النص المفهرس

صفحات 61-80

- الفاتحة -
ما يُحْكى أن ليلى الأخيلية من أهل هذه اللغة فدخلت ذات يومٍ على الحجّاج
وعنده النابغة الجعدي فذكرتْ شِدَّة البرد في بلادِها، فقال لها النابغة الجعدي
وَعَرَفَ أنها تقع فيما أراد: فكيف تصنعون؟ ألا تَكْتَنُون في شدة البرد،
فقالت: بلى، نِكْتَنِي، وكَسَرتِ النونَ، فقال: لو فَعْلْتُ ذلك لاغتسلْتُ،
فضحك الحجاج وخجلت لیلی.
والاستعانة: طلبُ العَوْن، وهو المظاهرَةُ والنَّصْرَةُ، وقَدَّم العبادةَ على
الاستعانة لأنها وَصْلَةٌ لطلب الحاجة، وأطلق كُلَّ من فِعْلي العبادة والاستعانة
فلم يَذْكر لهما مفعولاً ليتناولا كلَّ معبودٍ به وكلَّ مستعانٍ عليه، أو يكونُ المراد
وقوع الفعل من غير نظرٍ إلى مفعولٍ نحو: ((كُلوا واشربوا))(١)، أي أَوْقِعوا
هذين الفعلينِ.
أ. (٥) قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصراطَ﴾: إلى آخرها: اهْدٍ: صيغةٌ
أمرٍ ومعناها الدعاءُ. وهذه الصيغةُ تَرِدُ لمعانٍ كثيرةٍ ذكرها الأصوليون. وقال
بعضهم: إِنْ وَرَدَتْ صيغة افعَلْ من الأعلى للْأَدنى قيل فيها أمرٌ، وبالعكس
دعاءً، ومن المساوي التماسُ. وفاعلُه مستترٌ وجوباً لما مَرَّ، أي: أهدٍ أنت،
ونا مفعول أول، وهو ضميرٌ متصلٌ يكونُ للمتكلم مع غيرِهِ أو المعظّم نفسَه،
ويستعملُ في موضع الرفع والنصب والجر بلفظٍ واحدٍ: نحو: قُمِنَا وضرَبَنَا زيدٌ
وَمَرَّ بنا، ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيرُه من الضمائر. وقد زعم بعض
الناس أن الياء كذلك. تقول: أكرمَنَي وَمَرَّ بي، وأنت تقومين يا هند، فالياء
في المثال الأول منصوبةٌ المحلِّ، وفي الثاني مجرورتُه، وفي الثالث مرفوعتُه.
وهذا ليس بشيء، لأن الياءَ في حالة الرفع ليست تلك الياء التي في حالة
النصب والجر، لأن الأولى للمتكلم ، وهذه للمخاطبةِ المؤنثةِ. وقيل: بل
يشاركه لفظُ ((هُمْ))، تقول: هم نائمون وضربَهم ومررت بهم، ف (هم))
(١) الآية ٦٠ من سورة البقرة.
٦١

مرفوعُ المحلِّ ومنصوبُه ومجرورهُ بلفظٍ واحدٍ، وهو للغائبين في کلی حال،
وهذا وإن كان أقربَ مِن الأول، إلا أنه في حالة الرفع ضميرٌ منفصل، وفي
حالة النصب والجر ضميرٌ متصلٌ، فافترقا، بخلاف ((نا) فإن معناها
لا يختلف، وهي ضمير متصلٌ في الأحوال الثلاثة(١).
والصراطَ: مفعول ثان، والمستقيمَ: صفتُه، وقد تَبِعه في الأربعة من
العشرة المذكورة(٢).
وأصل ((هَدَى)) أن يتعدى إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرفِ الجر وهو
إمّا: إلى أو اللام، كقوله تعالى: ((وإنك لتهدي إلى صراط))(٣) «يهدي للتي هي
أَقْوَمُ))(٤)، ثم يُتَّسَعُ فيه، فيُحذَفُ الحرفُ فيتَعَدَّى بنفسِه، فَأَصِلُ اهدِنَا
الصراط: اهدنا الصراط أو إلى الصراطِ، ثم حُذِف.
والأمرُ عند البصريين مبنيٌّ(٥) وعند الكوفيين معرب، وَيدَّعون في نحو:
((اضرب)) أنَّ أصله: لِتَضْرِب بلام الأمر، ثم حُذِف الجازم وَتِبِعه حرفُ
المضارعة وأُتِيَ بهمزة الوصل لأجلِ الابتداء بالساكن، وهذا ما لاحاجة
إلیه، وللردّ عليهم موضع أَلْقُ به.
ووزن اهْدِ: اقْعٍ، حُذِفَت لامُه وهي الياء حَمْلاً للأمر على المجزوم
والمجزوم تُحذف منه لامُه إذَا كَانَتْ حرفَ علٍ.
(١) انظر: شرح ابن عقيل ٨٣/١.
(٢) انظر: الورقة ٣أ.
(٣) الآية ٥٢ من الشورى.
(٤) الآية ٩ من الإِسراء.
(٥) انظر: الإنصاف ٥٢٤/٢.
٦٢

والهدايةُ: الإِرشادُ(١) أو الدلالةُ أو التقدمُ، ومنه هَوادِي الخيل لتقدُّمِها
قال امرؤ القيس (٢):
٦٧ - فَأَلْحَقَه بالهاديات ودونه جواحِرُها في صَرَّةٍ لم تَزَيَّلِ
أو التبيينُ نحو: ((وأمَّا ثمودُ فهديناهم)) (٣) أي بَيِّنًا لهم، أو الإِلهامُ، نحو:
(أَعْطَى كلِّ شيء خَلْقَه ثم هَدَى))(٤) أي ألهمه لمصالحه(٥)، أو الدعاءُ كقوله
تعالى: (ولكلِّ قومٍ هادٍ)(٦) أي داعٍ. وقيل هو المَيلُ، ومنه ((إِنَّا هُدْنا
إليك))(٧)، والمعنى: مِلْ(٨) بقلوبنا إليك، وهذا غَلَطٌّ، فإنَّ تَيْكَ مادة أخرى
من هادَ يَهُود. وقال الراغب(٩): ((الهدايةُ دَلالةٌ بلطفٍ ومنه الهَدِيَّةُ وهوادي
/ الوحش أي المتقدِّماتُ الهاديةُ لغيرها، وخُصِّ ما كان دلالةً بَهَدَيتُ، [٨/أ]
وما كان إعطاءً بأَهْدیت.
والمصراطُ: الطريقُ المُسْتَسْهَل، وبعضهُم لا يقيِّدُه بالمستسهلِ ، قال(١٠) :
٦٨ - فَضَلَّ عن نّهْج الصراطِ الواضِحِ
(١) انظر: مفردات الراغب ٥٣٦.
(٢) ديوانه ١٨، وشرح التبريزي على المعلقات ١١٦. وجواحرها: متخلفاتها، والصرة:
الشدة أو الغبار.
(٣) الآية ١٧ من سورة فصلت.
(٤) الآية ٥٠ من سورة طه.
(٥) لعل الصواب: مصالحه.
(٦) الآية ٧ من سورة الرعد.
(٧) الآية ٥٦ من سورة الأعراف.
(٨) كذا في الأصل، لعلها: مِلْنا.
(٩) المفردات : ٥٣٦.
(١٠) لم تُهتد إلى قائله، وهو في مجاز القرآن ٢٤/١؛ والطبري ٥٧/١؛ وتفسير ابن عطية
١٢١/١؛ والقرطبي ١٤٧/١.
٦٣

- الفاتحة -
ومثله(١):
إذا أْوَجَّ المَوارِدُ مستقِيمٍ
٦٩ - أميرُ المؤمنين على صِراطٍ
وقال آخر(٢):
٧٠ - شحنًا أرضهم بالخیلِ حتی
تَرَكْناهُمْ أَذَلَّ من الصِّرَاطِ
أي الطريق، وهو مشتق من السّرْطِ، وهو الابتلاعُ: إِمَّا لأن سالكه
يَسْتَرِطِه أو لأنه يَسْتَرِطِ سالكَه، ألا ترى إلى قولهم: ((قَتَلَ أرضاً عالِمُها وقتلت
أرضٌ جاهلَهَا))(٣)، وبهذين الاعتبارين قال أبو تمام(٤):
٧١ - رَعَتْه الفيافي بعدما كان حِقْبَةً رعاها وماءُ المُزْنِ يَنْهَلُّ سَاكِبُهْ
وعلى هذا سُمِّي الطريق لَقَماً ومُلْتَقِماً لأنه يلتقِمُ سالكه أو يلتقِمُه
سَالِكُه.
وأصلُه السينُ، وقد قَرَأْ به قنبل(٥) حيث وَرَدَ(٦)، وإنما أُبدلَتْ صاداً
لأجل حرف الاستعلاء وإبدالُها صاداً مطردٌ عنده نحو: صَغّر في سَقَرَ، وصُلْح
في سُلْح، وإصْبَع في اسبَع، ومُصَيْطِرٍ فِي مُسَيْطر، لما بينهما من التقارب.
(١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٥٠٧؛ ومجاز القرآن ٢٤/١؛ وتفسير الطبري ٥٧/١؛
والمحتسب ٤٣/١؛ وتفسير ابن عطية ١٢١/١؛ واللسان: سرط.
(٢) البيت لأبي ذؤيب، وليس في ديوان الهذليين، وهو في تفسير الطبري ٧٠/١؛ وتفسير
القرطبي ١٤٧/١.
(٣) جمهرة الأمثال ١٢١/٢؛ مجمع الأمثال ١٠٨/٢.
(٤) ديوانه ٢٣٠/١؛ ومفردات الراغب ٢٣٥. والضمير في ((رعته)) يعود إلى البعير.
(٥) محمد بن عبدالرحمن المكي، روى عن البزي وروى عنه محمد بن إسحاق، توفي سنة
٢٩١. انظر: الطبقات لابن الجزري ١٦٥/٢.
(٦) انظر: السبعة ١٠٥؛ ابن عطية ١٢٢/١؛ البحر ٢٥/١.
٦٤

- الفاتحة -
وقد تُشَمُّ الصادُ في الصراطِ ونحوهِ زاياً، وقرأ به خلف(١) حيث وَرَد،
وخلَّاد(٢) الأول فقط، وقد تُقْرَأُ زاياً مَخْضَةً، ولم تُرْسم في المصحف إلا بالصادِ
مع اختلافٍ قراءاتِهم فيها كما تقدم.
والصِّراطُ يُذَكَّر ويؤنَّث، فالتذكيرُ لغة تميم، والتأنيث لغة الحجاز، فإنْ
استُعْمل مذكَّراً جُمِعَ في القلة على أَفْعِلة، وفي الكثرة على فُعُل، نحو: حِمار
وأَحْمِرة وحُمُر، وإن استعمل مؤنثاً فقياسُه أَن يُجْمع على أَفْعُل نحو: ذِراع
وَأَذْرُع. والمستقيم: اسم فاعل من استقام بمعنى المجرد، ومعناه السويُّ من
غير اعوجاج وأصله: مُسْتَقْوِم، ثم أُعِلَّ كإعلالِ نَسْتعين، وسيأتي الكلامُ
مستوفى على مادته عند قوله تعالى: (يُقيمونَ الصلاة))(٣).
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿صراطَ الذين﴾: بدلٌ منه بدلُ كلٍ من كل،
وهو بدلُ معرفةٍ من معرفة، والبدلُ سبعة أقسام، على خلافٍ في بعضها: بدلُ
كلٍ من كل، بدلُ بعض من كل، بدلُ اشتمال، بدل غلط، بدل نسيان، بدل
بَداء(٤)، بدل كل من بعض. أمّا الأقسامُ الثلاثة الْأُوَلُ فلا خلافَ فيها، وأمّا
بَدَلُ البَدَاءِ فأثبته بعضهم مستدلاً بقوله عليه السلام: ((إنَّ الرجل ليصلي
الصلاةَ، وما كُتب له نصفُها ثلثُها ربعُها إلى العُشْر))(٥)، ولا يَرِدُ هذا في
(١) خلف بن هشام البزار البغدادي أحد القراء العشرة، وروى عن سليم عن حمزة وسمع
من الكسائي، وروى عنه أحمد بن إبراهيم، توفي سنة ٢٢٩. انظر: طبقات ابن
الجزري ٢٧٢/١؛ طبقات ابن سعد ٣٤٨/٧.
(٢) خلاد بن خالد الكوفي إمام في القراءة، أخذ عن سليم والجعفي، وروى عنه الحلواني.
توفي سنة ٢٢٠. انظر: طبقات القراء ٢٧٤/١.
(٣) الآية ٣ من البقرة.
(٤) البداء: ظهور الصواب بعد خفائه.
(٥) رواه أحمد انظر: الفتح الرباني ١٣٨/٤؛ فيض القدير ٣٣٤/٢.
٦٥

- الفاتحة -
القرآن، وأمّا الغَلطُ والنِّسيانُ فأثبتهما بعضُهم مستدلاً بقول ذي الرمة (١):
٧٢ - لَمْياءُ في شِفَتْها حُوَّةٌ لَعَسَ وفي اللُّتاثِ وفي أَنْيَابِهَا شَنَبُ
قال: لأنَّ الحُوَّةِ السوادُ الخالص، واللَّعَسُ سوادٌ يَشُوبه حمرة. ولا يَرِدُ
هذان البدلان في كلامٍ فصيحٍ ، وأمَّا بدلُ الكلِّ من البعضِ فأثبته بعضُهم
مستدلاً بظاهر قوله (٢):
٧٣ - رَحِم اللهُ أَعْظُماً دَفُوها.
بسجِسْتَان طَلْحَةَ الطََّحاتِ
في روايةِ مَنْ نَصَبَ «طلحة)) قال: لأن الأعظُمَ بعضُ طلحة، وطلحة كلّ،
وقد أُبْدِل منها، واستدلَّ على ذلك أيضاً بقول امرىء القيس (٣):
٧٤ - كأني غداةَ البَيْنِ يومَ تُحَمُّلُوا لدى سَمُراتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلَ
فغداةَ بعضُ اليوم، وقَد أبدل ((اليومَ)) منها. ولا حُجَّة في البيتين، أمّا
الأولُ: فإن الأصل: أَعظُماً دفنُوها أعظمَ طلحة، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم
المضاف إليه مُقامه، ويَدُلُّ على ذلك الروايةُ المشهورة وهي جر ((طلحة))،
على أن الأصل: أعظُمَ طلحة، ولم يُقِم المضافَ إليه مُقَامَ المضاف، وأمّا
الثاني فإن اليوم يُطلق على القطعة من الزمان كما تقدَّم. ولكلُ مذهبٍ من هذه
المذاهب دلائلُ وإيرادات وأجوبةٌ، موضوعُها كتب النحو(٤).
(١) ديوانه ٣٢؛ والخصائص ٢٩١/٣؛ وشرح الأشموني ١٢٧/٣؛ والهمع ١٢٦/٢؛
والدرر ١٦٢/٢؛ والعيني ٢٠٢/٤. والحوة: حمرة في الشفة تضرب إلى السواد،
واللعس: سواد اللثة والشفة، واللثاث: مغرز الأسنان، والشنب: برودة وعذوبة في
الفم ورقّةٍ في الأسنان.
(٢) البيت لابن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ٢٠، وفيه: نَضَر الله، والإنصاف ٤١؛ وابن
يعيش ٤٧/١؛ واللسان: طلح، ورصف المباني ٢٩٧؛ والهمع ١٢٧/٢؛ والدرر
١٦٢/٢.
(٣) البيت من معلقته المشهورة، وهو في ديوانه ٩. وغداة البين: صبيحة الفراق. تحمَّلوا:
ارتحلوا، السمرات: شجر بعينه.
(٤) انظر في أحكام البدل وأقسامه: ابن يعيش ٦٣/٣؛ ابن عقيل ١٩٤/٢.
٦٦

- الفاتحة -
وقيل: إن الصراطَ الثاني غيرُ الأول والمرادُ به العِلْمُ بالله تعالى، قاله
جعفربن محمد (١)، وعلى هذا فتخريجُه أن يكونَ معطوفاً حُذِف منه حرفُ
العطفِ وبالجملةِ فهو مُشْكِلٌ.
والبدلُ ينقسِمُ أيضاً إلى بدلِ معرفةٍ من معرفة ونكرةٍ من نكرة ومعرفةٍ
من نكرة ونكرة من معرفة، وينقسم أيضاً إلى بدلٍ ظاهرٍ من ظاهرٍ ومضمرٍ من
مضمرٍ وظاهرٍ من مضمر ومضمرٍ من ظاهر. وفائدةُ البدلِ: الإِيضاحُ بعد
الإبهام، ولأنه يُفيد تأكيداً من حيث المعنى إذ هو على نيَّةِ تكرارِ العاملِ.
و ((الذين)) في محل جرِّ بالإِضافة، وهو اسمٌ موصولٌ لافتقارِه إلى صلةٍ
وعائدٍ وهو جمع ((الذي)) في المعنى، والمشهورُ فيه أن يكون بالياء رفعاً ونصباً
وجراً، وبعضهم يرفعه بالواو جَرْياً له مَجْرى جمعِ المذكر السالم ومنه(٢):
٧٥ - نحن اللذونَ صَبَّحوا الصَّباحا يومَ النُّخَيْلِ غَارةٌ مِلْحَاحًا
وقد تُحْذف نونه استطالةً بصلتِهِ، كقوله(٣):
٧٦ - وإنَّ الذي حَانَتْ بقَلْجٍ دماؤُهُمْ هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ
ولا يقع إلا على أولي العلم جَرْياً به مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ،
بخلاف مفرده، فإنه يقع على أولي العلم وغيرهم.
وأَنْعَمْتَ: فعلٌ وفاعلٌ صلةُ الموصول، والتاءُ في ((أنعمتَ)) ضميرٌ
(١) جعفر الصادق، قرأ على آبائه زين العابدين ومحمد الباقر وتوفي سنة ١٤٨. انظر:
طبقات القراء ١٩٦/١.
(٢) البيت لأبي حرب بن الأعلم أو ليلى الأخيلية، وهو في النوادر ٤٧؛ والأشموني
١٤٩/١؛ وابن عقيل ١٠٨/١؛ والدرر ٣٦/١؛ والهمع ٦١/١؛ والخزانة ٥٠٦/٢.
والنخيل: اسم مكان، والملحاح: الشديدة.
(٣) البيت للأشهب بن رميلة أو حريث بن محفض، وهو في الكتاب ٩٦/١؛ والمحتسب
١٨٥/١؛ وأمالي الشجري ٣٠٧/٢؛ وابن يعيش ١٥٤/٣؛ ورصف المباني ٣٤١؛
والهمع ٤٩/١؛ والدرر ٢٤/١. وحانت: هلكت، وفلج: اسم موضع.
٦٧

- الفاتحة -
المخاطبِ ضميرٌ مرفوعٌ متصلٌ. و((عليهم)» جارٌّ ومجرور متعلقً بأَنْعمتِ،
والضميرُ هو العائد وهو ضميرُ جمعِ المذكَّرِين العقلاءِ، ويستوي لفظُ متصلهٍ
ومنفصلهِ.
والهمزة في ((أَنْعَمت)) لجَعْلٍ الشيء صاحبَ ما صيغ منه فحقّه أن
يتعدَّى بنفسه ولكنه ضُمِّن معنى تفضِّل فتعدَّى تعديَتّه. ولأفعل أربعةٌ
وعشرون(١) معنى، تقدَّم واحدٌ، والباقي: التعديةُ نحو: أخرجته، والكثرة
نحو: أَظْبى المكان أي كَثُر ◌ِباؤه، والصيرورة نحو: أَغَدَّ البعير صار ذا غُدَّة،
والإِعانة نحو: أَحْلَبْتُ فلاناً أي أَعَنْتُه على الحَلْبِ، والسَّلْب نحو: أَشْكَيْتُهُ
أي : أَزَلْتُ شِكايته، والتعريض نحو: أَبَعْتُ المتاعَ أي: عَرَضْتُه للبيع، وإصابة الشيء
بمعنى ما صيغ منه نجو: أَحْمدته أي وجدتُه محموداً، وبلوغُ عدد نحوة
أَعْشَرَتِ الدراهم، أي: بَلَغَتْ عشرةً، أو بلوغُ زمانٍ نحو أَصْبح، أو مكان
نحو: أَشْأَمَ، وموافقهُ الثلاثي نحو: أَحَزْتُ المكانِ بمعنى حُزْته، أو أغنى عن
الثلاثي نحو: أَرْقَلَ البعير (٢)، ومطاوعة فَعَل نحو: قَشْع الريحُ فَأَقْشع
السحابُ، ومطاوعة فَعَّل نحو: قَطَّرْتَه فَأَقْطَرَ، ونفي الغزيرة نحو: أَشْرِع(٣)،
والتسمية نحو: أخْطَأْتُه أي سَمَّيْتُه مخطئاً، والدعاء نحو: أَسْقيته أي قلت له:
سَقاك الله، والاستحقاق نحو: أَحْصَدَ الزرعُ أي استحق الحصاد، والوصولُ
[٨/ب] نحو: أَعْقَلْته، أي: وَصِّلْتُ عَقْلِي إليه، والاستقبال نحو /: أَفَقْتُه أي استقبلته
بقولي أُفّ، والمجيء بالشيء نحو: أكثرتُ أي جئتُ بالكثير، والفرقُ بِينَ
أَفْعَل وفَعَل نحو: أشرقت الشمس أضاءت، وشَرَقَتْ: طَلَعَتِ، والهجومُ نحو:
أَطْلَعْتُ على القوم أي: اطّلَعْتُ عليهم.
(١) انظر: الممتع ١٨٦؛ البحر ٢٦/١.
(٢) أرقل: مشي مشية معينة.
(٣) قال صاحب الشافية ٨٧/١: ((وقولهم أسرع وأبطأ في ((سَرُع)» و «بَطُؤَه ليس الهمزة فيهما
للنقل بل الثلاثي والمزيد فيه معاً غير متعدِّيَين، لكن الفرق بينهما أن سَرُع وبَطُؤْ أبلغ لأنهما
كأنهما غريزة كـ صَغُر وَكَبُر)) وانظر: الممتع ١٨٧.
٦٨.
۔۔

- الفاتحة -
و «على» حرف استعلاء حقيقةً أو مجازاً، نحو: عليه دَيْنٌ، ولها معانٍ
أُخَرُ (١)، منها: المجاوزة كقوله(٢):
٧٧ - إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْر لَعَمْرُ الله أعجبني رضاها
أي: عني، وبمعنى الباء: ((حقيقٌ على ألَّ أقولَ))(٣) أي بأَنْ، وبمعنى
في: ((ما تْلو الشياطينُ على ملك سليمان))(٤) أي: في ملك، والمصاحبة
نحو: ((وآتى المالَ على حُبِّهِ ذوي القربى))(٥)، والتعليل نحو: ((ولِتُكَبِّرُوا اللهَ
على ما هداكم))(٦)، أي: لأجل هدايته إياكم، وبمعنى مِنْ: ((حافظون إلا على
أزواجكم))(٧) أي: إلا من أزواجهم، والزيادة كقوله(٨):
على كلِّ أَقْنانِ العِضاءِ تَرُوقُ
٧٨ - أبى الله إلاّ أنَّ سَرْحَةً مالكٍ
الاية عنا
لأن ((تروق)) يتعدَّى بنفسه، ولكلِّ موضعٍ من هذه المواضع مجالّ للنظر.
وهي مترددةٌ بين الحرفية والاسمية، فتكونُ اسماً في موضعين،
أحدهما: أَنْ يدخلَ عليها حرفُ الجر كقوله(٩):
(١) انظر: المغني ١٥٢؛ ورصف المباني ٣٧١.
(٢) البيت للقحيف العقيلي، وهو في الخصائص ٣١١/٢؛ والمحتسب ٥٢/١؛ وشرح ابن
عقيل ٢١٥/٢؛ والدرر ٢٢/٢.
(٣) الآية ١٠٥ من الأعراف.
(٤) الآية ١٠٢ من البقرة.
(٥) الآية ١٧٧ من البقرة.
(٦) الآية ١٨٥ من البقرة.
(٧) الآية ٥ من المؤمنون .
(٨) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ٤١؛ والمغني ١٥٥؛ والأشموني ٢٢٢/٢؛ والهمع
٢٩/٢؛ والدرر ٢٣/٢. والسرحة: الشجرة العظيمة، كناية عن المرأة، والعضاة:
شجر له شوك.
(٩) البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي وهو في الكتاب ٣١٠/٢؛ النوادر ١٦٣؛ ابن يعيش ٨
/٣٧؛ الخزانة ٢٥٣/٤؛ العيني ٣٠١/٣؛ الدرر ٣٦/٢. يصف قطاة غدت عن فرخها طالبةً
لورْد، وتصلُّ : يصلُّ جوفُها يبساً من العطش، والقيض: قشر البيض، والزيزاء: الصحراء.
٦٩

- الفاتحة ــ
٧٩ - غَدَتْ مِنْ عليهِ بعد ماتَمَّ ظِمْوُها تَصِلُّ وعن قَيْضٍ بِزَيْزَاءَ مَجْهَلٍ
ومعناها معنى فوق، أي من فوقه، والثاني : أن يُؤَدِّيَ جَعْلُها حرفاً إلى
تعذّي فعلِ المضمرِ المنفصل(١) إلى ضميرِه المتصل في غيرِ المواضع الجائزِ
فيها(٢) ذلك كقوله(٣).
٨٠ - هَوِّنْ عليكَ فإنَّ الأمورَ بكفِّ الإِلهِ مقاديرُها
ومثلُها في هذين الحكمين: عَنْ، وستأتي إن شاء الله تعالى.
وزعم بعضُهم أنَّ (على)) مترددة بين الاسم والفعل والحرف: أمَّا الاسمُ
والحرفُ فقد تقدَّما، وأمَّ الفعلُ قال: فإنك تقول: ((علازيدٌ)) أي ارتفع وفي هذا
نظرٌ، لأنَّ ((على)) إذا كان فعلاً مشتقٌ من العلوّ، وإذا كان اسماً أو حرفاً
فلا اشتقاقَ له فليس هو ذاك، إلا أنّ هذا القائلَ يَرُدُّ هذا النظرَ بقولهم: إن
خَلَا وعدا مترددان بين الفعلية والحرفية، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر.
والأصل في هاء الكناية الضمُّ(٤)، فإنْ تقدَّمها ياءٌ ساكنة أو كسرة كسرها
غيرُ الحجازيين، نحو: عَلَيْهِم وفيهم وبهم، والمشهورُ في ميمها السكونُ قبل
متحرك والكسرُ قبل ساكنٍ، هذا إذا كَسَرْتَ الهاءَ، أمّا إذا ضَمَمْتَ فالكسرُ
ممتنعٌ إلا في ضرورة كقوله: ((وفيهُمِ الحكام)) بكسر الميم.
وفي ((عليهم)) عشر لغات قُرىء ببعضها(٥): عليهِمْ بكسر الهاء وضمُها
(١) في الأصل: المتصل وهو سهو.
(٢) المواضع هي باب ظن وفقد وعدم، فلا يقال: ضَرَبْتُني، وكلام المؤلف على مذهب
الأخفش، ورفضه ابن هشام في المغني ١٥٦، وقدر التعلق بمحذوف أو على حذف مضاف
في البيت أي هوّن على نفسك.
(٣) البيت للأعور الشّيِّ، وهو في الكتاب ٣١/١؛ والمغني ١٥٦ .
(٤) انظر: الإملاء للعكبري ٩/١.
(٥) انظر: الكشف لمكي ٣٥/١؛ السبعة ١٠٨؛ ابن عطية ١٢٦/١؛ والقرطبي ١٤٨/١؛
والبحر ٢٦/١:
٧٠٠

- الفاتحة -
مع سكون الميم، عليهِمي، عَلَيْهُمُ، عليهِمُو: بكسر الهاء وضم الميم بزيادة
الواو، عليهُمي بضم الهاء وزيادة ياء بعد الميم أو بالكسر فقط، عليهِمُ بكسر
الهاء وضم الميم(١)، ذكر ذلك أبو بكر ابن الأنباري(٢).
و ((غيرِ) بدلٌ من ((الذين)) بدلُ نكرة من معرفة، وقيل: نعتٌ للذين
وهو مشكلٌ لأن ((غير)) نكرةٌ و((الذين)» معرفةٌ، وأجابوا عنه بجوابين: أحدهما:
أن ((غير)» إنما يكون نكرةً إذا لم يقع بين ضدين، فأمّا إذا وقع بين ضدين فقد
انحصرت الغَيْرِيَّةُ فيتعرَّفُ ((غير)) حينئذٍ بالإِضافة، تقول: مررتُ بالحركة غير
(السكون)) والآيةُ من هذا القبيل، وهذا إنما يتمشَّى على مذهب ابن السراج
وهو مرجوح. والثاني: أن الموصولَ أَشْبَةَ النكرات في الإبهام الذي فيه فعومل
معاملةَ النكراتِ، وقيل: إنَّ ((غير)) بدلٌ من الضمير المجرور في ((عليهم))،
وهذا يُشْكِلُ على قول مَنْ يرى أن البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، ويُنَوَى بالأول
الطرحُ، إذ يلزم منه خَلُّ الصلة من العائدِ، ألا ترى أنَّ التقديرَ يصير: صراطَ
الذين أنعمت على غيرِ المغضوب عليهم.
و ((المغضوب)»: خفضٌ بالإِضافةِ، وهو اسمُ مفعول، والقائمُ مقامَ
الفاعلِ الجارّ والمجرور، فـ((عَليهم) الأولى منصوبةٌ المحلِّ والثانيةُ مرفوعتُه،
وأَلْ فيه موصولةٌ والتقديرُ: غيرِ الذين غُضِبَ عليهم. والصحيحُ في ألْ
الموصولة أنها اسمٌ لا حرفٌ.
واعلَمْ أنَّ لفظَ ((غير)) مفردٌ مذكرٌ أبداً، إلا أنه إنْ أريد به مؤنثٌ جاز
تأنيثُ فعلِه المسندِ إليه، تقول: قامت غيرُك، وأنت تعني امرأة، وهي في
الأصل صفةً بمعنى اسم الفاعل وهو مغايرٌ، ولذلك لا يتعرَّف بالإِضافة،
(١) لم يشر المصنف إلى: عَلَيْهِمِ ، عليهُمُو.
(٢) محمد بن القاسم على مذهب الكوفيين، وله: الزاهر والأمالي وغريب الحديث، توفي سنة
٣٢٨. انظر: إنباه الرواة ٢٠١/٣؛ وطبقات القراء ٣٣٠/١؛ البغية ٢١٢/١.
٧١

- الفاتحة -
وكذلك أخواتُها، أعني نحوَ: مثل وشِبْه وشبيه وخِذْن وتِرْب، وقد يُستثنى بها
حَمْلاً على ((إلّ))، كما يوصف بإلاّ حَمْلاً عليها، وقد يُراد بها النفيُّ کلا،
فيجوز تقديمُ معمولٍ معمولها عليها كما يجوز في ((لا))(١)، تقول: أنا زيداً غيرُ
ضاربٍ، أي غيرُ ضاربٍ زيداً، ومنه قول الشاعر(٢):
٨١ - إنَّ امرأً خَصَّنِي عَمْداً مودّتَه
على التنائي لَعِنْدي غيرُ مَكْفُورٍ
تقديرُه: لغيرُ مكفورٍ عندي، ولا يجوز ذلك فيها إذا كَانَتْ لغير النفي،
لو قلت: جاء القومُ زيداً غيرَ ضاربٍ، تريد: غيرَ ضاربٍ زيداً لم يُجُزْ، لأنها
ليست بمعنى ((لا)) التي يجوز فيها ذلك على الصحيح من الأقوال في ((لا)).
وفيها قولٌ ثانٍ يمنعُ ذلك مطلقاً، وقولٌ ثالثٌ: مفصِّلٌ بين أن تكونَ جوابَ
قسمٍ فيمتنعَ فيها ذلك وبين أن لا تكونَ فيجوزَ.
وهي من الألفاظ الملازمة للإضافة لفظاً أو تقديراً، فإدخالُ الألفِ
واللامِ عليها خطأً.
وقرىء ((غيرَ)) نصباً(٣)، فقيل: حالٌ من ((الذين)) وهو ضعيفٌ لمجيئهِ من
المضافِ إليه في غير المواضعِ الجائزِ فيها ذلك، كما ستعرِفُه إن شاء الله
تعالى، وقيل: من الضمير في ((عليهم)) وقيل: على الاستثناءِ المنقطعِ، ومتعه
الفراء قال(٤): لأن ((لا)) لا تُزاد إلا إذا تقدَّمها نفيٌ، كقوله(٥):
(١) انظر: الكشاف ٧٢/١.
(٢) البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في الإنصاف ٤٠٤؛ والمغني ٧٥٢؛ ورصف المباني ١٢٢؛
وابن يعيش ٦٥/٨؛ والدرر ١١٦/١؛ وشواهد المغني ٩٥٣؛ والهمع ١٣٩/١.
(٣) قراءة عمر وابن مسعود وعلي وعبدالله بن الزبير، انظر: الشواذ ١ البحر ٢٩/١؛ ونسبها
ابن عطية ١٢٨/١ إلى ابن كثير.
(٤) معاني القرآن ٧/١؛ وأعربها حالاً، والمسألة أن الفراء منع وجه الاستثناء المنقطع لأن
بعده ((ولا)) الزائدة ولا تزاد في الاستثناء. انظر: إعراب القرآن للنحاس ١٢٥/١؛
البحر ٢٩/١.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٩/١.
٧٢

- الفاتحة -
٨٢ - ما كان يَرْضَىْ رسولُ الله فِعْلَهما والطيبان أبوبكرٍ ولا عُمَرُ
وأجابوا بأنَّ ((لا)) صلةٌ زائدةً، مِثْلُها في قوله تعالى: ((ما منعَك
ألاّ تسجد))(١) وقول الشاعر(٢):
٨٣ - وما ألومُ البيضَ ألَّ تَسْخَرا
وقول الآخر (٣):
وللَّهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافلٍ
٨٤ - وَيَلْحَيْنَي في اللهو ألّ أُحِبُّه
وقول الآخر (٤):
٨٥ - أَبَى جودُه لا البخلَ واستعجلتْ نَّعَمْ به مِنْ فتىً لا يمنعُ الجودّ نائِلُه
فـ ((لا) في هذه المواضع صلةٌ. وفي هذا الجواب نظرً، لأن الفراء
لَم يَقُلْ إنها غيرُ زائدة، فقولُهم: إن ((لا)) زائدةً في الآية وتنظيرهُم لها
بالمواضع المتقدمة لا يفيد / ، وإنما تحريرُ الجواب أن يقولوا: وُجِدَتْ ((لا)) [١/٩]
زائدةً من غير تقدُّم نفي كهذه المواضعِ المتقدمة. وتحتملُ أن تكونَ (لا)»
في قوله: (لا البخلَ)) مفعولاً به لـ «أبى))، ويكونَ نصبُ ((البخلَ)) على أنه بدلٌ من
(لا))، أي أبى جودُه قولَ لا، وقولُ لا هو البخلُ، ويؤِّدُ هذا قولُه: ((واستعجَلَتْ
(١) الآية ١٢ من سورة الأعراف.
(٢) البيت لأبي النجم، وبعده:
لَمَّا رَأيْنَ الشمطَ القَفَنْدَرا
وهو في الخصائص ٢٨٣/٢؛ وثعلب ١٩٨؛ وأمالي الشجري ٢٣١/٢؛ وتفسير
القرطبي ١٨٢/٢؛ وتفسير ابن عطية ١٣٠/١؛ والقفندر: القبيح المنظر.
(٣) البيت للأحوص، وهو في ديوانه ١٧٩؛ والأضداد ١٨٦؛ وتفسير الطبري ٦٣/١؛ ومجاز
القرآن ٢٦/١؛ وابن عطية ١٣١/١؛ والمغني ٢٧٤؛ والبحر ٢٩/١.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: ((لا)) وعجزه فيه: به من فتى لا يمنع الجوع قاتلُه
وهو في المغني ٢٧٥؛ والخصائص ٣٥/٢؛ وأمالي الشجري ٢٢٨/٢ .
٧٣

- الفاتحة .
به نَعَمْ)) فَجَعَلَ (نَعَم) فاعلَ ((استعجَلَتْ))، فهو من الإِسناد اللفظي، أي
أبى جودُه هذا اللفظ، واستعجل به هذا اللفظُ.
وقيل: إنَّ نَصْبَ ((غيرَ)) بإضمار أعني، ويُحكى عن الخليل. وقدَّر
بعضُهم بعد ((غير)) محذوفاً، قال: التقديرُ: غيرَ صراطِ المغضوبِ، وأَطْلَقّ
هذا التقديرَ، فلم يقيِّدْهِ بِجرِّ(غير)) ولا نصبِهِ، ولا يتأتَّى إلا مع نصبها، وتكون صفةً
لقوله: ((الصراط المستقيم))، وهذا ضعيفٌ، لأنه متى اجتمع البدلُ والوصفُ
قُدِّم الوصفُ، فالْأَوْلَى أَن يكون صفةً لـ((صراطَ الذين) ويجوز أن تكونَ بدلاً من
((الصراط المستقيم)) أو من ((صراط الذين) إلا انه يلزم منه تكرارُ البدل، وفي جوازِه
نظرٌ، وليس في المسألة نقلٌ، إلا انهم قد ذكروا ذلك في بدلِ البَداء خاصة،
أو حالاً من ((الصراط)) الأول أو الثاني ... (١). واعلم أنه حيث جَعَلْنَا ((غير))
صفةً فلا بد من القول بتعريف ((غير)) أو بإبهامِ الموصوف وجريانه مَجْرى
النكرةِ، كما تقدَّم تقريرُ ذلك في القراءة بجرِّ ((غير)).
و ((لا) في قوله: ((ولا الضَّالِّين)) زائدةٌ لتأكيد معنى النفي المفهوم من
(غير)) لئلا يُتَوَهَّم عَطْفُ (الضالِّين)) على ((الذين أَنْعَمْتَ)) وقال الكوفيون: هي
بمعنى ((غير)»، وهذا قريبٌ من كونها زائدةً، فإنه لو صُرَّح بـ((غير)) كانَتْ للتأكيد
أيضاً، وقد قرأ بذلك عمر بن الخطاب(٢).
و ((الضالِّين)» مجرورٌ عطفاً على ((المغضوب))، وقُرِىءَ شاذاً: الضَّأَلِّينَ(٣)
بهمز الألف، وأنشدوا(٤):
(١) خرم في الأصل بمقدار ثلاث كلمات ولم تثبته النسخ الأخرى.
(٢) كما قرأ بذلك أُبَيّ. انظر: ابن عطية ١٣١/١؛ والقرطبي ١٥٠/١.
(٣) قراءة أبي أيوب السختياني. انظر: الكشاف ٧٣/١؛ ابن عطية ١٣٢/١.
(٤) البيت لكثير في وفاة عمر بن عبد العزيز، وهو في ديوانه ١١٣؛ والمحتسب ٤٧/١؛
والمخصص ١٦٦/١٥؛ وابن يعيش ١٢/١٠؛ ورصف المباني ٥٧؛ والممتع ٣٢٢.
وادْهَامّت: اسوَدَّتْ.
٧٤

- الفاتحة -
بياضاً وأمَّا بِيضُها فاذْهَأَمَّتِ
٨٦ - وللأرضِ أمَّا سُودُها فَتَجلَّلَتْ
قال أبو القاسم الزمخشري(١): ((فعلوا ذلك للجَدّ في الهرب من التقاء
الساكنين)) انتهى وقد فعلوا ذلك حيث لا ساكنان، قال الشاعر(٢):
٨٧ - فخْدِفٌ هامةُ هذا العَأْلَمِ
بهمز ((العَأَلَمِ)) وقال آخر (٣):
٨٨ - ولَّى نَعامُ بني صفوانَ زَوْزَأَةٌ
بهمز ألف «زَوْزأة))، والظاهر أنها لغةٌ مُطَرِدةٌ، فإنهم قالوا في قراءة ابن
ذكوان(٤): ((مِنْسَأْتَه))(٥) بهمزة ساكنة: إن أصلَها ألفٌ فَقُلِبَتْ همزةٌ ساكنةٌ.
فإن قيل: لِمَ أتى بصلة الذين فعلاً ماضياً(٦)؟ قيل: لِيَدُلَّ ذلِك على
ثبوتِ إنعام الله عليهم وتحقيقه لهم، وأتى بصلة أل اسماً ليشمل سائر
الأزمان، وجاء به مبنياً للمفعول تَحْسِيناً للفظ، لأنَّ مَنْ طُلِبتْ منه الهدايةُ
(١) الكشاف ٧٣/١.
(٢) البيت للعجاج وقبله :
مباركٍ للأنبياء خاتم
وهو في ديوانه ٤٦٢/١؛ وسر الصناعة ١٠١/١؛ واللسان: علم؛ والممتع ٣٢٤؛
وابن يعيش ١٣/١٠؛ ورصف المباني ٥٦.
(٣) البيت لزيد بن كثوة، وعجزه:
لمّا رأى أَسَداً في الغاب قد وُثْبًا
وهو في الخصائص ١٤٥/٣؛ وسر الصناعة ١٠٢/١؛ والمحتسب ٣١٠/١؛
واللسان: روى؛ والممتع ٣٢٥؛ والمقرب ١٦٥/٢؛ والزوزأة من قولك: زَوْزَى إذا
نصب ظهره وأسرع.
(٤) عبد الله بن أحمد الدمشقي، قرأ على الكسائي وأيوب بن تميم، وروى عنه ابنه أحمد،
توفي سنة ٢٤٢. انظر: طبقات القراء ٤٠٤/١.
(٥) الآية ١٤ من سبأ، ((ما دلهَّم على موته إلا دابة الأرض تأكل مِنْسَأَتَه)).
(٦) انظر: البحر ٣٠/١.
٧٥

- الفاتحة -
ونُسِب الإِنعامُ إليه لا يناسِبُه نسبةُ الغضبِ إليه، لأنه مَقامُ تلطّفٍ وترفُق لطلبٍ
الإِحسانِ فلا يَحْسُنُ مواجَهَتُه بصفةِ الانتقام.
والإِنعام: إيصالُ الإحسان إلى الغير، ولا يُقال إلا إذا كان الموصَلُ إليه
الإِحسانُ من العقلاءِ، فلا يقال: أَنْعم فلانٌ على فرسِه ولا حماره.
والغضبُ(١): ثَورَان دم القلب إرادَة الانتقامِ، ومنه قولُه عليه السلام ::
((اتقوا الغضبَ فإنه جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قلب ابن آدم، ألم تَرَوْا إلى انتفاخ أَوْداجِهِ
وحُمْرةٍ عينيه))(٢)، وإذا وُصف به الباري تعالى فالمرادُ به الانتقام لا غيره،.
ويقال: ((فلانٌ غَضَبة)) إذا كان سريع الغضبِ.
ويقال: غضِبت لفلانٍ [إذا كان حَيًّا](٣)، وغضبت به إذا كان ميتاً،
وقيل: الغضبُ تغيّر القلبِ لمكروهٍ، وقيل: إن أريدَ بالغضبِ العقوبةُ كان
صفةً فِعْلٍ، وإنْ أريدَ به إرادةُ العقوبةِ كان صفةً ذاتٍ.
والضَّلال: الخَفاءُ والغَيْبوبةُ، وقيل: الهَلاك، فمِن الأول قولُهم: ضَلَّ
الماءُ في اللبن، وقوله(٤):
٨٩ - ألم تسأَلْ فَتُخْبِرَكَ الدِّيارُ عن الحِيِّ المُضَلَّلِ أين ساروا
والضَّلْضَلَةُ: حجرً أملسُ يَردُّه السيلُ في الوادي. ومن الثاني: ((أئذا
ضَلَّلْنا في الأرض))(٥)، وقيل: الضلالُ: العُدول عن الطريق المستقيم، وقد
يُعَبِّر به عن النسيان كقوله تعالى: ((أنْ تَضِلَّ إحداهما))(٦) بدليلٍ قوله: ((فَتُذكِّرَ))
(١) انظر: مفردات الراغب ٣٧٤.
(٢) رواه الترمذي (تحفة الأحوذي ٢١٩/٣) وأحمد في المسند ١٩/٣.
(٣) سقط من الأصل، وأثبتناه من الراغب ٣٧٤.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير القرطبي ١٥٠/١.
(٥) الآية ١٠ من السجدة.
(٦) الآية ٢٨٢ من البقرة.
٧٦

- الفاتحة -
القول في ((آمين)»: ليست من القرآن إجماعاً، ومعناها: استجِبْ، فهي
اسمُ فعلٍ مبنيٌ على الفتحِ ، وقيل: ليس باسم فِعْل، بل هو من أسماءِ الباري
تعالى والتقدير: يا آمين، وضَعَّفَ أبو البقاء(١) هذا بوجهين: أحدهما: أنه
لو كان كذلك لكان ينبغي أن يُبنى على الضم لأنه منادى مفردٌ معرفةٌ،
والثاني: أن أسماءَ الله تعالى توقيفيةٌ. ووجَّه الفارسي قولَ مَنْ جعله اسماً لله
تعالى على معنى أنَّ فيه ضميراً يعودُ على اللهِ تعالى: لأنه اسمُ فعلٍ ،
وهو توجيهٌ حسنٌ، نقله صاحب ((المُغْرِب))(٢).
وفي آمين لغتان: المدُّ والقصرُ، فمن الأول قوله(٣):
٩٠ - آمين آمينَ لا أرضى بواحدةٍ حتى أَبْلُّغَهَا ألفينٍ آمينا
وقال الآخر (٤):
٩١ - يا رَبِّ لا تَسْلُبِّي حُبَّها أبداً وَيَرْحُمُ اللهُ عبداً قال آمينا
ومن الثاني قوله(٥):
٩٢ - تباعَدَ عني فُطْحُلٌ إذا دعوتُه آمينَ فزاد الله ما بيننا بُعْدا
وقيل: الممدودُ اسمُ أعجمي، لأنه بزنة قابيل وهابيل. وهل يجوز
(١) الإملاء ٨/١.
(٢) المغرب في اللغة للإمام أبي الفتح ناصر بن عبدالسيد المطرزي، المتوفى سنة ٦١٠.
انظر: كشف الظنون ١٧٤٧/٢ .
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٢٨/١؛ وابن عطية ١٣٥/١.
(٤) نسب في اللسان: أمن إلى عمر، وليس في ديوانه، وهو في ديوان المجنون ٢٨٣؛ وأمالي
الشجري ٢٥٩/١؛ وابن يعيش ٣٤/٤.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: أمن؛ وابن يعيش ٣٤/٤؛ وشرح الأشموني
١٩٧/٣؛ وشواهد الكشاف ٣٦٤/٤؛ وشذور الذهب ١١٧؛ وتفسير ابن عطية
١٣٥/١.
٧٧

- الفاتحة
:
تشديدُ الميم؟ المشهورُ أنه خطأ نقله الجوهري(١)، ولكنه قد رُوي عن
الحسن(٢) وجعفر الصادق التشديدُ، وهو قولُ الحسين بن الفضل من أمَّ إذا
قصد، أي نحن قاصدون نحوك، ومنه ((ولا آمِّيْنَ البيت الحرام))(٣).
(١) انظر: الصحاح مادة: أمن، والجوهري إسماعيل بن حماد، قرأ على الفارسي والسيراني،
له: الصحاح ومقدمة في النحو توفي سنة ٣٩٣. انظر: معجم الأدباء ١٤٢/٦؛ نزهة
الألباء ٣٤٤؛ بغية الوعاة ٤٤٦/١.
(٢) الحسن بن أبي الحسن البصري، إمام زمانه، قرأ على حطان الرقاشي، وروى عنه
أبو عمرو بن العلاء، وله اختيار في القراءة، توفي سنة ١١٠، انظر: طبقات القراء
٢٣٥/١.
(٣) الآية ٢ من سورة المائدة.
٧٨

سورة البقرة
آ. (١ - ٢) قولُه تعالى: ﴿أُلم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىًّ
للمتقين): إنْ قيل: إن الحروفَ المقطّعة في أوائل السور (١) أسماءُ حروفٍ
التهجّي، بمعنى أن الميم اسْمٌ لمَهْ، والعينَ اسمُ لعَة، وإن فائدتَها إعلامُهم
بأن هذا القرآنَ منتظمٌ مِنْ جنس ما تَنْظِمون منه كلامَكم ولكن عَجَزْتُمْ عنه،
فلا محلّ لها حينئذ من الإِعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدةِ فألقيت كأسماء
الأعدادِ نحو: واحد اثنان، وهذا أصحُّ الأقوالِ الثلاثة، أعني أنَّ في الأسماء
التي لم يُقْصَدِ الإِخبارُ عنها ولا بها ثلاثةَ أقوالٍ، أحدها: ما تقدَّم. والثاني:
أنها مُعْرَبَةً، بمعنى أنها صالحة للإعراب وإنما فات شرطٌ وهو التركيبُ، وإليه
مالَ الزمخشري(٢). والثالث: أنها موقوفةٌ لا معربةً ولا مبنيةٌ. أو إنْ قيل: إنها
أسماءُ السورِ المفتتحةِ بها، أو إنها بعضُ أسماءِ الله تعالى حُذِف بعضُها،
وبقي منها هذه الحروفُ دالّةً عليها وهو رأيُ ابن عباس، كقوله: الميم من
عليم والصاد من صادق فلها حينئذٍ محلّ إعرابٍ، ويُحْتَمَلُ الرفعُ والجرُّ / (٣)، [٩/ب]
(١) انظر مذاهب العلماء في هذه الحروف: الطبري ٢٠٥/١؛ القرطبي ١٥٤/١.
(٢) الكشاف ٨٠/١.
(٣) حدث اضطراب في ترتيب أوراق الكتاب، ولعله وجد مبعثراً فَضَلَّ القائمون على تجليده
في مكتبة شهيد علي، وقد قمنا بإعادة الترتيب من جديد. ويبدأ الاضطراب في التجليد
من هذه الصفحة، حيث وضعت الورقة ٩ ب إلى جانب الورقة ٢٥ أ، وهكذا في أوراق
كثيرة من نسخة الأصل.
٧٩

: - البقرة -
فالرفعُ على أحد وجهين: إمَّا بكونها مبتدأ، وإمّا بكونها خبراً كما سيأتي بيانُه
مفصّلاً. والنصب على أحَدٍ وجهين أيضاً: إمَّا بإضمار فعلٍ لائقٍ تقديرُه:
اقرؤوا: ألم، وإمَّا بإسقاطِ حرف القسم كقول الشاعر (١):
٩٣ - إذا ما الخبزُ تَأْدِمُه بِلَحْمٍ
فذاك أمانةً الله الثريدُ
يريد: وأمانةِ الله، وكذلك هذه الحروفُ، أقسم الله تعالى بها، وقد ردًّ
الزمخشري هذا الوجه بما معناه (٢): أنَّ ((القرآن)) في ((ص - والقرآن ذي
الذكر))(٣) و ((القلم)) في: ((ن - والقلم))(٤) محلوفُ بهما لظهور الجرِّ فيهما،
وحينئذ لا يخلو أن تُجْعَلَ الواوُ الداخلةُ عليهما للقسم أو للعطف، والأول يلزم
منه محذورٌ، وهو الجمع بين قسمين على مُقْسَم، قال: ((وهم يستكرهون
ذلك))، والثاني ممنوعٌ لظهور الجرِّ فيما بعدها، والفرضُ أنك قدَّرْتَ المعطوفَ
عليه في محلّ نصب(٥). وهو ردِّ واضح، إلا أَنْ يقال: هي في محلِّ نصب
إلا فيما ظهر فيه الجرُّ بعدَه كالموضعين المتقدمين و: ((حم - والكتاب))(٦)
و:((ق - والقرآن))(٧) ولكن القائل بذلك لم يُفَرِّقْ بين موضعٍ وموضعٍ فالردُّ
لازمٌ له.
والجرِّ من وجهٍ واحدٍ وهو أنَّها مُقْسَمُ بها، حُذِفَ حرف القسم، وبقي
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكتاب ٢٣٤/١؛ وابن يعيش ٩٢/٩؛ واللسان أدم؛ وشواهد
الكشاف ٣٥٨/٤. وتأدمه: تخلطه، ويقال: هذا البيت من وضع النحويين.
(٢) الكشاف ٨٧/١.
(٣) الآية ١ - ٢ من سور ص.
(٤) الآية ١ - من سورة القلم.
(٥) لأنه مقسم به وكان مجرورا ثم حذف منه حرف القسم فانتصب نحو ((أمانة الله)) أي:
وأمانةٍ .
(٦) الآية ١ - ٢ من سورة الزخرف.
(٧) الآية ١ - ٢ من سورة ق.
٨٠