النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سورة التكاثر: الآية ٨ قلت: هذا القولُ حسنٌ؛ لأنَّ اللفظ يَعُمّ. وقد ذكر الفِرْيابيُّ قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُتْشَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ اٌلَّعِيمِ﴾ قال: كلُّ شيءٍ من لذَّة الدنيا (١). وروى أبو الأحوص، عن عبد الله، عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((إنَّ الله تعالى لَيُعَدِّدُ نِعمَه على العبد يومَ القيامة، حتى يَعُدَّ عليه: سألتني فلانة أن أزوِّجَكَها - فيُسمِّيها باسمها - فزوَّجْتُكَها))(٢). وفي الترمذيِّ عن أبي هريرةَ قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿ثُمَّ لَتُتْئَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناس: يا رسولَ الله، عن أيِّ النعيم نُسْأَل؟ فإنَّما هما الأسودان، والعدوُّ حاضرٌ، وسيوفُنا على عواتقنا. قال: ((إنَّ ذلك سيكون))(٣). وعنه قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ أوّلَ ما يُسألُ عنه يومَ القيامةِ - يعني العبدَ - أنْ يقال له: أَلَمْ نُصِحَّ لك جسمَكَ، ونرويكَ من الماء البارد)) قال: حديثٌ غريب(٤). وروي من حديثِ ابنِ عمر قال: سمعتُ رسولَ الله : # يقول: ((إذا كان يومُ القيامةِ دعا الله بعبدٍ من عباده، فيوقفُه بين يديه، فيسألُه عن جاهه كما يسألُه عن ماله))(٥). والجاهُ من نعيم الدنيا لا محالةً. وقال مالك رحمه الله: إنَّه صحةُ البدنِ، وطِيْبُ النفس(٦). وهو القولُ السابع. (١) الورع لأحمد ص ١٨٧، والتمهيد ٣٤٣/٢٤ وعنه نقل المصنف. (٢) أخرجه ابن فضيل الضبي في كتاب الدعاء (١٤١)، وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام ه أخرجه البيهقي موقوفاً ومرفوعاً في الشعب (٤٦١٠) و(٤٦١١). (٣) سنن الترمذي (٣٣٥٧). وأخرجه أحمد (١٤٠٥)، والترمذي (٣٣٥٦) من حديث الزبير ، وقال الترمذي عن حديث الزبير: حديث حسن. وأخرجه أحمد (٢٣٦٤٠) من حديث محمود بن لبيد ﴾. (٤) سنن الترمذي (٣٣٥٨). (٥) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١٣٧/٣، والطبراني في الصغير (١٨)، وابن عدي في الكامل ٢٦٢٨/٧، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٣٤). قال ابن حبان: هذا الحديث لا أصل له من كلام النبي #. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٦٣. ٤٦٢ سورة التكاثر: الآية ٨ وقيل: النومُ مع الأمنِ والعافية. وقال سفيان بنُ عيينة: إنَّ ما سَدَّ الجوعَ وسَتَر العورةَ من خَشِنِ الطعامِ واللباسِ، لا يُسألُ عنه المرءُ يومَ القيامة، وإنَّما يُسألُ عن النَّعيم، قال: والدليلُ عليه: أنَّ الله تعالى أَسْكَنَ آدَمَ الجنةَ، فقال له: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىِ. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨-١١٩](١). فكانت هذه الأشياءُ الأربعةُ - ما يَسدُّ به الجوعَ، وما يَدفعُ به العطشَ، وما يَستَكِنُّ فيه من الحرِّ، وما يَسْتُر به عَورتَه - لاَدَمَ عليه السلامُ بالإطلاق(٢)، لا حسابَ عليه فيها؛ لأنَّه لا بدَّ له منها. قلت: ونحوُ هذا ذكره القشيريُّ أبو نصر، قال: إنَّ ممَّا لا يُسألُ عنه العبدُ: لباساً يُواري سوأتَه، وطعاماً يُقيمُ صُلْبَه، ومكاناً يُكِنُّه من الحرِّ والبرد. قلت: وهذا منتزعٌ من قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لابنِ آدمَ حَقٌّ في سِوى هذه الخصالِ: بيتٍ يسكنُه، وثوبٍ يُواري عورتَه، وجِلْفِ الخبزِ والمَاء)) خرّجه الترمذيُّ(٣). وقال النضر بن شُميل: جِلْفُ الخبز: ليس معه إدام. وقال محمد بن كعب: النعيم: هو ما أَنعم الله علينا بمحمدٍ ﴾. وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤](٤). وقال الحسن أيضاً والمفضَّل(٥): هو تخفيفُ الشرائع، وتيسيرُ القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِِّنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسِّرْنَا (١) التمهيد ٣٤٠/٢٤. (٢) في (د): لازم عليه بالإطلاق، بدل: لآدم عليه السلام بالإطلاق. (٣) في سننه (٢٣٤١) من حديث عثمان بن عفان ، وهو حديث لا يصح كما سلف الكلام ٥/ ٥٧ . (٤) النكت والعيون ٣٣٢/٦، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٢ . (٥) في (ظ): والفضل، وليست في (ز)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٣٣٢/٦، والكلام منه، وذكره البغوي ٥٢٢/٤، والرازي ٨٢/٣٢، وفيهما: وقال الحسين بن الفضل، وينظر ما سيأتي ص٥٢١ من هذا الجزء. ٤٦٣ سورة العصر: الآية ١ اَلْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلٌ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قلت: وكلُّ هذه نِعمٌ، فيُسأل العبدُ عنها: هل شَكَرَ ذلك أم كَفَر. والأقوالُ المتقدِّمةُ أَظْهَر. والله أعلم. تفسير سورة ((والعصر)) وهي مكيةٌ، وقال قتادةُ: مدنية. وروي عن ابن عباس(١). وهي ثلاث آيات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّْمَنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أي: الدهر؛ قاله ابنُ عباس وغيرُهُ(٢). فالعصرُ مِثلُ الدهر، ومنه قولُ الشاعر: ويَوْمُ الهَوَى شَهْرٌ وشَهْرُ الهَوى دَهْرُ(٣) سَبِيلُ الهَوَى وَغْرٌ وبحرُ الهَوَى غَمْرُ أي : عصر. أقسم الله به عزَّ وجلَّ؛ لِمَا فيه من التنبيه بتصرُّفِ الأحوال وتبدُّلها، وما فيها من الدلالةِ على الصانع. وقيل: العصر (٤): الليل والنهار. قال حُميد بن ثور: ولَنْ يَلْبَثَ العَضْرانِ يَومٌ ولَيلةٌ إذا طَلَبا أَنْ يُدرِكا ما تَيَمَّما (٥) (١) ذكر قولهما الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٣٣. (٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٦١٢، والنكت والعيون ٦/ ٣٣٣ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٩٦٧ . (٤) في الصحاح (عصر) والكلام منه: العصران. (٥) ديوان حميد بن ثور ص٨، وإصلاح المنطق ص ٤٣٧ ، والصحاح (عصر). قوله: يومٌ وليلةٌ، هو = ٤٦٤ سورة العصر: الآية ١ والعصران أيضاً: الغَدَاةُ والعَشيُّ؛ قال: ويَرْضَى بِنِصْفِ الدَّينِ والأنْفُ راغِمُ (١) وأَمْظُلُهُ العَصْرين حتى يَمَلَّني يقول: إذا جاءني أولَ النهار وَعَدْتُه آخِرَه. وقيل: إنه العشيُّ، وهو ما بين زوالِ الشمسِ وغروبِها؛ قاله الحسن وقتادةُ، ومنه قولُ الشاعر : تَرَوَّحْ بنا يا عمرو قد قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحةِ الأُولَى الغنيمةُ والأَجْرُ (٢) وعن قتادة أيضاً: هو آخرُ ساعةٍ من ساعات النهار(٣). وقيل: هو قَسَمٌ بصلاةِ العصر، وهي الوسطى؛ لأنَّها أفضلُ الصلوات؛ قاله مقاتل (٤). يقال: أُذِّن للعصر، أي: لصلاة العصر. وصُلِّيت العصر، أي: صلاةٌ العصر. وفي الخبر الصحيح: ((الصلاةُ الوسْطَى: صلاةُ العصر)). وقد مضى في سورة البقرة بيانُه(٥). وقيل: هو قسمٌ بعصر النبيِّ﴾، لفَضْلِه بتجديد النبوّةِ فيه(٦). وقيل: معناه: وربِّ العصر. = بدل من العصرين، يقول: إذا طلبا شيئاً بَلَغاه وأدركاه، لا يفوتهما شيءٌ. وتيمما: قصدا، جعل الهلاك الذي يقع فيهما كأنه من فِعْلهما، وبقَصْدهما يقع. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ٥٩٤ . (١) إصلاح المنطق ص ٤٣٧، والأضداد لابن الأنباري ص ٢٠٢ ، والصحاح (عصر) والكلام منه، وهو في ديوان عبيد بن الأبرص ص ١٢٧ برواية: ويرضى ببعض الدَّين في غير نائلٍ. قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص ٥٩٥ : يقول: أَمْطُل غريمي؛ إذا جاءني في أول النهار وعدته آخر النهار، وإذا جاءني في آخر النهار وعدته في أول اليوم الذي يأتي بعده. (٢) النكت والعيون ٣٣٣/٦، والكلام منه، واللسان (عصر)، وصدره في تهذيب اللغة ١٤/٢، ووقع في (د) و(ز) و(ي): يروح بنا عمرو وقد ... ، وهو موافق لرواية البيت في العين ٢٩٣/١ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٥٢٢، وأخرجه عبد الرزاق ٣٩٤/٢ بلفظ: ساعة من ساعات النهار. (٤) النكت والعيون ٣٣٣/٦، والوسيط ٥٥١/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣. (٥) ١٧٧/٤، وهو في سنن الترمذي (١٨١) من حديث ابن مسعود ، و(١٨٢) من حديث سمرة بن جندب ﴾ (٦) النكت والعيون ٣٣٣/٦. ٤٦٥ سورة العصر: الآيتان ١ - ٢ الثانية: قال مالك: مَن حلَف ألَّ يكلِّم رجلاً عَضراً لم يكلِّمه سنةً. قال ابن العربيّ(١): إنَّما حمل مالكٌ يمينَ الحالِفِ ألَّا يكلِّمَ امرَأَ عَضْراً على السنة؛ لأنَّه أكثرُ ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان. وقال الشافعيُّ: يَبَرُّ بساعةٍ، إلّا أن تكون له نيةٌ، وبه أقول، إلّا أن يكون الحالفُ عربيّاً، فيقال له: ما أَرَدْتَ؟ فإذا فسَّره بما يحتملُه قُبِل منه، وإن كان الأقل(٢)، ويجيءُ على مذهب مالكٍ أن يُحملَ على ما يفسّر. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾﴾ هذا جوابُ القسم. والمرادُ به الكافر؛ قاله ابن عباسٍ في رواية أبي صالح (٣). وروى الضحاك عنه قال: يريدُ جماعةً من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى، والأسود بن عبد يغوث (٤). وقيل: يعني بالإنسان جِنْسَ الناس(٥). ﴿لَفِى خُسْرٍ﴾: لفي غَبْن. وقال الأخفش: هَلَكَةٍ. الفرَّاء(٦): عقوبة، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكَانَ عَقِبَةُ أَتْرِهَا خُْرًا﴾ [الطلاق: ٩]. ابن زيد: لفي شرِّ(٧). وقيل: لفي نَقْصٍ. والمعنى متقارب. وروي عن سلام: ((والعَصِر)) بكَسْرِ الصَّاد(٨). وقرأ الأعرجُ وطلحةُ وعيسى الثَّقَفيُّ: (خُسُرٍ)) بضم السين. ورَوى ذلك هارون عن أبي بكر عن عاصم(٩). والوجهُ (١) في أحكام القرآن ١٩٦٧/٤. (٢) في النسخ: إلا أن يكون الأقل، والمثبت من أحكام القرآن. (٣) ذكره البغوي ٥٢٣/٤ دون نسبة. (٤) ذكره الرازي ٨٦/٣٢ . (٥) قال الزجاج في معاني القرآن ٣٥٩/٥: هو كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، تريد: الدراهم. (٦) في معاني القرآن ٢٨٩/٣ . (٧) النكت والعيون ٣٣٤/٦ عن زيد بن أسلم. (٨) القراءات الشاذة ص ١٧٩ . (٩) المصدر السابق. ٤٦٦ سورة العصر: الآيتان ٢ - ٣ فيهما الإِثْباع. ويقال: خُسْر وخُسُر، مثل عُسْرٍ وعُسُر(١). وكان عليٍّ يقرؤها: ((والعَصْرِ ونَوائبِ الدَّهْر، إنَّ الإنسان لفي خُسْر. وإنَّه فيه إلى آخِرِ الدهر»(٢). وقال إبراهيم: إنَّ الإنسان إذا عُمِّرَ في الدنيا وهَرِم، لفي نَقْصٍ وضَعْفٍ وتراجُعٍ، إلَّ المؤمنين، فإنَّهم تُكتبُ لهم أجورُهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، نظيرُه قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [التين: ٤-٥]. قال: وقراءُتُنا: ((والعَصْرِ إِنَّ الإنسانَ لفي خُسْرٍ، وإنَّه في آخِرِ الدَّهر))(٣). والصحيحُ ما عليه الأمةُ والمصاحفُ. وقد مضى الردُّ في مقدِّمة الكتابِ على مَن خَالفَ مصحفَ عثمان، وأنَّ هذا ليس بقرآنٍ يُتلى؛ فتأمَّلْه هناك(٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناءٌ من الإنسان؛ إذ هو بمعنى الناسِ على الصحيح. قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ﴾ أي: أدَّوا الفرائضَ المفترَضَة عليهم، وهم أصحاب رسولِ اللهِ ﴾. قال أبيّ بنُ كعب: قرأتُ على رسول اللـه ﴾ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ثم قلتُ: ما تفسيرُها يا نبيَّ الله؟ قال: (﴿وَالْعَصْرِ﴾ قَسَمٌ من الله، أَقْسَمَ ربّكم بآخِرِ النهار ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى (١) نقل الجوهري في الصحاح (عصر) عن عيسى بن عمر قال: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمِن العرب مَن يثقَّله، ومنهم مَن يخفَّفه. وقال السمين في الدر المصون ٢٨٥/٢ : اختلف النحاة؛ هل الضم أصل والسكون تخفيف، أو الأصل السكون والضم للإتباع؟ والأول أظهر لأنه المفهوم في كلامهم. (٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦١٣ . (٣) أخرجه عبد بن حميد بلفظ: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر)). الدر المنثور ٣٩٢/٦. (٤) ١/ ١٢٦ . ٤٦٧ سورة الهمزة: الآية ١ خُسْرٍ﴾ أبو جهل ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أبو بكر ﴿وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ عمر ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِ﴾ عثمان ﴿وَصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ عليّ)) رضي الله عنهم أجمعين(١). وهكذا خَطبَ ابن عباس على المنبر موقوفاً عليه. ومعنى ﴿وَصَوْا﴾ أي: تَحابُوا؛ أوصى بعضُهم بعضاً، وحثَّ بعضُهم بعضًا. ﴿بِآلْحَقْ﴾ أي: بالتوحيد؛ كذا روى الضخَّاك عن ابن عباس. وقال قتادة: « بِالحقِّ)» أي: بالقرآن. وقال السدِّيُّ: الحقُّ هنا هو اللهُ عزَّ وجلَّ. ﴿وَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾ على طاعة الله عزَّ وجلَّ، والصبرِ عن معاصيه(٢). وقد تقدَّم(٣). والله أعلم. تفسير سورة ((الهمزة» مكيةٌ بإجماعٍ، وهي تسعُ آيَات بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِ هُمَزَقٍ لُّمَزَّةٍ (@)﴾ قد تقدَّم القولُ في الويل في غير موضع، ومعناه: الخِزيُ والعذابُ والهَلَكة. وقيل: وادٍ في جهنم. ﴿لَكُلِّ هُمَزَقٍ لُمَّزَةٍ﴾ قال ابن عباس: هم المشَاؤون بالنميمة، المفرِّقون (٤) بين الأحبّة، الباغون للبُرَآءَ العيبَ(٥)، فعَلَى هذا هما بمعنى. وقال النبيُّ﴾: ((شِرارُ عباد (١) الوسيط ٤/ ٥٥١ . (٢) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٣٣٤/٦ . (٣) ص٣٠٦ من هذا الجزء. (٤) في (د) و(م): المفسدون. (٥) أخرجه وكيع في الزهد (٤٤٧)، وهناد في الزهد (١٢١٤)، والطبري ٢١٧/٢٤ . ووقع عند وكيع وهناد: العنت، بدل العيب. ٤٦٨ سورة الهمزة: الآية ١ اللهِ تعالى المَشَّاؤون بالنميمة، المُفْسِدون بين الأحبَّةِ، الباغون للبرآء العيبَ))(١). وعن ابن عباس أنَّ الهُمَزَة: القَتَّات، واللُّمزة: العِيَّاب(٢). وقال أبو العالية والحسنُ ومجاهدٌ وعطاء بن أبي رَباح: الهمزةُ: الذي يغتابُ ويَظْعنُ في وجه الرجل، واللمزة: الذي يغتابُه مِن خَلْفِه إذا غاب(٣)، ومنه قولُ حسان : هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نفسٍ بقافيةٍ تَأَجَّحُ كالشُّوَاظِ(٤) واختار هذا القولَ النخَّاس(٥)؛ قال: ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِی الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. وقال مُقاتل ضدَّ هذا الكلام: أنَّ الهُمَزَةَ: الذي يَغتابُ بالغَيْبة(٦)، واللُّمَزة: الذي يغتاب في الوجه(٧) . وقال قتادة ومجاهد: الهُمزَة: الطَّعَّان في الناس، واللُّمَزة: الطَّعَّان في (٨) أنسابهم(٨). وقال ابن زيد: الهامِزُ: الذي يهمز الناسَ بيده ويضربُهم، واللُّمزَة: الذي يَلْمِزهم (١) أخرجه أحمد (٢٧٥٩٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٢٣) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها. وفيهما: العنت، بدل: العيب. (٢) النكت والعيون ٣٣٥/٦، وزاد المسير ٢٢٧/٩، وفيهما: المغتاب، بدل: القتات. والقتات: النمام. القاموس (قتت). (٣) ينظر قولهم في تفسير الطبري ٦١٧/٢٤ - ٦١٨، والنكت والعيون ٣٣٥/٦، والمحرر الوجيز ٥٢١/٥، وزاد المسير ٢٢٧/٩. (٤) سيرة ابن هشام ١/ ٣٥٧، والنكت والعيون ٣٣٦/٦. قوله: بقافية، القافية: وراء العنق. القاموس (قفا). (٥) ينظر إعراب القرآن له ٢٨٧/٥ . (٦) في (ظ): في الغيبة. (٧) بنحوه في المحرر الوجيز ٥/ ٥٢١، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٣، وزاد المسير ٢٢٨/٩ . (٨) زاد المسير ٢٢٨/٩ عن مجاهد. ٤٦٩ سورة الهمزة: الآية ١ بلسانه ويَعِيبُهم (١). وقال سفيان الثوريُّ: يَهْمِزُ بلسانه، ويَلمِزُ بعينيه(٢). وقال ابن كيسان: الهُمَزَةُ: الذي يؤذي جُلَساءَه بسوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَرةُ: الذي يكسرُ عينَه على جليسه، ويُشير بعينِهِ ورأسِه وبحاجبيه(٣). وقال مرةً: هما سواء، وهو القَتَّاتِ الطَّعَّان للمرء إذا غاب. وقال زياد الأعجم: تُذْلي بِوُدِّي إِذا لاقيتَني كَذِبًا وإِنْ أُغَيَّبْ فأنتَ الهامزُ اللُّمَزَ: (٤) وقال آخر : إذا لَقِيتُكَ عن شَخْطٍ تُكَاشِرُني وإِنْ تَغَيَّبتُ كنتَ الهامِزَ اللُّمَزَ:(٥) الشَّخْطُ: البعد. والهُمَزَةُ: اسمٌ وضع للمبالغة في هذا المعنى؛ كما يقال: سُخَرَةٌ وضُحَكَة: للذي يسخر ويَضْحك بالناس. وقرأ أبو جعفر محمد بن عليٍّ والأعرجُ: ((هُمْزةٍ لُمْزةٍ)) بسكون الميم فيهما(٦)، فإنْ صح ذلك عنهما، فهي في معنى المفعول، وهو الذي يتعرَّضُ للناس حتى يَهْمزوه ويضحكوا منه، ويَحمِلُهم على الاغتياب. وقرأ عبد الله بن مسعودٍ وأبو وائلٍ والنَّخَعيُّ والأعمش: ((ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ))(٧). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/٥، وتفسير البغوي ٥٢٣/٤، وأخرجه الطبري ٦١٩/٢٤ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٥٢٣، وزاد المسير ٢٢٨/٩. (٣) ذكره بنحوه البغوي ٤/ ٥٢٣، وقال الرازي ٩٢/٣٢: اعلم أن جميع هذه الوجوه متقاربة راجعة إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار العيب. (٤) مجاز القرآن ٣١١/٢، وتفسير الطبري ٦١٦/٢٤، والنكت والعيون ٣٣٥/٦ . (٥) معاني القرآن للزجاج ٣٦١/٥، وجمهرة اللغة ١٨/٣، وأساس البلاغة (لمز)، واللسان (همز)، وعزاه ابن دريد لزياد الأعجم أيضاً. ووقع في معاني القرآن: كره، بدل: شحط. قوله: تكاشرني، كاشره: إذا ضحك في وجهه وباسطه. اللسان (كشر). (٦) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٨٣/٤، والرازي ٩١/٣٢ دون نسبة. (٧) معاني القرآن للفراء ٢٨٩/٣، والقراءات الشاذة ص ١٧٩، والمحرر الوجيز ٥٢١/٥ . ووقع في القراءات الشاذة: ويل للهمزة واللمزة. وفي المحرر: ويل الهمزة اللمزة. ٤٧٠ سورة الهمزة: الآية ١ وأصلُ الهمزِ: الكَسْرُ، والعَضُّ على الشيء بعنفٍ، ومنه هَمْزُ الحرف. ويقال: هَمِزْتُ رأسَه. وهمزتُ الجوزَ بكفِّي: كَسَرته. وقيل لأعرابيّ: أَتهمِزون الفأرةَ؟ فقال: إنَّما تَهمِزُها الهِرَّة. الذي في ((الصحاح)): وقيل لأعرابي: أَتهمِزُ الفأرة؟ فقال: السِّنَّوْرُ يهمزُها(١). والأوّلُ قاله الثعلبيُّ. وهو يدلُّ على أنَّ الهِرَّ يسمَّى الهُمَزة. قال العجَّاج: ومَنْ هَمَزْنَا رأسَهُ تَهَشَّما(٢) وقيل: أصلُ الهَمْزِ واللَّهْزِ: الدفعُ والضربُ؛ لَمَزَهُ يَلْمِزه(٣) لَمْزًا: إذا ضَرَبه ودَفَعه. وكذلك هَمَزَهُ، أي: دَفَعه وضَرَبَه، قال الراجز: ومَن هَمَزْنَا عِزَّهُ تَبَرْكَعا على اسْتِهِ زَوْبَعَةً أو زَوْبَعَا (٤) البركعة: القيامُ على أربع. وبَرْكَعُهُ فتبركع، أي: صَرَعَه فوقع على اسْتِه؛ قاله في ((الصحاح))(٥). (٥) والآيةُ نزلت في الأخنس بنٍ شريق، فيما رَوَى الضحاك عن ابن عباسٍ(٦). وكان يَلْمِزُ الناسَ ويَعيبهم مُقْبِلين ومُذْبِرین. (١) الصحاح (همز). (٢) نسب للعجاج في العين ٨٩/١، وفيه: تلعلعا، بدل: تهشما، والتلعلع: التكسر. وتهذيب اللغة. ١٦٢/١، وفيه: تخرَّعا، ومعناها: زال عن موضعه. وهو برواية المصنف في الصحاح (همز)، وتهذيب اللغة ١٦٥/٦ دون نسبة، وذُكر بهذه الرواية في ملحقات ديوان رؤبة ص ١٨٤ .. (٣) وبابه: ضرب ونصر، مختار الصحاح (لمز)، والكلام من الصحاح (لمز). (٤) الصحاح (همز)، والكلام منه، والرجز لرؤبة، وهو في ديوانه ص ٦٣ ، ومجالس ثعلب ص٦٤ ، وأمالي القالي ١٠٥/١، والاشتقاق لابن دريد ص ٣١٢ واللسان (بركع)، ووقع في بعض المصادر: روبعة أو روبعا، وهو الصواب فيما نقل صاحب اللسان (بركع) عن ابن بري، قال: وكذلك هو في شعر رؤبة، وفسِّر بأنه القصير الحقير، وقيل: الضعيف، وقيل: القصير العرقوب، وقيل: الناقص الخَلْق. اهــ ورواية الديوان : ومن أبحنا عزَّه تبركعا ومن همزنا رأسه تلعلها على استه روبعة أو روبعا (٥) مادة (بركع). (٦) ذكره ابن الجوزي ٢٢٦/٩ من طريق أبي صالح عن ابن عباس. وذكره البغوي ٥٢٣/٤ عن الكلبي. ٤٧١ سورة الهمزة: الآيتان ١ - ٢ وقال ابن جُرَيج: في الوليد بن المغيرة، وكان يغتابُ النبيَّ 8# من ورائه، ويَقْدحُ فيه في وجهه(١). وقيل: نزلت في أُبَيّ بنِ خَلَف(٢). وقيل: في جميل بن عامر الثقفيّ(٣). وقيل: إنَّها مُرْسَلٌ على العموم من غيرِ تخصيص؛ وهو قولُ الأكثرين؛ قال مجاهد: ليست بخاصَّةٍ لأحد، بل لكلِّ مَن كانت هذه صفته(٤). وقال الفرَّاء(٥): يجوزُ أن يُذْكَر الشيءُ العامُّ ويقصَد به الخاصُّ قَصْدَ الواحدِ، إذا قال: لا أزورُك أبداً، فتقول: مَن لم يَزُرْني فلستُ بزائرِه، يعني ذلك القائل. قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ( أي: أَعَذَّه ـ زَعَم - لنوائب الدهر؛ مثل كَرَّم وأَكْرَم. وقيل: أحصى عدَدَه؛ قاله السُّديّ. وقال الضحاك: أي: أعدَّ ماله لمن يرثُه من أولاده. وقيل: أي: فاخَر بعددِه وكَثْرتِه(٦). والمقصودُ الذمُّ على إمساك المالِ عن سبيل الطاعة، كما قال: ﴿مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ﴾ [ن: ١٢]، وقال: ﴿وَجَعَ فَأَوَعَ﴾ [المعارج: ١٨]. وقراءةُ الجماعة: ((جَمَع)) مخفَّف الميم. وشدَّدها ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ على التكثير(٧). واختاره أبو عُبيد؛ لقوله: ((وعَذَّدَه)). وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية: ((جَمَع)) مخفَّفًا، ((وعَدَدَه)) مخفَّفًا (١) الوسيط ٥٥٢/٤، وتفسير البغوي ٥٢٤/٤ عن مقاتل، وذكره عن ابن جريج الماوردي ٣٣٦/٦ دون قوله: وكان يغتاب النبي ... (٢) النكت والعيون ٣٣٦/٦. (٣) تفسير الطبري ٦١٩/٢٤، والنكت والعيون ٣٣٦/٦، وفيهما: الجمحي، بدل: الثقفي. (٤) تفسير الطبري ٢٤ / ٦٢٠ . (٥) في معاني القرآن ٢٨٩/٣. (٦) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٣٣٦/٦ . (٧) السبعة ص٦٩٧ ، والتيسير ص ٢٢٥ . ٤٧٢ سورة الهمزة: الآيات ٢ - ٧ أيضًا(١)، فَأَظْهَروا التضعيفَ؛ لأنَّ أصله: عَدَّه، وهو بعيد؛ لأنَّه وقع في المصحف بدالين. وقد جاء مثلُه في الشعر؛ لمَّا أَبْرَزوا التضعيفَ خفَّفوه، قال: أَنِّي أَجُودُ لِقْوامِ وإِنْ ضَنِنُوا(٢) مَهْلاً أُمامةُ قد جَرَّبْتٍ من خُلُقي أراد: ضَتُّوا وبَخِلوا، فَأَظْهَر التضعيف؛ لكنَّ الشعرَ موضعُ ضرورةٍ. قال المَهْدَوِيُّ: مَن خفَّف ((وعدَّده)) فهو معطوفٌ على المال، أي: وجَمَع عَدَدَه، فلا يكونُ فعلاً على إظهار التضعيف؛ لأنَّ ذلك لا يُستعمل إلَّ في الشعر. قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُوَ أَخْلَدَهُ ﴾ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِ الُْلَمَةِ ﴿ وَمَآَ أَدْرَئِكَ مَا اُلْخُطَمَةُ ﴿ نَارُ اللَّهِ اُلْمُوقَدَةُ ﴾ آلَتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ﴾ أي: يظنُّ ﴿أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَمُ﴾ أي: يبقيه حيًّا لا يموت؛ قاله السُّدِّيُّ. وقال عكرمة: أي: يزيدُ في عمره (٣). وقيل: أحياه فيما مضى. وهو ماضٍ بمعنى المستقبل؛ يقال: هَلَكَ واللهِ فلانٌ ودَخَل النار، أي: يدخل. ﴿كَلَّ﴾ رةٌّ لِمَا تَوهَّمه الكافر، أي: لا يَخْلُد ولا يَبقَى له مال. وقد مضى القولُ في (كَلّا)) مستوفى (٤). وقال عمر بن عبد الله مولى غُفْرة: إذا سمعتَ الله عزَّ وجلَّ يقول: (كَلَّا)) فإنَّه يقولُ: كذبت(٥). ﴿لَيُلْبَذَنَّ﴾ أي: لِيُطْرَحَنَّ وَلَيُلْقَينَّ. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم (١) القراءات الشاذة ص ١٧٩ عن الحسن. قال الطبري ٦٢١/٢٤: المعنى: جمع مالاً، وجمع عشيرته وعَدَدَه، وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها. (٢) البيت لقعنب بن أم صاحب، كما في الكتاب ٥٣٥/٣، والخصائص ١٦٠/١، والحماسة البصرية ٧٦/٢، ومختارات ابن الشجري ٧/١، وبلا نسبة في المقتضب ٢٥٣/١. ونسبه ثعلب إلى طيسلة الفزاري كما ذكر البصري. وروايته في هذه المصادر: مهلاً أعاذل قد جربت ... (٣) القولين في النكت والعيون ٣٣٦/٦ . (٤) ١٣/ ٥١٠ . (٥) ذكره السمعاني في التفسير ٦/ ٤٧. وعمر بن عبد الله هو أبو حفص المدنيُّ، توفي سنة (١٤٥ هـ). التهذيب ٢٣٨/٣ . ٤٧٣ سورة الهمزة: الآيات ٤ - ٧ ومجاهد وحُميد وابن محيصن: (لَيُنْبَذانٌ)) بالتثنية، أي: هو وماله(١). وعن الحسن أيضًا: (لَيُنْبَذَنَّهُ))(٢) على معنى: لَيُنْبَذَنَّ ماله. وعنه أيضاً بالنون: (لَنَنْبِذَنَّه))(٣) على إخبارِ اللهِ تعالى عن نفسه، أنه (٤) يَنْبِذُ صاحبَ المال. وعنه أيضاً: (لَيُّنْبَذُنَّ) بضمِّ الذَّال(٥)، على أنَّ المراد الهُمَزةُ واللُّمزةُ والمالُ وجامِعُه. ﴿فِى الْطَمَةِ﴾ وهي نارُ الله؛ سُمِّيت بذلك لأنَّها تَكْسِرُ كلَّ ما يُلْقَى فيها وتَحْطِمُه وتَهْشِمُه؛ قال الراجز: إِنَّا حَطَمْنا بالقَضيبِ مُضْعَبَا يَومَ كَسَرْنا أَنْفَه لِيغضَبَا(٦) وهي الطَّبقةُ السادسةُ من طبقات جهنم. حكاه الماوَرْديُّ عن الكلبيِّ(٧). وحَكى القشيريُّ عنه: ((الحُطَمة)»: الدَّرَكةُ الثانيةُ من دَرَكِ النار. وقال الضحاك: هي الدركُ الرابع. ابن زيد: اسمٌ من أسماء جهنم (٨). ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْخُطَمَةُ﴾ على التعظيم لشأنها، والتفخيمِ لأَمْرِها. ثم فسَّرها ما هي، فقال: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي: التي أوقد عليها ألف عامٍ، وألف عامٍ، وألف عامٍ، فهي غيرُ خامدةٍ، أعدَّها الله للعصاة. ﴿الَِّى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾ قال محمد بن كعب: تأكلُ النارُ جميعَ ما في أجسادهم، (١) معاني القرآن للفراء ٢٩٠/٣، وتفسير الطبري ٦٢٤/٢٤ عن الحسن. (٢) القراءات الشاذة ص ١٧٩، والكشاف ٤/ ٢٨٤ . (٣) ذكرها الألوسي في روح المعاني ٢٣١/٣٠ عن أبي عمرو. (٤) في (د) و(م): وأنه. (٥) المحرر الوجيز ٥٢٢/٥، والكشاف ٤/ ٢٨٤. (٦) النكت والعيون ٣٣٧/٦، والبيت لصخير بن أبي الجهم، كما في المنمق لابن حبيب ص ٣٦٦، وتاريخ ابن عساكر ٥/٢٤، وفيهما: نحن خطمنا ... ، ومصعب هو ابن عبد الرحمن بن عوف، كما ذكر ابن حبيب. ومعنى خطمه: ضرب أنفه. القاموس (خطم). (٧) النكت والعيون ٣٣٧/٦ . (٨) المصدر السابق. ٤٧٤ سورة الهمزة: الآيتان ٧ - ٨ حتى إذا بلغت إلى الفؤاد خُلِقوا خَلْقاً جديدًا، فرجعت تأكُلهم(١). وكذا رَوى خالد بنُ أبي عمران عن النبيِّ ﴾: ((أَنَّ النارَ تأكلُ أهلَها، حتى إذا اطّلعتْ على أفئدتهم انتهتْ، ثم إذا صَدَروا تعود، فذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ اَللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَنْدَةِ﴾)»(٢) .. وخصّ الأفئدةَ لأنَّ الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبُه. أي: إنَّه في حالٍ مَن يموتُ وهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] فهم إذَا أحياءٌ في معنى الأموات. وقيل: معنى (تَطَّلِعُ على الأَفِدةِ»، أي: تعلمُ مقدارَ ما يَسْتَحِقُه كلُّ واحدٍ منهم من العذاب، وذلك بما استَبْقاه الله تعالى من الأمارة الدالَّةِ عليه؛ يقال: اطّلعَ فلان على كذا: أي: عَلِمَه، وقد قال الله تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَلَّ﴾ [المعارج: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، فوَصَفَها بهذا، فلا يَبْعُد أن تُوصَفَ بالعلم. قوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَّةٌ (@)﴾ أي: مُطْبَقة؛ قاله الحسن والضحَّاك(٣). وقد تقدَّم في سورة البَلَد القولُ فيه(٤). وقيل: مُغْلَقة؛ بلُغةٍ قريش، يقولون: آصَدْتُ الباب: إذا أغلقته؛ قاله مجاهد. ومنه قولُ عُبيد الله بنِ قيس الرقيَّات: إنَّ في القصرِ لو دخلنا غَزالاً مُصْفَقًا مُوصَدًا عليهِ الحِجابُ(٥) ﴿فِ عَمَدٍ تُمَدَّدَةٍ﴾ الفاءُ بمعنى الباء، أي: موصدة بعمدٍ ممدَّدة؛ قاله ابن مسعود؛ وهي في قراءته: ((بِعَمَّدٍ مُمَذَّدةٍ)(٦). (١) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٩٣/٦. (٢) النكت والعيون ٦/ ٣٣٧، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠٦ - زوائد نعيم). (٣) النكت والعيون ٣٣٧/٦، وأخرج فولهما الطبري ٢٤/ ٦٢٣، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً. (٤) ص ٣٠٧ من هذا الجزء. (٥) ديوان عبيد الله بن قيس ص ٨٤، والنكت والعيون ٣٣٧/٦، والكلام منه. (٦) تفسير الطبري ٦٢٤/٢٤، وهي في القراءات الشاذة ص ١٧٩ عن الأعمش. ٤٧٥ سورة الهمزة: الآية ٨ وفي حديث أبي هريرة عن النبيِّ ◌َ#: ((ثم إنَّ الله يَبْعَثُ إليهم ملائكةٌ بأطباقٍ من نار، ومساميرَ من نارٍ، وعَمَدٍ من نار، فتُطْبِقُ عليهم بتلك الأطباق، وتَشُدُّ عليهم بتلك المسامير، وتمدُّ بتلك العَمَد، فلا يَبْقَى فيها خَلَلٌ يدخل فيه رَوٌْ، ولا يخرج منه غمِّ، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغلُ أهلُ الجنةِ بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبداً، وينقطعُ الكلام، فيكونُ كلامُهم زَفِيرًا وشهيقًا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَِّم مُؤْصَدَةٌ فِ عَمَدٍ ثُمَدَّدَةٍ﴾))(١). وقال قتادةُ: عَمَد يعذَّبون بها. واختاره الطبريُّ(٢). وقال ابن عباس: إنَّ العَمَد الممدَّدة أغلالٌ في أعناقهم. وقيل: قيودٌ في أَرْجُلِهم؛ قاله أبو صالح(٣). وقال القشيريُّ: والمُعْظَمُ على أنَّ العَمَد أوتادُ الأطباقِ التي تُظْبقُ على أهل النار، وتُشَدُّ تلك الأطباقُ بالأوتاد حتى يرجع عليهم غمُّها وحرُّها، فلا يدخلُ عليهم رَوْحٌ. وقيل: أبوابُ النارِ مُطْبقةٌ عليهم وهم في عَمَد، أي: في سلاسلَ وأغلالٍ مُطَوَّلةٍ، وهي أَحْكَمُ وأَرْسخُ من القصيرة. وقيل: هم في عمدٍ ممدَّدة، أي: في عذابها وآلامها يُضْربون بها. وقيل: المعنى: في دهرٍ ممدود، أي: لا انقطاعَ له. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وأبو بكر عن عاصم: ((في عُمُدٍ)) بضم العين والميم(٤)، جمع عمود. وكذلك ((عَمَد)) أيضاً. قال الفرَّاء(٥): والعَمَد والعُمُد: جمعان صحيحان (١) قطعة من خبر طويل ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ١٣٩. (٢) في تفسيره ٦٢٦/٢٤، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٩٥/٢، والطبري ٦٢٥/٢٤ - ٦٢٦ . (٣) القولين في النكت والعيون ٦/ ٣٣٧ . (٤) السبعة ص ٦٩٧، والتيسير ص ٢٢٥ . (٥) في معاني القرآن ٢٩١/٣. ٤٧٦ سورة الهمزة: الآية ٨ العمود، مثل: أدِيم وأَدَم وأُدُم، وأَفِيق وأَفَقٍ وأُفُقٍ. أبو عُبيدة: ((عمد)) جمعُ عِماد، مثل إهاب(١). واختار أبو عُبيد ((عَمَد)) بفتحتين. وكذلك أبو حاتم؛ اعتباراً بقوله تعالى: ﴿رَفَعَ اُلسَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [الرعد: ٢] وأجمعوا على فَتْحِها. قال الجوهريُّ(٢): العمود: عمودُ البيت، وجمع القلة: أَعْمِدة، وجمع الكثرة عُمُد، وعَمَد، وقرئ بهما قولُه تعالى: ((في عَمَدٍ مُمَذَّدٍ». وقال أبو عبيدةَ: العمودُ كلُّ مستطيلٍ من خشبٍ أو حديد، وهو أصلٌ للبناء مثل العِمَاد(٣). عَمَدْتُ الشيءَ فانْعَمَد، أي: أَقَمْتَه بِعِمادٍ يعتمِدُ عليه. وأَعْمَدْتُه: جعلت تحته عَمَدًا(٤). والله أعلم. (١) يعني أن ((عَمَد)) و((عُمُد)) كلاهما جمع عماد. مجاز القرآن ٣١١/٢، والوسيط ٥٥٣/٤، وتفسير البغوي ٤ / ٥٢٤ . (٢) في الصحاح (عمد). (٣) ذكره الرازي ٩٥/٣٢ دون نسبة. (٤) الصحاح (عمد). تفسير سورة («الفيل)» وهي مكية بإجماع (١). وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: أَلَم تخبَرْ. وقيل: أَلَم تَعْلَم. وقال ابن عباس: أَلَمْ تسمع؟ واللفظُ استفهامٌ، والمعنى تقرير. والخطابُ للنبيِّ﴾ ولكنَّه عامٌ، أي: ألم تَرَوْا ما فعلتُ بأَصْحَابِ الفيل، أي: قد رأيتُم ذلك، وعرفتُم موضعَ مِنَّتي علیکم، فما لكم لا تؤمنون؟ و﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب بـ ((فَعَلَ رَبُّك)) لا بـ ((ألم تر)) [لأن] ((كيف)) من معنى الاستفهام(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿بِأَصْحَبِ الْفِيلِ﴾ الفيلُ معروفٌ، والجمعُ أفيالٌ وفُيول، وفِيَلَة. قال ابن السكيت: ولا تَقُلْ أَفْيِلة. وصاحبُه فيَّال. قال سيبويه: يجوزُ أن يكون أصلُ فِيل فُعْلاً، فكُسِر من أَجْلِ الياء، كما قالوا: أبيضُ وبيضٌ. وقال الأخفش: هذا لا يكونُ في الواحد، إنَّما يكون في الجمع. ورجلٌ فِيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي، والجمعُ أفيال. ورجلٌ فالٌ، أي: ضعيفُ الرأي، مخطئُ الفِراسةِ. وقد فال الرأيُ يَقِيلُ فُيولة، وفَيَّل رأيَه تفِيلاً، أي: ضعَّفه، فهو فَيِّل الرأي(٣). (١) المحرر الوجيز ٥٢٣/٥، وزاد المسير ٢٣١/٩. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٦٣/٥، وما سلف بين حاصرتين منه، وفيه: لأن كيف من حروف الاستفهام. وقال مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٤٤: ولا يعمل فيه (تر)) لأن فيه معنى الاستفهام، ولا يعمل فيه ما قبله. (٣) الصحاح (فيل)، وقول ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ١٩١، وقول سيبويه في الكتاب ٣/ ٥٩٢ . ٤٧٨ سورة الفيل: الآية ١ الثالثة: في قصة أصحابِ الفيل، وذلك أنَّ أَبرهةَ بنى القُلَّيْسَ بصنعاء، وهي كنيسةٌ لم يُر مِثلُها في زمانها بشيءٍ من الأرض، وكان نصرانيًّا، ثم كتب إلى النجاشيّ: إنِّي قد بَنَيْتُ لك أيها الملكُ كنيسةً لم يُبْنَ(١) مثلُها لملِك كان قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرِف إليها حجَّ العربِ. فلمَّا تحدَّثت العربُ بكتابٍ أبرهةَ ذلك إلى النجاشيِّ، غضب رجلٌ من النَّسَأَةِ(٢)، فخرج حتى أتى الكنيسةً، فقعد فيها - أي: أَحْدَثَ - ثم خرج فلَحِقَ بأرضه، فأُخْبِر بذلك أبرهةُ، فقال: مَن صنع هذا؟ فقيل: صَنَعه رجلٌ من أهلِ هذا البيت الذي تحجُّ إليه العرب بمكة، لمَّا سمِع قولكَ: أَصْرِفُ إليها حجَّ العرب، غضب، فجاء فقعد فيها، أي: أنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهةُ، وحلف ليَسِيرَنَّ إلى البيت حتى يهدِمه، وبعث رجلاً كان عنده إلى بني كِنانةَ يدعوهم إلى حجِ تلك الكنيسة، فقتَلَتْ بنو كنانةَ ذلك الرجلَ، فزاد أبرهةَ ذلك غضباً وحَنَقًا. ثم أمر الحبشةَ فتهيَّأتْ وتجهّزتْ، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعتْ بذلك العرب، فَأَعْظَموه وفَظِعوا به، ورأَوْا جهادَه حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هَدْمَ الكعبةِ بيتِ الله الحرام. فخرج إليه رجلٌ من أشرافِ أهلِ الیمنِ وملوکھم یقال له: ذو نَفْر، فدعا قومه ومَن أجابه مِن سائر العرب إلى حربٍ أبرهةَ وجهادِه عن بيت الله الحرام، وما يريد مِن هَدْمِه وإخرابه، فأجابه مَن أجابه إلى ذلك، ثم عَرَضَ له فقاتَلَه، فهُزِم ذو نَفْرٍ وأصحابُه، وأُخِذ له ذو نفرٍ فأُتي به أسيراً، فلمَّا أراد قَتْلَه قال له ذو نَفْر: أيها الملك لا تقتُلْني، فإنَّه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي. فتركه من القتل، وحَبَسه عنده في وَثاق، وكان أبرهةُ رجلاً حليماً . ثم مضى أبرهةُ على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرضٍ خَثْعَمَ (١) في (ظ): لم ير. (٢) بعدها في سيرة ابن هشام ١/ ٤٣: أحد بني فقيم بن عدي بن عامر ... ، والنسأة: الذين كانوا ينسؤون الشهور على العرب في الجاهلية. ٤٧٩ سورة الفيل: الآية ١ عَرَضَ له نُفَيل بن حبيب الخَثْعَمِيُّ في قبيلَتيْ خثعم: شَهرانَ وناهِسٍ، ومَن تَبِعه من قبائل العرب، فقاتَلَه فهزمه أبرهةُ، وأُخِذ له نُفيل أسيراً، فأُتي به، فلمَّا همَّ بقتله قال له نُفَيل: أيها الملك لا تقتلني، فإنِّي دليلُك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهِس - بالسمع والطاعة. فخلَّى سبيلَه. وخرج به معه يدلُّه. حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب في رجالٍ من ثَقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنَّما نحن عبيدُك، سامعون لك مُطيعون، ليس عندنا لك خلافٌ، وليس بيتُنا هذا البيتَ الذي تريد - يعنون اللَّاتَ - إنَّما تريدُ البيتَ الذي بمكة، ونحن نبعثُ معك مَن يَدُلُّك عليه. فتجاوَزَ عنهم، وبعثوا معه أبا رِغال، حتى أنزله المغمَّس(١) فلمَّا أنزله به مات أبو رِغال هناك، فَرَجَمت قبرَه العرب، فهو القبرُ الذي يرجمُ الناسُ بالمغمَّس، وفيه يقول الشاعر: وأرجُمُ قبرَه في كلِّ عامِ كَرِجْمِ الناسِ قبرَ أبي رِغال(٢) فلمَّا نزل أبرهةُ بالمغمَّس، بعث رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكةَ، فساق إليه أموالَ أهلِ تهامةَ من قريش وغيرِهم، وأصاب فيها مئتي بعيرٍ لعبد المطّلب بن هاشم، وهو يومئذٍ كبيرُ قريشٍ وسيدُها، فهمَّتْ قريشٌ وكنانةُ وهُذَيْلٌ ومَن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقةً لهم به، فتركوا ذلك. وبعث أبرهةُ حُناطةَ الحِميريَّ إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيد هذا البلد وشريفِهم، ثم قل له: إنَّ الملك يقول: إنِّي لَمْ آتِ لحربكم، إنَّما جئتُ لهدم هذا البيت، فإنْ لم تَعرضوا لي بحربٍ، فلا حاجةَ لي بدمائكم. فإنْ هو لم يُرِدْ حربي فأُتني به. فلمَّا دخل حُناطةُ مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبدُ المطلب (١) بتشديد الميم وفتحها، وقيل: بكسرها، موقع قرب مكة في طريق الطائف. ينظر معجم البلدان ١٦١/٥، والروض الأنف ٦٨/١ . (٢) البيت لمسكين الدارمي، كما في الحيوان ١٥٧/٦، وثمار القلوب لأبي منصور الثعالبي ص ١٣٦. ٤٨٠ سورة الفيل: الآية ١ ابنُ هاشم، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريدُ حربَه، وما لنا بذلك منه طاقة (١)، هذا بيتُ الله الحرامُ، وبيتُ خليله إبراهيمَ عليه السلام - أو كما قال - فإنْ يمنعْه منه فهو حَرمُه وبيتُه، وإن يُخلِّ(٢) بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفعٌ عنه. فقال له حُناطة: فانطلِقْ إليه؛ فإنَّه قد أمرني أنْ آتَيَه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعضُ بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر - وكان صديقاً له - حتى دخل عليه وهو في مَخْبِسه، فقال له: يا ذا نفْر، هل عندك من غَناءٍ فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفْر: وما غَنَاءُ رجلٍ أسيرٍ بيدي ملكٍ، ينتظر أن يقتله غُدُوًّا وعَشِيًّا! ما عندي غَناءٌ في شيءٍ ممَّا نزل بك، إلَّا أنَّ أُنيساً سائسَ الفيلِ صديقٌ لي، فسأرسلُ إليه وأُوصِيه بك، وأُغْظِمُ عليه حقَّكَ، وأسألُه أن يستأذن لك على الملك، فتكلِّمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخيرِ إنْ قَدَر على ذلك. فقال: حَسْبي. فبعث ذو نفْر إلى أُنَيس فقال له: إنَّ عبد المطلب سيدُ قريش، وصاحبُ عَيْن(٣) مكةَ، يطعمُ الناسَ بالسهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير، فاسْتَأْذِنْ له عليه، وانْفَعْه عنده بما استطعت. فقال: أَفْعَلُ. فكلَّم أُنيسٌ أبرهةَ، فقال له: أيها الملك، هذا سيدُ قريشٍ ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحبُ عَيْن مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال؛ فأُذَنْ له عليك، فليكلِّمْك(٤) في حاجته. قال: فأَذِن له أبرهة. وكان عبد المطّلب أَوسمَ الناس وأعظمَهم وأجملَهم، فلمَّا رآه أبرهةُ أَجَلَّه وأَعْظَمَه عن أن يُجلسه تحته، فنزل أبرهةُ عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جَنْبه، ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك(٥)؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال: (١) في تفسير الطبري ٦٣٨/٢٤: وما لنا بذلك من طاقة. (٢) في (ظ): وإن لم يحل. (٣) في تفسير الطبري: عير، في الموضعين. (٤) في (د): يكلمك، وفي (م) والسيرة: فيكلمك، والمثبت من باقي النسخ وتفسير الطبري. (٥) في (د) وتفسير الطبري: ما حاجتك. والمثبت من باقي النسخ والسيرة.