام الضميرَ مُقَامَه)». وقرأ زيدٌ بنُ علي(٢): ((والذينَ مَنْ قبلكم)) بفتح الميم(٣). قال الزمخشري(٤): ووجهُها على إشكالِها أن يقالَ: أَقْحَمَ الموصولَ الثاني بين الأول وصلتِه تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله(٥): ٢٥٩ - يَا تَيْمَ تَّيْمَ عَدِيّ لا أُبَالكُمُ تَيْماً الثاني بين الأولِ وما أُضيفَ إليه، وكإقحامِهم لامَ الإِضافة بين المضافِ والمضاف إليه في نحو: لا أبالكَ، قيل(٦): ((هذا الذي قاله مذهبٌ لبعضِهم ومنه قولُه(٧): ٢٦٠ - من النّفَر اللاءِ الذين إذا هُمُ يَهابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعُوا (١) الإملاء ٢٣/١. (٢) زيد بن علي العجلي الكوفي، إمام حاذق قرأ على ابن مجاهد وابن فورك، توفي سنة ٣٥٨. انظر: طبقات القراء ٢٩٨/١. (٣) انظر: البحر ٩٥/١. (٤) الكشاف ٢٢٨/١. (٥) عجزه: لا يُلْقِيَنَّكُمْ فِي سَوْءَةٍ عُمَرُ. وهو في ديوانه ٢١٢/١؛ والمقتضب ٢٢٩/٤؛ ونوادر أبي زيد ١٣٩؛ والخصائص ٣٤٥/١؛ واللامات ١٠١؛ والأزهية ٢٤٧؛ وأمالي الشجري ٨٣/٢؛ والعيني ٢٤٠/٤ . (٦) ورد القول في البحر ٩٥/١. (٧) البيت لعبادة بن طَهْفَة أو عباد بن عباس، وهو في الكامل ١٥٥، واللسان: لوى. والقعقعة: الصوت، والمراد أنهم لا يتهيبون لقاء الناس. ١٨٧ - البقرة - فإذا وجوابُها صلةُ ((اللاء))، ولا صلة للذين لأنه توكيدٌ للأول. إلا أنَّ بعضَهم (١) يَرُدُّ هذا القولَ ويجعلُه فاسداً، مِنْ جهةٍ أنه لا يُؤْكَّدُ الحرفُ إلا بإعادةِ ما اتصل به فالموصولُ أَوْلَى بذلك، وخَرِّجَ الآية والبيتَ على أنَّ (مَنْ قبلكم)) صلةٌ للموصولِ الثاني(٢)، والموصولُ الثاني وصلتُه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والمبتدأُ وخبرُه صلةُ الأول، والتقديرُ: والذينَ هُمْ مَنْ قبلكم، وكذا البيتُ، تَجْعَلُ ((إذا)) وجوابَها صلةً للذين، والذين خبرٌ لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأُ وخبرُه صلةٌ لِلَّاءِ، ولا يَخْفى ما في هذا من التعسُّفِ. والخَلْق يقال باعتبارين، أحدهما: الإِبداع والاختراع، وهذه الصفةُ ينفردُ بها الباري تعالى. والثاني: التقديرُ، قال زهير(٣): ٢٦١ - ولَأَنْتَ تَغْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لاَ يَفْرِي وقال الحَّجاج: ((ما خلقْتُ إلَّ فَرَيْتُ ولا وَعَدْتُ إِلا وَفَيْتُ)). وهذه الصفةُ لا يختصُّ بها اللهُ تعالى، وقد غَلِط أبو عبدالله البصري(٤) في أنه لا يُطْلق اسمُ الخالقِ على الله تعالى، قال: لأنه مُحَالٌّ، وذلك أن التقدير والتسويةَ في حقّ الله تعالى ممتنعان، لأنهما عبارةٌ عن التفكّر والظنِّ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: («هو الله الخالقُ البارىء)»(٥) ((اللهُ خالِقُ كلِّ (١) وهو الشيخ أبو حيان في البحر ٩٥/١. (٢) المقصود ((قبلكم)) فقط على تقدير استقر المحذوف. (٣) ديوانه ٩٤؛ والقرطبي ٢٢٦/١؛ والبحر ٩٣/١؛ وتفري ما خلقت: إذا قدرت أمراً أمضیته . (٤) أبو عبدالله الحسين بن علي البصري، أستاذ القاضي عبدالجبار، أخذ عن الجياني، متكلم فقيه توفي سنة ٣٦٩. انظر: ((قاضي القضاة عبدالجبار)) للدكتور عبدالكريم عثمان ص ٤٩، مطبوعة بيروت. ومعجم المؤلفين ٢٧/٤. (٥) الآية ٢٤ من الحشر. ١٨٨ - البقرة - شيء))(١). وكأنه لم يعلم أنَّ الخَلْقَ يكون عبارةً عن الإنشاءِ والاختراع. قولُه تعالى: ((لعلَّكم تتّقون)) لعلَّ واسمُها وخبرُها، وإذا وَرَدَ ذلك في كلام الله تعالى، فللناسِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنَّ ((لَعَلَّ)) على بابها من الترجّي والإِطماع، ولكنْ بالنسبةِ إلى المخاطَبين، أي: لعلكم تتقون على رجائِكم وطمعِكم، وكذا قال سيبويه(٢) في قوله تعالى: ((لعله يَتَذَكَّرُ))(٣) أي: اذهبا على رجائكما. والثاني: أنها للتعليل، أي اعبدوا ربّكم لكي تتقوا، وبه قال قطرب والطبري (٤) وغيرُهما وأنشدوا(٥): نَكُفُّ وَتَّقْتُمْ لنا كلِّ مَوْثِقٍ ٢٦٢ _ وقُلْتُمْ لنا كُفُوا الحروبَ لَعَلَّنا كُلَمْعِ سَرابٍ فِي المَلَا مُتَالِّقٍ فلمّا كَفّفْنَاالحرب كانَتْ عھودُكُمْ أي: لكي نَكُفَّ الحربَ، ولو كانت ((لعلَّ)) للترجي لم يقلْ: وَوَتَّقْتُمْ لنا كلِّ مَوْثِقٍ. والثالث: أنها للتعرُّض / للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرِّضين [١/٢٤] لِأَنْ تَّقوا. وهذه الجملةُ على كلِّ قولٍ متعلقةٌ من جهةِ المعنى باعبدُوا، أي: اعبدوه على رجائِكم التقوى، أولتتقوا، أو متعرِّضين للتقوى، وإليه مالَ المهدوي وأبو البقاء(٦). وقال ابن عطية(٧): ((يتْجِهُ تعلُّقُها بـ((خَلَقَكم))، لأنَّ كلَّ مولودٍ يُولد على الفطرةِ فهو بحيثُ يُرْجِى أَنْ يكونَ مُتَّقِياً، إلاّ أنَّ المهدويُّ مَنَع من ذلك، قال: (١) الآية ٦٢ من الزمر. (٢) الكتاب ١٦٧/١. (٣) الآية ٤٤ من طه: ((لَعَلِّه يتذكّرُ أو يَخَشى)). (٤) تفسير الطبري ٣٦٤/١. (٥) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في: الطبري ٣٦٥/١؛ وأمالي الشجري ٥١/١؛ والقرطبي ٢٢٧/١٠. (٦) الإِملاء ٢٣/١. (٧) تفسيره ١٩١/١. ١٨٩ - البقرة - (لأنَّ مَنْ ذَرأَهُ الله لجهنم لم يَخْلُقْه ليَتَّقِيَ)) ولم يَذْكر الزمخشري(١) غيرَ تعلَّقِها بـ ((خَلَقَكُمْ))، ثم رتَّب على ذلك سؤالين، أحدهما: أنه كما خَلَقّ المخاطبين لعلهم يتقون كذلك خَلَقَ الذين مِنْ قبلهم لذلك، فلِمَ خَصَّ المخاطبينَ بذلك دونَ مَنْ قَبلهم؟ وأجابَ عنه بأنَّه لَم يَقْصُرْه عليهم بل غلَّبَ المخاطبين على الغائبين في اللفظِ، والمعنى على إرادةِ الجميع. السؤال الثاني: هَلَّ قيل ((تعبدونَ)) لأجلِ اعبدوا، أو اتقوا لمكانٍ ((تَتَّقُون)) ليتجاوبَ طَرفا النَّظْم، وأجابَ بأنَّ التقوى ليست غيرَ العبادةِ، حتى يؤدِّيَ ذلك إلى تنافُرِ النظم، وإنما التقوى قُصارى أمرِ العابدِ وأقصى جُهْدِه. قال الشيخ (٢): ((وأمَّا قولُه: ليتجاوبَ طرفاً النّظم فليس بشيء، لأنه لا يمكن هنا تجاوبُ طَرَفَي النظْمِ، إذ نَظْمُ اللفظ(٣): اعبدوا ربّكم لعلكم تعبدُون، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيدٌ في المعنى، إذ هو مثل: اضربْ زيداً لعلك تَضْربُه، واقصدْ خالداً لعلكَ تَقْصِدُه، ولا يَخْفَى ما في ذلك من غَثاثةِ اللفظِ وفسادِ المعنى)». والذي يظهرُ به صحتُه أن يكونَ ((لعلكم تتقون)) متعلقاً بقوله: ((اعبدوا)، فالذي نُودوا لأجلِهِ هو الأمرُ بالعبادة، فناسَبَ أن يتعلَّقَ بها ذلك، وأتى بالموصول وصلتِه على سبيل التوضيحِ أو المدحِ الذي تعلَّقت به العبادةُ، فلم يُجَأ بالموصولِ لَيُحَدِّثَ عنه، بل جاءُ في ضمنِ المقصودِ بالعبادةِ، فلم يكُنْ يتعلَّقُ به دونَ المقصودِ. قلت: وهذا واضحٌ. وفي ((لعلَّ)) لغاتٌ كثيرةٌ(٤)، وقد يُجَرُّ بها، قال(٥): (١) الكشاف ٢٣١/١. (٢) البحر المحيط ٩٦/١: (٣) عبارة أبي حيان: لأنه يصير المعنى. (٤) انظر: أمالي القالي ١٠٧/١؛ ورصف المباني ٣٧٥. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في أوضح المسالك ١١٨/٢؛ والأشموني ٢٠٤/٢؛ والتصريح ٢/٢؛ والعيني ٢٤٧/٣؛ والخزانة ٣٦٨/٤. والشريم: التي اتحد مسلكاها، والجر بلعل لغة عُقَيْل. انظر: ابن عقيل ٦/٢. ١٩٠ - البقرة - ٢٦٣ - لَعلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ علينا بشيءٍ أنَّ أَمْكُمُ شَرِيمُ ولا تنصِبُ الاسمين على الصحيح، وقد تَدْخُلُ ((أَنْ)) في خبرها حَمْلاً على ((عسى))، قال(١): ٢٦٤ - لَعَلَّكَ يوماً أن تُلِمَّ مُلِمَّةٌ وقد تأتي للاستفهامِ والتعليلِ كما تقدَّم، ولكنَّ أصلَها أن تكونَ للترجّي والطمعِ في المحبوباتِ والإِشفاق في المكروهات كعسى، وفيها كلامٌ أطولُ من هذا يأتي مفصّلاً في غضونِ هذا الكتابِ إِنْ شاء الله تعالى. وأصلُ تَتْقُون: تَوْتَقِيُون لأنه من الوقاية، فَأُبْدِلَتْ الواوُ تاء قبل تاء الافتعالِ، وأُدْغِمَتْ فيها، وقد تقدَّم ذلك في ((المتقين))(٢)، ثم اسْتُثْقِلَت الضمةُ على الياءِ فَقُدْرَتْ، فَسَكَنَتْ الياءُ والواوُ بعدَها، فَحُذِفَتِ الياءُ لالتقاءِ الساكنين، وضُمَّت القافُ لتجانِسَها، فوزنُه الآن: تَفْتَعُونَ. وهذه الجملةُ أعني ((لعلكم تتقونَ)) لا يجوزُ أن تكونَ حَالاً لأنها طلبيةً، وإن كانَتْ عبارةُ بعضِهم تُوهم ذلك. ومفعولُ تَتّْقون محذوفٌ أي ((تَتَّقون)) الشِّرْك أو النارَ. آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿الذي جَعَل لكم﴾: ((الذي)) تحتملُ النصبُ والرفعَ. فالنصبُ من خمسةِ أوجهٍ، أظهرُها: أن يكونَ نصبُه على القطع. الثاني: أنه نعتّ لربكم. الثالث: أنه بدلٌ منه. الرابع: أنه مفعول ((تتقون)) وبه بدأ أبو البقاء (٣). الخامس: أنه نعتُ النعت أي: الموصولُ الأول، لكن المختارَ أن النعت لا يُنْعَتُ / بل إنْ جاء ما يُوهم ذلك جُعِلَ نعتاً للأول، إلا [٢٤/ب] أَنْ يمنَعِ مانعٌ فيكونَ نعتاً للنعت نحو قولهم: ((يا أيُّها الفارسُ ذو الجُمَّة)) (٤)، (١) لم أقف عليه. (٢) الآية ٢ من البقرة. (٣) الإملاء ٢٣/١. (٤) الجمة: مجتمع شعر الرأس. ١٩١ - البقرة فـ فذو الجُمَّة نعتٌ للفارس لا لـ((أيّ)) لأنها لا تُنْعَتُ إلَّ بما تقدَّم ذِكْرُه(١). والرفعُ من وجهين: أحدهما ـ وهو الأصح - أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو الذي جَعَلَ. والثاني أنه مبتدأ وخبرُه قولُه بعد ذلك: ((فلا تَجْعَلُوا)). وهذا فيه نظرٌ من وجهين، أحدهما: أنَّ صلتَه ماضِيةٌ فلم يُشْبِهِ الشرطَ فلا تُزَادُ في خبرِهِ الفاءُ، الثاني: عدمُ الرابط إلا أن يقالَ بمذهبِ الأُخفش وهو أَنْ يُجْعَلَ الربطُ مكرّرَ الاسم الظاهر إذا كان بمعناه نحو: ((زيدٌ قام أبو عبدالله))، إذا كان أبو عبد الله كنيةً لزيد، وكذلك هنا أقامَ الجلالة مُقَامَ الضميرِ كأنه قال: الذي جعل لكم فلا تَجْعلوا له أنداداً. و((جَعَل)) فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ بمعنى صَيِّر فتتعدَّى لمفعولين فيكونُ ((الأرضُ)) مفعولاً أولَ، و((فراشاً)) مفعولاً ثانياً. والثاني: أن تكونَ بمعنى ((خَلَق)» فَتَتَعدَّى لواحد وهو ((الأرضَ)) ويكونُ ((فراشاً)) حالاً . ((والسماءَ بناءً)) عطف على ((الأرض فراشاً)) على التقديرين المتقددِّمین، و ((لكم)) متعلَّق بالجَعْل أي لأجلكم. والفراشُ ما يُوْطَأُ ويُفْعَدُ عليه. والبِنَاءُ مصدرُ بَنَيْتُ، وإنما قُلِبت الياءُ همزةً لتطُّفها بعد ألفٍ زائدةٍ، وقد يُرادُ به المفعولُ. و(أَنْزل)) عطفٌ على ((جَعَلَ))، و((من السماء)) متعلّقٌ به، وهي لا بتداءِ الغاية. ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أن يكونَ حالاً مِنْ ((ما)) لأنَّ صفة النكرة إذا قُدِّمَتْ عليها نُصِبَتْ حالاً، وحينئذٍ معناها التبعيضُ، وَثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: من مِياه السماءِ ماءً. وأصل ماء مَوَه (٢) بدليل قولهم: ((ماهَتِ الرُّكِيَّةُ تَمُوه))(٣) وفي جَمْعَه: (١) انظر الورقة: ٢٣أ. (٢) انظر: الممتع ٣٤٨؛ واللسان: موه. (٣) ماهت الركية: ظهر ماؤها وكثر. ١٩٢ - البقرة - مياه وأَمْواه، وفي تصغيرِهِ: مُوَيْهِ، فتحرِّكتِ الياءُ وانفتح ما قبلها فقُلبت ألفاً، فاجتمع حرفان خَفِيَّان: الألفُ والهاءُ، فَأَبْدَلوا من الهاءِ أختها وهي الهمزةُ لأنها أَجْلَدُ منها. وقوله: ((فَأَخْرَجَ)) عطفٌ على ((أَنْزَل)) مُرَتَّبٌ عليه، و((به)) متعلُّقٌ بِهِ، والباءُ فيه للسببية. و((من الثمرات)) متعلقٌ به أيضاً، ومِنْ هنا للتبعيضِ. وَأَبْعَدَ مَنْ جَعَلها زائدةً لوجيهن، أحدُهما: زيادتُها في الواجبِ، وكَونُ المجرور بها معرفةً، وهذا لا يقولُ به بصريٍّ ولا كوفيٌّ إلا أبا الحسن الأخفش(١). والثاني: أن يكونَ جميعُ الثمراتِ رزقاً لنا، وهذا يخالف الواقعَ، إذ كثيرٌ من الثمرات ليس رزقاً. وجعلها الزمخشري (٢) لبيانِ الجنسِ، وفيه نظرٌ، إذ لم يتقدّمْ ما يُبَيِّنُ هذا، وكأنه يعني أنه بيانٌ لرزقاً من حيث المعنى، و((رزقاً) ظاهرُه أنه مفعولٌ به، ناصبُه ((أَخْرَجَ)). ويجوز أن يكونَ ((من الثمرات)) في موضع المفعول به، والتقديرُ: فأخرجَ ببعض الماء بعضَ الثمرات. وفي ((رزقاً) حينئذ وجهان أحدُهما: أن يكونَ حالاً على أنَّ الرزقَ بمعنى المرزوقِ، كالطّحْنِ والرِّغي. والثاني: أن يكونَ مصدراً مَنْصُوباً على المفعولِ مِنْ أجلِهِ، وفيه شروطُ النصبِ موجودةٌ. وإنما نَكْر ((ماء)) و((رزقاً) ليفيدَ التبعيضَ، لأنَّ المعنى: وأنزل من السماءِ بعض ماءٍ فَأَخْرَجَ به بعضَ الثمراتِ بعضَ رزقٍ لكم، إذليس جميعُ رزقِهم هو بعضَ الثمراتِ، إنَّما ذلك بعضُ رزقِهم. وأجاز أبو البقاء(٣) أن يكونَ ((من الثمراتٍ)) حالاً مِنْ ((رزقاً) لأنه لو تأخّر لكان نعتاً، فعلى هذا يتعلَّقُ بمحذوفٍ، وجعلَ الزمخشري (٤) ((من الثمرات)) (١) معاني القرآن ٩٨. (٢) الكشاف ٢٣٥/١. (٣) الإملاء ٢٤/١. (٤) الكشاف ٢٣٥/١. ١٩٣ - البقرة : واقعاً موقع الثمر أو الثمار، يَعْني مِمَّا نابَ فيه جمعُ قلٍ عن جمعِ الكثرة، نحو: ((كم تَرَكوا من جناتٍ))(١) و((ثلاثةَ قُروء))(٢). ولا حاجةً تدعو إلى هذا لأنَّ جَمْعَ السلامةِ المحلّى بأَلْ التي للعمومِ يقعُ للكثرةِ، فلا فرقَ إذاً بين الثمراتِ والثمار، ولذلكَ ردَّ المحققونَ قولٌ مَنْ رَدَّ على حسان بن ثابت رضي الله عنه(٣): ٢٦٥ - لَنَا الْجَفَنَاتُ الغُرِّيَلْمَعْنَ في الضُّحى وأسيافُنَا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَمَا قالوا: كان ينبغي أن يقولَ: الجِفان، وسيوفُنا، لأنه أمدحُ، وليس بصحيحٍ لما ذَكَرْتُ لك. و ((لكم)) يَحْتملُ التعلُقَ بـ((أَخْرَج))، ويَحْتمِلُ التعلُّقَ بمحذوفٍ، على أن يكونَ صفةً لـ((رِزْقً))، هذا إنْ أريد بالرزقِ المرزوقُ، وإنْ أُريد به المصدرُ فيحتملُ أن تكونَ الكافُ في ((لكم)) مفعولاً بالمصدرِ واللامُ مقويةً له، نحو: ((ضربت ابني تأديباً له)) أي: تأديبه. قولُه تعالى: ((فلا تَجْعَلوا لِلَّهِ أَنْدَاداً)) الغاءُ للتسبّب، أي: تَسَبَّبَ عن إيجادِ هذه الآياتِ الباهرة النهيُ عن اتخاذِكم الأندادَ. و ((لا)) ناهية و ((تَجْعلوا)) مجزومٌ بها، علامةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النونِ، وهي هنا بمعنى تُصَيِّروا. وأجاز أبو البقاءِ (٤) أن تكونَ بمعنى تُسَمُّوا(٥). وعلى القولين فيتعدَّى لاثنين أولُهما: أنداداً، وثانيهما: الجارُّ والمجرورُ قبلَه، وهو واجبُ التقديمِ. و((أنداداً)) جمع نِدٌ، (١) الآية ٢٥ من الدخان. (٢) الآية ٢٢٨ من البقرة: والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهن ثلاثةَ قُروء. (٣) ديوانه ٣٥؛ والكتاب ١٨١/٢؛ والخصائص ٢٠٦/٢؛ والمحتسب ١٨٧/١؛ والبخر ٩٨/١. (٤) الإملاء ٢٤/١. (٥) في مطبوعة أبي البقاء: ((لا تسمعوا)) وهو تحريف. ١٩٤ - البقرة - وقال أبو البقاء(١): ((أَنْدَاداً جمعُ نِد ونَديد)) وفي جَعْلَه جمعَ نديد نظرً، لأن أَفْعالاً لا يُحْفظ في فَعيل بمعنى فاعل، نحو: شَريف وأَشَرْاف ولا يُقاسُ عليه. والنِّدُّ: المقاوِمُ المضاهي، سواء كان [مثلاً](٢) أو ضِدَّاً أو خلافاً وقيل: هو / الضدُّ عن أبي عبيدة(٣)، وقيل: الكُفْء والمِثْل، قال حسان (٤). [ ١/٢٥] ٢٦٦ - أَتَهْجُوهِ ولستَ له بِنِدٍّ فشرُّكما لخيركما الفِداءُ أي: لستَ له بكُفٍْ، وقد رُوِي ذلك، وقال آخر(٥): ٢٦٧ - نَحْمَدُ الله ولا نِدَّ له عندَه الخيرُ وما شاءَ فَعَلْ وقال الزمخشري(٦): ((النِّدُ المِثْل، ولا يُقال إلا للنُّدِّ المخالف، قال جرير(٧): ٢٦٨ - أَنَيْماً تَجْعَلونَ إليَّ نِدَّاً وما تَيْمُ لذي حَسَبٍ نَدِيدُ ونادَدْتُ الرجلَ خالَقْتُه ونافَرْتُه مِنْ: نَذَّ يَنِدُّ نُدُوداً أَي نَفَر)). انتهى، ويقال («نَديدة)) على المبالغة، قال لبيد(٨): ٢٦٩ - لِكيلا يكون السُّنْدَرِيُّ ندیدتي وَأَجْعَلُ أَقْواماً عُموماً عَمَاعِمَا وأمّا النَّدُّ - بفتح النون - فهو التل المرتفعُ، والنَُّّ الطَّيب أيضاً، ليس بعربي. وهذه الجملةُ متعلقةٌ من حيث المعنى بقوله: ((اعبدُوا))، لأنَّ أصلَ (١) الإملاء ٢٤/١. (٢) سقط من الأصل. (٣) مجاز القرآن ٣٤/١. والأصل عبيد ولعله سهو. (٤) ديوانه ٦٠، والرواية المشهورة: بكفاء. (٥) البيت للبيد، وهو في ديوانه ١٧٤؛ والقرطبي ٢٣٠/١. (٦) الكشاف ٢٣٦/١. (٧) ديوانه ١٦٤؛ ومجالس العلماء ١١٤؛ وشواهد الكشاف ٣٦٦/٤. (٨) ديوانه ٢٨٦؛ والقرطبي ٢٣١/١. والعماعم: الجماعات. ١٩٥ - البقرة - العبادةِ التوحيدُ، ويجوز أن يتعلَّقَ بـ((الذي)) إذا جعلتَه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي هو الذي جعل لكم هذه الآياتِ العظيمةَ والدلائلَ النّيرة الشاهدَةَ بالوَحْدَانِيةِ فلا تَجْعلوا له أنداداً. وقال الزمخشري(١): ((يتعلَّق بـ((لعلَّكم)) على أن ينتصِبَ (تجعلوا) انتصابَ ((فأطَّلِعَ))(٢) في قراءةِ حَفْص، أي: خلقكم لكي تتَّقوا وتخافواً عقابه فلا تُشَبِّهوه بخَلْقه، فعلى قولهِ: تكون ((لا)) نافيةً، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمارِ ((أَنْ)) في جوابٍ الترجِّي، وهذا لا يُجيزه البصريون، وسيأتي تأويلُ (فَأَطَّلِع)» ونظائِرِه في موضعِهِ إنْ شاء الله تعالى. قوله تعالى: ((وأنثُم تَعْلمون)) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نصب على الحال، ومفعولُ العِلْم متروكٌ لأنَّ المعنى: وأنتم من أهلِ العِلم، أو حُذِفٍ اختصاراً أي: وأنتم تعلمونَ بُطلانَ ذلك. والاسمُ من ((أنتم)) قيلَ: أَنْ، والتّاءُ حرفُ خطاب يتغَيرُ بحَسَبِ المخاطب. وقيل: بل التاءُ هي الاسمُ وأَنْ عمادٌ قبلها. وقيل: بل هو ضميرٌ برُمَّتِه وهو ضميرُ رفعٍ منفصلٌ، وحكمُ ميمِه بالنسبة إلى السكونِ والحركةِ والإِشباعِ والاختلاسِ حكمُ ميم هم، وقد تقدَّم جميعُ ذلك. آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿وإنْ كنتم في ريبٍ مِمَّا نَزَّلْنا على عبدِنا فَأْتُوا﴾: ((إنْ حرف شرطٍ يَجْزِم فعلينِ شرطاً وجزاءً، ولا يكونُ إلا في المحتملِ وقوعُه، وهي أمُّ ألبابٍ، فلذلك يُحْذَفُ مجزومُها كثيراً، وقد يُحْذَفُ الشرطُ والجزاءِ معاً، قال(٣): ٢٧٠ - قالَتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ كانَ فقيراً مُعْدِماً قَالَتْ: وإنْ (١) الكشاف ٢٣٦/١. (٢) الآية ٣٧ من غافر: «لعلَّى أَبْلُغُ الأسبابَ أسبابَ السمواتِ فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى)) وانظر: السبعة ٥٧٠. (٣) البيت في ملحق ديوان رؤية ١٨٦؛ والمغني ٧٢٤؛ والمقرب ٢٧٧/١؛ والخزانة ٦٣٠/٣؛ وشواهد المغني ٩٣٦. ١٩٦ - البقرة - أي: وإن كان فقيراً تزوجتُه، وتكونُ ((إِنْ))(١) نافيةً لتعملُ وتُهْمَلُ، وتكون مخففةً وزائدةً باطِّراد وعدمِه، وأجاز بعضُهم(٢) أن تكونَ بمعنى إذْ، وبعضُهم أن تكون بمعنی قد(٣)، ولها أحكامٌ كثيرة. و «في ریب)) خبر كان، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ومحلّ ((كان)) الجزمُ، وهي وإن كانّتْ ماضيةً لفظاً فهي مستقبلةٌ معنى. وزعم المبردُ(٤) أنَّ لـ(كان)) الناقصةِ حكماً مع ((إنْ)) ليس لغيرها من الأفعالِ الناقصةِ فزعم أن لقوة ((كان)) أنَّ ((إِنْ)) الشرطية لا تَقْلِبُ معناها إلى الاستقبال، بل تكونُ على معناها من المضيِّ، وتبعه في ذلك أبو البقاء(٥)، وعَلَّل ذلك بأنه كَثُر استعمالُها غيرَ دالَّةٍ على حَدَثٍ. وهذا مردودٌ عند الجمهورِ لأن التعليقَ إنما يكون في المستقبلِ، وتأوَّلُوا ما ظاهرُه غيرُ ذلك، نحو: ((إِنْ كان قَميصُه قُدَّ»: إمَّا بإضمار ((يَكُنْ)) بعد ((إِنْ))، وإمَّا على التبيين، والتقديرُ: إِنْ يكُنْ (٧) قميصُه أو إن يَتبيّنْ كونُ قميصِه، ولمَّا خَفِيَ هذا المعنى على بعضهم جَعَل ((إِنْ)) هنا بمنزلة ((إذْ). وقوله: ((في ريبٍ)) مجازٌ من حيث إنه جَعَلَ الريبَ ظرفاً محيطاً بهم، بمنزلةِ المكانِ لكثرةٍ وقوعِه منهم. و ((مِمَّا)) يتعلقُ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لريب فهو في محلِّ جَرِّ. و((مِنْ)) للسببية أو ابتداءِ الغاية، ولا يجوزُ أن تكونَ للتبعيضِ ، ويجوز أن تتعلَّق بريب، أي: إن ارتَبْتُمْ من أجل، فـ((مِنْ)) هنا (١) انظر في أحكام إنْ: المغني ١٧؛ الرصف ١٠٤. (٢) انظر مناقشة هذا القول في المغني ٣٩. (٣) في الأصل ((قد قال)» بإقحام ((قال)). (٤) انظر: البحر المحيط ١٠٢/١. (٥) الاملاء ٢٤/١. (٦) الآية ٢٦ من سورة يوسف. (٧) الأصل ((يكن كان)) بإقحام كان. ١٩٧ - البقرة - للسببيةِ ((وما)) موصولةٌ أو نكرةً موصوفةٌ، والعائدُ على كلا القولين محذوفٌ أي: نَزْلناه. والتضعيفُ في ((نزَّلنا)» هنا للتعدية مرادفاً لهمزةٍ التعدِّي، ويَدُلُّ عليه قراءةُ (أَنْزَلْنا) بالهمز(١)، وجَعَلَ الزمخشري(٢) التضعيفَ هنا دالاً على نزولِه مُنَجَّماً في أوقاتٍ مختلفة. قال بعضُهم (٣): ((وهذا الذي ذهب إليه في تضعيفِ الكلمة هنا هو الذي يُعَبِّر عنه بالتكثير، أي يَفْعَلُ [ذلك](٤) مرةً بعد مرةٍ، فَيُدَلُّ على ذلك بالتضعيفِ، ويُعَبَّرُ عنه بالكثرةِ)). قال: ((وذَهَلَ عَنْ قاعدةٍ - وهي أن التضعيفَ الدالَّ على ذلك من شرطه أن يكونَ في الأفعال المتعديةِ قبل التضعيفِ غالباً نحو: جَرَّحْتُ زيداً وفتِّحْتُ الباب، ولا يُقال: جَلْس زيدٌ، ونَزَّل لم يكن متعدياً قبلَ التضعيفِ، وإنَّ ما جَعَلَه متعدياً تضعيفُه. وقولُه ((غالباً) لأنه قد جاء التضعيفُ دالاً على الكثرة في اللازم قليلاً نحو: (مَوَّت المالُ))(٥) وأيضاً فالتضعيفُ الدالُّ على الكثرةِ لَا يَجْعَلُ القاصرَ متعدياً كما تقدَّم في مَوَّت المال، ونَزَّل كان قاصراً فصار بالتضعيفِ متعدِّياً، فدلٌ [٢٥/ب] على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضاً كان يَحْتاج قولُه / تعالى: ((لولا نُزُل عليه القرآنُ جُمْلَةٌ واحدة))(٦) إلى تأويل، وأيضاً فقد جاء التضعيفُ حيث لا يمكنُ فيه التكثيرُ نحو قوله تعالى: ((وقالوا لولا نُزُّلَ عليهِ آيَةٌ))(٧) (َنَزَلْنا عليهم من السماءِ مَلَكاً رسولاً))(٨) إلا بتأويل بعيدٍ جداً، إذليس المعنى على (١) قراءة يزيد بن قطيب، البحر: ١٠٣/١. (٢) الكشاف ٢٣٨/١. (٣) وهو أبو حيان في البحر ١٠٣/١. (٤) سقط من الأصل، وأثبتناه من البحر. (٥) مثّل صاحب اللسان بقوله ((مَوَّتت الدوابُ)) كثر فيها الموت. (٦) الآية ٣٢ من الفرقان .. (٧) الآية ٣٧ من الأنعام .. (٨) الآية ٩٥ من الإسراء، والآية بتمامها: ((قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لَنَزَّلْنا عليهم من السماء ملكاً رسولا)). ١٩٨ - البقرة - أنهم اقترحوا تكرير نزول آيةٍ، ولا أنه عَلَّق تكريرَ نزولِ مَلَكٍ رسولٍ على تقدیرِ کونٍ ملائكةٍ في الأرض. وفي قوله: ((نَزَّلْنا)) التفاتُ من الغَيبةِ إلى التكلُّمِ لأنَّ قبلَه: ((اعبدوا ربّكم))، فلو جاء الكلامُ عليه لقيل: ممَّا نَزَّلَ على عبدِه، ولكنه التفت للتفخيمِ. و((على عبدنا)) متعلَّقُّ بنزَّلنا، وعُذِّي بـ((على)) لإِفادتها الاستعلاء، كأنَّ المُنَزَّل تَمَكَّنَ من المنزولِ عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثرُ القرآن بالتعدِّي بها، دونَ ((إلى))، فإنها تفيدُ الانتهاء والوصولَ فقط، والإِضافة في ((عبدِنا)) تفيدُ التشريف کقوله(١): يَعْرِفُه السامعُ والرائي ٢٧١ - يا قومٍ قلبي عندَ زهْراءِ فإنه أَشْرَفُ أسمائي لا تدْعُني إلّ بيا عبدَها وقُرىء: ((عبادِنا)(٢)، فقيل: المرادُ النبيُّ عليه السلام وأمته، لأنَّ جَدْوى المنزِّلِ حاصلٌ لهم. وقيل: المرادُ بهم جميعُ الأنبياءِ عليهم السلام. قوله تعالى: ((فَأَتّوا)» جواب الشرط، والفاءُ هنا واجبةٌ لأنَّ ما بعدها لا يَصِحُّ أن يكونَ شرطاً بنفسِه، وأصلُ فَأَتُوا: اِيُوا مثل: اضْربوا فالهمزة الأولى همزةُ وصلٍ أُتي بها للابتداءِ بالساكنِ، والثانيةُ فاءُ الكلمةِ، اجتمع همزتان، وَجَبَ قَلْبُ ثانيهما ياءً على حدِّ ((إيمان)» وبابِهِ، واستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياءِ التي هي لامُ الكلمةِ فَقُدِّرَتْ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبعدها واوُ الضميرِ ساكنةٌ فَحُذِفَتِ الياءُ لالتقاءِ الساكنينِ، وضُمَّتِ التاءُ للتجانُسِ فوزنُ ايتوا: افْعُوا، وهذه الهمزةُ إنما يُحتاجُ إليها ابتداءً، أمّا في الدَّرْجِ فإنه يُسْتَغْنى عنها وتعودُ الهمزةُ التي هي فاءُ الكلمةِ لأنها إنما قُلِبَت ياءً للكسر الذي كان قبلها، (١) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في القرطبي ٢٣٢/١؛ والبحر ١٠٤/١؛ وسقطت ((لا تدعني)) من الأصل. (٢) ذكرها في البحر ١٠٤/١؛ والزمخشري ٢٣٩/١ من دون نسبة. ١٩٩ - البقرة - وقد زال نحو: (فَأَتوا)) وبابِه وقد تُحْذَفُ الهمزةُ التي هي فاءُ الكلمةِ في الأمرِ. کقوله(١): ٢٧٢ - فإنْ نحنُ لم نَنْهَضْ لكم فَنَبُرِّكُمْ فَتُونا فعادُونا إذاً بالجرائمِ. يريد: فأتونا كقوله: فأتوا. وبسورة متعلق بـ ((أتوا)). قوله تعالى: (مِنْ مثله)) في الهاء ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها تعودُ على على ما نَزَّلنا، فيكون مِنْ مثله صفةً لسورة، ويتعلّقُ بمحذوفٍ على ما تقرَّر، أي: بسورةٍ كائنةٍ من مثلِ المنزَّل في فصاحتِهِ وإخبارِهِ بالغُيوبِ وغيرِ ذلك، ويكونُ معنى ((مِنْ)) التبغيضَ، وأجاز ابن عطية(٢) والمهدوي أن تكون للبيان، وأجازا هما وأبو البقاء(٣) أن تكون زائدةً، ولا تجيء إلا على قول الأخفش(٤). الثاني: أنها تعودُ على ((عبدِنا)) فيتعلُّقُ: ((من مثله)) بأْتُوا، ويكون معنى ((مِنْ)) ابتداءً الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضاً أن تكونَ صفةً لسورة، أي: بسورةٍ كائنة من رجلٍ مثلِ عبدِنا. الثالث: قال أبو البقاء (٤): ((إنها تعود على الأنداد بلفظِ المفرد كقوله: ((وإنَّ لكم في الأنعام لعِبْرةً، نُسْقيكم مِمَّ في بطونِه))(٥) قلت: ولا حاجةَ تَدْعو إلى ذلك، والمعنى يَأباه أيضاً. والسُّورة: الدرجةُ الرفيعة، قال النابغة(٦): ٢٧٣ - ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سُورةً ترى كلِّ مَلْكِ دونَها يَتَذَبْذَبُ (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٠١/١ وحذف الهمزة هنا شاذ. (٢) التفسير ١٩٤/١. (٣) الاملاء ٢٤/١. (٤) معاني القرآن للأخفش ٩٨. (٤) الإملاء ٢٤/١. (٥) الآية ٦٦ من النحل. (٦) ديوانه ٧٨؛ والقرطبي ٦٥/١. ويتذبذب: يضطرب. ٢٠٠