النص المفهرس

صفحات 1-20

الدُّ المِصُون
في عُلوُمُ الْكِتَابِ المَكْتُن
تأليف
أَحْمَد بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِّ بِالسَّمِيْنِ الْجَلَبِيّ
المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
((أَجَلُ ما صُنَّفَ في هذا الباب))
(صاحب ((كشف الظنون)))
((وهذا التصنيف في الحقيقة
نتيجة عمري ودخيرة دهري»
(من مقدمة المؤلف)

/ بسم الله الرحمن الرحيم. رب أعِنْ ويسِّرْ
[١/٢]
الحمدُ للَّهِ الذي أنزل على عبده الكتابَ ناطقاً بالحكمةِ وفصلٍ
الخطاب، ووعدَ قارِئُه أعظمَ الثواب، وجَعَل مُتَّبِعَه سالكاً طرقَ السدادِ
والصواب، وأشهد أن لا إلهَ إلَّ اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له شهادةٌ سالمةً من
الارتياب، وأشهدُ أنَّ محمداً عَبدُه ورسولُه المرسلُ بأفضلِ كتاب، صلى الله
عليه وعلى آله وسائرِ الأصحابِ ما هَطَل سحابٌ ولَمَع سَرابٌ. وبعد.
فالقرآنُ أفضلُ كتبِ اللَّهِ الجليلةِ أنزله على خيرِ خَلْقه عامةٌ، وبَعَثَه به
إلى خير أمة، شهدَ به كتابُه المُبِينُ على لسانِ رسولِه الصادقِ الأمين، جعلَه
كتاباً فارقاً بين الشكّ واليقين، أَعْجَزَتِ الفصحاءَ معارضتُهُ، وَأَعْيَتِ الألِّاءَ
مناقضتُهُ، وأَخْرَسَتِ الْبُلَغَاءَ مُشاكلتُه، فلا يأتون بمثله ولوكان بعضُهم لبعض
ظهيراً. جعل أمثالَه عِبَراً للمتدبِّرين وأوامرَه هدىً للمستبصرين، وَضَرَبَ فيه
الأمثال، وفرَّق فيه بين الحرام والحلال، وكَرَّر القصصَ والمواعظَ بألفاظٍ
لا تُمَلُّ ولا تَخْلَقُ(١) على كثرة الردِّ، وحثّنا على فَهْم معانيه وبيان أغراضِه
ومبانيه، فليس المرادُ حفظَه وسَرْدَه من غير تأمُّلٍ لمعناه ولا تفهُّمٍ لمقاصِدِه،
فقال جلَّ مَنْ قال: ((أفلا يَتَدَبَّرون القرآن أم على قلوبِ أَقْفَالُها))(٢). وقال
تعالى: ((ومنهم أُمَّيُّون لا يَعْلَمون الكتاب إلا أمانيَّ))(٣). ذَّ اليهود حيث
(١) لا تخلق: لا تَبْلَى.
(٢) الآية ٢٤ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(٣) الآية ٧٨ من سورة البقرة.
٣

يَقْرِؤون التوراةَ تلاوةً من غير فَهْم. وقد ذَّ السلفُ الصالحُ مَنْ يفعلُ ذلك.
فالْأُوْلَى بالعاقِلِ الأريب والفَطِنِ اللبيب أن يَرْباً بنفسه عن هذه المنزلة الدَّنِيَّة،
ويأخذَها بالرتبة السَّنِيَّة، فيَطَّلِعَ مِنْ علومِه على أهمِّها وآكدِها. وهي بعد
تجويد ألفاظه بالتلاوة خمسةُ علومٍ : علمُ الإِعراب وعلمُ التصريفِ وعلمُ اللغةِ
وعلمُ المعاني وعلمُ البیانِ .
وقد أكثرَ العلماء - رحمهم الله - من البحثِ عن ذلك، واهتمُّوا به غايةً
الاهتمام، فجزاهم الله عن سعيهم أفضلَ الجزاءِ يومَ الفصلِ والقضاء، إذهم
الأئمةُ المُمَهِّدون للقواعدِ، المُبَيِّنون لأصولِ المعاقِد. غير أن منهم جماعةٌ
لم يقتصروا على هذه العلوم الخمسةِ في مصنَّفٍ يجمعها، بل ضمُّوا إلى ذلك
ذِكْرَ سببِ النزول وذِكْرَ القَصصِ (٤) على ما فعله المفسِّرون لأنهم لم يضعوا
كتبهم إلّ لذلك. ومنهم مَنِ اقتصر على ذِكْر الإِعراب فقط (٢)، ومنهم مَنِ
اقتصر على علم مفردات الألفاظ فقط(٣) وترك شيئاً كثيراً من علم التصريف
المتعلّقِ باشتقاق اللغة، ممَّا لا يَسَعُ الإِنسانَ جهلُه، ومنهم مَن اقْتَصَرَ على
معرفة نَظْمِه وجزالَته وبلاغتِهِ مِمَّا يتكفَّل به علمُ المعاني والبيان(٤).
ورأيت أنَّ هذه العلومَ الخمسةَ متجاذبةٌ شديدةُ الاتصالِ بعضُها
ببعضٍ ، لا يحصُل للناظر في بعضها كبيرُ فائدةٍ بدون الاطلاع على باقيها،
فإِنَّ مَنْ عَرَفَ كَوْنَ هذا فاعلا أو مفعولاً أو مبتدأ مثلاً ولم يعرفْ كَيفيَّةً تَصْرِيفِه
ولا اشتقاقِه ولا كيف موقِعُه من النَّظْم لم يَحْلُ(٥) بطائل، وكذا لو عَرَفَ موقعَّه
من النّظْمِ ولم يَعْرِفْ باقِيَها.
(١) كما صنع أبو حيان في البحر المحيط.
(٢) كما صنع مكي في المشكل.
(٣) كما صنع الراغب في المفردات.
(٤) كما صنع الزمخشري في الكشاف.
(٥) حلا منه بخير: أصاب منه خيراً.
٤

فلمّا رأيْتُ الأمرَ كذلك واطِّلَعْتُ على ما ذكره الناسُ في هذه الفنون،
ورأيتُهم: إمَّا ذاكراً الواضحَ البَيِّنَ الذي لم يَحْتَجْ للتنبيهِ عليه إلا الأجنبيُّ من
الصناعة، وإمَّا المقتصرَ على المُشْكِل بلفظٍ مختصرٍ استخَرْتُ اللَّهَ الكريمَ
القويَّ المتينَ في جمع أطراف هذه العلوم آخذاً من كل علم بالحَظُّ الوافر،
بحيث إني إذا عَرَضَتْ قاعدةٌ كليّةٌ من قواعدِ هذه العلومِ أو ضابطً لمسألةٍ
منتشرة الأطرافِ ذكرْتُ ذلك محرِّراً له من كتبٍ القوم، ولا أذكر إلا
ما هو المختارُ عند أهلِ تلك الصناعةِ، وإذا ذَكَرْتُ مذهباً لأحدٍ من أهلٍ
العلمِ فقد يحتملُ هذا الكتابُ ذِكْرَ دلائلِه والاعتراضاتِ عليه والجوابِ عنه
فأذكرُه، وقد لا يحتملُ فأُحِيله على كتبٍ ذلك العلمِ .
ولم آلُ جُهْداً في استيفاءِ الكلامِ على مسائلِ هذا الكتاب، [فإِنِّي
تعرَّضْتُ للقراءاتِ المشهورةِ والشاذة وما ذَكَرَ الناسُ في توجيهها](١) ولم أترْك
وجهاً غريباً من الإِعراب [وإن كان واهِياً](٢). ومقصودي بذلك التنبيهُ على
ضَعْفه حتى لا يَغْتَرِّ به مَنِ اطّلع عليه، وذكرْتُ كثيراً من المناقشات الواردة
على أبي القاسم الزمخشري (٣) وأبي محمدٍ ابنِ عطيةً(٤) ومحبِّ الدينِ
أبي البقاء(٥)، وإن أَمْكن الجوابُ عنهم بشيء ذكرْتُه، وكذلك تعرُّضْتُ لكلامِ
(١) ما بين معقوفين وارد في نسخ الكتاب ما عدا الأصل، لعله كان مكتوباً على جانب
المخطوط فلم يظهر في الفيلم المصور عن الأصل.
(٢) غير واضح في الأصل.
(٣) محمود بن عمر، أخذ عن النيسابوري والحارثي. وله: الكشاف والفائق والمفصل
والأنموذج، توفي سنة ٥٨٨. انظر: البغية ٢٧٩/٢.
(٤) عبدالحق بن غالب، كان غاية في توقد الذهن، روى عن الصفدي والغساني، وروى
عنه ابن مضاء، وله: التفسير المشهور، توفي سنة ٥٤٢. انظر: البلغة ١١٨؛
البغية ٢ /٧٣.
(٥) عبدالله بن الحسين العكبري، قرأ على ابن الخشاب، وله: إعراب القرآن وإعراب
الحديث، واللباب، وشرح اللمع، توفي سنة ٦١١. انظر: البغية ٣٨/٢.
٥

كثيرٍ من المفسِّرين كالمهدويِّ(١) ومكيٍّ(٢) والنحاس(٣) دونَ غيرهم، فإنهم
أُعْنى الناسِ بما قصدْتُه وأغناهُمْ ..
وهذا التصنيفُ في الحقيقةِ نتيجةُ عمري وذخيرةُ دهري، فإنه لُبُّ كلامِ
أهلِ هذه العلومِ. وإذا تكرَّرَتْ الآيةُ الكريمَةُ - أو ما يقاربُها في تركيبها
أو قاعدةٌ كليةٌ أو ضابطٌ قد مرَّ ذِكْرُه - فلا أعيدُها، بل إن بَعُد العهدُ ذكرْتُ
ما ينبِّهُك عليها. وسَمَّيْتُه بـ ((الدُرِّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) وعلى
الله توقَّلْتُ وإليه أنيب.
(١) أحمد بن عمار المقرىء، كان مقدَّماً في القراءات والعربية وله: تفسير القرآن، توفي
سنة ٤٤٠. انظر: إنباه الرواة ١٩١/١. البغية ٣٥١/١.
(٢) مكي بن أبي طالب حموش بن محمد القيسي المقرىء. له: الكشف والمشكل، توفي.
سنة ٤٣٧. انظر: إنباه الرواة ٣١٣/٣؛ البلغة ٢٦٣؛ البغية ٢٩٨/٢.
(٣) أبو جعفر أحمد بن محمد، أخذ عن الزجاج والمبرد، له: إعراب القرآن والكافي وشرح
المعلقات، توفي سنة ٣٣٨. انظر: البغية ٣٦٢/١.
٦

/ الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
[٢/ب]
هذا ليسَ من القرآن إجماعاً، وإنما تعرَّضْتُ له لأنه واجبٌ في أول
القراءة أو مندوبٌ. وأصحُّ كيفيَّاتِ اللفظِ به هذا اللفظُ المشهورُ لموافقتِه قولَه
تعالى: ((فاستعِذْ باللَّهِ من الشّيطان الرجيم))(١)، وَرَوَوْا فيه حديثين(٢).
والعَوْذُ(٣): الالتجاءُ إلى الشيءٍ والانحيازُ له والاستجارةُ به والاستعانةُ به
أيضاً، ومنه العُوْذَةُ: وهي ما يُعاذُ به من الشرِّ. وقيل للرُّقْيَةِ والتَّميمةِ - وهي
ما يُعلَّقُ على الصبِيِّ - عَوْذَة وُوذة بفتحِ العينِ وضمِّها، وكلُّ أنثى وضَعَتْ
فهي عائِذٌ إلى سبعة أيام، ويقال: عاذ يَعُوذ عَوْذَاً وعياذاً ومَعَاذاً فهو عائِذٌ ومَعُوذٌ
منه . قال الشاعر(٤):
١ - أَلْحِقْ عَذابَك بالقومِ الذين طَغَوْا وعائداً بك أَنْ يَعْلُوا فَيُطْغُوني
قيل: عائذ هنا أصلُه اسمُ فاعلٍ، ولكنه وقع مَوْقِعَ المصدرِ كأنه قال:
وعِياذاً بك، وسيأتي تحقيقُ هذا القول.
وأَعُوذُ: فعل مضارع، وأصله: أَعُْذُ بضم الواو مثلٍ : أَقْتُلُ وأَخْرُج أنا،
(١) الآية ٩٨ من النحل.
(٢) ثمة أحاديث كثيرة. انظر: البخاري (فتح الباري) ٣٣٧/٦؛ ابن حنبل ٥٠/٣.
(٣) انظر: مفردات الراغب ٣٦٥؛ اللسان: عوذ.
(٤) البيت لعبدالله بن الحارث السهمي، وهو في الكتاب ١٧١/١؛ اللسان: عوذ؛ ابن
يعيش ١٢٣/١.
٧

- الاستعاذة.
وإنما نقلوا حركة الواو لأنَّ الضمةَ ثقيلة عليها إلى الساكن قبلَها، وهكذا(١) كلُّ
مضارع من فَعَل عينُه واوٌ، نحو أَقُوم وتَقُوم وأَجُول وتَجُول. وفاعلُهُ ضميرُ
المتكلم. وهذا الفاعلُ لا يجوز بروزُه، بل هو من المواضع السبعة التي يجب
فيها استارُ الضميرِ على خلافٍ في السابع ، ولا بد من ذكرها لعموم فائدتها
وكَثْرَةِ دَوْرِها، الأولُ: المضارعِ المُسْنَدُ للمتكلم وحدَه نحو: أفعلُ أنا. الثاني:
المضارعُ المسندُ للمتكلمِ مع غيرِهِ أو المعظّمُ نفسَه نحو: نفعل نحن.
الثالث: المضارعُ المسندُ للمخاطبِ نحو: تفعلُ أنت، ويُوَحَّدُ المخاطَبُ
بقَيْد الإِفرادِ والتذكير، لأنه متى كان مثنى أو مجموعاً أو مؤنثاً وجب بروزُه،
نحو: تقومان، تقومون، تقومين. الرابع: فعل الأمر المسندُ للمخاطب، نحو:
افعلْ أنت، ويُوحَّدُ المخاطبُ أيضاً بقيد الإِفراد والتذكير، لأنه متى كان مثنى
أو مجموعاً أو مؤنثاً وجب بروزُه، نحو: افعلا، افعلوا، افعلي. الخامس:
اسمُ فعلِ الأمرِ مطلقاً، أي سواءً كان المأمور مفرداً أم مثنَّى أم مجموعاً
أم مؤنثاً، نحو: صَهْ يا زيدُ يا زيدان يا زيدون يا هندُ يا هندان یا ھنداتُ؛
بخلافِ فعلِ الأمر فإنه يبرزُ فيه ضميرُ غِيرِ المفردِ المذكرِ، كما تقدَّم.
السادس: اسم الفعل المضارع نحو : أوَّهْ أي أتوجَّعُ وأفٍّ أي أَتضجر وَوَيْ
أي أعجبُ. وهذه الستةُ لا يبرزُ فيها الضميرُ، بلا خلافٍ. وتَحرَّزْتُ بقَوْلِي:
((اسمُ فعلِ الأمرِ واسمُ الفعلِ المضارع)) من اسم الماضي فإنه لا يجبُ فيه
الاستتار كما سيأتي. السابع: المصدرُ الواقعُ موقعَ الفعلِ بدلاً من لفظه نحو:
ضرباً زيداً، وقول الشاعر(٢):
(١) انظر: الممتع في التصريف لابن عصفور ٤٤٨/٢.
(٢) اختلفوا في نسبة هذين البيتين بين: الأحوص وجرير وأعشى همدان، وهما في ديوان
جرير ٢١٥؛ والكتاب ٥٩/١؛ والحماسة البصرية ٢٠٩؛ والخصائص ١ /١٢٠؛
وأوضح المسالك ٢٤٨؛ وشرح شواهد الألفية ١٦٤، ٢٦٣؛ والعيني ٤٦/٣.
والعياب: ج عَيْبة: زنبيل من أَدَم، أو ما تجعل فيه الثياب، بجر: ممتلئة.

- الاستعاذة -
ويَرْجِعْنَ من دارِينَ بُجْرَ الحَقائبِ
٢ - يَمُرُّونَ بالدَّهْنَا خِفافاً عِيابُهمْ
فَنَدْلاَ زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثعالبِ
على حين ألهى الناسَ جُلُّ أمورِهمْ
وقوله تعالى: ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ))(١)، هذا إذا جعلنا في ((ضرباً)) ضميراً
مستتراً، وأما مَنْ يقولُ من النحويين: إنه لا يتحمَّل ضميراً البتة فلا يكونُ من
المسألة في شيء.
والضابط فيما يَجِبُ استتاره(٢) - وإن ◌ُرِفَ من تَعْدادِ الصور المتقدمة -
أنَّ كلَّ ضمير لا يَحُلُّ محلَّه ظاهرٌ ولا ضميرٌ منفصلٌ فهو واجبُ الاستنار
كالمواضعِ المتقدمةِ، وما جاز أن يَحُلَّ محلَّه أحدُهما فهو جائزُ الاستتارِ، نحو:
((زيدٌ قام))، في ((قام)) ضميرٌ جائز الاستتار، إذ يَخُلُّ محلَّه الظاهرُ، نحو: «زيد
قام أبوه))، أو الضميرُ المنفصل نحو: ((زيدٌ ما قام إلا هو))، فإنْ وُجِدَ من
لسانهم في أحدِ المواضعِ المتقدمةِ الواجبِ فيها الاستتارُ ضميرٌ منفصلٌ
فَلْيُعْتَقَدْ كونُه توكيداً للضمير المستتر، كقوله تعالى: ((اسكنْ أنتَ
[وزوجُكَ](٣) فـ ((أنت)) مؤكِّدٌ لفاعلِ ((اسكُنْ)).
و ((بالله)»(٤) جارٌّ ومجرورٌ. وكذلك ((من الشيطان))، وهما متعلقان .
بـ ((أعوذ)). ومعنى الباء الاستعانةُ، و((مِنْ)) التعليلُ، أي: أعوذ مستعيناً بالله من
أجلِ الشيطانِ. ويجوز أن تكون ((مِنْ)) لابتداء الغاية، ولهما معانٍ(٥) أُخَرُ
ستأتي إن شاء الله تعالى. وأمَّا الكلامُ على الجلالةِ فيأتي في البسملة.
(١) الآية ٤ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(٢) انظر: شرح ابن عقيل ٨٥/١.
(٣) الآية ١٩ من سورة الأعراف.
(٤) يتابع المؤلف إعرابه لـ ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
(٥) انظر في معاني الباء: رصف المباني ١٤٢؛ المغني ١٠٦. وانظر في معاني ((مِنْ)) رصف
المباني ٣٢٢؛ المغني ٣٥٣.
٩

۔۔
- الاستعاذة -
والشيطان: المتمرِّدُ من الجنَّ. وقال أبو عبيدة (١): ((الشيطانُ اسْمٌ لكلِّ
عارمٍ من الجِنَّ والإِنسِ والحيواناتِ، وقد يُطْلَقُ على كلُّ قوةٍ ذُميمةٍ في
الإِنسان. قال عليه السلام: ((الحَسَدُ شيطانٌ والغضبُ شيطانٌ))(٢)، وذلك
لأنهما ینشآنٍ عنه.
واختلفَ أهلُ اللغةِ في اشتقاقهِ، فقال جمهورُهم: هو مشتقٌّ مِنْ
شَطَنَ يَشْطُن أي بَعُدَ، لأنه بعيدٌ من رحمة الله تعالى، وأنشدوا(٣) :.
فبانَتْ والفؤادُ بها رهيبنُ
٣ - نَأَتْ بسعادَ عنكَ نَوَىَّ شَطُونُ
وقال آخر (٤):
[١/٣]
٤ - أيُّما شاطِنِ عَصاهُ عَكَاهُ ثم يُلْقَى فِي السِّجْنِ والأكبالِ.
/ وحكى سيبويه: ((تَشَيْطَن))(٥) أَيْ فَعَلَ فِعْلَ الشياطين، فهذا كلُّه يدل
على أنه من ((شَطَنَ)) لثبوتِ النونِ وسقوطِ الألفِ في تصاريف الكلمة، ووزنه
على هذا: فَيْعال. وقيل: هو مشتق من شَاطَ يَشيطُ أي هاجَ واحترقَ، ولا شكَّ
أن هذا المعنى موجود فيه، فأخذوا بذلك أنه مشتقٌّ من هذه المادة، لكن
لم يُسْمَعْ في تصاريفه إلا ثابتَ النونِ محذوفَ الألفِ كما تقدَّم، ووزنُه على
(١) معمر بن المثنى البصري، قدم بغداد أيام الرشيد وقرأ عليه بعض كتبه. له ((مثالب
العرب)) و((غريب القرآن)) أخذ عنه أبو حاتم والمازني، توفي سنة ٢٠٨. انظر:
الإِنباه ٢٧٦/٣؛ البلغة ٢٦١.
(٢) مسند ابن حنبل برواية: ((إن الغضب من الشيطان))، انظر: المسند ٢٢٦/٤.
(٣) البيت لـ النابغة، وهو في ديوانه ٢٥٦؛ واللسان: مادة ((شطن)). والشطون: البعيدة.
(٤) البيت ل أمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ٥١؛ وتفسير الطبري ١١٢/١؛ وتفسير
ابن عطية ٨٦/١؛ واللسان: شطن، والبحر المحيط ٦٢/١؛ وإعراب ثلاثين سورة:٧.
عكاه: شدَّه، الأكبال: ج كيل وهو القيد.
(٥) الكتاب ١١/٢، وسيبويه عمرو بن عثمان إمام النحاة أخذ عن الخليل ويونس، وله:
الكتاب، توفي سنة ١٨٠. انظر: الإنباه ٣٤٦/٢؛ البلغة ١٧٣؛ البغية ٢٢٩/٢.
١

- الاستعاذة -
هذا فَعْلان. ويترتَّبُ على القولَيْنِ: صَرْفُه وعدمُ صَرْفِهِ إذا سُمِّي به، وأمَّا إذا
لم يُسَمَّ به فإنه منصرفُ البتةَ، لأنَّ من شرط امتناع فَعْلان الصفةِ أَلَّ يُؤَنَّثَ
بالتاء(١)، وهذا يؤنث بها قالوا: شَيْطانة(٢).
(الرجيم)) نعتّ له على الذمِّ. وفائدةُ النعت(٣): إمَّا إزالةُ اشتراك
عارضٍ في معرفةٍ، نحو: رأيت زيداً العاقلَ، وإمَّا تخصُّصُ نكرةٍ نحو: رأيت
رجلًا تاجراً، وإمَّا لمجردٍ مدحٍ أوذَمٍّ أو تَرَحُمِ ، نحو: مررت بزيدٍ المسكينِ،
وقد يأتي لمجردِ التوكيدِ نحو قوله تعالى: ((نفخةٌ واحدةٌ»(٤).
ولا بُدَّ من ذِكْر قاعدة في النعت تَعُمُّ فائدتُها(٥). اعلم أنَّ النعتَ إنْ كان
مشتقاً بقياسٍ ، وكان معناه المتبوعِه(٦) لَزِمِ أن يوافقَه في أربعةٍ من عشرة،
أعني في واحدٍ من ألقاب الإِعراب: الرفعِ والنصبِ والجرِّ، وفي واحدٍ من
الإِفراد والتثنية والجمع، وفي واحدٍ من التذكير والتأنيث، وفي واحدٍ من
التعريف والتنكير. وإنْ كان معناه لغير متبوعِه(٧) وافَقَه في اثنينٍ من خمسة،
في واحدٍ من ألقابِ الإِعرابِ، وفي واحدٍ من التعريفِ والتنكيرِ، نحو: مررت
برجلَيْنِ عاقلةٍ أمُّهما، فلم يَتْبعه في تثنيةٍ ولا تذكيرٍ.
وإذا اختصرتَ ذلك كلَّه فقل: النعتُ يَلْزَم أن يتبعَ منعوتَه في اثنين من
خمسةٍ مطلقاً: في واحدٍ من ألقاب الإِعراب، وفي واحدٍ من التعريف
والتنكير، وفي الباقي كالفعل، يعني أنك تضعُ موضعَ النعت فعلاً فمهما ظهرَ
(١) انظر: ما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج ٣٥؛ وشرح ابن عقيل ٢٥٣/٢.
(٢) انظر في هذه المادة: اللسان: شطن؛ مفردات الراغب ٢٦٨ .
(٣) انظر: ابن عقيل ١٥٣/٢؛ شرح الكافية ٣٠٣/١.
(٤) الآية ١٣ من سورة الحاقة: فإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدة.
(٥) انظر: ابن عقيل ١٥٥/٢.
(٦) نحو: جاء رجل مهذب.
(٧) وهو ما يسمونه بالنعت السببيِّ نحو («جاء رجلٌ مهذبٌ أخوه)».
١١

- الاستعاذة -
في الفعلِ ظَهَرَ في النعت، مثالُه ما تقدَّم في: مررت برجلين عاقلةٍ أمُّهما،
لأنك تقول: برجلين عَقَلَتْ أمُّهما. والرجيم قد تَبع موصوفَه في أربعةٍ من
عشرةٍ لِما عَرَفْتَ.
وهو مشتق من الرَّجْم، والرَّجْمُ (١) أصله الرميُّ بالرِّجام، وهي الحجارة،
ويستعار الرجمُ للرميِ بالظن والتوهُّم. قال زهير(٢):
٥ - وما الحربُ إلا ما عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ
وما هو عنها بالحديثِ المُرَجّمِ
أي: المَظْنون، ويُعَبَّر به أيضاً عن الشتم، قال تعالى: (لَئِنْ لم تَنْتَهِ
لَأَرْجُمَنَّك))(٣) قيل: أقول فيك قولاً سيئاً. والمُراجَمَةُ: المُسابَّةُ الشديدةُ استعارةٌ
كالمقاذفة. قال الراغب(٤): ((والتَّرْجُمان: تَفْعُلان من ذلك)) كأنه يعني أنه
يَرْمي بكلامٍ مَنْ يُترجِمُ عنه إلى غيره. والرُّجْمَةُ أحجارُ القبر ثم عُبِّر بها عنْه ..
وفي الحديث: ((لا تَرْجُموا قبري))(٥) أي لا تضعوا عليه الرُّجْمة. والرَّجيم
فعيل بمعنى مفعول أي مرجوم نحو: قتيل وجريح، ويجوز أن يكونَ بمعنى
فاعِل لأنه يَرْجُمُ غيره بالشر، ولكنه بمعنى مفعول أكثرُ، وإن كان غيرَ مَّقيسٍ.
(١) انظر: مفردات الراغب ١٩٥.
(٢) ديوانه ١٨ .
(٣) الآية ٤٦ من مريم.
(٤) المفردات ١٩٥. والراغب هو الحسين بن محمد، له: التفسير والذريعة، توفي
سنة ٥٠٢. انظر: البلغة ٦٩؛ وروضات الجنات ٢٤٦.
(٥) قال أبو عبيد في غريب الحديث ٢٨٩/٤ ((في حديث عبدالله بن مُغَفِّل في وصيته)).
وقال: ((والمحدّثون يقولون ((لا تَرْجُوا)). إنما هو (لا تُرَجّموا)) يقول: لا تجعلوا عليه
الرَّجَمْ)).
١٢

البسملة
مصدر بَسْمَلَ، أي قال: بسم الله، نحو: حَوْقَلَ وهَيْلَلَ وحَمْدَلَ، أي
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله. وهذا شبيه بباب
النحت في النسب، أي إنهم يأخذون اسمَيْن فيَنْحِتون منهما لفظاً واحداً،
فينسينبون إليه كقولهم: حَضْرَميّ وعَبْقَسيّ وعَبْشَميّ نسبةً إلى حَضْرَمَوْت
وعبدِ القَيْس وعبدِ شمس. قال(١):
٦ - وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّة
كَأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً
وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بَسْمل وهَيْلل إنها لغة
مُؤَلَّدَة، [قال الماوردي(٢): يقال لَمَنْ قال: بسم الله: مُبَسْمِل وهي](٣) لغةً
مُؤَلَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة (٤):
٧ - لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لِقِيتُها
ألا حَبَّدا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُ
(١) البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وهو في المفضليات ١٥٨، ذيل الأمالي ١٣٣؛
المحتسب ٦٩/١؛ الحجة ٦٨/١؛ ابن يعيش ٩٧/٥.
(٢) تفسير الماوردي ٥٢/١، وهو علي بن محمد البصري الشافعي، أخذ عن الاسفرائيني. له
الحاوي والإقناع توفي سنة ٤٥٠ هـ. انظر: طبقات الشافعية للأسنوي ٣٨٧/٢؛ طبقات
الشافعية للسبكي ٣٠٣/٣.
(٣) لسم يظهر في فيلم الأصل وأثبتناه من ع.
(٤) ديوانه ٤٩٨؛ أمالي القالي ٢/ ٢٧٠؛ اللسان: بسمل؛ الهمع ٨٩/٢؛ الدرر ١١٦/٢.
١٣

- البسملة ــ
وغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُؤَلَّدَة كـ ثعلب(١) والمطِّز(٢).
وبِسْم: جارِّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت بالقَدُوم، لأنَّ
المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي:
الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَّسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية:
[نحو] ((فبظُلمِ من الذين هادوا حَرَّمْنَا عليهم))(٣)، أي بسببٍ ظلمهم،
والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه
السلام: ((ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم))(٤) أي بدلها، وكقول الآخر(٥):
٨ - فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا
شَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا
:
أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللّهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زِيد بمكة
أي فيها، والتعدية نحو: ((ذهب اللَّهُ بنورهم))(٦)، والتبعيض كقول الشاعر(٧):
متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئِجُ
٩ - شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترقَّعَتْ
(١) أحمد بن يحيى، إمام أهل الكوفة أخذ عن ابن الأعرابي وروى عنه ابن الأنباري، توفي
سنة ٢٩١. انظر: الإنباه ١٣٨/١؛ نزهة الألباء ٢٩٣؛ طبقات القراء ١٤٨/١.
(٢) محمد بن عبد الواحد المطرز غلام ثعلب، له: شرح الفصيح وفائت الفصيح، توفي
سنة ٣٤٥، انظر: البلغة ٢٣٤؛ البغية ١٦٤.
(٣) الآية ١٦٠ من النساء.
(٤) رواه البخاري (فتح الباري): الجمعة ٤٠٣/٢؛ مسند أحمد ١٣٠/١.
(٥) البيت ل قريط بن أنيف، وهو في الحماسة ٥٨/١؛ والمغني ١٠٩؛ والأشموني ٢٢٠/٢؛
والدرر ١٤/٢.
(٦) الآية ١٧ من سورة البقرة.
(٧) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٥١/١ برواية:
تَروَّتْ بماءِ البحر ثم تَنَصَّبَتْ على حَبَشِيَّاتٍ لهنَّ نتيجُ
والمخصص ٦٧/١٤، وأدب الكاتب ٤٠٨، والأزهية ٢٩٤؛ وأمالي الشجري
٢٧٠/٢؛ والدرر ٣٤/٢. ومتى هنا: مِنْ، والنتيج: المر السريع مع الصوت.
١٤

- البسملة -
أي من مائه، والمقابلة: ((اشتريتهُ بألف)» أي: قابلتُه بهذا الثمنِ،
والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى: ((ويومَ تَشَقَّقُ السماء بالغَمام))(١) أي عن الغمام،
ومنهم مَنْ قال: لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو: ((فاسألْ به
خبيراً)(٢) أي عنه، وقول علقمة (٣):
خبيرٌ بسأَدْواءِ النساء طبيبُ
١٠ - فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإنني
فليس له في وُدِّهِنَّ نَصِيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه
والاستعلاء كقوله تعالى: ((مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بقنطار))(٤). والجمهورُ يأَبُوْن
جَعْلها إلا للإلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما،
وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال.
وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطّردةُ في فاعل ((كفى)) نحو: ((كفى
بالله))(٥) / أي: كفى اللَّهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر(٦):
[٣/ب]
كفى الشيبُ والإِسلامُ للمرءِ ناهياً
١١ -
وفي خبرٍ ليس و((ما)) أختِها غيرَ موجَبٍ بـ إلَّ، كقوله تعالى: ((أليسَ
(١) الآية ٢٥ من سورة الفرقان.
(٢) الآية ٥٩ من سورة الفرقان.
(٣) ديوانه ٣٥؛ والمفضليات ٣٩٢؛ والجمع ٢٢/٢؛ والدرر ١٤/٢.
(٤) الآية ٧٥ آل عمران.
(٥) الآية ٦ النساء.
(٦) البيت لـ سحيم وصدره:
عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إِن تَجَهَّزْتَ غاديا
وهو في الديوان ١٦؛ والكتاب ٢٣٠/١؛ والخصائص ٤٨٨/٢؛ وابن يعيش
٥٨/٦؛ والعيني ٦٦٥/٣.
١٥

- البسملة -
اللَّهُ بكافٍ [عبدَه]))(١)، ((وما ربُّك بغافلٍ))(٢) وفي: بحَسْبكِ زِيدُ. وغيرٌ
مطّردةٍ في مفعول ((كفَى))، كقوله(٣) :
١٢ - فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا حُبُّ النبيِّ محمدٍ إِيانا
أي: كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غیرَ ((حَسْب)) ومنه في
أحدِ القولين: ((بأيّكم المفتونُ))(٤) وقيل: المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسوَرَ،
فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر ((لا)) أختِ ليس، كقوله(٥):
١٣ - فَكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ بِمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بْنِ قاربٍ
أي: مُغْنياً، وفى خبرٍ كان مَنْفِيَّةٌ نحو(٦):
١٤ - وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ بِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القَومِ أَعْجَلُ
أي: لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنُّ منفيَّيْنِ أيضاً
كقوله(٧) :
حكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاها
١٥ ۔ فما رَجَعَتْ بخَائِةٍ رِکابٌ
٠٠
(١) الآية ٣٦ من الزمر.
(٢) الآية ١٣٢ من الأنعام.
(٣) اختلفوا في نسبة هذا البيت بين حسان - وليس في ديوانه ــ وكعب بن مالك :
وعبد الله بن رواحة؛ وهو في الدرر ٧٠/١؛ والعيني ١ /٤٨٦؛ والهمع ٩٢/١.
(٤) الآية ٦ من القلم.
(٥) البيت لسواد بن قارب الدوسي الصحابي وهو في الدرر ١٠١/١؛ وأوضح المسالك
٢٠٩/١. والفتيل: الخيط الدقيق في شق النواة.
(٦) البيت للشنفرى، وهو في الأشموني ٢٥١/١؛ وأوضح المسالك ٢١٠/١؛ والعيني
١١٧/٢؛ والدرر ١٠١/١.
(٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: منى؛ والهمع ١٢٧/١؛ والدرر ١٠١/١.
١٦٠

- البسملة -
وقول الآخر (١):
فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بِقُعْدَدِ
١٦ - دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه
أي: ما رَجَعَتِ رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر ((إِنَّ)) كقول
امرئ القيس (٢):
١٧ - فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةٌ لا تُلاقِها
فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بِالمُجَرِّبِ
أي: فإنك المجرِّب، وفي: ((أولم يروا أنَّ اللهَ))(٣) وشبهه.
والاسمُ لغةً: ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً: ما دلَّ على معنى في
نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِنْيَتِهِ لزمان ولا دالٌّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من
أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ: جَعْلُ
ذلك اللفظِ دالاً على ذلك المعنى.
واختلف الناسُ: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ،
تكلّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه،
فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة
أجوبة(٤)، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ
التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمِّ فتغايرا. الثاني: أنَّ في
الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللَّهِ. الثالث: أن لفظَ ((اسم)» زائدٌ
كقوله(٥):
(١) البيت لدريد بن الصمة، وهو في أوضح المسالك ٢١١/١؛ والجمع ١٢٧/١؛ والدرر
١٠١/١. والقعدد: الجبان اللئيم.
(٢) ديوانه ٤٢؛ البحر ١٤١/٦؛ أوضح المسالك ٢١٢/١؛ الدرر ٦٦/١.
(٣) الآية ٣٣ من سورة الأحقاف. ((أو لم يَرَوا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يَعْيَ
بخلقهن بقادر» والشاهد زيادة الباء في ((بقادر)».
(٤) الاملاء للعكبري ٤/١.
(٥) البيت للبيد، وهو في ديوانه ٢١٤؛ والخصائص ٢٩/٣؛ وأمالي الزجاجي ٤٦٣
وابن يعيش ١٤/٣؛ والجمع ٤٩/٢؛ والدرر ٥٨/٢ .
١٧

- البسملة -
١٨ - إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ
أي: السلام عليكما، وقول ذي الرمة (١):
١٩ - لَا يَرْفَعُ الطرفَّ إِلَّ مَا تَخَوَّنَهُ داعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ
وإليه ذهب أبو عبيدة(٢) والأخفش(٣) وقطرب(٤).
واختلفوا في معنى الزيادة(٥) فقال الأخفش(٦): ((ليخرجَ من حُكْمِ
القسم إلى قَصْدِ التبرُّك)). وقال قطرب: ((زيد للإِجلال والتعظيم))، وهذان
الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاّ إذا اضطُرَّ إليهما.
ومن هذا القَبيلِ بـ أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءٍ إلى نفسِه - إضافةُ الاسم
إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو: سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ
وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول(٧) بأن جعلوا الاسمَ بمعنى
المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه: جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني
جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ: بقلةُ الحبّةِ الحمقاءِ،
ومسجدُ الجامعِ : مسجدُ المكانِ الجامعِ .
(١) ديوانه ٣٩٠ برواية: لا يَنْعَشُ، وهو في الخصائص ٢٩/٣؛ وابن يعيش: ١٤/٣؛
واللسان: خون، والخزانة ٢٢٠/٢؛ والأشموني ٢١٢/٣. تَخَوَّنه: تعهَّده، البغام:
صوت ظبية .
(٢) مجاز القرآن ١٦/١.
(٣) سعيد بن مسعدة صاحب سيبويه من مدرسة البصرة، له: المسائل الكبيرة والمقابيس
والاشتقاق، توفي سنة ٢١١. انظر: أخبار النحويين البصريين ٣٩؛ البغية ٥٩٠/١ ..
(٤) محمد بن المستنير لازَمّ سيبويه وعيسى بن عمر، له: المثلث والنوادر والعلل في النجو
وإعراب القرآن، توفي سنة ٢٠٦. انظر: أخبار النحويين البصريين ٣٨؛ النزهة ٩١؛
: البغية ٢٤٢/١.
(٥) انظر: تفسير القرطبي ٩٩/١.
(٦) ليس في معانيه نص يفيد ذلك.
(٧) قال صاحب الإِنصاف ٤٣٦: أجاز الكوفيون إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف
اللفظان، ومنعها البصريون.
١٨

- البسملة -
واختلف النحويون في اشتقاقه(١): فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ
من السُّمُوِّ وهو الارتفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرُه، وذهب الكوفيون
إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان
صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ.
استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على ((أَسْماء)) وتصغيرهم
له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ
العَربُ: فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأَسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على
اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير: أَوْسام، وفي
التصغير: وُسَيْم، ولقالوا: وَسِيمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وَأَوْسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ
عدمُ قولِهِم ذلك أنه ليس كذلك. وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ
الأكثرِ، وَجَعْلُه من الوَسْمِ مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ؛ وذلك أن حَذْفَ اللامِ
كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهِدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلٌّ
الحَذْفَ فَجَعْلُ همزة الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ
كُوْنِها عوضاً من الفاء. فإن قيل: قولُهم ((أسماء)) في التكسير و((سُمَيّ)) في
التصغير لا دلالةَ فيه لجوازٍ أن يكون الأصلُ: أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِيَتِ الكلمةُ
بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤها بعد لامها فصار لفظُ أَوْسامٍ: أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء(٢)،
وصار وُسَيْمُ سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ(٣) جُرَيّ تصغير جَرْو. فالجوابُ أنَّ ادِّعاء
ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إليه ما لم تَدْعُ إليه
ضرورةٌ. وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أَنَّ مَنْ
قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول: إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدّهم
(١) انظر: الإنصاف ٦/١؛ مشكل الإعراب لمكي ٦/١؛ اللسان: سمو.
(٢) أي تطرفت الواو وقبلها ألف زائدة فقلبت همزة.
(٣) أي اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً وأدغمت الياء في
الياء.
١٩

- البسملة -
وعند فَنائِهم، لا تأثيرَ لهم في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ. وَمَنْ قال
بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ
الخلق جعلوا له أسماءً وصفاتٍ وهو قول المعتزلة، وهذا أشدُّ خطأً من قولهم
بخلق القرآن. وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى.
وفي الاسم خمسُ لغاتٍ: ((اسم)) بضم الهمزة وكسرها، و((سُم)) بكسر
السين وضمها. وقال أحمد بن يحيى(١): ((سُمّ بضم السين أَخَذَه مَنْ سَمَوْتُ
أسْمُو، ومَنْ قَاله بالكسر أخذهِ من سَمَيْتُ أَسْمي، وعلى اللغتين قوله(٢):
٢٠ - وعامُنا: أَعْجِبنا مُقَدَّمُهْ يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرْضَابٌ سُمُهْ
مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ
يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر (٣):
٢١ - باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ
[فعلى هذا يكون في لام ((اسم)) وجهان، أحدُهما: أنها واو، والثاني:
أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ](٤) أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل.
و ((سُمَىَّ))(٥) مثل هُدَىَّ. واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر(٦):
(١) وهو ثعلب وقد سبقت ترجمته.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في الإنصاف ١٦، وأمالي الشجري ٦٦/٢؛ وابن يعيش ٢٤/١؛
واللسان: لحم. قرضب الرجل: إذا أكل شيئاً يابساً، رجل مبترك: إذا كان معتمداً على
الشيء مُلِحَّاً فيه يريد أنهم خدعوا بأول العام فإذا هو عام جدب.
(٣) نسبه في النوادر ١٦٦ لرجل من كلب، وقبله:
وَهْوَ بها يَنْجو طريقاً يعلَمُهْ
وهو في الانصاف ١٦، واللسان: سما.
(٤) غير واضح في الأصل وهو مثبت في النسخ الأخرى.
(٥) يتابع ذكر لغات ((اسم)).
(٦) البيت لـ أبي خالد القناني وهو في الإنصاف ١٥، وأوضح المسالك ٢٥/١؛ والعيني
١٥٤/١٠. وأثرك: اختصّك به.
٢٠