النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة الزلزلة : الآيات ٦ - ٨
((أشتاتا)) أي: يُبعثون من أقطار الأرض.
وعلى القول الأول(١) فيه تقديمٌ وتأخير؛ مَجازُه: تحدِّث أخبارها، بأنَّ ربَّك
أَوْحَى لها، ليُرَوْا أعمالَهم. واعترض قولُه: ((يَوْمَئذٍ يَصْدُر الناسُ أَشْتَانًا)» متفرِّقين عن
موقف الحساب(٢).
وقراءة العامة: (لِيُرَوا)) بضمِّ الياءِ، أي: لِيُريهم اللهُ أعمالَهم. وقرأ الحسن
والزهريُّ وقتادةُ والأعرجُ ونصر بنُ عاصم وطلحةُ بفَتْحِها، وروي ذلك عن النبيِّ ﴾(٣).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
فيه ثلاثُ مسائلَ :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ﴾ كان ابن عباس
يقول: مَن يعمَلْ مِن الكفار مثقالَ ذرَّةٍ خيراً يَرَهُ في الدنيا، ولا يُثابُ عليه في الآخرة،
ومَن يعمل مثقالَ ذَرَّةٍ من شرِّ ◌ُوقب عليه في الآخرة مع عقابِ الشرك، ومَن يعمل
مثقالَ ذَرَّةٍ من شرٍّ من المؤمنين يَرَهُ في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات،
ويُتجاوَزُ عنه، وإن عمل مثقال ذرَّةٍ من خيرٍ يُقْبلْ منه، ويضاعفْ له في الآخرة(٤). وفي
بعض الحديث: الذرَّهُ لا زِنةَ لها (٥).
وهذا مَثَلٌ ضَرَبه الله تعالى: أنَّه لا يُغْفِلُ مِن عملِ ابنِ آدمَ صغيرةً ولا كبيرة. وهو
مِثْلُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. وقد تقدَّم الكلامُ هناك في
(١) يعني القول بأن ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا﴾ معناه: عن موقف الحساب.
(٢) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٨٣/٣ - ٢٨٤، وزاد المسير ٢٠٤/٩ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧٧، والمحرر الوجيز ٥١١/٥ .
(٤) ذكره بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١١/٥، والرازي ٦١/٣٢ .
(٥) سلف ٣٢١/٦ عن يزيد بن هارون قوله.

٤٢٢
سورة الزلزلة: الآيتان ٧ - ٨
الذرّ، وأنَّه لا وزنَ له(١).
وذَكَر بعضُ أهلِ اللغةِ أنَّ الذرَّ: أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما عَلِق
بها من التراب فهو الذَّرُّ. وكذا قال ابن عباس: إذا وضعتَ يدك على الأرض
ورَفَعْتَها، فكلُّ واحدٍ ممَّا لزق به من التراب ذَرَّةٍ(٢).
وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: فَمَن يَعْمَلْ مثقال ذرةٍ من خيرٍ من كافر، يرى ثوابه
في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خيرٌ.
ومَن يعمل مثقالَ ذرّةٍ من شرِّ من مُؤمنٍ، يرى عُقوبتَه في الدنيا في نفسه وماله وولده
وأهله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شرٌّ(٣). دليلُه ما رواه العلماءُ الأثباتُ
من حديث أنس: أنَّ هذه الآية نزلت على النبيِّ لَ﴿ وأبو بكر يأكل، فأمسك وقال: يا
رسول الله، وإنا لنُرَى ما عَمِلْنا من خيرٍ وشرٍّ(٤)؟ قال: ((أرأيتَ ما تَكْره(٥)، فهو
مثاقيلُ ذرِّ الشرِّ، ويُدَّخَر لكم مثاقيلُ ذَرِّ الخير حتى تُعْطَوْه يومَ القيامة)). قال أبو
إدريس: إنَّ مِصْداقَه من(٦) كتاب الله: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن تُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠](٧) .
وقال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنَّه لمّا نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ اُلّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾
[الإنسان: ٨] كان أحدُهم يأتيه السائل، فيَسْتَقِلُّ أن يعطِيه التمرةَ والكِسْرةَ والجوزة.
وكان الآخَر يتهاوَنُ بالذَّنْبِ اليسير، كالكَذبة والغِيبة والنظرة، ويقول: إنَّما أَوْعَدَ الله
النارَ على الكبائر، فنزلت ترغِّبهم في القليل من الخير أن يُعْطُوه؛ فإنَّه يوشِكُ أن
(١) ٣٢١/٦.
(٢) تفسير الرازي ٣٢/ ٦١، وأخرجه هناد في الزهد (١٩٣).
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٦٤ .
(٤) في (ظ): أو شر.
(٥) في (م): ما رأيت مما تكره.
(٦) في (م): في.
(٧) أخرجه الطبري ٥٦٤/٢٤ - ٥٦٦، والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١٩٥٩/٤ .

٤٢٣
سورة الزلزلة: الآيتان ٧ - ٨
يكثر، وتحذِّرُهم اليسيرَ من الذنب، فإنَّه يوشِكُ أن يكثر؛ وقاله سعيد بن جبير. والإِئمُ
الصغير في عين صاحبه يومَ القيامة أعظمُ من الجبال، وجميعُ محَاسِنِهِ أقلُّ في عينه من
كلِّ شيءٍ(١).
الثانية: قراءةُ العامَّةِ: «يَرَه)) بفتح الياء فيهما. وقرأ الجَحْدريُّ والسُّلَميُّ وعيسى بنُ
عمر وأبان عن عاصم: ((يُرَهْ)) بضمِّ الياء(٢)، أي: يُريه اللهُ إياه. والأُولى الاختيارُ؛
لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًا﴾ الآية [آل عمران: ٣٠].
وسكَّن الهاءَ في قوله: (يَرَه) في الموضعين هشام(٣). وكذلك رواه الكسائيُّ عن أبي
بكر(٤) وأبي حَيْوة والمغيرة. واختلس يعقوبُ والزهريُّ والحجدرِيُّ وشيبة(٥). وأَشْبعَ
الباقون.
وقيل: ((يَرَه))، أي: يرى جزاءَه؛ لأنَّ ما عَمِلَه قد مضى وعُدِمَ فلا يُرَى. وأنشدوا :
وَزْنَ مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ
إنَّ مَن يَعْتدي ويَكْسِبُ إِثْماً
وبفِعْلِ الجميل أيضاً جزاه
ويُجَازَى بفعله الشرَّ شرًّا
في إذا زُلزلتْ وجَلَّ ثَنَاهُ
هكذا قولُه تَبارَكَ رَبِّي
الثالثة: قال ابن مسعود: هذه أحكمُ آيَةٍ في القرآن(٦)، وصَدَق. وقد اتَّفق العلماءُ
على عموم هذه الآيةِ، القائلون بالعموم ومَن لم يقل به. وروي [عن](٧) كعبِ الأحبارِ
أنه قال: لقد أنزل الله على محمدٍ آيتين أخْصَتَا ما في التوراة والإنجيل والزَّبور
(١) تفسير البغوي ٥١٦/٤، دون قوله: وقاله سعيد بن جبير. وأخرجه عن سعيد بن جبير ابن أبي حاتم،
كما في الدر المنثور ٣٨١/٦ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٧٧، والمحرر الوجيز ٥١٢/٥ . وذكرها ابن مجاهد في السبعة ص ٦٩٤ عن
أبان عن عاصم، والمشهور عن عاصم بفتح الياء.
(٣) السبعة ص ٦٩٤، والتيسير ص ٢٢٤ .
(٤) ذكرها عن الكسائي عن أبي بكر ابن مجاهد في السبعة ص ٦٩٤ ، والمشهور عنهما: ((يرهُ)) بإشباع الضم.
(٥) النشر ٣١١/١ عن يعقوب.
(٦) تفسير البغوي ٥١٦/٤، وأخرجه مطولاً عبد الرزاق ٣٨٨/٢ - ٣٨٩.
(٧) زيادة يقتضيها السياق.

٤٢٤
سورة الزلزلة: الآيتان ٧ - ٨
والصُّحُف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَؤُ﴾(١).
قال الشيخ أبو مَذْين في قوله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره)) قال: في
الحالِ قبلَ المآل(٢).
وكان النبيُّ # يسمِّي هذه الآيةَ: الآية الجامعة الفاذَّة، كما في الصَّحيح لمَّا سُئل
عن الحُمُر وسكَتَ عن البغال، والجوابُ فيهما واحدٌ؛ لأنَّ البغل والحمارَ لا كَرَّ
فيهما ولا فَرَّ، فلمَّا ذَكَر النبيُّ :﴿ ما في الخيل من الأجر الدَّائم، والثوابِ المستمرِّ،
سأل السائلُ عن الحُمُر؛ لأنَّهم لم يكن عندهم يومئذٍ بَغْلٌ، ولا دَخَل الحجازَ منها إلَّا
بغلةُ النّبِيِّ ◌َ﴾ ((الدُّلْدُل))، التي أهداها له المقوقِس، فأفتاه في الحَمِير بعمومِ الآية،
وأنَّ في الحمار مثاقيلَ ذرِّ كثيرةً؛ قاله ابنُ العربيّ(٣).
وفي «الموطأ)): أنَّ مِسْكيناً استَطْعَم عائشةَ أمَّ المؤمنين وبين يديها عِنَب، فقالت
الإنسان: خُذْ حبةً فَأَعْطِه إياها. فجعل ينظرُ إليها ويَعْجَبُ، فقالت: أَتَعْجَبُ! كم ترى
في هذه الحَبةِ من مثقال ذرّة(٤).
وروي عن سعد بن أبي وَقَّاصِ: أنَّه تَصَدَّق بتمرتين، فقبض السائلُ يدَه، فقال
للسائل: ويَقْبلُ الله منَّا مناقيلَ الذرّ، وفي التمرتين مثاقيلُ ذرِّ كثيرة(٥).
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣، والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١٩٥٩/٤ - ١٩٦٠.
(٢) من قوله: قال الشيخ أبو مدين، إلى هذا الموضع من (م) وليس في النسخ الخطية. وأبو مدين لعله
شعيب بن حسين الأندلسي الزاهد، شيخ أهل المغرب، توفي في نحو سنة (٥٩٠هـ). وهناك شيخ آخر
يكنى أبا مدين، وهو شعيب بن يحيى بن أحمد القيرواني ثم الإسكندراني التاجر، توفي سنة (٦٤٥هـ).
السير ٢١٩/٢١ و٢٦٨/٢٣.
(٣) في أحكام القرآن ١٩٦٠/٤، والحديث الذي ذكره أخرجه أحمد (٧٥٦٣)، والبخاري (٢٣٧١)
ومسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة ، وسلفت قطعة منه ٥/ ٥٢ .
(٤) الموطأ ٩٩٧/٢ وفيه: قال مالك: بلغني أن مسكيناً استطعم عائشة ... ، وقد أخرجه بنحوه متصلاً أبو
عبيد في الأموال (٩١١).
(٥) أخرجه بنحوه أبو عبيد في الأموال (٩١٠)، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٤٠٨/٢٧ .

٤٢٥
سورة الزلزلة: الآيتان ٧ - ٨
وروى المُطَّلبُ بن حَنْطَب: أنَّ أعرابيّاً سمع النبيَّ :﴿ يَقرؤُها، فقال: يا رسولَ
الله، أمِثْقَالُ ذرّةٍ! قال: ((نعم)) فقال الأعرابيُّ: واسَوْأَتَاه! مِراراً، ثم قام وهو يقولُها،
فقال النبيُّ ﴾: (لقد دَخَلَ قلبَ الأغرابِيِّ الإِيمانُ))(١).
وقال الحسن: قَدِم صعصعةُ عُّ الفَرَزْدقِ على النبيِّ ﴾، فلمَّا سمع ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيات، قال: لا أُبالي ألَّ أسمعَ من القرآن غيرَها، حَسْبي، فقد
انتهت الموعظة (٢)؛ ذكره الثعلبيُّ. ولَفْظُ الماورديِّ(٣): ورُوي أنَّ صعصعةَ بنَ ناجية
جدَّ الفرزدقِ أتى النبيَّ ﴾ يستقرتُه، فقرأ عليه هذه الآيةَ، فقال صعصعةُ: حسبي
حسبي؛ إن عَمِلتُ مِثقالَ ذَرَّةٍ [خيراً رأيتُه، وإن عملتُ مثقال ذرةٍآَ شَرًّا رأيتُه.
ورَوَى مَعمر عن زيد بن أسلم: أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ # فقال: عَلِّمني ممَّا
علَّمك الله. فدَفَعه إلى رجلٍ يعلِّمه، فعلَّمه: ((إذا زُلزلت - حتى إذا بلغ - فَمَن يَعْمَلْ
مِثقالَ ذرةٍ خَيراً يَرَه. ومَن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يَرَه)) قال: حسبي. فَأُخبر النبيُّ ◌َ﴾
فقال: ((دَعُوهُ فإِنَّه قد فَقُه))(٤).
ويُحكى أنَّ أعرابيًّا أخَّر ((خَيْرًا يَرَهُ)) فقيل: قدَّمْتَ وأَخَّرْتَ. فقال:
خذا بطنَ هَرْشَى أو قَفاها فإنهُ كِلا جانبيْ هَرْشَى لهنَّ طرِيقُ(٥)
(١) أخرجه سعيد بن منصور، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٨١.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٥٩٣)، والنسائي في الكبرى (١١٦٣٠)، وابن الأثير في أسد الغابة ٢١/٣-٢٢.
وقد أخرجه الطبراني في الكبير (٧٤١١)، والحاكم ٦١٣/٣، والمزي في ترجمة صعصعة بن معاوية
من تهذيب الكمال ١٣/ ١٧٣ - ١٧٤ ، ووقع عندهم: عن الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الأحنف
ابن قيس، وهو ما صوَّبه ابن الأثير والمزي والحافظ في الإصابة ١٤١/٥ - ١٤٢، وذكروا أنه ليس
للفرزدق عم اسمه صعصعة، لكن جده اسمه صعصعة بن ناجية، وذكروا له صحبة. وينظر حاشية
الحديث في مسند أحمد.
(٣) في النكت والعيون ٣٢١/٦ - ٣٢٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٨٨/٢، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ١/ ٤٧٢ .
(٥) القراءات الشاذة ص ١٧٧، والكشاف ٢٧٦/٤ ، والكلام منه. والخبر أخرجه مطولاً صاحب الأغاني
٢٦١/١٢، والبيت لعقيل بن عُلَّفة من شعراء الدولة الأموية، كما في الأغاني، وطبقات فحول =

سورة ((والعاديات))
وهي مكِّيةٌ في قول ابنٍ مسعودٍ وجابر والحسن وعكرمةً وعطاء. ومدنيةٌ في قول
ابن عباس وأنس بن مالك وقتادة (١). وهي إحدى عَشْرة آيةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿وَاُلْعَدِيَتِ ضَبْحًا ؟ فَالْمُورِبَتِ قَدْحًا (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَلْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ أي: الأفراس تَعْدو. كذا قال عامَّةُ المفسِّرين
وأهل اللغة، أي: تعدو في سبيل الله فَتَضْبَحُ. قال قتادة: تَضْبَحُ إذا عَدَتْ، أي:
تُحمحِم(٢). وقال الفرَّاء: الضَّبْح: صوتُ أنفاسِ الخيلِ إذا عَدَوْن(٣). ابن عباس:
ليس شيءٌ من الدوابِّ يضْبَحُ غير الفرسِ والكلبِ والثعلب(٤). وقيل: كانت تُكْعَمُ (٥)
لئلّا تَصْهَلَ، فيعلم العدوُّ بهم؛ فكانت تتنفَّس في هذه الحال بقوّة.
قال ابن العربيّ: أقسم الله بمحمدٍ ﴾ فقال: ﴿يَسَ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾، وأَقْسَم
بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، وأقسم بخيله وصهيلها
وغُبارِها، وقَدْحِ حوافرِها النارَ من الحجر، فقال: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ الآياتِ
الخمس(٦). وقال أهلُ اللغةِ :
= الشعراء ٧١٤/٢، ومعجم البلدان ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨. قال ياقوت: هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة
من الجحفة. يُرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلك واحداً منهما أفضى به إلى موضع واحد.
(١) النكت والعيون ٣٢٣/٦، وزاد المسير ٢٠٦/٩، وذكر ابن الجوزي مقاتلاً بدل أنس بن مالك.
(٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ٣٩٠، والطبري ٢٤/ ٥٧١ .
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٨٤/٣، وتهذيب اللغة ٢١٩/٤ .
(٤) تفسير البغوي ٥١٧/٤، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٩٠، والطبري ٥٧٢/٢٤ دون قوله: والثعلب.
(٥) كَعَم البعيرَ : شدَّ فاه، وما يكعَم به: كَعَامٌ. القاموس (كعم).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٩٦١ .

٤٢٧
سورة العاديات: الآيتان ١ - ٢
وَطَعْنةٍ ذاتٍ رَشاشِ واهِيَهْ طَعَنْتُها عندَ صُدُورِ العَادِيهُ(١)
يعني الخيل. وقال آخر:
والعادياتُ أَسَابيُّ الدِّماءِ بها كأنَّ أعناقَها أنصابُ تَرْجِيبٍ(٢)
يعني الخيل. وقال عنترة:
والخيلُ تَعْلَمُ حين تَصْبَحُ في حِياضٍ الموتِ ضَبْحَا (٣)
وقال آخر :
لَسْتُ بالتُّبَّعِ اليمانيّ إنْ لَمْ تَصْبَحِ الخيلُ في سَوادِ العراقِ(٤)
وقال أهلُ اللغة: وأصلُ الضَّبْحِ والضُّبَاح للثعالب، فاستُغيرَ للخيل. وهو من قول
العرب: ضَبَحَتْه النار: إذا غيَّرتْ لونَه ولم تُبالِغْ فيه، وقال الشاعر:
فَلَمَّا أَنْ تَلَهْوَجْنا شِواءً به اللَّهَبَانُ مَقهورًا ضَبِيحًا(٥)
وانضبح لونُه: إذا تغيَّر إلى السواد قليلاً؛ وقال:
عُلِّقْتُها قَبلَ انْضِبَاحِ لَوْني(٦)
(١) البيت لناجية بن جندب الأسلمي ، كما في سيرة ابن هشام ٣١١/٢، والخزانة ٢٠٦/٦ . قوله:
ذات رشاش، الرشاش: ما تَرشَّش من الدم والدمع. الصحاح (رشش).
(٢) البيت لسلامة بن جندل، وهو في ديوانه ص ٩٨، والمعاني الكبير لابن قتيبة ١ / ٦٧ . قال ابن قتيبة:
الأسابي: طرائق الدم، واحدها: إسباءة. أنصاب ترجيب: جمع نصب، وهو الذي ينصب لذبحٍ رجب؛
شبَّه أعناقها - لمَا عليها من الدم - بالحجارة التي كانوا يذبحون عليها.
(٣) الصحاح (ضبح)، واللسان (ضبح).
(٤) لم نقف عليه.
(٥) البيت لمضَرِّس الأسدي، كما في اللسان (ضبح)، ودون نسبة في تهذيب اللغة ٣٩٥/٥، والصحاح
(ضبح)، وأساس البلاغة (قهر)، واللسان (قهر). قال صاحب اللسان: المُلَهْوَج من الشواء: الذي لم يتم
نضجه. واللَّهَبان اتَّقَادُ النار واشتعالُها. وقهر اللحم: إذا أخذتْه النار وسال ماؤه.
(٦) وبعده: وجُبْتُ لمَّاعاً بعيدَ البَوْنِ، وهو في إصلاح المنطق ص ٢٧٤، وتهذيب اللغة ٢١٨/٤ ،
والصحاح (ضبح) والكلام منه. قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص ٤٣٣: عُلِّق فلانٌ
امرأة: إذا أحبها. وجُبْتُ: قطعتُ وخرقت. واللمَّاع: المكان الذي يلمع فيه السراب، وإنما يريد القَفْرَ
من الأرض. والبَوْن: المسافة البعيدة.

٤٢٨
سورة العاديات: الآيتان ١- ٢
وإنَّما تَضْبَحُ هذه الحيواناتُ إذا تغيَّرتْ حالُها من فَزَعِ أو تعبٍ أو طمع. ونصب
(ضَبْحاً)) على المصدر، أي: والعاديات تضبحُ ضَبْحًا (١). والضَّبْحُ أيضاً: الرَّماد (٢).
وقال البَصْرِيون: ((ضَبْحًا)) نصب على الحال(٣). وقيل: مصدرٌ في موضع الحال.
قال أبو عبيدة(٤): ضَبَحَتِ الخيلُ ضَبْحًا مثل ضَبَعَتْ، وهو السير. وقال أبو
عبيدة: الضَّبْحُ والضَّبْعُ: بمعنى العَدْوِ والسَّيْر(٥). وكذا قال المبرِّد: الضَّبْحُ مدُّ
أضباعها(٦) في السَّيْر.
ورُوي أنَّ رسول اللـه ﴾ بعث سَرِيَّةً إلى أناسٍ من بني كِنانَة، فأبطأ عليه
خبرُها ، وكان استَعْمَل عليهم المنذرَ بنَ عمرو الأنصاريَّ، وكان أحدَ النقباءِ، فقال
المنافقون: إنَّهم قُتلوا، فنزلت هذه السورةُ إخباراً للنبيِّ # بسلامتها، وبشارةً له
بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم(٧).
وممَّن قال: إنَّ المراد بالعاديات الخيلُ، ابنُ عباس وأنسٌ والحسنُ ومجاهد(٨).
والمراد: الخيلُ التي يغزو عليها المؤمنون. وفي الخبر: ((مَن لم يَعْرِفْ حُرْمَة فرسٍ
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٥٣/٥.
(٢) الصحاح (ضبح)، وقيده صاحب القاموس (ضبح): الضِّبح بالكسر.
(٣) والتقدير: والعاديات ضابحة. تفسير الرازي ٦٤/٣٢ .
(٤) في مجاز القرآن ٣٠٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (ضبح)، ووقع في
النسخ الخطية: أبو عبيد.
(٥) وعلى هذا القول تكون ((ضبحاً)) مصدراً مؤكّداً لاسم الفاعل ((العاديات))؛ لأن الضبح نوع من السير
والعَدْو، فهو منصوب باسم الفاعل. البحر ٨/ ٥٠٣، والدر المصون ١١/ ٨١.
(٦) وهي أعضادها. الصحاح (ضبع).
(٧) تفسير أبي الليث ٥٠٢/٣ ، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٩٨، وزاد المسير ٩/ ٢٠٧ عن مقاتل.
وأخرج نحوه البزار (٢٢٩١ - كشف) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
٧/ ١٤٢: فيه حفص بن جميع، وهو ضعيف. وقال ابن كثير عند تفسير هذه السورة: وقد روى أبو بكر
البزار هاهنا حديثاً غريباً جدًّا ... ، وذكره.
(٨) تفسير الطبري ٢٤/ ٥٧٠ - ٥٧٢، والنكت والعيون ٣٢٣/٦، وتفسير البغوي ٤ / ٥١٧ .

٤٢٩
سورة العاديات: الآيتان ١ - ٢
الغازي، ففيه شُعبةٌ من النفاق))(١).
وقول ثان: أنَّها الإبل؛ قال أبو صالح(٢): نازعتُ فيها عكرمةَ فقال عكرمةُ: قال
ابن عباس: هي الخيل. وقلتُ: قال عليٍّ: هي الإبل في الحج، ومولاي أَعْلَمُ من
مولاك(٣).
وقال الشعبيُّ: تَمارى عليٍّ وابن عباس في العاديات، فقال عليٍّ: هي الإِلُ تعدو
في الحج. وقال ابن عباس: هي الخيل، أَلَا تَراه يقول: ﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَقْعًا﴾، فهل تثيرُ
إلّا بحوافرها! وهل تَضْبَحُ الإبل! فقال عليٍّ: ليس كما قلت، لقد رأيتُنا يومَ بدرٍ وما
معنا إلَّا فرسٌ أبلقُ للمقداد، وفرسٌ لمَرْثَد بن أبي مَرْتَد(٤). ثم قال له عليٍّ: أَتُفْتِي
الناسَ بما لا تعلم! والله إن كانت لَأوَّلَ غزوةٍ في الإسلام، وما معنا إلَّ فرسان:
فرسٌ للمقداد، وفرسٌ للزُّبير، فكيف تكون العادياتِ ضبحًا! إنَّما العادياتُ الإِبلُ من
عَرَفَةَ إلى المزدَلِفَةِ، ومن المزدلفةِ إلى منى(٥)، قال ابن عباس: فرجعتُ إلى قولِ
عليّ(٦). وبه قال ابن مسعود وعبيد بن عمير ومحمد بن كعب والسُّدِّي(٧). ومنه قولُ
صفِيةً بنتِ عبد المطلب :
(١) لم نقف عليه.
(٢) أبو صالح هو مولى أم هانئ، ووقع في النسخ بدلاً منه: مسلم، وهو خطأ.
(٣) ذكره أبو الليث ٣/ ٥٠٢، وأخرجه عبد الرزاق ٣٩٠/٢ - ٣٩١، وعبد بن حميد، كما في الدر
المنثور ٣٨٣/٦ .
(٤) أخرجه بنحوه عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ٣٨٣/٦ - ٣٨٤، وما سيأتي بعده ورد في رواية
أخرى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، على ما يأتي.
(٥) في النسخ: إلى عرفة، والمثبت من المصادر - على ما يأتي - وهو الصواب.
(٦) أخرجه الطبري ٥٧٣/٢٤ - ٥٧٤، والحاكم ١٠٥/٢، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند
هذه الآية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٨٣/٦ لابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه.
(٧) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٧٣ - ٥٧٤ عن ابن مسعود وعبيد بن عمير، وأخرجه عن محمد بن كعب عبد بن
حميد، كما في الدر المنثور ٣٨٤/٦ .

٤٣٠
سورة العاديات: الآيتان ١ - ٢
بأيديها إذا سَطَع الغُبارُ(١)
فلا والعادياتِ غَداةَ جَمْعٍ
يعني الإبل. وسمِّيت العادياتُ لاشتقاقها من العَدْوِ، وهو تباعُدُ الأرجلِ في سرعة
المشي(٢). وقال آخر:
رأَى صاحبي في العادياتِ نَجِيبةٌ وأمثالَها في الواضعاتِ القوامِسِ(٣)
ومَن قال: هي الإبلُ، فقولُه: ((صَبْحاً)) بمعنى ضَبْعاً، فالحاءُ عنده مُبْدَلةٌ من
العين؛ لأنه يقال: ضَبَعتِ الإبلُ، وهو أن تَمُدَّ أعناقها في السير. وقال المبرِّد: الضَّبْعُ
مدُّ أضباعها في السير. والضَّبْحُ أكثرُ ما يُستَعمَلُ في الخيل. والضَّبْعُ في الإبل. وقد
تُبْدَلُ الحاءُ من العين.
أبو صالح: الضَّبْحُ من الخيل: الحمحمةُ، ومن الإبلِ: التنفّس(٤).
وقال عطاء: ليس شيءٌ من الدوابِّ يَضْبَحُ إلَّ الفرسُ والثعلبُ والكلب(٥). ورُوي
عن ابن عباس(٦). وقد تقدَّم عن أهل اللغةِ أنَّ العرب تقول: ضَبَح الثعلب، وضَبَح في
غير ذلك أيضًا؛ قال تَوْبة:
عَلَىَّ ودوني تُرْبة(٧) وصفائِحُ
ولو أنَّ ليلَى الأخيلِيةَ سَلَّمَتْ
إليها صَدّى من جانب القبرِ ضابِحُ (٨)
لَسَلَّمْتُ تسليمَ البشاشةِ أَو زَقًا
(١) النكت والعيون ٣٢٣/٦، وقال الزركشي في البرهان ٣١٢/٣: أنشده الغرنوي في العامريات لصفية
رضي الله عنها.
(٢) النكت والعيون ٣٢٤/٦ .
(٣) الصحاح (عدا)، واللسان (عدا) و (وضع) وفيه: إبل عادية: ترعى الخُلَّة ولا ترعى الحمضَ. وناقة
واضع وواضعة، ونوق واضعات: ترعى الحمض حول الماء. والخلة: ما حلا من المرعى، والحمض
منه: ما كانت فيه ملوحة.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٧٥ من طريق أبي علي عن صالح
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٧١ ، وليس فيه: والثعلب.
(٦) سلف ص٤٢٦ من هذا الجزء.
(٧) في (ظ): جندل، وهي رواية في البيت.
(٨) ديوان توبة ٤٧ - ٤٨، والشعر والشعراء ٤٤٦/١، والأضداد لابن الأنباري ص ٣٢٥، وأمالي =

--
سورة العاديات: الآيتان ١ - ٢
٤٣١
زَقا الصَّدى يزقو زُقَاءً، أي: صاح. وكلُّ زاقٍ صائحٌ. والزَّقْيَةُ: الصَّيحة(١).
﴿قَالْمُورِيَتِ قَدْحًا﴾ قال عكرمةُ وعطاءٌ والضحَّاك: هي الخيلُ حين تُورِي النارَ
بحوافرها(٢)، وهي سَنابِكُها. ورُوي عن ابن عباس(٣).
وعنه أيضاً: أَوْرَتْ بحوافرها غُبارًا. وهذا يخالفُ سائرَ ما رُوي عنه في فَدْحِ
النار، وإنَّما هذا في الإبل. ورَوى ابنُ أبي نَجيحِ عن مجاهد: ((والعادياتِ ضَبْحًا.
فالمُورِياتِ قَدْحًا)) قال: قال ابن عباس: هو في القتال، وهو في الحج(٤).
ابن مسعود: هي الإبلُ تطأ الحصى، فتخرج منها النار(٥).
وأصلُ القَدْحِ الاستخراج، ومنه قَدَحْتُ العينَ: إذا أَخرجت منها الماءَ الفاسد.
واقْتَدحْتُ الزَّنْدَ. واقْتَدَحْتُ المرقَ: غَرَفْته. ورَكيٍّ قَدُوحٍ: تُغْتَرَفُ باليد. والقَديح: ما
يبقَى في أسفل القِدْرِ، فيُغْرَفُ بجهدٍ. والمِقْدَحةُ: ما تُقْدَحُ به النار. والقَذَّاحةُ والقَذَّاح:
الحجرُ الذي يُورِي النار(٦). يقال: وَرَى الزَّنْدُ - بالفتح - يَرِي وَرْياً: إذا خَرَجَتْ نارُه.
وفيه لغةٌ أخرى: وَرِي الزَّندُ - بالكسر - يَرِي فيهما(٧). وقد مضى هذا في سورة
الواقعة(٨). و((قَدْحًا)) انْتَصَب بما انْتَصَب به ((ضَبْحًا)).
= القالي ٨٧/١، والأغاني ٢٤٤/١١، والحيوان ٢٩٩/٢، وزهر الآداب ٩٣٥/٢، والحماسة
البصرية ١٠٨/٢، ومنتهى الطلب ١/ ٢٣٠، ووقع في جميع هذه المصادر: صائح، بدل: ضابح.
(١) الصحاح (زقا).
(٢) أخرج قولهم الطبري ٢٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦ .
(٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ٥٤٤، وهو قطعة من حديث أخرجه البزار (٢٢٩١ - كشف) وقد سلف
الكلام عليه قريباً.
(٤) كذا في النسخ، والذي أخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٣٨٤/٦ عن مجاهد قال: قال ابن
عباس: في القتال، وقال ابن مسعود: في الحج، وكذا أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٧٠ ٥٧٤ مقطعاً من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به.
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٧٨ .
(٦) الصحاح (قدح).
(٧) الصحاح (ورى).
(٨) عند تفسير الآية (٧١) منها.

٤٣٢
سورة العاديات: الآيتان ١ - ٢
وقيل: هذه الآياتُ في الخيل؛ ولكنَّ إيراءَها: أنْ تُهيجَ الحرب بين أصحابها
وبين عدوّهم. ومنه يقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوَطِيسُ. ومنه قولُه تعالى:
﴿ كُلَّمَّا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَلْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤](١). وروي معناه عن ابن عباس أيضًا،
وقاله قتادة (٢).
وعن ابن عباس أيضًا: أنَّ المراد بالمُوريات قَدْحًا: مَكْرُ الرجال في الحرب؛
وقاله مجاهدٌ وزيد بن أسلم. والعربُ تقول إذا أراد الرجل أن يمكُر بصاحبه: واللهِ
لَأَمْكُرنَّ بك، ثم لَأُوْرِيَنَّ لك(٣).
وعن ابن عباس أيضًا: هم الذين يغزُون، فيُوْرون نيرانَهم بالليل لحاجتهم
(٤)
وطعامهم(٤).
وعنه أيضاً: أنَّها نيرانُ المجاهدين إذا كَثُرتْ نارُها إرهاباً (٥). وكلُّ مَن قَرُبَ من
العدوِّ يُوقدُ نيراناً كثيرةً ليظنَّهم العدوُّ كثيراً. فهذا إقسامٌ بذلك. قال محمد بن كعب :
هي النارُ تجمع.
وقيل: هي أفكارُ الرجالِ تُورِي نارَ المكرِ والخديعة (٦).
وقال عكرمة: هي أَلْسنةُ الرجالِ تُؤْرِي النارَ مِن عظيم ما تتكلّم به ويَظْهرُ بها من
الحُجج وإقامةِ الدلائل، وإيضاحِ الحقِّ وإبطالِ الباطل(٧).
(١) تفسير الرازي ٦٥/٣٢.
(٢) أخرجه عن قتادة الطبري ٢٤/ ٥٧٦ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٥١٧ عن مجاهد وزيد بن أسلم، وأخرجه عن مجاهد الفريابي، كما في الدر المنثور
٦/ ٣٨٤، ووقع فيهما: لأقدحنّ لك ثم لأورينَّ لك. وقول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق ٣٩٠/٢
بلفظ: ﴿فَلْمُورِبَتِ قَدْحًا﴾ قال: هو مكر الرجل.
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٥٧٦ - ٥٧٧ .
(٥) النكت والعيون ٣٢٤/٦ .
(٦) تفسير الرازي ٦٥/٣٢.
(٧) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٢٤، وأخرجه مختصراً الطبري ٢٤/ ٥٧٧ .

٤٣٣
سورة العاديات: الآيات ١ - ٣
وروى ابن جُريج عن بعضهم قال: فالمُنْجِحاتِ أَمْراً وعملاً، كنجاحِ الزَّنْدِ إذا
أُورِي.
قلت: هذه الأقوالُ مَجازٌ، ومنه قولهم: فلانٌ يُورِي زِنادَ(١) الضلالة. والأوّل
الحقيقةُ، وأنَّ الخيل من شِدَّة عَدْوِها تَقْدَحُ النارَ بحوافرها. قال مقاتل: العربُ تسمِّي
تلك النارَ نارَ أبي حُباحِب، وكان أبو حُباحِب شيخاً من مُضَر في الجاهلية، من أَبْخلٍ
الناس، وكان لا يُوقدُ ناراً لخبزٍ ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقِدُ نُوَيْرةً تَقِدُ مرةً
وتَخمدُ أخرى، فإن استيقظ لها أحدٌ أطفأها، كراهيةَ أن ينتفع بها أحد. فشبَّهت
العربُ هذه النارَ بنارِه؛ لأنَّه لا يُنتفع بها(٢). وكذلك إذا وقع السيفُ على البيضة
فاقْتَدَحَتْ نارًا، فكذلك يسمُّونها، قال النابغة :
بهنَّ فلولٌ مِن قِراع الكتائبِ
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهم
وتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ (٣)
تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المضاعَفَ نَسْجُه
قوله تعالى: ﴿فَالْغِيرَتِ صُبْحًا (®
الخيلُ تُغِير على العدوِّ عند الصُّبح؛ عن ابن عباس وأكثرِ المفسِّرين(٤). وكانوا إذا
أرادوا الغارةَ سَرَوْا ليلاً، ويأتون العدوَّ صبحاً؛ لأنَّ ذلك وقتُ غَفْلةِ الناس. ومنه قولُه
تعالى: ﴿فَآءَ صَبَاحُ اَلْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]. وقيل: لِعزّهم أغاروا نهارًا، و((صُبْحًا))
على هذا، أي: علانيةً؛ تشبيهاً بظهور الصبح.
وقال ابن مسعود وعليٍّ رضي الله عنهما: هي الإبلُ تدفع بركبانها يومَ النَّحْرِ من
(١) في (ظ): نار.
(٢) تفسير أبي الليث ٥٠٣/٣، وتفسير الرازي ٦٥/٣٢، وذكر الفراء في معاني القرآن ٢٨٤/٣ نحوه عن
الكلبي.
(٣) ديوان النابغة ص ١١، وسلف البيت الأول ٣٠٤/١٠، والثاني ٢١٨/١١.
(٤) تفسير الطبري ٥٧٨/٢٤ - ٥٧٩، وتفسير البغوي ٤ / ٥١٧ .

٤٣٤
سورة العاديات: الآيتان ٣ - ٤
جَمْعِ إلى منّى (١)، والسُّنةُ ألَّا تدفعَ حتى تصبح. وقاله القُرَظِيُّ(٢). والإغارةُ: سرعةُ
السيرِ، ومنه قولُهم: أشرِقْ ثَبِير، كيما نُغِير(٣).
قوله تعالى: ﴿فَثَرَّنَ بِهِ، نَقْهَا ﴾﴾
أي: غبارًا، يعني الخيلَ تثيرُ الغبارَ بشدّةِ العَدْوِ في المكان الذي أغارت به. قال
عبد الله بن رواحة :
عَدِمْتُ بُنيَّتي إنْ لم تَرَوْها تُثِيرُ النَّفْعَ من كَنَفَيْ كَداءٍ(٤)
والكنايةُ في ((به)) ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. وإذا
عُلِم المعنى جاز أن يُكْنَى عمَّا لم يَجْرِ له ذِكْرٌ بالتصريح، كما قال: ﴿حَّ تَوَارَتْ
بِحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وقيل: ((فأَثرن به))، أي: بالعَدْو ((نَفْعًا)). وقد تقدَّم ذِكْرُ العَدْو.
وقيل: النقع: ما بين مزدلفةَ إلى مِنَّى؛ قاله محمد بن كعب القُرَظِيّ. وقيل: إنَّه
طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثارِ من هذا الموضع(٥).
وفي الصحاح(٦): التَّفْع: الغبار، والجمع: نِقَاعِ والنَّقْعُ: مَخْبِسُ الماء، وكذلك
ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: أنه نَهى أن يُمنع نقعُ البئر(٧). والنقعُ: الأرضُ
(١) في النسخ: من منى إلى جمع، والمثبت من المصادر - على ما يأتي - وهو الصواب.
(٢) تفسير البغوي ٤ / ٥١٧ عن محمد بن كعب، وتفسير الطبري ٥٧٩/٢٤ - ٥٨٠ عن ابن مسعود، وينظر
ما سلف عن علي # ص٤٢٩ من هذا الجزء.
(٣) تفسير الرازي ٦٥/٣٢، وسلف ٣٥١/٣.
(٤) النكت والعيون ٣٢٥/٦، ولم نقف عليه عن عبد الله بن رواحة، ونسب لحسان كما في ديوانه ص ٦٠،
وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٢، ومنتهى الطلب ٦/ ٢٧٠، والخزانة ٢٣١/٩ برواية:
تثير النقع موعدُها كداءُ
عَدِمْنا خيلنا إن لم تروها
قال البغدادي: كَداء: الثنية التي في أصلها مقبرة مكة، ومنها دخل الزبير يومئذ (يعني يوم الفتح).
(٥) النكت والعيون ٣٢٥/٦.
(٦) مادة: (نقع).
(٧) أخرجه أحمد (٢٥٠٨٧)، وابن ماجه (٢٤٧٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.

٤٣٥
سورة العاديات: الآية ٤
الحُرَّةُ الطّينِ يَستنقعُ فيها الماءُ، والجمع: نِقاعٌ وأَنْفُعٌّ، مثل: بحر وبِحار وأبْحُر.
قلت: وقد يكونُ النقعُ رفعَ الصوت، ومنه حديثُ عمرَ حين قيل له: إنَّ النساء قد
اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساء بني المغِيرة أن يَسْفِكْنَ من
دموعهنَّ وهنَّ جلوسٌ على أبي سليمان، ما لَمْ يكن نَفْعٌ ولا لَقْلَقَة(١). قال أبو
عبيد(٢): يعني بالنقع رَفْعَ الصوت، على هذا رأيتُ قولَ الأكثرين من أهل العلم،
ومنه قولُ لبید :
فمتى ينقَعْ صُراخٌ صادِقٌ يُخْلِبوها ذاتَ جَرْس وَزَجَلْ(٣)
ويُروى: يَخْلِبوها أيضاً. يقول: متى سمعوا صراخاً (٤) أَخْلَبوا الحرب، أي:
جمعوا لها. وقولُه: يَنْقَعِ صُراخ: يعني رفعَ الصوت.
وقال الكسائيُّ: قولُه: نَفْعٌ ولا لقلقةٌ، النَّقْعُ: صنعةُ الطعام، يعني في المَأْتم.
يقال منه: نقعْتُ أَنقَع نَقْعاً. قال أبو عبيد(٥): ذهب بالنقع إلى النَّقيعة، وإنَّما النقيعةُ
عند غيره من العلماء: صنعةُ الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضُهم: يريد عمر بالنقع: وَضْعَ الترابِ على الرأس. يذهبُ إلى أنَّ النقع
هو الغبار. ولا أَحْسَبُ عمر ذهب إلى هذا، ولا خافه منهنَّ، وكيف يبلغ خوفُه ذا وهو
يكره لهنَّ القيام، فقال: يَسْفِكْنَ من دموعهنَّ وهُنَّ جلوسٌ. قال بعضهم: النقع: شقُّ
الجيوب، وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث(٦) ولا أعرفُه، وليس النقعُ عندي في
(١) علقه البخاري بنحوه قبل الحديث (١٩٢١)، ووصله عبد الرزاق (٦٦٨٥)، وأبو عبيد في غريب
الحديث ٢٧٣/٣ .
(٢) في غريب الحديث ٢٧٥/٣ .
(٣) ديوان لبيد ص ١٩١، وغريب الحديث ٢٧٥/٣. ورواية الديوان: يُحلبوه، قال شارحه: أي: يمدُّوه
ويُعينوه بحلائب الخيل. والجرس: الصوت. والزجل كذلك، إلا أنَّ فيه تطريباً. أراد: كتيبة ذات جرس
وزجل. والمعنى: أنهم إذا ارتفع صوت الصريخ هبوا للنجدة بكتيبة هذا حالها.
(٤) في غريب الحديث: صارخاً.
(٥) في غريب الحديث ٣/ ٢٧٤، وما قبله منه.
(٦) قوله: من الحديث، ليس في غريب الحديث.

٤٣٦
سورة العاديات: الآيات ٤ - ٦
هذا الحديث إلَّ الصوتُ الشديد، وأمَّا اللقلقةُ: فشِدَّةُ الصوت، ولم أسمع فيه
اختلافًا.
وقرأ أبو حَيْوة: ((فَأَثَّرْنَ)) بالتشديد(١)، أي: أَرَتْ آثارَ ذلك. ومَن خفّف فهو مِن
أثار: إذا حرَّك، ومنه: ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٩].
قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا (@)
((جَمْعًا)) مفعولٌ بـ ((وَسَطْن))، أي: فوسَطْنَ بركبانهن العدوَّ، أي: الجمع الذي
أغاروا عليهم. وقال ابن مسعود: ((فَوَسَطْن بِهِ جمعاً)) يعني مُزْدلِفةٍ(٢). وسمِّيت جمعاً
الاجتماع الناس بها. ويقال: وسَطْتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطًا وسِطَةً، أي: صِرتُ
وَسْطَهم.
وقرأ عليٍّ : (فَوَسَّطْن)) بالتشديد(٣)، وهي قراءةُ قتادةً وابنٍ سيرين(٤) وأبي
رجاء؛ لغتان بمعنى، يقال: وسطْتُ القومَ - بالتشديد والتخفيف - وتَوَسَّطْتُهُمْ، بمعنَّى
واحد(٥). وقيل: معنى التشديد: جَعْلُها الجمعَ قسمين. والتخفيف: صِرْنَ في وسيط
الجمع(٦)، وهما يرجعان إلى معنى(٧).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لِرَبِِّ، لَكُنُودٌ ﴾)
هذا جوابُ القسم، أي: طُبع الإنسان على كُفْران النعمة. قال ابن عباس:
(لَكَنُودٌ)): لكفورٌ جَحُودٌ لنعم الله. وكذلك قال الحسن، وقال: يذكُر المصائبَ وينسى
(١) القراءات الشاذة ص ١٧٨، والمحتسب ٢/ ٣٧٠ ، قال ابن جني: هذا كقولك: أُرَيْنَ وأبْدَيْن.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٨٤ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧٨، والمحتسب ٣٧٠/٢ .
(٤) في (م): وابن مسعود.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٨٥/٣، وتفسير الطبري ٢٤/ ٥٨٢ .
(٦) المحتسب ٢/ ٣٧٠ .
(٧) بعدها في (م): الجمع.

٤٣٧
سورة العاديات: الآية ٦
النعم(١). أَخَذَه الشاعر فَنَظَمه:
والظُلْمُ مردودٌ على مَن ظَلَمْ
يا أيُّها الظالمُ فِي فِعْلِهِ
تشكو المُصيباتِ وتنسى النعم! (٢)
إلى متى أَنْتَ وحَتَّى متى
وروى أبو أمامة الباهِليُّ قال: قال رسول الله ﴾: «الكَنُود هو الذي يأكلُ وحدَه،
ويَمنعُ رِفْدَه، ويضربُ عَبْدَه))(٣). وروى ابن عباس قال: قال رسول الله﴾: ((أَلَا
أُنِّئُكم بشرارِكُمْ؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((مَن نَزَل وحدَه، ومَنَع رِفْدَه، وجَلَدَ
عبدَه))(٤). خرَّجهما الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول))(٥).
وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: الكَنودُ بلسانٍ كِنْدَة وحضرموت:
العاصي، وبلسان ربِيعةَ ومُضَرَ: الكفور. وبلسان كِنانَة: البخيلُ السَّيِّءُ المَلَكة. وقاله
مقاتل(٦). وقال الشاعر:
كَنودٌ لِنَعماء الرجالِ ومَنْ يكن كَنودًا لنعماء الرجال يُبَعَّدِ(٧)
أي: كفور. ثم قيل: هو الذي يكفُر اليسيرَ، ولا يشكر الكثير. وقيل: الجاحدُ
(١) أخرج قول ابن عباس والحسن الطبري ٢٤/ ٥٨٤ - ٥٨٥ .
(٢) سلف البيتان ٣٩٩/١٧.
(٣) أخرجه الطبري ٥٨٦/٢٤، وابن حبان في المجروحين ٢١٢/١، والطبراني في الكبير (٧٩٥٨)، وابن
أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية. وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو متروك كما ذكر ابن
كثير. وأخرجه الطبراني (٧٧٧٨) بإسناد آخر عن أبي أمامة ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٤٢ :
رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما جعفر بن الزبير وهو ضعيف، وفي الآخر مَن لم أعرفه. وأخرجه
البخاري في الأدب المفرد (١٦٠)، والطبري ٢٤/ ٥٨٧ عن أبي أمامة ﴾ موقوفاً.
(٤) قطعة من حديث طويل أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد للإمام أحمد ص٣٥٩.
(٥) ص ٢٦٧ ، وليس في مطبوعه ذكر إسناديهما، وخبر أبي أمامة فيه موقوف مختصر.
(٦) النكت والعيون ٣٢٥/٦ عن الكلبي، وتفسير أبي الليث ٥٠٣/٣ عن مقاتل.
(٧) ذكره أبو حيان في البحر ٥٠٣/٨ ، والسمين في الدر المصون ٨٩/١١، والألوسي في روح المعاني
٢١٨/٣٠ .

٤٣٨
سورة العاديات: الآية ٦
للحق. وقيل: إنَّما سمِّيتْ كِنْدَةُ كِندَة؛ لأنَّها جحدتْ أباها. وقال إبراهيم بن هَرْمةً
الشاعر :
دع البخلاءَ إنْ شَمُوا وصَدُّوا وذِكْرى بُخْلِ غانيةٍ كَنودٍ(١)
وقيل: الكنود: مِن كَنَدَ إذا قَطَع، كأنَّه يقطعُ ما ينبغي أنْ يُواصِلَه من الشكر.
ويقال: كَنَد الحبلَ: إذا قطعه؛ قال الأعشى:
أَميطي تُميطي بصُلْبِ الفؤادِ وَصُولٍ حِبالٍ وكَنَّادِها(٢)
فهذا يدلُّ على القطع. ويقال: كَنَدَ يكْنِدُ كُنودًا، أي: كَفَر النعمةَ وجَحدَها، فهو
كَنود. وامرأة كَنورٌ أيضاً، وكُنُّدٌ مِثله(٣). قال الأعشى:
أَحْدِثْ لها تُحدِثْ لوَصْلِكَ إنَّها كُنُدٌ لوصلِ الزائرِ المعتادِ(٤)
أي: كَفورٌ للمواصلة. وقال ابن عباس: الإنسانُ هنا الكافر، يقول: إنه لكفور(٥).
ومنه: الأرضُ الكنودُ التي لا تُنْبِتُ شيئًا. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن
المغيرة(٦).
قال المبرِّد: الكنود: المانعُ لمَا عليه. وأنشد لكثير:
(١) لم نقف عليه في ديوان إبراهيم بن هرمة، والكلام من النكت والعيون ٦/ ٣٢٥، ووقع في مطبوعه:
إبراهيم بن زهير، بدل: إبراهيم بن هرمة.
(٢) ديوان الأعشى ص ١١٩، والصحاح (كند)، واللسان (ميط). ورواية الديوان واللسان: فميطي
تميطي ... ، قال صاحب اللسان: ماط عني مَيْطاً ومَيَطاناً وأماط: تنخَّى وبَعُد وذهب. اهـ وجاء في شرح
البيت في الديوان: يذكر الأعشى صاحبته فيقول: لتذهب حيث تريد، فإنه الصلب الفؤاد، إنْ وَصَل حبل
الود فهو خليق أن يقطعه.
(٣) الصحاح (كند).
(٤) ديوان الأعشى ص ١٧٩ . قال الشارح: تجدِّد لها وصلاً، فتجدد في وصلك قطيعة.
(٥) سلف في بداية تفسير هذه الآية.
(٦) النكت والعيون ٣٢٦/٦.

٤٣٩
سورة العاديات: الآيتان ٦ - ٧
أَحْدِثْ لھا تُحْدِثْ لوَصْلِكَ إنها كُنُدٌ لِوَصلِ الزائرِ المعتادِ (١)
وقال أبو بكر الواسطيُّ: الكنود: الذي ينفق نِعَم الله في معاصي الله.
وقال أبو بكر الورَّاق: الكنودُ: الذي يرى النعمةَ من نفسه وأعوانه.
وقال الترمذي: الذي يرى النعمةَ ولا يرى المنعِم.
وقال ذو النون المصريُّ: الهَلوعُ والكَنود: هو الذي إذا مسَّه الشرُّ جَزوعٌ، وإذا
مسَّه الخيرُ مَنوعٌ.
وقيل: هو الحقودُ الحسود. وقيل: هو الجَهولُ لقَدْرِه. وفي الحكمة: مَن جهل
قَدْرَه هتك(٢) سِتره.
قلت: هذه الأقوالُ كلُّها تَرجِعُ إلى معنى الكُفْرانِ والجحود. وقد فسَّر النبيُّ﴾.
معنى الكُنودِ بخصالٍ مذمومةٍ، وأحوالٍ غيرِ محمودةٍ (٣)، فإنْ صحَّ فهو أعلى ما يقال،
ولا يبقى لأحدٍ معه مَقال.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ
٧
أي: وإنَّ الله عزَّ وجلَّ ثناؤه على ذلك من ابن آدمَ لَشَهيد. كذا روى منصورٌ عن
مجاهد، وهو قولُ ابنِ عباس (٤).
وقال الحسن وقتادةُ ومحمد بن كعب: (وإنَّه))، أي: وإنَّ الإنسان لشاهدٌ على
نفسه بما يصنع. ورُوي عن مجاهد أيضًا(٥).
(١) ليس في ديوان كثير، وقد سلف عن الأعشى.
(٢) في (ظ): كشف.
(٣) سلف ص٤٣٧ من هذا الجزء.
(٤) ذكره عن ابن عباس الواحدي في الوسيط ٥٤٥/٤ ، وأخرجه عن مجاهد ابن أبي حاتم، كما في الدر
المنثور ٣٨٥/٦، وأخرجه الطبري ٥٨٧/٢٤ - ٥٨٨ عن قتادة وسفيان.
(٥) أخرجه عن محمد بن كعب ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٨٥/٦، وذكره عن الحسن ومجاهد
ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٥/٥ .

٤٤٠
سورة العاديات: الآية ٨
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الإنسانَ من غيرِ خلافٍ. ﴿لِحُبِّ الْخَيرِ﴾ أي: المال،
ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. وقال عدِيّ:
ـخَيْرِ وحُبُّ الحياةِ کارِبُها(١)
ماذا تُرَجِّي النفوسُ من طلب الـ
﴿لَشَدِيدٌ﴾ أي: لَقَويٌّ في حبِّه للمال. ويقال: ((الشدِيد)): لبخيل. ويقال للبخيل:
شديدٌ ومتشدِّد؛ قال طَرَفة:
عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ(٢)
أَرَى الموتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَضْطَفي
يقال: اعْتَامَه واعْتَمَاه، أي: اختاره. والفاحِشُ: البخيل أيضًا. ومنه قولُه تعالى:
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: البخل.
قال ابن زيد: سمَّى الله المالَ خيرًا، وعسى أن يكون شرًّا وحراماً، ولكنَّ الناس
يَعُدُّونه خيراً، فسمَّاه الله خيراً لذلك. وسمَّى الجهادَ سُوءاً، قال: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَتٍْ مِّنَ
اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] على ما يسمِيه الناس(٣).
قال الفرَّاء: نَظُمُ الآيةِ أن يقال: وإنَّه لَشديدُ الحبِّ للخير (٤)؛ فلمَّا تقدَّم الحبُّ
قال: شديد، وحذف مِن آخِرِه ذكر الحبُّ؛ لأنَّه قد جرى ذِكْرُه، ولرؤوس الآي،
كقوله تعالى: ﴿فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] والعُصُوف للريح لا للأيام، فلمَّا جرى
ذِكْرُ الريح قبل اليوم، طرح من آخِرِه ذِكْر الريح، كأنه قال: في يوم عاصِفِ الريح (٥).
(١) الأغاني ١٤٧/٢ .
(٢) ديوان طرفة ص ٣٤ . قال النحاس في شرح المعلقات ١/ ٨٣ : يصطفي: يأخذ صفوته وهو خيرته.
وعقيلة المال: أكرمه وأنفسه عند أهله.
(٣) أخرجه الطبري ٥٨٩/٢٤ .
(٤) العبارة في معاني القرآن للفراء ٢٨٥/٣: وإنه للخير لشديد الحب.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٨٥/٣ - ٢٨٦.