النص المفهرس

صفحات 121-140

- البقرة -
وبغير شرط عندهم كقوله(١):
١٦٨ - قالتْ وكنتُ رجلًا فطيناً هذا لَعَمْرُ اللَّهِ إسرائينا
و(«آمَنَّا)»: فعلٌ وفاعلٌ، و((بالله)) متعلقَّ به، والجملةُ في محلِّ نصب بالقول،
وكُرِّرَت الباءُ في قوله ((وباليومِ)) للمعنى المتقدِّم في قوله: ((وعلى سَمْعهم
وعلى أبصارهم))(٢)، وقد سأل سائل فقال: الخبرُ لا بد وأن(٣) يفيدَ غيرَ
ما أفاده المبتدأ، ومعلومٌ أن الذي يقولَ كذا هو من الناس لا من غيرهم.
وأُجيب عن ذلك: بأن هذا تفصيلٌ معنويّ لأنه تقدَّم ذِكْرُ المؤمنين، ثم ذِكْرُ
الكافرين، ثم عَقَّبَ بذِكْر المنافقين، فصار نَظيرَ التفصيلِ اللفظي، نحو قوله:
((ومِن الناس من يُعْجبك))(٤) ((ومِن الناسِ مَنْ يشتِرِي))(٥) فهو في قوةٍ تفصيلٍ
الناسٍ إلى مؤمنٍ وكافٍ ومنافقٍ، وأحسنُ مِنْ هذا أن يُقالَ: إن الخبرَ أفادَ
التبعيضَ المقصودَ لأن الناسَ كلهم لم يقولوا ذلك. وهم غيرُ مؤمنين فصارَ
التقديرُ: وبعضُ الناسِ يقول كَيْتَ وَكَيْتَ.
واعلم أن (مَنْ)) وأخواتها لها لفظً ومعنَّى، فلفظُها مفردٌ مذكَّرٌ، فإن أريد
بها غيرُ ذلك فلك أن تراعيَ لفظها مرةً ومعناها أخرى، فتقول: ((جاء مَنْ قام
وقعدوا)) والآيةُ الكريمة كذلك، روعي اللفظُ أولاً فقيل: ((مَنْ يقول))، والمعنى
ثانياً في ((آمَنَّا))، وقال ابن عطية (٦): ((حَسُن ذلك لأنَّ الواحدَ قبلَ الجمعِ في
الرتبة، ولا يجوزُ أن يرجِعَ متكلمٌ من لفظِ جَمْعٍ إلى توحيدٍ، لوقلت: ومن
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في السمط ٦٨١؛ وأمالي القالي ٤٤/٢؛ والمخصص ٢٨٢/١٣،
واللسان: يمن؛ والدرر ١٣٩/١.
(٢) الآية ٧ من البقرة.
(٣) الواو هنا مقحمة.
(٤) الآية ٢٠٤ من البقرة.
(٥) الآية ٦ من لقمان .
(٦) التفسير ١ /١٥٧.
١٢١

- البقرة -
الناس مَنْ يقومون ويتكلم لم يَجُز)». وفي عبارة القاضي ابن عطية نظرٌ (١)،
وذلك لأنه منع من مراعاة [اللفظ بعد مراعاة](٢) المعنى، وذلك جائزٌ، إلا أنّ
مراعاةَ اللفظ أولاً أَوْلِى، ومِمَّا يَرُدُّ عليه قولُ الشاعر (٣):
١٦٩ - لستُ مِمِّنْ يَكُعُ أو يَسْتَكينو ن إذا كافَحَتْهُ خيلُ الأعادي
وقال تعالى: ((وَمَنْ يؤمِنْ بالله ويَعْمِلْ))(٤) إلى أن قال: ((خالدين)) فراعى
المعنى، ثم قال: ((قد أَحْسَن الله له رزقً) فراعى اللفظَ بعد مراعاةِ المعنى
وكذا راعى المعنى في قوله: ((أويَستكينون)) ثم راعى اللفظَ في ((إذا كافحته)).
وهذا الحملُ جارٍ فيها في جميع أحوالها، أعني مِنْ كونِها موصولةً وشرطيةً
[١٤/أ] واستفهامية / أمّا إذا كانَتْ موصوفةً فقال الشيخ(٥): ((ليس في مَحْفوظي من كلام
العرب مراعاةُ المعنى)) يعني تقول: مررت بمَنْ محسنون لك(٦).
و ((الآخِر)) صفةٌ لليوم، وهو مقابلُ الأولِ، ومعنى اليومِ الآخر أي عن
الأوقات المحدودة.
و «ما هم بمؤمنين)) ما نافية، ويحتمل أن تكونَ هي الحجازيةَ فترفعَ
الاسمَ وتنصبَ الخبرَ فيكونُ ((هم)» اسمَها، وبمؤمنين خبرَها، والباء زائدةً
تأكيداً وأن تكونَ التميميةَ، فلا تعمِلَ شيئاً، فيكونُ ((هم)) مبتدأ و ((بمؤمنين)»
الخبرَ والباءُ زائدةٌ أيضاً، وزعم أبو علي الفارسي(٧) وتبعه الزمخشري أن الباءَ
(١) انظر مناقشة أبي حيان له: البحر ٥٤/١.
(٢) لم يظهر في فيلم الأصل.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٥٤/١، وَعَّ: جُبُنَ.
(٤) الآية ٩ من سورة التغابن.
(٥) لم أجد هذا القول في مطبوعة البحر.
(٦) الأصل: محسنين ولعلها سهو.
(٧) الإِيضاح العضدي ١/ ١١٠.
١٢٢

- البقرة -
لا تُزاد في خبر ((ما )) إلا إذا كانَتْ عاملةَ، وهذا مردودٌ بقول الفرزدق(١)،
وهو تميمي :
١٧٠ - لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتاركِ حَقٌّه ولا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
إلا أنَّ المختارَ في ((ما)) أن تكونَ حجازِيةً(٢)، لأنه لمَّا سقطت الباءُ
صَرَّح بالنصب قال الله تعالى: ((ما هُنَّ أُمَّهاتِهم))(٣) (ما هذا بشراً))(٤)، وأكثرُ
لغةِ الحجاز زيادةُ الباء في خبرها، حتى زعم بعضُهم أنه لم يَحْفَظِ النصبَ في
غير القرآن إلا في قول الشاعر(٥):
تَصِل الجيوشُ إليكمُ أَقْوادَها
١٧١ - وأنا النذيرُ بحَرَّةٍ مُسْوَدِّةٍ
حَنْقُو الصدورِ وما هُمُ أولادَها
أبناؤها متكنَّفَون أباهُمُ
وأتى بالضمير في قوله: ((وما هم بمؤمنين)) جمعاً اعتباراً بمعنى ((مَنْ))
كما تقدم في قوله ((آمنًا)). فإنْ قيل: لِمَ أتى بخبر ((ما)) اسمَ فاعل غيرَ مقيَّدٍ
بزمان ولم يُؤْتَ بعدها بجملةٍ فعلية حتى يطابقَ قولَهم ((آمنًا)) فيقال: وما آمنوا؟
فالجواب: أنه عَدَلَ عن ذلك ليفيدَ أنَّ الإِيمانَ منتفٍ عنهم في جميع الأوقات
فلو أُتِيَ به مطابقاً لقولهم ((آمنًّا)) فقال: وما آمنوا لكان يكونُ نفياً للإيمان في
(١) ديوانه ٣٨٤؛ وسيبويه ٣١/١؛ وأمالي القالي ٧٣/٣؛ والخزانة ١٨١/١؛
والهمع ١٢٨/١؛ والدرر ١٠٢/١. ومعن بن زائدة من أجواد العرب. والنسيء:
التأخير، متيسر: لا يتيسر على الغريم.
(٢) أي في الآية: وما هم بمؤمنين.
(٣) الآية ٢ من المجادلة.
(٤) الآية ٣١ من يوسف.
(٥) البيتان لعدي بن الرقاع، والثاني في ابن عقيل ٢٦٠/١؛ والبحر ٥٥/١. والحرة:
الأرض ذات حجارة سود، أي التفَّ الأبناء حول القادة وليسوا أبناء هذه الكتيبة حقيقةً
وإنما هم أبناء الحروب.
١٢٣

- البقرة -
الزمن الماضي فقط، والمرادُ النفيُ مطلقاً، أي: إنهم ليسوا متلبسين بشيء
من الإِيمان في وقتٍ من الأوقات.
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿يُخَادِعون الله﴾: هذه الجملةُ الفعليةِ يُحْتمل
أن تكونَ مستأنفةً جواباً لسؤال مقدَّر، وهو: ما بالُهم قالوا آمنًا وما هم
بمؤمنين؟ فقيل: يُخادعون اللَّهَ، ويحتمل أن تكونَ بدلاً من الجملةِ الواقعة
صلةً لـ((مَنْ)) وهي ((يقولُ))، ويكون هذا من بدلِ الاشتمال، لأنَّ قِولَهم كذا
مشتملَ على الخِداع فهو نظيرُ قوله(١):
١٧٢ - إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبايعا
تُؤْخَذَ كَرْهاً أو تَجِيءَ طائِعا
وقول الآخر(٢).
١٧٣ - متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا
تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجِّجَا
فـ(تُؤْخَذَ)) بدلُ اشتمالٍ من ((تُبايع)) وكذا ((تُلْمم)) بدلُ من ((تأتِنا»، وعلى
هذين القولين فلا محلّ لهذه الجملةِ من الإعراب. والجملُ التي لا محلَّ لها
من الإِعراب أربعٌ لا تزيد على ذلك - وإن تَوَهَّم بعضُهم ذلك ــ وهي: المبتدأ
والصلة والمعترضة والمفسِّرة، وسيأتي تفصيلُها في مواضعها. ويُحتمل أن
تكونَ هذه الجملةُ حالاً من الضمير المستكنُّ في ((يقول)» تقديرُه: ومن الناسِ
مَنْ يقول حالَ كونِهِم مخادِعين. وأجاز أبو البقاء(٣) أن تكونَ حالاً من الضميرِ
المستكنِّ في ((بمؤمنين)) والعاملُ فيها اسمُ الفاعل. وقد رَدَّ عليه بعضُهم(٤)
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكتاب ٧٨/١؛ وشواهد الكشاف ٤٥٠/٤؛
والأشموني ١٣١/٣.
(٢) البيت لعبيد الله بن الحر الجعفي، وهو في سيبويه ٤٤٦/١؛ وابن يعيش ٥٣/٧؛
والخزانة ٦٦٠/٣؛ والدرر ١٦٦/٢.
(٣) الإملاء ١٧/١.
(٤) وهو أبو حيان في البحر ٥٦/١.
١٢٤

- البقرة -
بما معناه: أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ نظيرُ: ما زيدٌ أقبل ضاحكاً، قال: ((وللعربِ
في مثل هذا التركيبِ طريقان، أحدُهما: نفيُّ القيدِ وحدَه وإثباتُ أصلٍ
الفعل، وهذا هو الأكثر، والمعنى أنَّ الإِقبالَ ثابتٌ والضحكَ منتفٍ، وهذا
المعنى لا يُتْصَوَّرُ إرادتُه في الآية، أعني نفيَ الخداعِ، وثبوتَ الإِيمان.
الطريقُ الثاني: أن ينتفيَ القيدُ فينتفيَ العاملُ فيه فكأنه قيل في المثال السابق:
لم يُقْبِلْ ولم يَضْحَكْ، وهذا المعنى أيضاً غيرُ مرادٍ بالآية الكريمة قَطْعاً، أعني
نفيَ الإِيمان والخداعِ معاً، بل المعنى على نفي الإِيمان وثبوتِ الخداع،
فَفَسَد جَعْلُها حالاً من الضميرِ في ((بمؤمنين)). والعجبُ من أبي البقاء كيف
استشعر هذا الإِشكال فمنعَ مِنْ جَعْلِ هذه الجملةِ في محلِّ الجرِّ صفة
المؤمنين؟ قال: ((لأنَّ ذلك يوجبُ نَفْيَ خداعِهِم، والمعنى على إثباتٍ
الخداعِ))، ثم جَعَلَها حالاً مِنْ ضمير ((مؤمنين)) ولا فرقَ بين الحالِ والصفةِ في
هذا.
والخِداعُ أصلُه الإِخفاء، ومنه الْأَخْدَعان: عِرْقَان مستبطنان في العُنُق
ومنه مَخْدَعِ البيت، فمعنى خادع أي: مُوهِمٌ صاحبَه خلافَ ما يريد به من
المكروه، وقيل: هو الفساد، قال الشاعر(١):
١٧٤ - أبيضُ اللونِ لذيذٌ طَعْمُهُ
طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الريقُ خَدَعْ
أي: فَسَد. والمصدر الخِدْعُ(٢) بكسر الخاء(٣)، ومثله: الخَدِيعة. ومعنى
يخادعون الله أَيْ مِنْ حيث الصورةُ لا مِنْ حيث المعنى، وقيل: لعدم عرفانِهم
بالله تعالى وصفاته ظنّه مِمَّنْ يخادَعُ. وقال أبو القاسم الزمخشري / (٤): ((إنَّ [١٤/ب]
اسمَ الله تعالى مُقْحَمٌ، والمعنى: يُخادِعون الذين آمنوا، ويكون من باب:
(١) البيت لسويد بن أبي كاهل، وهو في المفضليات ١٩١، واللسان: خدع.
(٢) نسخة حكمت: الخداع.
(٣) أورد صاحب اللسان لغةً فتحِ الخاء أيضاً. انظر: اللسان ((خدع)).
(٤) الكشاف ١٧٢/١.
١٢٥
:

- البقرة -
((أعجبني زيدٌ وكرمُه)). المعنى: أعجبني كرمُ زيد، وإنما ذُكر «زيدٌ)) توطئَةً لِذِكْر
كرمه)) وجَعَل ذلك نظيرَ قوله تعالى: ((واللَّهُ ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوه))(١) (إن
الذين يُؤْذُون اللَّهَ ورسوله))(٢). وهذا منه غيرُ مُرْضٍ، لأنه إذا صَحَّ نسبةُ
مخادعتِهم إلى الله تعالى بالأوجهِ المتقدمة فلا ضرورة تدعو إلى ادِّعاء زيادةٍ
اسم اللهِ تعالى، وأمَّا ((أعجبني زيدٌ وكرمُه)) فإنَّ الإِعجابَ أُسْنِدَ إلى زيدٍ
بجملتِهِ، ثم عُطِفَ عليه بعضُ صفاتِه تمييزاً لهذه الصفةِ مِنْ بينِ سائرِ الصفاتِ
للشرفِ، فصار من حيث المعنى(٣) نظيراً لقوله تعالى: ((وملائكته وكتبه ورسُلِه
وجبريلَ وميكال)»(٤).
وفَاعَلَ له معانٍ خمسةٌ(٥): المشاركةُ المعنويةُ نحو: ((ضاربَ زيدٌ عمراً»
وموافقةُ المجرد نحو: ((جاوَزْتُ زيداً) أي جُزْتُه، وموافقةُ أَفْعَل متعدياً نحو:
(باعَدْتُ زيداً وأَبْعدته))، والإِغناءُ عن أَفْعل نحو: ((وارَيْتُ الشيءَ)، وعن
المجردِ نحو: سافَرْت وقاسَيْت وعاقَبْت، والآيةُ فيها فاعَلَ يحتمل المعنيين
الأوَّلَيْنِ. أمّا المشاركةُ فالمخادعةُ منهم لله تعالى تقدَّم معناها، ومخادعةُ الله
إياهم من حيث إنه أجرى عليهم أحكامَ المسلمين في الدنيا، ومخادعةُ
المؤمنين لهم كونُهم امتثلوا أمرَ الله تعالى فيهم، وأمَّا كونُه بمعنى المجرد فيبيِّنْه
قراءةُ ابن مسعود(٦) وأبي حيوة(٧): ((يَخْدَعون)).
(١) الآية ٦٢ من التوبة.
(٢) الآية ٥٧ من الأحزاب.
(٣) الأصل: ((الشرف)) والتصحيح من النسخ الأخرى، وهو سهو.
(٤) الآية ٩٨ من البقرة: مَنْ كان عَدُوَّاً لله ...
(٥) انظر: الممتع ١٨٨.
:
(٦) عبدالله بن مسعود، أحد علماء الصحابة، عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم
توفي سنة ٣٢. انظر: طبقات القراء ٤٥٩/١.
(٧) شُرَيْح بن يزيد الحضرمي، له اختيار في القراءة، روى عن عمران بن عثمان، وروى عنه
أبنه حيوة، توفي سنة ٢٠٣. انظر: طبقات القراء ٣٢٥/١.
١٢٦

- البقرة -
وقرأ أبو عمرو والحرمِيَّان(١): ((وما يُخَادِعون)) كالأولى، والباقون:
وما يَخْدعون(٢)، فيُحتمل أن تكونَ القراءتان بمعنَّى واحد، أي يكون فاعَلَ
بمعنى فَعَل، ويُحتمل أن تكونَ المفاعلةُ على بابها، أعني صدورها من اثنين،
فهم يُخادعون أنفسَهم، حيثُ يُمَنُّونَها الأباطيلَ، وأَنفُسُهم تخادِعهم حيث
تُمَنِّهم ذلك أيضاً فكأنها محاورةٌ بين اثنين، ويكون هذا قريباً من قول
الآخر (٣):
عُمْرَكَ ما عِشْت آخرَ الأبدِ
١٧٥ - لم تَدْرِ ما لا ولستَ قائلَها
فيها وفي أختِها ولم تَكْدِ
ولم تُؤامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِياً
وقال آخرُ (٤):
أَيَسْتَوْقِعُ الذُّوبانَ أَمْ لا يَطورُها
١٧٦ - يؤامِرُ نَفْسَيْهِ وفي العيشِ فُسْحَةٌ
وقوله ((إلا أنفسَهم)): ((إلا)) في الأصل حَرف استثناءِ، وأنفسَهم مفعول
به، وهذا الاستثناء مفرغٌ، وهو عبارةٌ عما افْتَقَر فيه ما قبلَ ((إلا)) لِما بعدها، ألا
ترى أن ((يُخادعون)) يَفْتَقِرُ إلى مفعولٍ، ومثلُه: ((ما قام إلا زيدٌ)) فقام يفتقر
إلى فاعلٍ ، والتامُّ بخلافِهِ، أي: ما لم يَفْتَقِرْ فيه ما قبلَ ((إلَّ) لِما بعدها، نحو:
قام القومُ إلا زيداً، وضْبتُ القوم إلا بكراً، فقام قد أخذ فاعلَه، وضرْبتُ أخذ
مفعولَه، وشرطُ الاستثناء المفرغ أن يكونَ بعد نفيٍ أو شِبْههِ كالاستفهام
والنفي. وأمّ قولُهم: ((قرأتُ إلا يومَ كذا)) فالمعنى على نفيٍ مؤول تقديره:
(١) يعنون بهذا المصطلح نافعاً قارىء المدينة، وابن كثير قارىء مكة. وتقدمت ترجمتهما.
(٢) انظر: السبعة ١٣٩؛ الكشف عن وجوه القراءات ٢٢٤/١.
(٣) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في الحجة ٢٣٨/١؛ وتفسير ابن عطية ١٥٩/١؛
والبحر ٥٧/١. وسقطت ((لا)) من الأصل فيضطرب عروضياً.
(٤) البيت لرجل من فزارة، وهو في الحجة ٢٣٨/١؛ والبحر ٥٧/١؛ وابن عطية ١٦٠/١.
والذؤبان: الأعداء. لا يطورها: لا يحوم حولها.
١٢٧

- البقرة -
ما تركْتُ القراءة إلا يوم كذا، ومثلُه: ((ويأبى الله إلا أن يُتِمَّ نورَه))(١)؛ ((وإنها
الكبيرةٌ إلا على الخاشعين))(٢)، وللاستثناء أحكامٌ كثيرة تأتي مفصلةً في غضون
الكتاب إن شاء الله تعالى .
وقُرىء(٣): ((وما يُخْدَعون)) مبنياً للمفعول، وتخريجُها على أنَّ الأصلَ
وما يُخْدَعون إلا عن أنفسهِم، فلمّا حُذِف الحرف انتصبَ على حدٍّ (٤):
١٧٧ - تَمُرُون الديار ولم تَعُوجوا
و ((يُخَدِّعون))(٥)، مِنْ خَدَّع مشدداً، و((يَخَدِّعون))(٦) بفتح الياء والتشديد
والأصل: يَخْتَدِعون فأدغم.
(وما يَشْعرون)) هذه الجملةُ الفعليةُ، يُحتمل ألاّ يكونَ لها مُخَلَّ من
الإِعراب، لأنها استئنافٌ، وأن يكونَ لها محلٍّ وهو النصبُ على الحال من فاعل
(يَخْدعون))، والمعنى: وما يَرْجِعِ وبالُ خِداعِهم إلا على أنفسِهم غيرَ شاعِرِينَ
بذلك. ومفعولُ ((يَشْعُرُون)) محذوفٌ للعلم به، تقديرُه: وما يشعرون أنَّ وبالَ
خداعِهم راجعٌ على أنفسِهم، أو اطّلاعِ اللهِ عليهم، والأحسنُ أَلَّ يُقَدَّرَ له
مفعولٌ لأنَّ الغرضَ نفيُّ الشعورِ عنهم البتةَ من غير نظرٍ إلى مُتَعَلَّقِهِ، والأولُ
يُسَمِّى حذفَ الاختصارِ، ومعناه حَذْفُ الشيءِ لدليلٍ، والثاني يُسَمَّى حذفّ
الاقتصار، وهو حَذْفُ الشيء لا لدليلٍ.
(١) الآية ٣٢ من التوبة.
(٢) الآية ٤٥ من البقرة.
(٣) قراءة الجارود بن أبي سبرة وعبدالسلام بن شداد. انظر: القرطبي ١٩٦/١؛ البحر
٥٧/١.
(٤) تقدم برقم ١٤٨.
(٥) قراءة قتادة ومورق العجلي. انظر: ابن عطية ١٥٨/١؛ البحر ٥٧/١.
(٦) ذكرها في البحر ٥٧/١ من دون نسبة.
١٢٨

- البقرة -
والشعورُ: إدراكُ الشيء من وجهٍ يَدِقُّ وَيَخْفِى، مشتقّ من الشَّعْرِ لدقّته،
وقيل: هو الإِدراك بالحاسَّة مشتقّ من الشِّعار، وهو ثوبٌ يَلي الجسدَ، ومنه
مشاعرُ الإِنسانِ أي حواسُّه الخمسُ التي يَشْعُرُ بها.
أ. (١٠) قوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرضٌ﴾: الآية. الجارّ والمجرورُ
خبرٌ مقدمٌ واجبُ التقديمِ لِما تَقَدَّمِ ذِكْرُه في قوله: ((وعلى أبصارهم
غِشاوةً))(١). والمشهورُ تحريك الراءِ مِنْ ((مَرَض))، ورَوى الأصمعي(٢) عن
أبي عمرو سكونَها(٣)، وهما لغتان في مصدر مَرِضَ يَمْرَض. والمرضُ:
الفتورُ، وقيل: الفساد، ويُطلق على الظلمة، وأنشدوا(٤):
١٧٨ - في ليلةٍ مَرِضَتْ من كلِّ ناحيةٍ فما يُحَسُّ بها نَجِمٌ ولا قَمَرُ
أي لظلمتها، ويجوزُ أن يكونَ أراد بمَرِضَتْ فَسَدت، ثم بيَّن جهةَ
الفسادِ بالظلمةِ .
وقوله: ((فَزَادَهُم الله مرضاً»: هذه جملةٌ فعليةً معطوفةٌ على الجملةِ
الاسميةِ قبلها، مُتَسَيَّةٌ عنها، بمعنى أنَّ سبب الزيادة حصولُ المرضِ في
قلوبهم، إذ المرادُ بالمرض هنا الغِلُّ والحَسَد / لظهور دين الله تعالى. [١/١٥]
و ((زاد)) يستعمل لازماً ومتعدياً لاثنين ثانيهما غيرُ الأول كأعطى وكسا، فيجوز
حذفُ معمولَيْه وأحدِهما اختصاراً واقتصاراً، تقول: زاد المال، فهذا لازمٌ،
وزِدْتُ زيداً خيراً، ومنه ((وزِذْناهم هدى))(٥)، (فزادهم الله مرضاً)(٦) ((وزدتُ
(١) الآية ٧ من سورة البقرة.
(٢) عبدالملك بن قريب، إمام اللغة، روى عن نافع والكسائي، وروى عنه الحارثي توفي
سنة ٢١٥. انظر: الطبقات لابن الجزري ٤٧٠/١؛ البغية ١١٢/٢.
(٣) انظر: البحر ٥٨/١؛ الشواذ ٢.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٥٣/١.
(٥) الآية ١٣ من الكهف.
(٦) الآية ١٠ من البقرة.
١٢٩

- البقرة -
زيداً) ولا تذكر ما زِدْتَه، وزدْتُ مالاً، ولا تذكر مَنْ زِدْتَه ((وألفُ ((زاد)» منقلبةٌ عن
ياء لقولهم: يزيدُ.
(ولهم عذاب أليم)) نظير قوله تعالى: ((ولهم عذابٌ عظيم))(١) وقد
تقدَّم. وأليم هنا بمعنى بمعنى مُؤْلِم، كقوله(٢).
١٧٩ - ونَرْفَعُ مِنْ صُدورِ شَمَرْدَلاتٍ يَصُثُّ وجوهَها وَهَجٌ أَليمُ
ويُجمع على فُعَلَاء كشريف وشُرَفَاءِ، وأَفْعال مثل: شريف وأَشْرافٍ،
ويجوزُ أن يكونَ فعيل هنا للمبالغة مُحَوَّلاً من فَعِل بكسرِ العين، وعلى هذا
يكون نسبةُ الألم إلى العذاب مجازاً، لأن الألم حَلَّ بَمَنْ وَقَعَ به العذابُ لا
بالعذاب، فهو نظيرُ قولهم: شِعْرُ شاعِرٌ.
و ((بما كانوا يَكْذِبُون)) متعلّقٌ بالاستقرارِ المقَّدرِ في ((لهم)) أي: استقر لهم
عذابٌ أليم بسبب تكذيبهم. و((ما)) يجوزُ أَنْ تَكونَ مصدريةً أي بكونِهِم
يكذبون وهذا على القول بأنَّ لـ((كان)) مصدراً، وهو الصحيحُ عند بعضهم
للتصريحٍ به في قول الشاعر(٣):
١٨٠ - بِبَذْلٍ وحِلْمٍ ساد في قومه الفتى
وكونُك إياه عليكَ يَسيرُ
فقد ضَرَّحِ بالكون. ولا جائزٌ أن يكونَ مصدرَ كَان التامةِ لنصْبِهِ
[الخبر](٤) بعدها، وهو: ((إياه)»، على أن للنظر في هذا البيتِ مجالاً ليسَ هِذا
موضعَه. وعلى القول بأن لها مصدراً لا يجوز التصريحُ به معها، لا تقول:
(١) الآية ٧ من البقرة.
(٢) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٦٧٧؛ والأضداد ٨٤؛ وتفسير القرطبي ١٩٨/١.
والشمردلات: الإِبل الطوال، نرفع: نستحثها في السير، والوهج: الحر الشديد.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الأشموني ٢٣١/١؛ وابن عقيل ٢٣٤/١؛ والهمع ١١٤/١؛
والدرر ٠٨٣/١
(٤) سقطت من الأصل وثبتت في النسخ الأخرى.
١٣٠

- البقرة -
(كان زيد قائماً كونً))، قالوا: لأن الخبرَ كالعوض من المصدر، ولا يُجْمع بين
العِوَضِ والمُعَوَّضِ منه، وحينئذٍ فلا حاجةً إلى ضميرٍ عائدٍ على ((ما)) لأنها
حرفٌ مصدريٍّ على الصحيح خلافاً للأخفش(١) وابنِ السراج(٢) في جَعْلِ
المصدريَّة اسماً. ويجوز أن تكون ((ما)) بمعنى الذي، وحينئذ فلا بدَّ من تقديرٍ
عائدٍ أي: بالذي كانوا يكذِّبونه، وجاز حَذْفُ العائدِ لاستكمالِ الشروط(٣)، وهو
كونُه منصوباً متصلاً بفعل، وليس ثَمَّ عائدٌ آخرُ. وزعم أبو البقاء أنَّ كونَ
ما موصولةٌ اسمية هو الأظهرُ(٤)، قال: ((لأن الهاء المقدرةَ عائدةً على ((الذي))
لا على المصدرِ)) وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ، إذ لقائلٍ أن يقولَ: لا نُسَلِّم أنه
لا بدَّ من هاءٍ مقدرة، حتى يلزمَ جَعْلُ ((ما)) اسميةً، بل مَنْ قرأ ((يَكْذِبون»
مخففاً فهو عنده غيرُ متعَذَّ لمفعولٍ، ومَنْ قرأه مشدَّداً فالمفعولُ محذوفٌ
لِفَهْم المعنى أي: بما كانُوا يُكَذِّبون الرسولَ والقرآنَ، أو يكون المشددُ
بمعنى المخَفَّف. وقرأ الكوفيون(٥): ((يَكْذِبون)) بالفتح والتخفيفِ، والباقون
بالضمّ والتشديدِ(٦).
ويُكَذِّبون مضارع كَذَّب بالتشديد، وله معانٍ كثيرةٍ(٧): الرَّمْيُّ بكذا(٨)،
ومنه الآيةُ الكريمةُ، والتعديةُ نحو: فَرَّحْتُ زيداً، والتكثير نحو: قَطَّعْتُ
(١) لم يظهر هذا التقدير للأخفش في نصوص كتابه المعاني.
(٢) الأصول لابن السراج ١٦١/١.
(٣) انظر: ابن يعيش ١٥٢/٣؛ شرح الكافية ٤٢/٢.
(٤) الذي في كتابه ((الإملاء)) كونها هنا مصدرية ١٩/١؛ وقد يكون هذا رأياً له في كتاب
آخر، أو نسخة ثانية من كتابه الإِملاء.
(٥) يعنون بهذا المصطلح عاصًا وحمزة والكسائي، وعاصم بن بهدلة شيخ الإِقراء بالكوفة
أحد القراء السبعة، وروى عنه حفص وأبو بكر، توفي سنة ١٢٠. انظر: طبقات القراء
٣٤٦/١؛ وقد تقدمت ترجمة حمزة والكسائي.
(٦) انظر: السبعة ١٤١؛ والكشف لمكي ٢٢٧/١؛ والبحر ٦٠/١.
(٧) انظر: الممتع ١٨٨ .
(٨) قوله: ((الرمي بكذا)) غير واضح في الأصل.
١٣١

- البقرة -
الأثواب، والجَعْلُ على صفة نحو: قطَّرْتُه أي: جعلته مُقَطّرًا، ومنه (١):
١٨١ - قد عَلِمَتْ سَلْمِى وجاراتُها مَا قَطَّر الفارسَ إلا أنا
والتسميةُ نحو: فَسَّقْتُه أي سَمِّيْتُه فاسقاً، والدعاءُ له نحو: سَقَّيْتُه أي
قلت له: سَقاك الله، أو الدعاءُ عليه نحو: عَقَّرْته، أي: قلت له: عَقْراً لك،
والإِقامة على شيء نحو: مَرَّضْتُه، والإِزالة نحو: قَذَّيْتُ عينَه أي أزلْتُ قَذاها،
والتوجّه نحو: شَرَّق وغَرَّب، أي: تَوّجَّه نحو الشرق والغرب، واختصارُ
الحكاية نحو: أَمِّن قال: آمين، وموافقة تَفَعَّل وفَعَل مخففاً نحو: ولَّى بمعنى
تَوَلَّى، وقَدَّر بمعنى قَدَر، والإِغناء عن تَفَعَّل وفَعَل مخففاً نحو: حَمَّر أي تكلّمَ
بلغة حميرٍ، قالوا: ((مَنْ دَخَل ظَفارِ حَمَّر)) وعَرَّد في القتال(٢) هو بمعنى عَرِدٍ.
مخففاً، وإن لم يُلْفَظُ بهِ.
و((الكذب)) اختلف الناسُ فيه، فقائلٌ: هو الإخبار عن الشيء بغيرِ ما هو
عليه ذهناً وخارجاً، وقيل: بغير ما هو عليهِ في الخارجِ سواءً وافق اعتقاد
المتكلم أم لا. وقيل: الإخبارُ عنه بغيرِ اعتقادِ المتكلُّم سَواءً وافق ما في
الخارج أم لا، والصدقُ نقيضُهِ، وليس هذا موضعَ ترجيحٍ .
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تُفْسِدوا في الأرض﴾:
الآية. ((إذا)) ظرفُ زمنٍ مستقبل ويلزمُها معنى الشرطِ غالباً، ولا تكونُ إلا في
الأمرِ المحقق أو المرجّحِ وقوعُه فلذلك لم تَجْزم إلا في شعر لمخالفتِها أدواتِ
الشرط، فإنها للأمر المحتمل، ومن الجزم قولُه (٣):
١٨٢ - تُرفعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لي
. ناراً إذا خَمَدَتْ نيرانُهم تَقْدٍ
(١) البيت لعمرو بن معد يكرب، وهو في سيبويه ٣٧٩/١؛ واللسان: قطر؛ وابن يعيش
١٠١/٣، وقطر: صرع.
(٢) عرد: هرب.
(٣) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢١٦؛ والكتاب ٤٣٤/١؛ وابن يعيش ٤٧/٧.
١٣٢

- البقرة -
وقال آخر(١):
وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
١٨٣ - واستَغْنِ ما أغناك ربُّك بالغِنى
وقول الآخر(٢):
١٨٤ - إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلُها خُطانا إلى أعدائِنَا فَتُضَارِبٍ
فقوله: ((فَنُضارِبٍ)) مجزومٌ لعطفِه على محلُّ قولِه ((كان وصلُها)). وقال
الفرزدق(٣):
وكان إذا ما يَسْلُلِ السیفَ يَضْرِبِ
١٨٥ - فقام أبو لیلی إليه ابنُ ظالمٍ
وقد تكونُ للزمن الماضي کـ«إذ)، كما قد تكون إذْللمستقبل كـ(إذا))، وتكون
للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذٍ باقيةً على زمانيتها أو صارَتْ / ظرفَ مكانٍ [١٥/ب]
أو حرفاً؟ ثلاثةُ أقوال، أصحُّها الأولُ استصحاباً للحالِ، وهل تتصرَّف أم
لا؟ (٤) الظاهرُ عدمُ تَصَرُّفِها، واستدلَّ مَنْ زعم تصرُّفها بقولِه تعالى في قراءة
مَنْ قرأ: ((إذا وَقَعَتِ الواقعَةُ، ليس لوَقْعتها كاذبةٌ، خافضةً رافعةً إذا رُجَّتٍ
الأرضُ رَجَّأ)(٥) بنصب ((خافضةً رافعةً))، فَجَعَلَ ((إذا) الأولى مبتدأ والثانيةً
خبرَها، التقديرُ: وَقْتُ وقوعِ الواقعة وقتُ رَجِّ الأرض، وبقوله: ((حتى إذا
جاؤوها))(٦) ((حتى إذا كُنْتم))(٧)، فجعلَ ((حتى)) حرفَ جر و ((إذا)) مجرورةً بها،
(١) البيت لعبدقيس بن خفاف، وهو في الأصمعيات ٢٣٠؛ والمفضليات ٣٨٥؛ والخزانة
١٧٦/٢؛ والدرر ١٧٣/١. والخصاصة: الفقر وضيق العيش.
(٢) البيت لشهم بن مرة أو الأخنس بن شهاب، وهو في المفضليات ٢٠٧ برواية الذين
نضارب؛ والكتاب ٤٣٤/١؛ والحماسة الشجرية ١٨٦/١؛ وأمالي الشجري ٣٣٣/١.
(٣) ليس في ديوانه، وهو في ابن يعيش ٢٣٤/٨؛ والخزانة ١٨٥/٣.
(٤) انظر هذه المسألة في المغني ٩٨/١.
(٥) الآية ١ - ٤ من الواقعة، وهي قراءة الحسن وعيسى الثقفي. انظر: القرطبي
١٩٦/١٧.
(٦) الآية ٧١ من الزمر.
(٧) الآية ٢٢ من يونس.
١٣٣

البقرة :-
وسيأتي تحقيقُ ذلك في مواضِعِه. ولا تُضافُ إلا إلى الجملِ الفعليةِ خلافاً
للأخفش.
وقولُه تعالى: ((قيل)) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعولِ، وأصلُه: قُولَ كضُرِبَ
فاستُثْقِلت الكسرةُ على الواو، فَنُقِلَت إلى القافِ بعد سَلْبِ حركتِها، فَسَكَنَتَ
الواوُ بعد كسرةٍ فَقُلِبتُ ياءً، وهذه أفصحُ اللغاتِ، وفيه لغةً ثانية وهي
الإِشمامُ، والإِشمامُ عبارةٌ عن جَعْلِ الضمةِ بين الضمِ والكسرِ، ولغةٌ ثالثةً
وهي إخلاصُ الضم، نحو: قُوْلَ وبُوعَ، قال الشاعر(١):
ليت شباباً بُوْعَ فاشتريْتُ
١٨٦ - ليت وهل يَنْفَع شيئاً ليتُ
وقال آخر (٢):
تَخْتَبِطَ الشَّوْكَ ولا تُشَاكُ
١٨٧ - حُوكَتْ على نِيْرَيْنِ إِذْ تُحاكُ
وقال الأخفش(٣): ((ويجوزُ ((قُيْل)) بضم القَّافِ والياءُ)) يعني مع الياء
لا أنَّ الياءَ تضمُّ أيضاً. وتجيءُ هذه اللغاتُ الثلاثُ في اختار وانقاد ورَدَّ وجَبَّ
ونحوها، فتقول: اختير بالكسرِ والإِشمامِ واختُور، وكذلك انقيد وانقُود ورُدَّ
ورِدِّ، وأنشدوا (٤).
١٨٨ - وما حِلَّ مِنْ جَهْلِ حُبا حُلَمائِنا ولا قائِلُ المعروفِ فينا يُعنَّفُ
(١) البيت في ملحق ديوان رؤبة ٢٠٦/١؛ وابن يعيش ٧٠/٧؛ والهمع ٢٤٨/١؛ والدرر
٢٠٦/١٠.
(٢) البيت منسوب لرؤية وليس في ديوانه، والأشموني ٦٣/٢؛ والمسالك ٣٨٧/١؛ والعيني
٥٢٦/٢؛ والهمع ١٢٥/٢؛ والدرر ٢٢٣/٢. وحوكت: نسجت، لا تشاك: لا يدخل
فيها الشوك. يصف حِلةً مُحكمة النسج .
(٣) معاني القرآن للأخفش ٤١/١.
(٤) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٥٥٥؛ والكتاب ٢٦٠/٢؛ والمحتسب ٣٤٦/١ يقول:
حلماؤنا وُقْرٌّ في مجالسهم لا يُحِلُّون حُباهم خِفةً وجهلاً على مَنْ جهل عليهم.
١٣٤

- البقرة -
بكسر حاء ((حلَّ)) وقرىء: ((ولو رِدُّوا))(١) بكسر الراء، والقاعدةُ فيما
لم يُسَمَّ فاعلُه أن يُضَمَّ أولُ الفعلِ مطلقاً، فإن كان ماضياً كُسِر ما قبلَ آخرِهِ
لفظاً نحو: ضُرِب أو تقديراً نحو: قِيلَ واخْتِير، وإن كان مضارعاً فُتح لفظاً نحو
يُضْرَبُ أو تقديراً نحو: يُقال ويُختار، وقد يُضَمُّ ثاني الماضي أيضاً إذا افتُتح
بتاءِ مطاوعةٍ نحو تُدُخْرج الحجرُ، وثالثُه إن افتتح بهمزةٍ وصل نحو: انطُلِقِ بزيدٍ .
واعلم أن شرطَ جوازٍ اللغاتِ الثلاث في قيل وغيض ونحوهما
أَلَّ يُلْبِسَ، فإن أَلْبس عُمِل بمقتضى عَدمِ اللَّبْس، هكذا قال بعضُهم، وإن
كان سيبويه قد أطلق جوازَ ذلك(٢)، وأشمَّ الكسائي: قيل(٣)، وغيض(٤)
وجيء(٥)، وحيل(٦) بينهم، وسيق (٧) الذين، وسيىء(٨) بهم، وسيئت(٩) وجوهُ،
وافقه هشام(١٠) في الجميع، وابنُ ذكوان في ((حيل)) وما بعدها، ونافع في
((سيىء) و((سيئَتْ)) والباقون بإخلاصِ الكسرِ في الجميع. والإِشمامُ(١١) له
معانٍ أربعةٌ في اصطلاح القرَّاء سيأتي ذلكَ في ((يوسف)» إن شاء الله تعالى عند
(مالك لاَ تَأْمَنَّا) (١٢) فإنه أليقُ به.
(١) الآية ٢٨ من الأنعام، وهي قراءة إبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش. انظر: البحر
٠١٠٤/٤
(٢) الكتاب ٢٦٠/٢ - ٣٦٠/٢.
(٣) الآية ١١ من البقرة.
(٤) الآية ٤٤ من هود.
(٥) الآية ٦٩ من الزمر.
(٦) الآية ٥٤ من سبأ.
(٧) الآية ٧١ من الزمر.
(٨) الآية ٧٧ من هود.
(٩) الآية ٢٧ من الملك. وانظر: السبعة ١٤١ والكشف لمكي ٢٢٩/٢؛ والبحر ٦١/١.
(١٠) هشام بن عمار الدمشقي، أخذ عن أيوب بن تميم وروى عنه القاسم بن سلام، توفي
سنة ٢٤٥. انظر: طبقات ابن سعد ٤٧٣/٧؛ وطبقات القراء ٣٥٤/٢.
(١١) انظر بحثاً مفصلاً في الإشمام: الكشف ١٢٨/١.
(١٢) الآية ١١ من يوسف.
١٣٥

- البقرة -
و ((لهم)) جارُّ ومجرور متعلِّق بقيل، واللامُ للتبليغ، و((لا)) حرفُ نهي
تَجْزِمُ فعلاً واحداً، (تُفْسِدوا)) مجزومٌ بها، علامةُ جَزْمِه حذفُ النون لأنه من
الأمثلةِ الخمسةِ، و((في الأرضِ)) متعلّقٌ به، والقائمُ مقامَ الفاعل هو الجملةُ
من قوله ((لا تُفْسِدوا)) لأنه هو المقولُ في المعنى، واختاره أبو القاسم
الزمخشري(١)، والتقديرُ: وإذا قيل لهم هذا الكلامُ أو هذا اللفظُ، فهو من
باب الإِسنادِ اللفظي. وقيل (٢): القائمُ مقام الفاعلِ مضمرٌ تقديرُه: وإذا قيل
لهم [قولٌ] هو، ويُفَسِّر هذا المضمَر سياقُ الكلامِ كما فسَّرَه في قوله: ((حتى
توارَتْ بالحجابِ ))(٣) والمعنى: ((وإذا قيل لهم قولٌ سَديدٌ)) فَأُضْمِر هذا القولُ
الموصوفُ، وجاءَتِ الجملةُ بعده مفسرةً فلا موضعَ لها من الإعراب، قال:
((فإذا أَمْكَنَ الإِسنادُ المعنويُّ لم يُعْدَل إلى اللفظي، وقد أمكن ذلك بما تقدَّم)» وهذا
القولُ سبقه إليه أبو البقاء(٤) فإنه قال: ((والمفعولُ القائِمُ مقامَ الفاعل مصدرٌ
وهو القولُ وأُضْمر لأنَّ الجملة بعده تفسِّره(٥)، ولا يجوزُ أن يكونَ ((لا تُفْسِدِوا))
قائماً مقامَ الفاعلِ لأنَّ الجملة لا تكون فاعلةً فلا تقومُ مقامَ الفاعل»: انتهى.
وقد تقدَّم جوابُ ذلك مِنْ أنَّ المعنى: وإذا قيل لهم هذا اللفظُ، ولا يجوزُ أن
يكونَ ((لهم)» قائماً مقامَّ الفاعلِ إلا في رأي الكوفيين والأخفشِ(٦)، إذ يجوزُ
عندهم إقامةُ غيرِ المفعولِ به مع وجودِهِ. وتلخّص مِنْ هذا أنَّ جملةَ قولِه:
((لا تُفْسدوا)) في محلٌّ رفعٍ على قولِ الزمخشري، ولا محلّ لها على قول
أبي البقاء ومَنْ تبعه. والجملةُ من قوله: ((قيل)) وما في حَيِّزه في محلٌّ خَفْض
(١) الكشاف ١٨١/١.
(٢) القائل أبو حيان في البحر ٦٤/١.
(٣) الآية ٣٢ من سورة ص، والشاهد إضمار فاعل ((توارث)) وهو الشمس لدلالة الحال.
(٤) الاملاء ١٨/١، أي: أبو البقاء سبق أبا حيان.
(٥) والتقدير: وإذا قيل لهم قَوْلُ هو لا تفسدوا.
(٦) لم يظهر هذا الإِعراب للأخفش في نصوص كتابه المعاني.
١٣٦

- البقرة -
بإضافةِ الظرفِ إليه. والعاملُ في ((إذا)) جوابُها عند الجمهور وهو ((قالوا))،
والتقدير: قالوا إنما نحن مصلحون وقتَ القائل لهم لا تُفْسدوا، وقال
بعضهم(١): ((الذي نختاره أنَّ الجملةَ / التي بعدَها وتليها ناصبةٌ لها، وأنَّ [١٦/أ]
ما بعدها ليس في محلِّ خفض بالإِضافةِ لأنها أداةُ شرط، فحكمُها حكمُ
الظروفِ التي يُجازى بها، فكما أنك إذا قلتَ: ((متى تقمْ أقمْ)) كان ((متى)
منصوباً بفعل الشرط فكذلك ((إذا)). قال هذا القائل: ((والذي يُفْسد مذهبَ
الجمهور جوازُ قولك: ((إذا قمت فعمروٌ قائمٌ))، ووقوعُ ((إذا)) الفجائية جواباً لها،
وما بعد الفاء وإذا الفجائية لا يَعْمل ما بعدهما فيما قبلهما. وهو اعتراضُ
ظاهر.
وقوله: ((إنما نحن مصلحون)) ((إنَّ)) حرفُ مكفوفٌ بـ((ما)) الزائدة عن
العمل(٢)، ولذلك تليها الجملةُ مطلقاً، وهي تفيدُ الحصرَ عند بعضِهم. وأَبْعَدَ
مَنْ زعم أن ((إنما)) مركبة من ((إنَّ)) التي للإثبات و((ما)) التي للنفي، وأنَّ
بالتركيب حدث معنَى يفيد الحصرَ. واعلم أنَّ ((إنَّ) وأخواتِها إذا ولِيتُها ((ما)»
الزائدةُ بَطَلَ عملُها وذهب اختصاصُها بالأسماء كما مرَّ، إلا ((ليت)) فإنه يجُز
فيها الوجهان سماعاً، وأنشدوا قول النابغة(٣):
١٨٩ - قالتْ ألا ليتما هذا الحمامُّ لنا إلى حمامتنا ونصفُّهُ فَقَدٍ
برفع ((الحمام)) ونصبه، فأمَّا إعمالُها فلبقاءِ اختصاصِها، وأمَّا إهمالُها
فلحَمْلِها على أخواتها، على أنه قد رُوي عن سيبويه(٤) في البيت أنها معملةٌ
(١) القائل أبو حيان في البحر ٦٤/١.
(٢) الأصل: العامل وهو سهو.
(٣) ديوانه ١٦؛ والخصائص ٤٦٠/٢؛ والمقرب ١١٠/١؛ والخزانة ٢٩٧/٤؛ وشواهد
المغني ٧٥؛ والدرر ١٢١/١. وفقد: حسب.
(٤) الكتاب ٢٨٢/١.
١٣٧

---
- البقرة :
على رواية الرفع أيضاً بأن تَجْعل ((ما)) موصولةً بمعنى الذي، كالتي في قوله
تعالى: ((إنما صَنعوا كيدُ ساحرِ))(١) و((هذا)) خبرُ مبتدأ محذوف هو العائدُ،
و ((الحَمام)) نعتُ لـ((هذا) و ((لنا)) خبر لليت(٢)، وحُذِف العائدُ وإنْ لم تَظُلْ
الصلةُ، والتقدير: ألا ليت الذي هو هذا الحمامُ كائنٌ لنا، وهذا أَوْلِى من أن
يُدَّعَى إهمالُها، لأن المقتضَى للإِعمال - وهو الاختصاصُ - باقٍ. وزعم
بعضُهم أن ((ما)) الزائدةَ إذا اتصلت بإنَّ وأخواتِها جاز الإِعمالُ في الجميع.
و ((نحن)) مبتدأ، وهو ضميرٌ مرفوعٌ منفضلٌ للمتكلم، ومن معه،
أو المعظّمِ نفسه، و ((مصلحون)» خبرُه، والجملةُ في محلِّ نصبٍ لأنها محكيةٌ
بقالوا. والجملة الشرطيةُ وهي قولُه: ((وإذا قيلَ لهم)) عطفُ على صلة مَنْ،
وهي ((يقولُ))، أي: ومن الناس مَنْ يقول، ومن الناس مَنْ إذا قيل لهم لا تُفْسِدُوا
في الأرض قالوا :. وقيل: يجوز أَنْ تكونَ مستأنفةً، وعلى هذين القولين
فلا محلّ لها من الإِعراب لما تقدم، ولكنها جزءً كلامٍ على القول الأول
وكلامٌ مستقل على القول الثاني، وأجازّ الزمخشري(٣) وأبو البقاء(٤) أن تكون
معطوفةً على ((يَكْذِبُونَ)) الواقع خبراً لـ((كانوا))، فيكونَ محلُّها النصبَ. ورَدَّ
بعضُهم عليهما بأنَّ هذا الذي أجازاه على أحدٍ وَجْهَي ((ما)) مِنْ قوله ((بما كانوا
يَكْذِبُون)) خطأٌ، وهو أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي، إذ لا عائدَ فيها يعود على
((ما)) الموصولةِ، وكذلك إذا جُعِلت مصدريةٌ فإنها تفتقرُ إلى العائد عند
الأخفش وابن السراج(٦). والجوابُ عن هذا أنهما لا يُجيزان ذلك إلا وهما
(١) الآية ٦٩ من سورة طه.
(٢) الأصل: ((لان)) وهو سهو، لأن الحديث عن بيت النابغة.
(٣) الكشاف ١٧٩/١.
(٤) ليس في إملاء أبي البقاء إشارة إلى ذلك.
(٥) وهو أبو حيان في البحر: ٦٣/١.
(٦) لأنهما يرون اسمية (ما)) المصدرية. انظر: الأصول لابن السراج ١٦١/١.
١٣٨

- البقرة -
يعتقدان أن ((ما)» موصولةٌ حرفية(١)، وأمّا مذهبُ الأخفش وابن السراجِ
فلا يلزمهما القولُ به، ولكنه يُشْكِل على أبي البقاء وحدَه فإنه يستضعف كونَ
((ما)» مصدريةً كما تقدم.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾: الآية. ((ألا)) حرف
تنبيه واستفتاح(٢)، وليست مركبةً مِنْ همزةِ الاستفهام ولا(٣) النافية، بل
هي بسيطةٌ، ولكنها لفظً مشترك بين التنبيه والاستفتاح، فتدخلُ على الجملة
اسميةٌ كانت أو فعلية، وبين العَرْض والتخصيص، فتختصُّ بالأفعال لفظاً
أو تقديراً، وتكون النافية للجنس دَخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهام، ولها أحكامٌ
تقدَّم بعضها عند قوله((لا ريب فيه»(٤)، وتكونُ للتمني فتجري مَجْری ((ليت)» في
بعض أحكامِها. وأجاز بعضُهم أن تكون جواباً بمعنى بلى، يقول القائل:
لم يقم زيد، فتقول: ألا، بمعنى بلى قد قام، وهو غريب(٥).
و ((إنهم)) ((إنَّ) واسمُها، و((هم)) تَحْتمل ثلاثةَ أوجه، أحدها: أن تكون
تأكيداً لاسم ((إِنَّ) لأنَّ الضميرَ المنفصلَ المرفوعَ يجوز أن يؤكّد به جميعُ ضروبِ
الضمير المتصلِ، وأن تكون فصلاً، وأن تكونَ مبتدأو((المفسدون)» خبره،
وهما (٦) خبرٌ لـ ((إِنَّ))، وعلى القَولَيْنِ الْأَوَلَيْنِ يكونُ ((المفسدون)» وحدَه خبراً لإِنَّ.
وجيء في هذه الجملة بضروب من التأكيد، منها: الاستفتاحُ والتنبيه والتأكيدُ
بإِنَّ وبالإِتيانِ بالتأكيدِ أو الفصلِ بالضميرِ وبالتعريفِ في الخبر مبالغةً في الردِّ
عليهم فيما ادَّعَوه من قولهم: إنما نحن مصلحون، لأنهم أَخْرجوا الجوابَ جملةً
(١) أي مصدرية.
(٢) انظر في أحكام ألا: المغنى ٧٧؛ الرصف ٧٨.
(٣) في الأصل: ((ما)» وهو سهو.
(٤) الآية ٢ من البقرة.
(٥) انظر: رصف المباني ٧٩، فقد نص عليها وحكم على شذوذها.
(٦) أي: جملة هم المفسدون خبر لإنهم، وقوله: ((هما)» الأصل: «على» وهو سهو.
١٣٩

- البقرة -
اسمية مؤكّدة بإنما، لِيَدُلُّوا بذلك على ثبوتِ الوصفِ لهم فردَّ الله عليهم بأبلَّغَ
وآكدَ مِمَّا ادَّعَوِهِ.
قوله تعالى: ((ولكن لا يَشْعرون» الواوُ عاطفةً لهذه الجملةِ على ما قبلها
.[١٦/ب] و((لكن)) معناها الاستدراك، وهو معنّى لا يفارقها، وتكون / عاطفةً في
المفردات، ولا تكون إلا بين ضِدِّيْن أو نقيضَيْن، وفي الخلافین خلافٌ، نحو:
(ما قام زيدٌ لكن خرج بكر))، واستدلَّ بعضُهم على ذلك بقولٍ طرفة(١).
١٩٠ - ولستُ بحَلَّلِ التَِّاعِ لِبَيْتِهِ ولكن متى يَسْترفدِ القومُ أَرْفِدٍ
فقوله: ((متى يستْرفَدِ القوم أرفدٍ)) ليس ضداً ولا نقيضاً لما قبله، ولكنه
خلافُه. قال بعضهم: وهذا لا دليلَ فيه على المُذَّعَى، لأنَّ قولَه: ((لستُ بحلال
التّلاعِ لبيته)) كنايةً عن نفي البخلِ أي: لا أَحُلُّ التلاعَ لأجلِ البخلِ ،
وقوله: ((متى يسترفد القوم أرفد)) كنايةٌ عن الكرم، فكأنه قال: لست بخيلاً
ولكن كريماً، فهي هنا واقعةٌ بين ضِدَّيْنِ. ولا تعملُ مخفَّفةً خلافاً ليونس (٢)،
ولها أحكامٌ كثيرة.
ومعنى الاستدراكِ في هذه الآيةِ يحتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ ونَظَرِ، وذلك
أنهم لَمَّا نُهُوا عن اتخاذٍ مثلٍ ما كانوا يتعاطَونه من الإِفساد فقابلوا ذلك بأنهم
مصلحون في ذلك، وأخبر تعالى بأنهم هم المفسدون، كانوا حقيقين بأن
يَعْلَموا أن ذلك كما أخبر تعالى وأنهم لا يَدَّعُون أنهم مصلحون، فاستدرك
عليهم هذا المعنى الذي فاتَّهم من عدمِ الشعورِ بذلك، ومثلُه قولك: ((زيدٌ
جاهلٌ ولكن لا يعلم))، وذلك أنه من حيث اتصف بالجهل، وصار الجهلُ
وصفاً قائماً به كان ينبغي أن يَعْلَمَ بهذا الوصفِ من نفسه، لأن الإِنسانَ ينبغي
(١) البيت من معلقته، وهو في ديوانه ٢٨؛ وسيبويه ٤٤٢/١؛ والخزانة ٦٥٠/٣
(٢) يونس بن حبيب، روى عن أبي عمرو، وروى عنه الجرمي، توفي سنة ١٨٢ وله:
النوادر والأمثال. انظر: البلغة ٢٩٥؛ البغية ٣٦٥/٢ ..
١٤٠