النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة القدر: الآية ٥
وقال أبيّ بن كعب: سمعتُ رسول اللـه ﴾ يقول: «ليلةُ القدرِ ليلةُ سبعٍ
وعشرين))(١).
وقال أبو بكر الورَّاق: إنَّ الله تعالى قَسَم لياليَ هذا الشهرِ - شهرِ رمضانَ - على
كلماتِ هذه السورة، فلمَّا بلغ السابعةَ والعشرين أشار إليها فقال: هي. وأيضاً فإنَّ ليلةً
القدرِ كُرِّر ذِكْرُها ثلاثَ مرَّاتٍ، وهي تسعةُ أحرفٍ، فتجيءُ سبعاً وعشرين(٢).
وقيل: هي ليلةُ تسعٍ وعشرين؛ لمَا رُوِي أنَّ النبيَّ :﴿ قال: «ليلةُ القدرِ التاسعةُ
والعشرون، أو السابعةُ والعشرون، وإنَّ الملائكةَ في تلك الليلةِ بعدد الحصى)»(٣).
وقد قيل: إنَّها في الأشفاع؛ قال الحسن: ارتقبتُ الشمسَ ليلةَ أربعٍ وعشرين
عشرين سنةً، فرأيتُها تطلعُ بيضاءَ لا شعاعَ لها (٤). يعني من كثرةِ الأنوارِ في تلك الليلة.
وقيل: إنها مستورةٌ في جميع السنة؛ ليجتهد المرءُ في إحياءِ جميعِ الليالي.
:
وقيل: أخفاها في جميع شهرِ رمضان؛ ليجتهدوا في العمل والعبادةِ لياليَ شهرٍ
رمضانَ؛ طمعاً في إدراكها، كما أَخْفَى الصلاةَ الوسطى في الصلوات، واسمَه
الأعظمَ في أسمائه الحُسْنى، وساعةَ الإجابةِ في ساعات الجمعةِ وساعاتِ الليل،
وغضبَه في المعاصي، ورضاه في الطاعات، وقيامَ الساعةِ في الأوقات، والعبدَ
الصالحَ بين العباد؛ رحمةً منه وحكمة.
الثانية: في علاماتها: منها أنَّ الشمس تطلعُ صبيحةَ يومها(٥) بيضاءَ لا شعاعَ لها.
(١) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح معاني الآثار ٩٢/٣ . وجاء في بعض رواياته عند أحمد
(٢١١٩٠) :... هي الليلة التي أخبرنا بها رسول الله ﴿، ليلة سبع وعشرين ... ، وعند مسلم (٧٦٢) : ...
هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله 8# بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين ...
(٢) زاد المسير ٩/ ١٨٨.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٧٣٤). وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: إسناده لا بأس به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٩٨).
(٥) في (م): أن تطلع الشمس في صبيحتها.

٤٠٢
سورة القدر: الآية ٥
وقال الحسن قال النبيُّ ﴿ في ليلة القدر: ((إنَّ من أَمَاراتها: أنَّها ليلةٌ سَمْحَةٌ بَلْجَة، لا
حارَّةٌ ولا باردةٌ، تطلع الشمسُ صبيحتَها ليس لها شعاعٌ))(١). وقال عبيد بن عمير:
كنتُ ليلةَ السابعِ والعشرين في البحر، فأخذتُ من مائه، فوجدتُه عذباً سَلِساً (٢).
الثالثة: في فضائلها. وحَسْبُك بقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَنَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا﴾. وفي الصحيحين: ((مَنْ قام ليلةَ القَدْرِ إيماناً
واحتساباً غُفر له ما تَقَدَّم من ذَنْبه)) رواه أبو هريرة(٣).
وقال ابن عباس: قال النبيُّ ﴾: ((إذا كان ليلةُ القدْرِ، تَنَّزَّلُ الملائكةُ الَّذِينَ هم
سُكّانُ سِدْرة المُنْتَهى، منهم جبريلُ، ومعهم أَلْوِيَةٌ يُنْصَبُ منها لواءٌ على قبري، ولواءٌ
على بيتِ المقدِسِ، ولواءٌ على المسجدِ الحرام، ولواءٌ على طُور سَيْناء، ولا تَدَعُ فيها
مؤمناً ولا مؤمنةً إلَّا تُسَلِّم عليه، إلَّا مُدْمِنَ الخمرِ، وآكِلَ الخِنزيرِ، والمتَضَمِّخ
بالزعفران»(٤).
وفي الحديث: ((إنَّ الشيطانَ لا يخرجُ في هذه الليلة حتّى يُضيءَ فَجْرُها، ولا
يستطيعُ أن يصيب فيها أحداً بخَبْلٍ ولا شيءٍ من الفساد، ولا ينفذُ فيها سحرُ
ساحرٍ))(٥).
(١) تفسير البغوي ٥١١/٤، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٣/ ٧٧، وأخرج نحوه أحمد (٢٢٧٦٥) من
حديث عبادة بن الصامت . وابن خزيمة (٢١٩٠) من حديث جابر ﴾.
(٢) أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢٧٧٧) عن عبدة بن أبي لبابة. وأخرجه البيهقي في الشعب
(٣٦٩١) عن أيوب بن خالد. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢١٥/٢١ - ٢١٦ عن زهرة بن معبد. ولم
نقف عليه عن عبيد بن عمير.
(٣) صحيح البخاري (١٩٠١)، وصحيح مسلم (٧٦٠)، وهو عند أحمد (٨٥٧٦).
(٤) لم نقف عليه.
(٥) قوله: ((إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها)) قطعة من حديث أخرجه ابن خزيمة
(٢١٩٠)، وابن حبان (٣٦٨٨) عن جابر .

٤٠٣
سورة القدر: الآية ٥
وقال الشعبيُّ: وليلُها كَيَوْمِها، ويومُها كَلَيْلِها(١).
وقال الفرَّاءُ: لا يقدِّر اللهُ في ليلة القَدْرِ إلَّا السعادةَ والنِّعم، ويقدِّر في غيرها
البلايا والنِّقَم، وقد تقدَّم عن الضخَّاك(٢). ومثلُه لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوعٌ.
والله أعلم.
وقال سعيد بن المسيب في ((الموطأ))(٣): [مَنْ شهِد العشاءَ من ليلةِ القذْرِ، فقد
أَخَذَ بحظّه منها]، ومثلُه لا يُدْرَك بالرأي.
وقد رَوَى عُبَد الله بن عامر بن ربيعة: أنَّ رسول الله ﴿ قال: ((مَن صلَّى صلاةَ
المغرب والعشاءِ الآخرةِ من ليلةِ القدرِ في جماعةٍ فقد أَخَذَ بحظُّه من ليلةِ القَدْر)» ذكره
الثعلبيُّ في تفسيره(٤).
وقال عائشةُ رضي الله عنها: قلتُ: يا رسولَ الله إنْ وافقتُ ليلةَ القَدرِ فما أقولُ؟
قال: ((قُولي: اللهمَّ إِنَّك عَفُورٌّ تُحِبُّ العفوَ فاعْفُ عنِّي))(٥).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥١٥/٢ .
(٢) ص ٣٩٧ من هذا الجزء، ولم نقف على قول الفراء في معاني القرآن له.
(٣) ١/ ٣٢١ وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٧٠٧) من حديث أنس ، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥١٥ عن سعيد بن
المسیب قوله.
(٥) أخرجه أحمد (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥١٣) وقال: حسن صحيح.

تفسير سورة ((لم يكن))
وهي مكِّيةٌ في قولِ يحيى بنِ سلام. ومدنيةٌ في قول ابنِ عباس والجمهور(١). وهي
تسعُ آیات.
وقد جاء في فَضْلِها حديثٌ لا يصحُّ، رويناه عن محمد بن عبد الله الحضرميِّ
قال: قال لي أبو عبد الرحمن بن نُمَير: اذهبْ إلى الهيثم(٢) الخشَّاب فاكتُبْ عنه فإنه
قد كَتَب، فذهبت إليه، فقال: حدَّثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد
ابن المسيِّب، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله﴾: «لو يعلمُ الناسُ ما في [لَمْ
يَكُنِ] الذين كفروا مِن أهل الكِتابِ، لعظَّلوا الأهلَ والمالَ، فتعلَّموها)» فقال رجلٌ من
خزاعةً: وما فيها من الأجر يا رسولَ الله؟ قال: ((لا يقرؤها منافقٌ أبداً، ولا عبدٌ في
قلبه شكٌّ في الله. والله إنَّ الملائكةَ المقرَّبين يقرؤونها مُنذُ خَلَق الله السمواتِ
والأرضَ وما يَفْتُرُون من قراءتها. وما مِن عبدٍ يقرؤها إلَّا بعث الله إليه ملائكةٌ
يحفظونه في دينه ودنياه، ويَدْعون له بالمغفرة والرحمة)). قال الحَضْرميُّ: فجئتُ إلى
أبي عبد الرحمن بن نُمير، فألقيتُ هذا الحديثَ عليه، فقال: هذا قد كفانا مؤونَتَه،
فلا تَعُدْ إليه(٣).
قال ابن العربيّ(٤): روى إسحاقُ بنُ بشرِ الكاهليُّ عن مالك بن أنس، عن يحيى
ابن سعيد، عن ابن المسيِّب، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ﴾: «لو يَعْلمُ الناسُ ما في
(١) النكت والعيون ٣١٥/٦، وأخرجه عن ابن عباس ابن مردويه كما في الدر المنثور ٦/ ٣٧٧ .
(٢) في النسخ: أبي الهيثم، والمثبت من المحدث الفاصل ص ٣١٥ ، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين
منه.
(٣) يعني أن رواية مثل هذا الحديث تبين حال راويه؛ لأنه حديث باطل لا أصل له. قاله الخطيب، كما ذكر
الحافظ في اللسان ٢٠٦/٦ في ترجمة الهيثم بن خالد الكوفي الخشاب.
(٤) في أحكام القرآن ١٩٥٧/٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

٤٠٥
سورة البينة
[لم يكن] الذين كفروا، لعظّلوا الأهلَ والمالَ ولتعلَّموها))(١). حديثٌ باطلٌ، وإنَّما
الحديثُ الصحيحُ ما روي عن أنس: أنَّ النبيَّ :﴿ قال لأبيّ بنِ كعب: ((إنَّ الله أمرني
أنْ أقرأ عليك: ((لم يكن الذين كفروا)) قال: وسمَّاني لك!؟ قال: ((نعم))، فبَكَى.
قلت: خرَّجه البخاريُّ ومسلم(٢). وفيه من الفقهِ قراءةُ العالِم على المتعلُّم. قال
بعضُهم: إنَّما قرأ النبيُّ :﴿ على أُبيِّ، ليعلِّم الناسَ التواضُعَ؛ لئلا يأَنَفَ أحدٌ من التعلُّم
والقراءةِ على مَن دونَه في المنزلة.
وقيل: لأن أُبيًّا كان أسرعَ أخذًا لألفاظِ رسولِ اللهِ ﴾، فأراد بقراءته عليه أن
يأخذه ألفاظَه ويقرأ كما سمع منه، ويعلِّم غيرَه. وفيه فضيلةٌ عظيمةٌ لأبيٍّ؛ إذ أَمَر اللهُ
رسولَه أن يقرأ عليه.
قال أبو بكر الأنباريُّ: وحدَّثنا أحمد بنُ الهيثم بن خالد، قال: حدَّثنا علي بن
الجعد، قال: حذَّثنا عكرمةُ، عن عاصم، عن زِرّ بن حُبيش قال: في قراءةِ أبيّ بن
كعب: ابنُ آدَمَ لو أُعطِيَ واديًا من مال لالتمسَ ثانيًا، ولو أُعطي واديَيْنٍ من مالٍ
لالتمسَ ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلَّ الترابُ، ويتوبُ الله على مَن تاب(٣). قال
عكرمةُ: قرأ عليَّ عاصم: ((لم يَكُنْ)) ثلاثين آيةً، هذا فيها. قال أبو بكر: هذا باطلٌ عند
أهلِ العلم؛ لأنَّ قراءَتَي ابنِ كثيرٍ وأبي عمرو متَّصِلَتان بأبيّ بن كعب، لا يُقْرأ فيهما
هذا المذكورُ في ((لم يكن)) ممَّا هو معروفٌ في حديثِ رسولِ الله ◌ِ﴾، على أنَّه من
كلامِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، لا يَحْكيه عن ربِّ العالمين في القرآن. وما رواه
اثنان معهما الإجماعُ أَثْبتُ ممَّا يَحْكيه واحدٌ مخالِفاً (٤) مذهبَ الجماعةِ.
(١) أخرجه بهذا الإسناد الواحدي في الوسيط ٥٣٨/٤، وسقط قوله: عن أبي الدرداء، من مطبوع أحكام
القرآن.
(٢) صحيح البخاري (٣٨٠٩)، وصحيح مسلم (٧٩٩)، وهو عند أحمد (١٢٣٢٠)، وسلف ١٧ / ١٦٢ .
(٣) أخرجه بنحوه أحمد (١٢٢٠٢)، والترمذي (٣٧٩٣) من طريق شعبة، عن عاصم، عن زر، عن أبي بن
كعب ﴾. وينظر ما سيأتي ص ٤٥٠ من هذا الجزء.
(٤) في (د) و(م): مخالف.

٤٠٦
سورة البينة: الآيات ١ - ٣
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿لَمَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ
اٌلْبِيِنَةُ ﴿ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَثْلُواْ مُحُفًا مُطَهَّرَةً (٣ فِيَهَا كُنُبٌّ قَيِّمَةٌ
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كذا قراءةُ العامَّة، وخَطُ المصحف. وقرأ ابن
مسعود: ((لم يَكُنِ المشركون وأهلُ الكتابِ مُنْفَكِّين)) (١) وهذه قراءةٌ على التفسير؛
قال ابن العربيّ(٢): وهي جائزةٌ في مَعْرِض البيان، لا في مَعْرِض التلاوة، فقد قرأ
النبيُّ * في روايةِ الصحيح: ((فَطَلِّقُوهنَّ لقُبُل ◌ِدَّتهنَّ))(٣) وهو تفسيرٌ؛ فإنَّ التلاوةَ هو
ما كان في خطّ المصحف.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ﴾ يعني اليهود والنصارى. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ في موضعٍ
جرِّ عطفاً على ((أهل الكتاب)). قال ابن عباس: ((أهلُ الكتابِ)): اليهودُ الذين كانوا
بيثرِبَ، وهم قُرَيظَةُ والنَّضِيرُ وبنو قَيْنُقاع. والمشركون: الذين كانوا بمكةَ وحَوْلَها،
والمدينةِ والذين حولَها، وهم مشركو قريش. ﴿مُنْفَكِينَ﴾ أي: مُنْتَهين عن كفرهم،
زائلين(٤) عنه ﴿حَّى تَأْنِيَهُمُ﴾ أي: أتتهم ﴿ آلْبِنَّةُ﴾ أي: محمدٌ ﴾.
وقيل: الانتهاءُ: بلوغُ الغاية، أي: لم يكونوا لِيَبلُغوا نهايةَ أعمارِهم فيموتوا،
حتى تأتيهم البينةُ. فالانفكاكُ على هذا بمعنى الانتهاء.
وقيل: ((مُنفكِّين)): زائلين، أي: لم تكن مدتُهم لتزولَ حتى يأتيهم رسولٌ.
(١) القراءات الشاذة ص١٧٦ .
(٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٥٧، وما قبله منه.
(٣) صحيح مسلم (١٤٧١): (١٤) من حديث ابن عمر ، وفيه: (( ... فطلقوهن في قبل عدَّتهن)). وينظر ما
سلف ٣٣/٢١ عند تفسير الآية الأولى من سورة الطلاق.
(٤) في (م): مائلين.

٤٠٧
سورة البينة: الآيات ١ - ٣
والعربُ تقول: ما انفكَكْتُ أفعلُ كذا، أي: ما زِلْتُ. وما انفكَّ فلان قائماً: أي: ما
زال قائماً.
وأصلُ الفَكِّ: الفتحُ؛ ومنه: فُّ الكتاب(١)، وفَكُّ الخَلخال، وفك السالم. قال
طرفة :
فآلَيْتُ لا يَنفَتُ كَشْحي بطانةً لِعَضْبٍ رقيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدٍ(٢)
وقال ذو الرُّمة :
حَرَاجِيجُ ما تَنْفُ إلَّا مُناخةً على الخَسْفِ أَوْ نَرْمي بها بلداً قَفْرا(٣)
يريد: ما تنفكُ مُناخةً، فزاد (إلَّا))(٤).
وقيل: ((منفكِّين)): بارِحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا ويُفارِقوا الدنيا، حتى تأتيهم
البينة.
وقال ابن كيسان: أي: لم يكن أهلُ الكتابِ تارِكينَ صفةً محمدٍ ﴿ في كتابهم،
حتى بُعِث، فلمَّا بُعث حَسَدوه وجَحَدوه، وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ
كَفَرُواْ بٍِ﴾ [البقرة: ٨٩]. ولهذا قال: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ الآية. وعلى
هذا فقولُه: ((والمُشْرِكينَ))، أي: ما كانوا يسيئون القولَ في محمدٍ ﴿ حتى بُعِث؛
فإنَّهم كانوا يُسمُّونه الأمين، حتى أتتهم البينةُ على لسانه وبُعث إليهم، فحينئذٍ عادَوْه.
(١) وهو إزالةُ ختمه وفتحُه. تفسير الرازي ٤١/٣٢ .
(٢) ديوان طرفة ص ٣٧. قوله: آليت، أي: حلفت. لا ينفك: لا يزال. والكشح: الجنب، والمعنى: لا
يزال حنبي لاصقاً بالسيف. والعَضْب: السيف القاطع، وشفرتاه: حدَّاه. ومهند: منسوب إلى الهند.
شرح المعلقات للنحاس ٨٩/١، وللتبريزي ص ١١٦ .
(٣) ديوان ذي الرمة ١٤١٩/٣. قال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: حراجيج: ضُمْرٌ (يعني النوق). ما
تنفك: ما تزال. والخسف: الجوع، وهو أن تبيت على غير علف.
(٤) ضرائر الشعر لابن عصفور ص ٧٥ - ٧٦ ، وهي في قول بعض النحويين ليست زائدة، فقدَّر في
(تنفك)) التمام، ونصب مناخة على الحال، والمعنى: ما تنفصل عن جهد ومشقة إلا في حال إناختها
على الخسف، ورَمْي البلد القفر بها، أي: تنتقل من شدة إلى شدة. أمالي ابن الشجري ٣٧٣/٢ ،
وينظر معاني القرآن للفراء ٢٨١/٣.

٤٠٨
سورة البينة: الآيات ١ - ٣
وقال بعض اللُّغويين: (مُنْفَكِّينَ)): هالكين، من قولهم: انفكَّ صَلَا المرأةٍ (١) عند
الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتَهلك. المعنى: لم يكونوا معذّبين ولا هالكين،
إلَّا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
وقال قومٌ في ((المشركين)): إنَّهم من أهل الكتاب؛ فمِن اليهود من قال: عزيرٌ ابنُ
الله. ومن النصارى مَن قال: عيسى هو الله. ومنهم مَن قال: هو ابنه. ومنهم مَن
قال: ثالثُ ثلاثةٍ.
وقيل: أهلُ الكتابِ كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيائهم. والمشركون وُلِدوا على
الفِطرة، فكفروا حين بلغوا. فلهذا قال: ((والمُشْرِكينَ)).
وقيل: المشركون وصفُ أهلِ الكتابِ أيضاً؛ لأنَّهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا
التوحيد. فالنصارى مُثَلِّئةٌ، وعامَّةُ اليهودِ مُشَبِّهةٌ، والكلُّ شِرٌ. وهو كقولك: جاءني
العقلاءُ والظُرفَاء، وأنتَ تريد أقوامًا بأعيانهم(٢)، تَصِفُهم بالأمرين. فالمعنى: مِن
أهلِ الكتابِ المشركين.
وقيل: إنَّ الكفر هنا هو الكفرُ بالنبيِّ ﴾، أي: لم يكن الذين كفروا بمحمدٍ من
اليهود والنصارى، الذين هم أهلُ الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عَبَدَةُ
الأوثان من العرب وغيرهم - وهم الذين ليس لهم كتاب - مُنْفَكِّين؛ قال القشيرِيُّ:
وفيه بعدٌ؛ لأنَّ الظاهر من قوله: ((حتى تأتيهم البينةُ. رسولٌ مِن اللهِ)) أنَّ هذا الرسول
هو محمدٌ﴾. فيبعُدُ أن يُقال: لم يكن الذين كفروا بمحمدٍ # منفكين حتى يأتيهم
محمد، إلَّا أنْ يقال: أراد: لم يكن الذين كفروا الآنَ بمحمدٍ؛ وقد(٣) كانوا من قبلُ
(١) كذا نقل المصنف عن البغوي ٥١٣/٤، ومثله في البحر ٤٩٨/٨. وذكر أبو عبيد في الغريب المصنف
٦٨/١ عن الأصمعي: انْهَك صلا المرأة انهكاكاً، ومثله في تهذيب اللغة ٣٤١/٥، ومجمل اللغة
٨٩١/٣، والصحاح (هكك)، واللسان (هكك). والصلا: وسط الظهر، أو ما انحدر من الوَرِكين.
القاموس (صلو).
(٢) في النسخ الخطية: بعينهم.
(٣) في (م): وإن.

٤٠٩
سورة البينة: الآيات ١ - ٣
مُعَظِّمين له، بمنتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث الله محمداً إليهم، ويبيِّن لهم
الآيات، فحينئذٍ يؤمنُ قوم.
وقرأ الأعمشُ وإبراهيم: ((والمشركُونَ)) رفعاً، عطفاً على ((الذين))(١). والقراءةُ
الأولى أَبْيَنُ؛ لأنَّ الرفع يصير فيه الصِّنفان كأنهم من غير أهل الكتاب.
وفي حرفٍ أبيٍّ: ((فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكِّين)) (٢).
وفي مصحفِ ابنِ مسعود: ((لم يكنِ المشركون وأهلُ الكتابِ منفكِّين)). وقد تقدَّم(٣).
﴿حَّ تَأِْيَهُمُ الْبِنَةُ﴾ قيل: حتى أتتهم. والبيِّنَةُ: محمدٌ لَ﴾. ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي:
بَعيثٌ من الله جلَّ ثناؤه. قال الزَّجَّاج (٤): ((رسولٌ)) رفع على البدل من ((البينة)). وقال
الفرَّاء: أي: هي رسولٌ من الله، أو: هو رسولٌ من الله؛ لأنَّ البينة قد تذكَّر فيقال:
بَيِّنتي فلان. وفي حرفٍ أُبيِّ وابن مسعود: ((رَسُولًا)) بالنصب على القطع (٥).
﴿يَثْلُوا﴾ أي: يقرأ. يقال: تلا يتلو تلاوةً. ﴿مُحُفًا﴾ جمع صحيفة، وهي ظرفُ
المكتوب. ﴿قُطَهَّرَةَ﴾ قال ابن عباس: من الزُّور والشكِّ والنفاق والضَّلالة. وقال
قتادة: من الباطل. وقيل: من الكذب والشُّبُهات والكفر، والمعنى واحد. أي: يقرأ ما
تتضمَّنُ الصحفُ من المكتوب، ويدلُّ عليه أنه كان يتلو عن ظَهْرٍ قلبِه لا عن كتاب؛
لأنه كان أمِّيَّا لا يكتبُ ولا يقرأ.
و ((مُطَهَّرةً)): مِن نَعْتِ الصُّحف، وهو كقوله تعالى: ﴿فِى مُحُفٍ تُكَرََّةٍ فَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَ﴾
[عبس: ١٣]، فالمطهرةُ نعتٌ للصُّحفِ في الظاهر، وهي نعتٌ لمَا في الصُّحف من
القرآن.
-
(١) ذكرها أبو حيان في البحر ٤٩٨/٨ دون نسبة.
(٢) ذكرها الماوردي في النكت والعيون ٣١٦/٦ بلفظ: ((ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين
منفکین)) .
(٣) في بداية تفسير هذه الآية.
(٤) في معاني القرآن ٣٤٩/٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣، والقراءات الشاذة ص ١٧٦، والكشاف ٤/ ٢٧٤ .

٤١٠
سورة البينة: الآيات ١ - ٣
وقيل: ((مطهرة)) أي: ينبغي ألَّ يَمَسَّها إلَّ المطهّرون، كما قال في سورة الواقعة
حَسْبَ ما تقدَّم بيانُه(١).
وقيل: الصُّحف المطهّرة: هي التي عند الله في أمِّ الكتاب، الذي منه نُسِخ ما
أنزل على الأنبياء من الكتب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِدٌ فِى لَوْجِ تَحْفُوظِ﴾
[البروج: ٢١-٢٢]. قال الحسن: يعني الصُّحفَ(٢) المطهّرةَ في السماء.
﴿فِيَهَا كُنُبٌّ قَيِّمَةٌ﴾ أي: مستقيمةٌ مستويةٌ مُحكَمةٌ، من قول العرب: قام يقوم: إذا
استوى وصح.
وقال بعضُ أهلِ العلم: الصحفُ هي الكتب، فكيف قال: في صحفٍ فيها
كُتب؟
فالجواب: أنَّ الكتب هنا بمعنى الأحكام؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِبَرَ﴾ [المجادلة: ٢١] بمعنى: حَكَم. وقال﴾: ((والله لأقضِينَ بينكما بكتابِ الله))
ثم قضى بالرَّجم(٣)، وليس ذِكْرُ الرَّجْمِ مسطوراً في الكتاب، فالمعنى: لأقضينَّ بينكما
بحُكْمٍ الله تعالى، وقال الشاعر:
ومالَ(٤) الولاءُ بالبلاءِ فِمْلتُمُ وما ذاكَ قال اللهُ إذ هو يَكْتُبُ (٥)
وقيل: الكتبُ القيِّمة: هي القرآن، فجعله كتباً لأنه يشتملُ على أنواعٍ من البيان.
(١) عند تفسير الآية (٧٩) منها.
(٢) في (ز) و(ظ): بالصحف، وفي (د): في الصحف، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر
الوجيز ٥/ ٥٠٧ .
(٣) أخرجه مطولاً أحمد (١٧٠٣٨)، والبخاري (٢٦٩٥، ٢٦٩٦)، ومسلم (١٦٩٧، ١٦٩٨) من حديث
أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وسلف ١٤٥/٦ و٢٥١/٧ . والكلام بنحوه في تأويل مختلف
الحديث لابن قتيبة ص ٩٤ ، وغريب الحديث له ١/ ٧٠ .
(٤) في النسخ: وما، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٥) تأويل مختلف الحديث ص ٩٤ لابن قتيبة، وغريب الحديث له ١/ ٧٠ ، ونسبه ابن قتيبة للنابغة
الجعدي، وهو في ديوانه ص ١٠ برواية:
علينا وكان الحقُّ أن تتقربوا
ومال الولاء بالبلاء فملتم

٤١١
سورة البينة: الآيتان ٤ - ٥
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآمَنْهُمُ الْبِهِنَّةُ
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: من اليهود والنصارى. خصَّ أهلَ
الكتابِ بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنَّهم مظنونٌ بهم
عِلْمٌ، فإذا تفرَّقوا كان غيرهم ممَّن لا كتابَ له أَدْخَلُ في هذا الوصف.
﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَ فَهُمُ الْبِنَةُ﴾ أي: أتتهم البيّنةُ الواضحة. والمعنيُّ به محمدٌ ﴾،
أي: بالقرآن(١) موافقاً لمَا في أيديهم من الكتاب بنَعْتِهِ وصِفَتِه. وذلك أنهم كانوا
مجتمعين على نبوَّته، فلمَّا بُعِث جحدوا نبوَّته وتفرَّقوا، فمنهم مَن كفر بغياً وحسداً،
ومنهم مَن آمَن، كقوله تعالى: ؛ ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمَّ﴾
[الشورى: ١٤].
وقيل: ((البينة)): البيانُ الذي في كتبهم أنه نبيٌّ مرسَلٌ. قال العلماء: مِن أوّل
السورة إلى قوله ((قَيِّمَةٌ)): حكمها فيمَن آمَن مِن أهل الكتاب والمشركين. وقوله: ((وما
تفرق)): حُكْمُه فيمَن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيامِ الحجج.
قوله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُتَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ
وَيُؤْثُواْ الزَّكَوَّةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
٥
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ﴾ أي: وما أُمِر هؤلاء الكفارُ في التوراة
والإنجيل ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أي: ليوحِّدوه. واللامُ في ((لِيعبدوا)) بمعنى ((أنْ))، كقوله:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] أي: أنْ يبيِّن، و﴿يُرِيدُونَ لِيْفِتُوْ نُورَ الَهِ﴾.
[الصف: ٨]، و﴿وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]. وفي حرفِ عبدِ الله: ((وما
أُمِروا إلَّا أنْ يَعبدوا اللهَ))(٢).
(١) في (م): القرآن.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣ .

٤١٢
سورة البينة: الآية ٥
﴿يُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: العبادةَ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ
مُخْلِصًا لَّهُ اَلِينَ﴾ [الزمر: ١١]. وفي هذا دليلٌ على وجُوب النيةِ في العبادات؛ فإنَّ
الإخلاص مِن عَمَلِ القلب، وهو أن(١) يرادَ به وجهُ الله تعالى لا غيره.
الثانية: قولُه تعالى: ﴿حُنَفَةَ﴾: أي: مائلين عن الأديان كلِّها إلى دين الإسلام،
وكان ابن عباس يقول: ((حنفاء): على دين إبراهيمَ عليه السلام(٢). وقيل: الحَنيف:
مَن اخْتَتَن وحج؛ قاله سعيد بن جبير(٣). قال أهلُ اللغةِ: وأصلُه أنه تَحَتَّفَ إلى
الإسلام، أي: مالَ إليه.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي: بحدودها في أوقاتها ﴿وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ﴾
أي: يُعطوها عند مَحِلُّها ﴿وَذَلِكَ وِيْنُ اَلْقَيِّمَةِ﴾ أي: ذلك الدينُ الذي أُمِروا به دِینُ
القَيِّمة، أي: الدينُ المستقيم. وقال الزجَّاج (٤): أي: ذلك دِينُ المِلَّةِ المستقيمة،
و(القيِّمة)) نعتٌ لموصوفٍ محذوف. أو يقال: دِينُ الأمةِ القَيِّمة بالحق، أي: القائمةِ
بالحقّ.
وفي حرف عبد الله: ((وذلك الدِّينُ القَيِّمة))(٥). قال الخليل: ((القَيِّمة)) جمعُ القيِّم،
والقيم والقائم واحد(٦).
وقال الفرَّاء: أضاف الدِّين إلى القيمة وهو نعتُه؛ لاختلاف اللَّفْظَين. وعنه أيضاً:
(١) في (م): وهو الذي، والمثبت من النسخ الخطية، والكلام بنحوه في أحكام القرآن للكيا الطبري
٤٣١/٣ .
(٢) ذكره الرازي ٤٦/٣٢ عن مجاهد.
(٣) النكت والعيون ٣١٧/٦، والمحرر الوجيز ٥٠٨/٥ .
(٤) في معاني القرآن ٣٥٠/٥ .
(٥) في النسخ: القيم، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٥ ،
والكشاف ٢٧٥/٤، والمحرر الوجيز ٥٠٨/٥، والبحر ٤٩٩/٨، قال أبو حيان: فالهاء على هذه
القراءة للمبالغة، أو أنث على أن عنَى بالدين الملة، كقوله: ما هذه الصوت، يريد: ما هذه الصيحة.
(٦) تفسير البغوي ٥١٤/٤ .

٤١٣
سورة البينة: الآيات ٥ - ٧
هو من بابٍ إضافةِ الشيءٍ إلى نفسه، ودخلت الهاءُ للمدح والمبالغة(١). وقيل: الهاءُ
راجعةٌ إلى الملَّة أو الشريعة.
وقال محمد بن الأشعث الطَّالقانيُ(٢): ((القَيِّمة)) هاهنا: الكتبُ التي جرى
ذِكْرِها، والدِّينُ مضافٌ إليها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيَهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبِيَّةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيُّ
اُلْبِيَّةِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ((المشركين)»: معطوفٌ
على ((الَّذين))، أو يكونُ مجروراً معطوفاً على ((أهل)). ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِهَا أُوْلَكَ
هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ قرأ نافع وابن ذكوان بالهمز على الأَصل في الموضعين(٣)، من
قولهم: بَرَأ الله الخَلْقَ، وهو البارئُ الخالق، وقال: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَأَ﴾
[الحديد: ٢٢].
الباقون بغير همزٍ، وشدِّ الياءِ عِوضاً منه. قال الفَرَّاء(٤): إنْ أُخذت البَرِيَّة من
البَرَى، وهو التراب، فأصلُه غيرُ الهمز؛ تقول منه: بَرَاه اللهُ يبرُوه بَرْوًا، أي: خَلَقه.
قال القُشَيْرِيُّ: ومَن قال البَرِية من البَرَى، وهو التراب، قال: لا تدخلُ الملائكة
تحت هذه اللفظة. وقيل: البَرِيَّةِ: مِن بَرَيْت القلم، أي: قدَّرته، فتدخل فيه الملائكة.
ولكنَّه قولٌ ضعيف؛ لأنَّه يجب منه تخطئةُ مَن هَمَز.
وقولُه: ((شرُّ البَرِيَّة)) أي: شرُّ الخليقة؛ فقيل: يحتملُ أن يكون على التعميم. وقال
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٨٢/٣، وتفسير البغوي ٥١٤/٤، وتفسير الرازي ٤٧/٣٢ .
(٢) قوله في المحرر الوجيز ٥٠٨/٥ .
(٣) السبعة ص ٦٩٣، والتيسير ص ٢٢٤ .
(٤) في معاني القرآن ٢٨٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (برا).

٤١٤
سورة البينة: الآيات ٦ - ٨
قومٌ: أي: هم شرُّ البريةِ الذين كانوا في عصر النبيِّ :﴿، كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ فَضَّلْتُّكُمْ
عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] أي: على عالَمِي زمانِكم. ولا يبعدُ أن يكون في كفار الأمم
قبلَ هذا مَن هو شرٌّ منهم، مثل فرعون وعاقرِ ناقةٍ صالح. وكذا ((خَيْرُ الْبَرِيَّة)»: إمّا على
التعميم، أو خير بَرِيةٍ عصرِهم.
وقد استدلَّ بقراءة الهمز مَن فضَّل بني آدمَ على الملائكة، وقد مضى في سورة
البقرة القولُ فيه(١). وقال أبو هريرةَ ﴾: المؤمنُ أكرمُ على اللهِ عزَّ وجلَّ من بعض
الملائكة الذين عنده(٢).
قوله تعالى: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَّجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا
رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَهُ (@)
قوله تعالى: ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ أي: ثوابُهم ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: خالقهم ومالِكِهم
﴿جَنَّتُ﴾ أي: بساتين ﴿عَدْنٍ﴾ أي: إقامة. والمفسِّرون يقولون: ((جَناتُ عَدْنٍ)) بُطْنانُ
الجَنَّةِ، أي: وَسَطُها؛ تقول: عَدَن بالمكان يَعْدِن عُدُوناً: أقام. ومَعْدِنُ الشيء: مَرْكُزُه
ومُسْتَقَرُّه. قال الأعشى:
وإِنْ يُسْتضافوا إلى حُكْمِه يُضافوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ(٣)
﴿َتَخْرِى مِنْ تَخْهَا الْأَنْهَرُ خَلِنَ فِيهَا أَبَدًا﴾ لا يَظْعَنون ولا يموتون. ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾
أي: رضِيَ أعمالَهم؛ كذا قال ابن عباس (٤). ﴿وَرَضُواْ عَنَةٌ﴾ أي: رَضُوا هم بثوابِ الله
عزَّ وجلَّ . ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الجنة ﴿لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ أي: خاف ربَّه، فتناهَى عن المعاصي.
(١) ١/ ٤٣٠ .
(٢) أخرجه موقوفاً البيهقي في الشعب (١٥٢)، وأخرجه ابن ماجه (٣٩٤٧)، وابن حبان في المجروحين
٩٩/٣ من حديث أبي هريرة مرفوعاً، والموقوف والمرفوع في إسناديهما يزيد بن سنان أبو المهزِّم،
قال عنه الحافظ في التقريب: متروك.
(٣) ديوان الأعشى ص ٦٩ برواية: يضافوا إلى هادنٍ قد رَزَنْ، وهو في اللسان (وزن) برواية: عادلٍ قد
وَزَنْ.
(٤) ذكره الرازي ٣٢/ ٥٦ دون نسبة.

سورة ((الزَّلْزَلَة))
مدنيةٌ في قول ابنِ عباسٍ وقتادة(١). ومكِيةٌ في قول ابنِ مسعودٍ وعطاءٍ وجابر(٢).
وهي تسعُ آياتٍ.
قال العلماء: وهذه السورةُ فَضْلُها كثير (٣)، وتحتوي على عظيم. رَوَى الترمذيُّ
عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللـه ﴾: مَن قرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عُدِلَتْ له بنصفٍ
القرآن. ومَن قرأ ﴿قُلْ يَكَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ عُدِلَتْ له بربع القرآن، ومَن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾ُ عُدِلَتْ له بُثُلُثِ القُرْآن)). قال: حديثٌ غريبٌ، وفي الباب عن ابن عباس(٤).
ورُوِي عن عليٍّ ه قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن قرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربعَ مرَّاتٍ،
كان كَمَن قرأ القرآنَ كلَّه»(٥).
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لمَّا نزلت ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ بكى أبو بكر،
[فقال له رسول الله ﴾: ((ما يبكيك يا أبا بكر؟)) قال: أبكتني هذه السورة] فقال
النبيُّ ◌َ﴾: ((لولا أنَّكم تُخْطِئُون وتُذْنِبون ويغفِرُ اللهُ لكم، لَخَلَق أمةً يُخْطئون ويُذْنبون
فيغفرُ لهم، إنَّه هو الغفورُ الرَّحيم))(٦).
(١) أخرجه عنهما ابن مردويه، كما في الدر المنثور ٣٧٩/٦، وقول ابن عباس أخرجه البيهقي في دلائل
النبوة ١٤٤/٧، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٥٣/٣.
(٢) زاد المسير ٩/ ٢٠١ .
(٣) في (ظ): كبير.
(٤) سنن الترمذي (٢٨٩٣)، وحديث أنس في إسناده الحسن بن سَلم، وهو مجهول كما ذكر الحافظ في
التقريب. وحديث ابن عباس أخرجه الترمذي أيضاً (٢٨٩٤) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث يمان بن المغيرة. اهـ. ويمان بن المغيرة ضعيف، كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٥) أخرجه الثعلبي، كما ذكر الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٧ ، قال الحافظ: لكنه من رواية
أبي القاسم الطائي، وهو ساقط. اهــ وله شاهد من حديث أنس ﴾ عند أحمد (١٢٤٨٨)، وفي إسناده
سلمة بن وردان، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٦٨، والطبراني (٨٧ - قطعة من الجزء ١٣)، والواحدي في أسباب النزول =

٤١٦
سورة الزلزلة: الآيتان ١ - ٢
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (
أي: حرِّكَتْ من أَضْلِها. كذا رَوى عِكْرمةُ عن ابن عباس(١)، وكان يقول: في
النفخة الأولى يزلزلُها - وقاله مجاهدٌ - كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الَّاجِفَةُ تَتْعُهَا الرَّدِفَةُ﴾
[النازعات: ٦] ثم تُزلْزَلُ ثانيةً فتُخرِجُ مَوْتاها، وهي الأثقال(٢). وذُكِر المصدرُ للتأكيد،
ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأُعطينَّك عَطِيَّتك، أي: عَطيَّتي لك. وحَسُنَ ذلك
لموافقة رؤوس الآي بعدها.
وقراءةُ العامَّةِ بكسر الزاي من الزلزال، وقرأ الجحدريُّ وعيسى بنُ عمر
بفَتْحِها(٣)، وهو مصدرٌ أيضاً، كالوسواس والقَلقال والجَرْجار. وقيل: الكسرُ
المصدرُ، والفتحُ الاسم(٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ اٌلْأَرْضُ أَنْقَالَهَا
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثِقلٌ لها. وإذا
كان فوقها، فهو ثِقلٌ عليها(٥). وقال ابن عباس ومجاهد: ((أثقالها)): موتاها(٦)،
= ص٤٩٦، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر. وأخرج مسلم (٢٧٤٨) وأحمد (٢٣٥١٥) من
حديث أبي أيوب : ((لولا أنكم تذنبون، لخلق الله قوماً يذنبون، فيغفرُ لهم)).
(١) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، كما في الدر المنثور
٣٨٠/٦.
(٢) تفسير الرازي ٥٨/٣٢ عن مجاهد.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧٧ .
(٤) قاله الفراء في معاني القرآن ٢٨٣/٣ .
(٥) تفسير الرازي ٥٨/٣٢، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٣٠٦/٢.
(٦) أخرج قولهما الطبري ٢٤/ ٥٥٩ .

٤١٧
سورة الزلزلة: الآيتان ٢ - ٣
تُخرجُهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس: الثَّقَلان. وقالت الخنساء:
أَبَعْدَ ابنِ عمرٍو مِن آلِ الشَّرِيدِ حَلَّتْ به الأرضُ أثقالَها(١)
تقول: لمَّا دُفن عمرو صار حِليةً لأهل القبور من شرفه وسُؤْدُدِه. وذَكَر بعضُ أهلِ
العلمِ قال: كانت العربُ تقول إذا كان الرجلُ سفَّاكاً للدماء: كان ثِقلاً على ظهر
الأرض، فلمَّا مات حَطَّتِ الأرض عن ظهرها ثِقْلَها.
وقيل: ((أَثْقَالَها)): كنوزَها، ومنه الحديثُ: ((تَقيءُ الأرضُ أفلاذَ كَبِدِها أمثالَ
الأُسْطُوانِ من الذَّهب والفضة ... ))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَمَا (جَ﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنسَنُ﴾ أي: ابنُ آدم الكافر. فروى الضحاك عن ابن عباس
قال: هو الأسود بنُ عبد الأسد. وقيل: أراد كلَّ إنسانٍ يشاهدُ ذلك عند قيامِ الساعةِ
في النفخة الأولى؛ مِن مؤمن وكافر. وهذا قولُ مَن جَعَلَها في الدنيا من أشراط
الساعة؛ لأنَّهم لا يعلمون جميعاً [أنها] مِن أشراط الساعةِ في ابتداءِ أمرها، حتى
يتحقَّقوا عُمومَها؛ فلذلك سأل بعضُهم بعضاً عنها. وعلى قولٍ مَن قال: إنَّ المراد
بالإنسان الكفارُ خاصةً، جعلها زلزلةَ القيامة؛ لأنَّ المؤمن معترف بها، فهو لا يَسأل
عنها، والكافر جاحدٌ لها، فلذلك يَسأل عنها(٣).
ومعنى ﴿مَا لَهَا﴾ أي: مالَها زُلْزِلتْ. وقيل: مالها أَخْرَجَتْ أثقالها، وهي كلمةُ
تعجّبٍ (٤)، أي: لأيِّ شيءٍ زُلزلت. ويجوزُ أن يُحييَ الله الموتى بعد وقوعِ النفخةِ
(١) ديوان الخنساء ص ١٢٠ والكامل للمبرد ١٤١٥/٣، والبيت من قصيدة ترثي بها أخاها معاوية بن
عمرو، وقيل: ترثي بها صخراً. قال المبرد: حلَّت من الحَلْي، تقول: زينت به الأرض الموتى.
(٢) قطعة من حديث أخرجه مسلم (١٠١٣) عن أبي هريرة . والأُسْطُوان بضم الهمزة والطاء: جمع
أسطوانة، وهي السارية والعمود، وشبهه بالأسطوان لِعظمه وكثرته. شرح صحيح مسلم للنووي ٧/ ٩٨ .
(٣) النكت والعيون ٣١٩/٦، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) في (د) و(م): تعجيب.

٤١٨
سورة الزلزلة: الآيات ٤ -٦
الأولى، ثم تتحرَّك الأرض فتُخرج المَوْتَى وقد رأوا الزلزلةَ وانشقاقَ الأرضِ عن
الموتى أحياء، فيقولون من الهول: مالَهَا؟!
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ ﴿٨ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥ يَوْمَيِذٍ
يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِّيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يَوْمَبِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَأْ﴾ ((يومِئذٍ)) منصوبٌ بقوله ((إِذا زلزِلت)). وقيل:
بقوله: ((تُحَدِّثُ أَخْبارها))، أي: تُخبر الأرضُ بما عُمِل عليها من خيرٍ أو شرِّ يومئذٍ.
ثم قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: مِن قول الإنسان، أي: يقولُ الإنسان: مالَها
تحدِّث أخبارها، متعجبًا.
وفي الترمذيِّ عن أبي هريرة قال: قرأ رسول اللـه ﴾ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَأْ﴾ قال: ((أَتدرُون ما أخبارُها - قالوا: اللهُ ورسولُه أَعْلَم، قال: فإنَّ أخبارها
أنْ تشهدَ على كلِّ عبدٍ أو أَمَةٍ بما عَمِل على ظهرها، تقول: عَمِل يومَ كذا، كذا وكذا.
قال: فَهَذِهِ أَخْبارُها)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريب(١).
قال الماوَرْديُّ(٢): قولُه: ((يومَئذٍ تُحَدِّث أخبارَها)»: فيه ثلاثةُ أقاويل:
أحدها: (تُحَدِّثُ أَخبارَها)) بأعمالِ العبادِ على ظهرها؛ قاله أبو هريرةَ، ورواه
مرفوعاً(٣). وهو قولُ مَن زعم أنها زَلْزلةُ القيامة.
الثاني: تُحَدِّث أخبارَها بما أَخْرَجتْ من أثقالها؛ قاله يحيى بنُ سلام. وهو قولُ
مَنْ زَعم أنَّها زَلزلةُ أشراطِ الساعةِ(٤).
(١) سنن الترمذي (٣٣٥٣)، وقوله: غريب، ليس في (م) ومطبوع سنن الترمذي، والمثبت من النسخ
الخطية وتحفة الأشراف ٩/ ٥٠١، وتحفة الأحوذي ٢٨٦/٩. وأخرجه أيضاً أحمد (٨٨٦٧)، وسلف
ص ١٨٢ - ١٨٣ من هذا الجزء.
(٢) في النكت والعيون ٣١٩/٦ .
(٣) سلف قريباً.
(٤) سقط هذا القول من مطبوع النكت والعيون.

٤١٩
سورة الزلزلة: الآيات ٤ - ٦
قلت: وفي هذا المعنى حديثٌ رواه ابن مسعودٍ عن رسول الله﴾: أنه قال: ((إذا
كان أجَلُ العبدِ بأرضٍٍ، أَوْثَبَتْه الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أَقْصَى أثرِهِ قَبَضَه الله،
فتقولُ الأرض يومَ القيامة: رَبِّ هذا ما استَوْدَعْتَني)). أخرجه ابن ماجه في سُنَنه. وقد
تقدَّم(١).
الثالث: أنَّها تُحَدِّثُ بقيام الساعةِ إذا قال الإنسان: مالَها؟ قاله ابن مسعود(٢).
فتخبرُ أنَّ أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أَتَى. فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند
سؤالهم، ووعيدًا للكافر، وإنذارًا للمؤمن.
وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويلَ:
أحدها : أنَّ الله تعالى يَقْلِبها حيواناً ناطقًا؛ فتتكلّمُ بذلك.
الثاني: أنَّ الله تعالى يُحدِث فيها الكلام.
الثالث: أنه يكون منها بيانٌ يقومُ مقامَ الكلام(٣).
قال الطبريُّ(٤): تُبين أخبارها بالرجَّةِ والزلزلةِ وإخراج الموتى. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى
لَهَا﴾ أي: إنَّها تحدِّث أخبارَها بوحي اللهِ ((لها)»، أي: إليها. والعربُ تضعُ لامَ الصِّفةِ
موضعَ ((إلى))؛ قال العجَّاجِ يَصِفُ الأرض :
أوْحَى لها القَرَارَ فاستَقرَّتِ وَشَدَّها بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ(٥)
وهذا قول أبي عبيدة: ((أَوْحَى لها)) أي: إليها(٦).
(١) عند تفسير الآية (٣٤) من سورة لقمان، وهو في سنن ابن ماجه (٤٢٦٣).
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٥٨ عن سعيد قال: زُلزلت الأرض على عهد عبد الله، فقال لها: مالَكِ؟ أمَا إنها
لو تكلَّمت قامت الساعة. قال الطبري ص ٥٦٠ : وتحديثُها أخبارَها على القول الذي ذكرناه عن عبد الله
ابن مسعود، أن تتكلّم فتقول: إن الله أمرني بهذا، وأوحَى إليَّ به، وأذن لي فيه.
(٣) النكت والعيون ٣٢٠/٦.
(٤) في التفسير ٢٤/ ٥٦٠ .
(٥) ديوان العجاج ص ٢٦١، وسلف ٥/ ١٣٠ .
(٦) زاد المسير ٩/ ٢٠٤، وتفسير الرازي ٦٠/٣٢، وبنحوه في مجاز القرآن ٣٠٦/٢.

٤٢٠
سورة الزلزلة: الآيات ٤-٦
وقيل: ((أوْحَى لها))، أي: أَمَرَها؛ قاله مجاهد(١). وقال السدّيُّ: ((أَوْحَى لها))،
أي: قال لها(٢). وقيل: سخّرها.
وقيل: المعنى: يومَ تكونُ الزلزلةُ، وإخراجُ الأرضِ أثقالَها، تحدِّثُ الأرضُ
أخبارَها؛ ما كان عليها من الطاعات والمعاصي، وما عُمِلَ على ظهرِها من خيرٍ وشرٍّ.
ورُوي ذلك عن الثوريِ وغيرِه(٣).
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا﴾ أي: فِرقًا؛ جمع شَتِّ. قيل: عن موقف
الحساب؛ فريقٌ يأخذ جهةَ اليمين إلى الجنة، وفريقٌ آخرُ يأخذ جهةَ الشمالِ إلى
النار، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿يَوْمَيِذٍ يَصَدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
وقيل: يرجعون عن الحساب بعد فَراغِهم من الحساب . ﴿أَشْتَانًا﴾ يعني فِرقًا فِرقًا.
﴿لِيُرَوْ أَعْمَلَهُمْ﴾ يعني ثوابَ أعمالِهم. وهذا كما رُوي عن النبيِّ ﴾ أنه قال: ((ما مِن
أحدٍ يومَ القيامةِ إلَّا وَيَلُومُ نفسَه، فإنْ كان مُحسِناً يقولُ: لم لا ازدَدْتُ إحساناً؟ وإن
كان غيرَ ذلك يقولُ: لم لا نَزَعْتُ عن المعاصي؟)) وهذا عند مُعاينةِ الثوابِ
والعقاب(٤).
وكان ابن عباس يقول: ((أشْتاتًا)) متفرِّقين على قَدْرِ أعمالِهم؛ أهلُ الإيمانِ على
حِدَة، وأهلُ كلِّ دينٍ على حِدَةٌ (٥).
وقيل: هذا الصُّدور، إنَّما هو عند النشور؛ يَصْدُرون أشتاتاً من القبور، فيُصار
بهم إلى موقف الحساب، ليُروا أعمالَهم في كتبهم، أو لِيُروا جزاءَ أعمالِهم؛ فكأنهم
وَرَدوا القبورَ فدُفِنوا فيها، ثم صَدَروا عنها. والوارد: الجائي. والصادر: المُنْصَرِف.
(١) أخرجه الطبري ٢٤ / ٥٦٠ - ٥٦١ .
(٢) النكت والعيون ٣٢٠/٦.
(٣) تفسير الطبري ٢٤ / ٥٦١ .
(٤) تفسير أبي الليث ٣/ ٥٠٠ - ٥٠١ .
(٥) بنحوه في الوسيط ٤/ ٥٤٢.