النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة العلق: الآيات ٤ - ٧ وفي ذلك تعبيرٌ عن الضمير بما لا يَنْطِقِ (١) به اللسان، فهو أَبْلغُ من اللسان. فأحبَّ رسولُ الله :﴿ أن يَقْطَعَ(٢) عنهنَّ أسبابَ الفتنة؛ تحصيناً لهنَّ، وطهارةً لقلوبهنّ. ٥ قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعلَمَ قيل: ((الإنسان)) هنا آدمُ عليه السلامُ؛ علَّمه أسماءَ كلِّ شيءٍ، حَسْبَ ما جاء به القرآنُ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. فلم يَبْقَ شيءٌ إلَّا وعلَّم سبحانه آدَمَ اسمَه بكلِّ لغةٍ، وذَكَره آدمُ للملائكة كما عُلِّمه. وبذلك ظَهَر فضلُه، وتبيَّن قَدْرُه، وثبَتَتْ نبوَّتُه، وقامت حجةُ اللهِ على الملائكة وحجتُهُ(٣)، وامتثلتِ الملائكةُ الأمرَ لِمَا رأتْ من شَرَفِ الحال، ورأتْ من جلالِ القدرةِ، وسمعتْ من عظيم الأمر. ثم توارثَتْ ذلك ذرِّيتُه خَلَفاً بعدَ سَلَفٍ، وتَناقلوه قوماً عن قوم. وقد مضى هذا في سورة البقرة مستوفّى(٤)، والحمد لله. وقيل: ((الإنسانُ)) هنا: الرسولُ محمدٌ ﴿، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ [النساء: ١١٣]. وعلى هذا فالمرادُ بـ ((علَّمك)) المستقبلُ؛ فإنَّ هذا من أوائل ما نزل. وقيل: هو عامٌّ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَلِتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَىِّ ◌َ أَنْ زَّوَهُ أُسْتَغْفَ ٧ قوله تعالى: ﴿كَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَفَ﴾ إلى آخر السورة. قيل: إنَّه نزل في أبي جَهْلٍ. وقيل: نزلت السورةُ كلُّها في أبي جهل؛ نَهَى النبيَّ ◌َ﴾ عن الصلاة، فأمر الله نبيَّه ◌ِ﴾] أنْ يُصلِّيَ في المسجد ويقرأ باسم الربِّ، وعلى هذا فليست السورةُ من أوائل ما نزل. (١) في (م): ينطلق، والمثبت من النسخ الخطية ونوادر الأصول. (٢) في النسخ: ينقطع، والمثبت من نوادر الأصول. (٣) قوله: وحجته، ليس في (د) و(ي). (٤) ١ / ٤٢٠ . ٣٨٢ سورة العلق: الآيتان ٦ - ٧ ويجوزُ أن يكون خمسُ آياتٍ من أوَّلها أوّلَ ما نزلت، ثم نزلت البقيةُ في شأن أبي جهل، وأُمر النبيُّ ◌َ﴾ بضمِّ ذلك إلى أوَّل السورة؛ لأنَّ تأليفَ السُّوَرِ جرى بأمرٍ من الله. أَلَا ترى أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُنْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] آخِرُ ما نَزل، ثم هو مضمومٌ إلى ما نزل قَبْلَه بزمانٍ طويل(١). و(كَلَّا)) بمعنى حَقًّا؛ إذ ليس قبله شيءٌ. والإنسانُ هنا: أبو جهل. والطغيانُ: مجاوزةُ الحدِّ في العصيان. ﴿أَنْ زََّاهُ﴾ أي: لأنْ رأى نفسَه استَغْنَى، أي: صار ذا مالٍ وثروةٍ. وقال ابن عباس في روايةٍ أبي صالحٍ عنه، قال: لمَّا نزلتْ هذه الآيةُ وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهلٍ فقال: يا محمدُ، تزعمُ أنه مَن استغنى طغَى! فاجْعَلْ لنا جبالَ مَّةَ ذهباً، لعلَّنا نأخذُ منها فنَظْغى، فندع ديننا ونتَّبع دينك. قال: فأتاه جبريلُ عليه السلامُ فقال: يا محمدُ خيِّرهم في ذلك، فإنْ شاؤوا فعلْنا بهم ما أرادوه، فإنْ لم يُسْلموا فَعَلْنا بهم كما فَعَلْنا بأصحابِ المائدة. فعلم رسولُ اللـه ﴿ أنَّ القوم يَقْبَلون(٢) ذلك، فكفَّ عنهم إبقاءً عليهم(٣). وقيل: ((أَنْ رَآهَ اسْتَغْنَى)) بالعشيرة والأنصار والأعوان. وحذف اللام من قوله: ((أن رأه))، كما يقال: إنكم لَتَظْغَون أن رأيتُم غِناكم(٤). وقال الفرَّاء: لم يقل: رأى نفسَه، كما قيل: قَتَل نفسَه؛ لأنَّ رأى من الأفعال التي تريد اسماً وخبراً، نحو الظنِّ والحِسبان، فلا يُقْتَصَر فيه على مفعولٍ واحد. والعربُ تطرحُ النفسَ من هذا الجنس تقول: رأيتُني وحَسِبتُني، ومتى تَرَاكَ خارجاً، ومتى تظنُّكَ خارجاً(٥). (١) تفسير الرازي ١٨/٣٢. (٢) في (م): لا يقبلون. (٣) ذكره بنحوه الزمخشري في الكشاف ٢٧١/٤، وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٦ : لم أجده. (٤) تفسير الرازي ١٩/٣٢ عن الأخفش. (٥) معاني القرآن للفراء ٢٧٨/٣، وتفسير الرازي ١٩/٣٢. ٣٨٣ سورة العلق: الآيات ٧ - ١٤ وقرأ مجاهدٌ وحميد، وقنبل عن ابن كثير: ((أن رَأَهُ اسْتَغنَى)) بقَصْر الهمزة (١). الباقون: ((رآه)) بمدِّها، وهو الاختيارُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ اُلُّجْعَّ ٨ أي: مَرْجِعَ مَن هذا وَصْفُه، فيجازيه. والرُّجْعَى والمَرْجِعُ والرُّجوع مصادِرٌ؛ يقال: رجع إليه رجوعاً ومَرْجِعاً، ورُجْعَى على وزن فُعَلى. قوله تعالى: ﴿أَرَدَيْتَ الَّذِى يَنْهَىّ ﴿ عَبْدًا إِذَا صَلََّ ١٠ قوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ﴾ وهو أبو جهل ﴿عَبْدًا﴾ وهو محمدٌ﴾. فإنَّ أبا جهل قال: إنْ رأيتُ محمداً يصلِّي لأَطأَنَّ على عنقه؛ قاله أبو هريرةَ. فأنزل الله هذه الآياتِ تعجُّباً منه (٢). وقيل: في الكلام حذفٌ، والمعنى: أَمِنَ هذا الناهي عن الصلاةِ مِن العقوبة. قوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ ﴿ أَوَ أَمَرَ بِلنَّقْوَ أي: أَرأيتَ يا أبا جهلٍ إنْ كان محمدٌ على هذه الصِّفة، أليس ناهِيْهِ عن التقوى والصلاةِ هالكاً؟! قوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ إِن كَذَّبَ وَوَّةَ (٣) أَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الَّهَ يَرَ (٣)﴾ يعني أبا جهلٍ كذَّب بكتاب الله عزَّ وجلَّ، وأَعْرَضَ عن الإيمان. وقال الفرَّاء: المعنى: ((أرأيتَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى)) وهو على الهدى، آمرٌ(٣) بالتقوى، والناهي مكذِّبٌ مُتَولِّ عن الذِّكر، أي: فما أَعْجبَ هذا! ثم يقول: وَيْلَه! أَلَمْ يعلم أبو جهلٍ بأنَّ الله يرى (٤)، أي: يراه ويعلمُ فِعْلَه، فهو تقريرٌ وتوبيخٌ. (١) السبعة ص ٦٩٢، والتيسير ص ٢٢٤ عن قنبل. (٢) أخرجه مطولاً أحمد (٨٨٣١)، ومسلم (٢٧٩٧). (٣) في (م): وآمر، وفي (ظ): أو آمر. (٤) الوسيط ٥٢٩/٤، وتفسير البغوي ٥٠٨/٤، والكلام بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٧٨/٣ - ٢٧٩. ٣٨٤ سورة العلق: الآيات ١٤ - ١٦ وقيل: كلُّ واحدٍ من ((أرأيت)) بَدَلٌ من الأوّل، و((أَلَمْ يعلم بأنَّ الله يَرَى)) الخبرُ. ﴾ قوله تعالى: ﴿كَلِّ لَِّنْ لَّرْ بَهِ لَنَشْفَمَا بِالنَّصِيَّةِ ﴿ نَاِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ قوله تعالى: ﴿كَّ لَبِنْ لَّرْ بَهِ﴾ أي: أبو جهلٍ عن أذاكَ يا محمدُ ﴿لَنَتْفَعًا﴾ أي: لنأخُذَنْ ﴿بِالنَّاسِيَةِ﴾ فلَنُذِلَّنه. وقيل: لنأخذنَّ بناصيته يومَ القيامة، وتُطْوَى مع قدميه، ويطرحُ في النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَسِى وَالْأَقْدَاءِ﴾ [الرحمن: ٤١]. فالآيةُ - وإن كانت في أبي جهلٍ - فهي عِظٌ للناس، وتهديدٌ لمن يمتنعُ أو يمنعُ غيرَه عن الطاعة. وأهلُ اللغة يقولون: سَفَعْتُ بالشيء: إذا قبضت عليه وجَذَبته جذباً شديداً، ويقال: سَفَع بناصية فرسِه؛ قال : قَومٌ إذا كَثُر الصياحُ رأيتَهمْ مِن بِينٍ مُلْجِمٍ مُهْرِهِ أوِ سافِعٍ (١). وقيل: هو مأخوذٌ من سَفَعَتْه النارُ والشمسُ: إذا غيَّرْت وجهَه إلى حالٍ تَسْويدٍ، كما قال : ونُؤْي كجِذْمِ الحوضِ أَثَلَمَ خاشِع(٢) أثافيَّ سُفعاً في مُعَرَّسٍ مِرْجَلٍ (١) نسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٣/٥ لعمرو بن معد يكرب، وهو دون نسبة في سيرة ابن هشام ٣١١/١، وتهذيب اللغة ١٠٨/٢، والصحاح (سفع)، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ٢٩/١، وأساس البلاغة (سفع). (٢) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في شرح المعلقات للنحاس ١٠١/١، وللتبريزي ص ١٢٨، برواية: ونؤياً كجذم الحوض لم يتثلم، ورواية الديوان ص ٧: ونؤيًّا كحوض الجُدِّ لم يتثلم. قال النحاس: الأثافي: الحجارة التي تجعل عليها القدر، الواحدة: أُثْفيَّة. والسُّفْع السود. والمعرَّس هنا: الموضع الذي يكون فيه المِرْجل، وكل موضع يقام فيه يقال له: معرَّس. والمرجل: كل قِدْرٍ يطبخ فيها. والنؤي: حاجز يجعل حول الخباء يمنع من السيل. وقال شارح الديوان: جذم الحوض: حرفه وأصله. لم يتثلم: يعني النؤي، قد ذهب أعلاه ولم يتثلم ما بقي منه. ونصب أثافيّ بما قبله، وهو قوله: فلأياً عرفت الدار بعد توقُّم، أراد: بعد تَوهمي أثافيَّ سُفْعاً. وعجز البيت الذي عند المصنف جاء في قصيدة للنابغة في دیو انه ص ٧٩ برواية : رمادٌ ككحل العينِ لأياً أبينُه والخاشع: اللاصق بالأرض. ونؤيٌ كجذم الحوض أثلمُ خاشعُ ٣٨٥ سورة العلق: الآيات ١٥ - ١٨ والناصية: شعرُ مقدَّم الرأس. وقد يعبّر بها عن جملةِ الإنسان، كما يقال: هذه ناصيةٌ مباركةٌ؛ إشارةً إلى جميع الإنسان(١). وخصَّ الناصيةَ بالذِّكرِ على عادة العربِ فيمَن أرادوا إذلالَه وإهانته أخذوا بناصيته. وقال المبرِّد: السَّفْعِ: الجذبُ بشدّةٍ؛ أي: لَنَجُرَّنَّ بناصيته إلى النار. وقيل: السَّفْعُ: الضَّرْبُ، أي: لنلظُمَنَّ وجهَه. وكلُّه متقارِبُ المعنى. أي: يُجمَعُ عليه الضربُ عند الأَخْذِ، ثم يجرُّ إلى جهنم. ثم قال على البدَلِ: ﴿نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاِئَةٍ﴾ أي: ناصية أبي جهلٍ كاذبة في قولها، خاطئة في فِعْلِها. والخاطئُ معاقَبٌ مأخوذٌ. والمخطئُ غيرُ مأخوذٍ. ووصفُ الناصيةِ بالكاذبةِ الخاطئة، كوَصْفِ الوجوهِ بالنَّظَرِ في قوله تعالى: ﴿إَِ رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: ٢٣]. وقيل: أي: صاحبُها كاذبٌ خاطِئٌ، كما يقال: نهارُه صائمٌ، وليلُه قائم، أي: هو صائمٌ في نهاره، قائمٌ في ليله(٢). قوله تعالى: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَمُ سَنَدْعُ الزََّانِيَةَ ١٧ قوله تعالى: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهلَ مجلسِه وعشيرته، فليَسْتَنْصِرْ بهم. ﴿سَنَدْعُ الزََّانَةَ﴾ أي: الملائكةَ الغِلاظَ الشِّدادَ؛ عن ابن عباس وغيره(٣). واحدُهم زِبْنيٌّ؛ قاله الكسائيُّ(٤). وقال الأخفش(٥): زابِنٌ. أبو عبيدةً: زِئْنِيَةَ (٦). وقيل: زَبَانيّ. وقيل: هو اسمٌ للجمع، كالأبابيل والعباديد(٧). (١) النكت والعيون ٣٠٨/٦. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٤٥/٥ . (٣) ذكره الزجاج ٣٤٦/٥ دون نسبة، وابن الجوزي ١٧٩/٩ عن عطاء. (٤) ذكره عنه الفراء في معاني القرآن ٢٨٠/٣ . (٥) في معاني القرآن ٢/ ٧٤١ . (٦) مجاز القرآن ٢/ ٣٠٤ . (٧) معاني القرآن للأخفش ٧٤١/٢ . ٣٨٦ سورة العلق: الآيتان ١٧ - ١٨ وقال قتادةُ: هم الشُّرَطُ في كلام العرب(١). وهو مأخوذٌ من الزَّبْن وهو الدَّفْعُ، ومنه المُزابنةُ في البيع(٢). وقيل: إنَّما سُمُّوا الزبانيةَ لأنَّهم يعملون بأَرْجُلِهم، كما يعملون بأيديهم؛ حكاه أبو الليث السَّمَرْ قنديُّ رحمه الله، قال: ورُوِي في الخبر أنَّ النبيَّ ﴾ لمَّا قرأ هذه السورةً، وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَتْفَأَ بِالنَّاسِيَةِ﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عنِّ ربَّك. فقال الله تعالى: ﴿فَلَيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّنَةَ﴾. فلمَّا سمع ذِكْرَ الزبانيةِ رجع فزِعاً، فقيل له: خَشِيتَ منه؟! قال: لا، ولكنْ رأيتُ عنده فارساً فهدَّدني بالزَّبانية، فما أدري ما الزبانيةُ؟ ومالَ إليَّ الفارس، فخشِيتُ منه أن يأكلني(٣). وفي الأخبار أنَّ الزبانيةَ رؤوسُهم في السماء وأرجلُهم في الأرض(٤)، فهم يدفعون الكفار في جهنم. وقيل: إنَّهم أعظمُ الملائكةِ خَلْقًا، وأشدُّهم بطشاً. والعربُ تُطْلِقِ هذا الاسمَ على مَن اشتدَّ بطشُه، قال الشاعر : مَطاعيمُ في القُصْوَى مَطاعينُ في الوَغَى زَبانيةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حلُومُها(٥) وعن عكرمةَ عن ابن عباس: ((سَنَدْعِ الزَّبانِية)) قال: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمداً يصلِّي لأطأنَّ على عنقه. فقال النبيُّ ﴿: ((لو فعل لأَخَذَتْه الملائكةُ عِياناً)). قال (١) أخرجه عبد الرزاق ٣٨٤/٢ . (٢) المزابنة: بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بالتمر كيلاً، وكذلك كل ثمر بيع على شجرة بثمر كيلاً، ونهي عنها لما يقع فيها من الغبن والجهالة، ولأن البيِّعَيْن إذا وقفا فيه على الغبن أراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه، فتزابنا فتدافعا واختصما. ينظر اللسان (زبن). (٣) تفسير أبي الليث ٣/ ٤٩٥ . (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٤٠ عن عبد الله بن أبي الهذيل قوله. (٥) النكت والعيون ٣٠٨/٦ - ٣٠٩، والبيت لابن الزِّبَعْرى، كما في سيرة ابن هشام ٣١٢/١، وفيه المَقْرَى، بدل: القصوى. الغُلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة، وهم يَصِفون السادة بغلظ الرقبة وطولها. اللسان (غلب). ٣٨٧ سورة العلق: الآيتان ١٧ - ١٨ أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ(١). ورَوى ◌ِكرمةُ عن ابن عباس قال: مرَّ أبو جهل بالنبيِّ ◌َ﴾ وهو يصلّي عند المَقام، فقال: أَلَمْ أَنْهكَ عن هذا يا محمد! فَأَغْلَظَ له رسولُ اللـه :﴾، فقال أبو جهل: بأيِّ شيءٍ تهدِّدني يا محمد! والله إنِّي لأكثرُ أهلِ الوادي هذا ناديًا، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَيَدْعُ نَادِيَهُ. سَنَدْعُ الزََّةَ﴾. قال ابن عباس: والله لو دعا نادِيَه لأَخَذَتْه زبانيةُ العذابِ من ساعته. أخرجه الترمذيُّ بمعناه، وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ (٢). والنادي في كلام العرب: المجلسُ الذي ينتدي فيه القوم، أي: يجتمعون، والمرادُ: أهلُ النادي، كما قال جرير: لهم مَجلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ أَزِلَّةٌ (٣) وقال زهير: (٤) وفيهمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوههم( وقال آخر : واسْتَبَّ بعدَك يا كُلَيبُ المجلِسُ (٥) وقد ناديتُ الرجلَ أُنادِيه: إذا جالسته؛ قال زهير: (١) سنن الترمذي (٣٣٤٨)، وهو عند أحمد (٢٢٢٥)، والبخاري (٤٩٥٨). (٢) سنن الترمذي (٣٣٤٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣٢١)، والنسائي في الكبرى (١١٦٢٠)، والطبري ٢٤ /٥٣٧ ٠ (٣) وعجزه: سواسيةٌ أحرارُها وعبيدها، والبيت لذي الرمة في ديوانه ١٢٣٥/٢، وليس لجرير كما ذكر المصنف نقلاً عن الكشاف ٢٧٢/٤ ، على أن الزمخشري ذكره في أساس البلاغة (جلس) ونسبه الذي الرمة. قال شارح الديوان: قوله: صهب السبال، أي: هم عجم، ليسوا بعرب، ولا يقال: سواسية، إلا في الهجاء. أما في الخير فيقال: سواء. اهـ. والسبال جمع سَبَلة، وهي ما على الشارب من الشعر، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية. والصَّهَب: حمرة أو شقرة في الشعر، والأعداء صُهْب السبال وإن لم يكونوا كذلك. القاموس (صهب) و(سبل). (٤) ديوان زهير ص ١١٣، والكشاف ٢٧٢/٤، وعجزه: وأندية ينتابها القول والفعل. وسلف ٣٧٤/٢ . (٥) وصدره: نُبِّتُ أن النار بعدك أُوْقِدَتْ، والبيت للمهلهل بن ربيعة، وسلف ٢٣٩/١. ٣٨٨ سورة العلق: الآيات ١٧ - ١٩ أمامَ الحيِّ عَقْدُهما سَواءُ(١) وجارُ البيتِ والرجلُ المنادي ١٩٦ قوله تعالى: ﴿كَلَّ لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَب ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر على ما يظنُّه أبو جهل. ﴿لَا نُطِعْهُ﴾ أي: فيما دعاك إليه مِن تَركِ الصلاة. ﴿وَأَسْجُدْ﴾ أي: صلِّ لِله ﴿وَاقْرِبِ﴾ أي: تقرَّبْ إلى الله جلَّ ثناؤه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا سجدتَ فاقتربْ من الله بالدعاء؛ روى عطاءٌ عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللـه لَ﴾: «أقرب ما يكونُ العبد من ربِّه، وأحبُّه إليه، ما كانت جَبْهَتُه في الأرض ساجداً لله))(٢). قال علماؤنا: وإنما ذلك لأنَّها نهايةُ العبوديةِ والذّلَّة، ولله غايةُ العِزَّة، وله العزةُ التي لا مِقْدارَ لها، فكلَّمَا بَعُدْتَ من صِفَتِهِ، قربتَ مِن جَّته، ودَنَوْت من جِوَاره في دارِه (٣). وفي الحديث الصحيح: أنَّ النبيَّ # قال: ((أمَّا الركوعُ فعظّموا فيه الربَّ. وأمَّا السجودُ فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قَمنٌ أن يُسْتجابَ لكُم)) (٤). ولقد أَحْسَنَ مَن قال : وإذا تَذَّلتِ الرقابُ تواضُعًا منَّا إليك فعِزُّها في ذَلِّها (٥) وقال زيد بن أسلم: اسجُدْ أنت يا محمدُ مصلِّياً، واقترِبْ أنت يا أبا جهلٍ من النار (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَسْجُدْ﴾ هذا السجودُ يحتملُ أن يكون بمعنى السجودِ في الصلاة، ويحتملُ أن يكون سجودَ التلاوةِ في هذه السورة. قال ابن العربيّ: والظاهِرُ أنه سجودُ (١) ديوان زهير ص ٨٠ . (٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٦٩٠، وذكره المزي في تهذيب الكمال ٣٧٣/٧ ، وفي إسناده حميد بن أبي سويد المكي، قال عنه الحافظ في التقريب: مجهول. اهـ واللفظ الصحيح عند مسلم (٤٨٢) وهو: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» وقد سلف ٢٦٣/١٢ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٤٨. (٤) أخرجه أحمد (١٩٠٠)، ومسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وسلف ٢٦٥/١ . (٥) البيت لأبي إسحاق الصابي، وسلف ١٢٩/١١ . (٦) النكت والعيون ٣٠٩/٦ . ٣٨٩ سورة العلق: الآية ١٩ الصلاةِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَدَيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ. عَبْدًا إِذَا صَلَّه﴾ إلى قوله: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ﴾، لولا ما ثبت في الصَّحيح من رواية مسلم وغيره من الأئمة عن أبي هريرة أنه قال: سجدتُ مع رسولِ الله ﴿ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، وفي ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ سجدتين. فكان هذا نصًّا على أنَّ المراد سجودُ التلاوة(١). وقد رَوى ابنُ وهبٍ، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بَهْدلة، عن زِرّ بن حُبَیش، عن عليّ بن أبي طالب ، قال: عزائمُ السجودِ أربع: ((ألم)) و((حم. تنزيل من الرحمن الرحيم)) و((النجم)) و((اقرأ باسم ربك))(٢). وقال ابن العربيّ(٣): وهذا إنْ صحَّ يلزمُ عليه السجودُ الثاني من سورة الحج وإنْ كان مقترناً بالركوع؛ لأنه يكون معناه: اركعوا في موضع الركوع، واسجدوا في موضع السجود. وقد قال ابن نافع ومطَرِّفٌ: وكان مالكٌ يسجدُ في خاصةِ نَفْسِه بخاتمةِ هذه السورة من ((اقرأ باسم ربِّك)) وابنُ وهبٍ يراها من العزائم. قلت: وقد روينا من حديث مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر قال: لمَّا أنزل الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اُلَّذِى خَلَقَ﴾ قال رسول اللهِلاَّ لمعاذ: ((اكتُبْها يا معاذ)) فأخذ معاذٌ اللوحَ والقلم والنونَ - وهي الدواةُ - فكتبها معاذ، فلمَّا بلغ ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْبُدْ وَأَقْرِبِ﴾﴾ سجد اللوحُ، وسجد القلم، وسجدت النون، وهم يقولون: اللهمَّ ارْفَعْ به ذِكراً، اللهمَّ اخطُظْ به وِزراً، اللهم اغفِرْ به ذنباً. قال معاذ: سجدتُ، وأخبرتُ رسولَ اللهِ﴾ فسجد (٤). خُتمت السورةُ، والحمد لله على ما فَتَحَ ومَنَحَ وأَعْطَى. وله الحمدُ والمِنَّة. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٤٨/٤، والحديث في صحيح مسلم (٥٧٨). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٤٨/٤، وأخرجه الحاكم ٥٢٩/٢ من طريق سفيان عن عاصم به. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٥٨٤) بإسناد آخر عن علي ﴾. (٣) في أحكام القرآن ١٩٤٨/٤ . (٤) ذكره الحافظ في لسان الميزان ١/ ١٠٠، وفي إسناده إبراهيم بن محمد الآمدي الخواص، قال عنه ابن طاهر: أحاديثه موضوعة. وينظر الميزان ١/ ٦٢ . سورة (القَدْر)) وهي مَدَنيةٌ في قولِ أكثرِ المفسِّرين؛ ذكره الثعلبيُّ. وحكى الماوَرْدِيُّ عكسَه(١). قلت: وهي مدنيةٌ في قول الضخَّاك، وأحدٍ قولي ابنِ عباس(٢). وذكر الواقِدِيُّ أنها أوّلُ سورةٍ نزلت بالمدينة(٣). وهي خمسُ آيات. الرَّحِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّهْزِ ٠ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ يعني القرآنَ وإنْ لم يَجْرِ له ذِكرٌ في هذه السورة؛ لأنَّ المعنى معلوم، والقرآنُ كلَّه كالسورة الواحدة. وقد قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال: ﴿حَمّ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَّكَةٍ﴾ [الدخان: ١-٣]، يريد: في(٤) ليلة القَدْرِ. وقال الشعبيُّ: المعنى: إنَّا ابتدأنا إنزالَه في ليلة القدر(٥). وقيل: بل نزل به جبريلُ عليه السلام جملةً واحدةً في ليلة القَدْرِ من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى بيتِ العزة، وأملاه جبريلُ على السَّفَرة، ثم كان جبريل يُنزلُه على النبيِّ # نُجوماً نجوماً. وكان بين أوَّله وآخِره ثلاثٌ وعشرون سنةً؛ قاله ابن عباس، وقد تقدَّم في سورة البقرة(٦). (١) النكت والعيون ٣١١/٦، وحكى قول الثعلبي ابن الجوزي في زاد المسير ١٨١/٩. (٢) ذكره عن ابن عباس ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٤/٥، وعن الضحاك الماوردي ٣١١/٦. (٣) النكت والعيون ٦/ ٣١١ . (٤) قوله: في، ليس في (ظ). (٥) الكشاف ٤/ ٢٧٣ ، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٥٤٣ . (٦) ينظر ١٦٠/٣ - ١٦١، وكذلك ٩٨/١، وتفسير الطبري ٥٤٢/٢٤. ٣٩١ سورة القدر: الآية ١ وحكى الماوَرْدِيُّ(١) عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضانَ، وفي ليلة القدر، في ليلةٍ مباركةٍ، جملةً واحدةً من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرة الكرامِ الكاتبين في السماء الدنيا، فنجَّمته السفرةُ الكرامُ الكاتبون على جبريل عشرين سنةً، ونجَّمه جبريل على النبيِّ ﴾ عشرين سنة. قال ابن العَرَبيِّ(٢): وهذا باطلٌ؛ ليس بين جبريلَ وبين الله واسطةٌ، ولا بين جبريلَ ومحمدٍ عليهما السلام واسطةٌ. قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال مجاهد: في ليلة الحُكْم. ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ قال: ليلة الحكم (٣). والمعنى: ليلة التقدير، سمِّيتْ بذلك لأنَّ الله تعالى يقدِّر فيها ما يشاء من أمره، إلى مِثْلِها من السنة القابِلَةِ؛ من أمر الموتِ والأَجَلِ والرِّزقِ وغيره. ويُسْلِمُه إلى مدبِّرات الأمور، وهم أربعةٌ من الملائكة: إسرافيلُ، وميكائيلُ، وعزرائيلُ، وجبريلُ، عليهم السلام(٤). وعن ابن عباس قال: يُكْتَب من أمِّ الكتاب ما يكونُ في السنةِ من رزقٍ ومطرٍ وحياةٍ وموت، حتى الحاجُ(٥). قال عكرمةُ: يُكتبُ حاجُّ بيتِ الله تعالى في ليلة القَدْرِ بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، ما يُغادَر منهم أحدٌ، ولا يُزادُ فيهم (٦). وقاله سعيد بن جبير (٧). وقد مضى في أوّل سورة الدخان هذا المعنى(٨). (١) في النكت والعيون ٦/ ٣١٢. (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٥٠. (٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٨٦/٢، وابن أبي شيبة ٥١٥/٢، والطبري ٥٤٤/٢٤ . (٤) تفسير أبي الليث ٤٦٩/٣، ويشير إلى خبر عبد الرحمن بن سابط الذي سلف عند تفسير الآية (٥) من سورة السجدة، والآية (٥) من سورة النازعات. (٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٥/٦، وعزاه لمحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم، وسلف ٠١٠٢/١٩ (٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٥/٦، وعزاه لابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن المنذر. (٧) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٤٤ . (٨) ١٩/ ١٠٢ . ٣٩٢ سورة القدر: الآيات ١ - ٣ وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ الله تعالى يقضي الأقضيةَ في ليلةٍ نصف شعبان، ويُسْلمُها إلى أربابها في ليلة القَدْرِ (١). وقيل: إنَّما سمِّيت بذلك لِعِظَمِها وقَدْرِها وشَرَفها؛ من قولهم: لفلانٍ قَدْرٌ، أي: شرفٌ ومنزلة. قاله الزُّهرِيُّ وغيرُه(٢). وقيل: سُمِّيتْ بذلك لأنَّ للطاعات فيها قَدْراً عظيماً، وثواباً جزيلاً. وقال أبو بكر الورَّاق: سمِيت بذلك لأنَّ مَن لم يكن له قَدْرٌ ولا خطرٌ يصير في هذه الليلة ذا قَدْرٍ إذا أحياها(٣). وقيل: سمِّيتْ بذلك لأنه أَنزل فيها كتاباً ذا قدرٍ، على رسولٍ ذي قَدْرٍ، على أمةٍ ذاتِ قَدْرٍ. وقيل: لأنه ينزلُ فيها ملائكةٌ ذوو قَدْرٍ وخَطَر. وقيل: لأنَّ الله تعالى ينزلُ فيها الخيرَ والبركةَ والمغفرة. وقال سهل: سمِّيتْ بذلك لأنَّ الله تعالى قدَّر فيها الرحمةَ على المؤمنين. وقال الخليل: لأنَّ الأرضَ تَضيقُ فيها بالملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّقَ (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَهُ الْقَدْرِ ﴿ لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ قال الفرَّاء(٥): كلُّ ما في القرآن من قوله تعالى: ((وما أَدْرَاكَ)) فقد أدراه، وما كان من قوله: ((وما يُذْرِيك)) فلم يُدْرِه. وقاله سفيان، وقد تقدَّم(٦). (١) تفسير البغوي ١٤٩/٤ . (٢) المحرر الوجيز ٥٠٥/٥، وزاد المسير ١٨٢/٩ عن الزهري، والنكت والعيون ٣١٢/٦ عن ابن عيسى. (٣) ذكره بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٥٠٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ١٨٢. (٤) زاد المسير ٩/ ١٨٢. (٥) في معاني القرآن ٣/ ٢٨٠ . (٦) عند تفسير الآية (٣) من سورة الحاقة، والآية (٣) من سورة الطارق. ٣٩٣ سورة القدر: الآيتان ٢ - ٣ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بَيَّنَ (١) فَضْلَها وعِظَمَها. وفضيلةُ(٢) الزمانِ إنَّما تكونُ بكَثْرةِ ما يقع فيه من الفضائل. وفي تلك الليلةِ يُقْسَمُ الخيرُ الكثيرُ الذي لا يوجدُ مثلُه في ألفِ شهرٍ. والله أعلم. وقال كثيرٌ من المفسِّرين: أي: العملُ فيها خيرٌ من العمل في ألفٍ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدرِ، وقال أبو العالية: ليلةُ القَدْرِ خيرٌ من ألفِ شهرٍ لا تكونُ فيه ليلةُ القَدْرِ(٣). وقيل: عنَى بألفِ شهرٍ جميعَ الدهر؛ لأنَّ العرب تذكُر الأَلْفَ في غاية الأشياء، كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يعني جميعَ الدهر. وقيل: إنَّ العابد كان فيما مضى لا يسمَّى عابداً حتى يعبدَ الله ألفَ شهرٍ؛ ثلاثاً وثمانين سنةً وأربعةَ أشهرٍ، فجعل الله تعالى لأمةِ محمدٍ ﴾ عبادةَ ليلةٍ خيراً من ألفٍ شهرٍ كانوا يعبدونها. وقال أبو بكر الورَّاق: كان مُلْكُ سليمان خمسَ مئةِ شهرٍ، وملكُ ذي القرنين خمسَ مئة شهرٍ، فصار مُلْكُهما ألفَ شهرٍ، فجعل الله تعالى العملَ في هذه الليلةِ لمَن أدركها خيراً من مُلْكِهما(٤). وقال ابن مسعود: إنَّ النبيَّ :﴿ ذَكَر رجلاً من بني إسرائيلَ لَبِسَ السلاح في سبيل الله ألفَ شهر، فعَجِبَ المسلمون من ذلك، فنزلت: ((إِنّا أَنْزَلْنَاه)) الآية، (خَيْرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ))، التي لبس فيها الرجلُ سلاحَه في سبيل الله. ونحوه عن ابن عباس(٥). وهب بن منبه: إنَّ ذلك الرجلَ كان مسلماً، وإنَّ أمَّه جعلته نَذْراً لله، وكان من قريةٍ قومٍ يعبدون الأصنامَ، وكان يسكنُ قريباً منها، فجعل يغزوهم وحدَه، ويقتلُ (١) في (ظ): من. (٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٨٦/٢، والطبري ٢٤/ ٥٤٦ عن قتادة واختاره، ولم نقف عليه عن أبي العالية. (٢) في (ظ): وكثرة. (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣١٣ دون نسبة. (٥) الوسيط ٥٣٧/٤، وتفسير البغوي ٥١٢/٤، وزاد المسير ١٩١/٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه البيهقي ٣٠٦/٤ من طريق مجاهد عن النبي 8# مرسلاً، ولم نقف عليه عن ابن مسعود . ٣٩٤ سورة القدر: الآيتان ٢ - ٣ ويَسْبي ويجاهد، وكان لا يلقاهم إلَّا بِلَحْيَيْ بعيرٍ، وكان إذا قاتلهم وقاتلوه وعطِش، انفجر له من اللَّحيين ماءٌ عَذْبٌ، فيشربُ منه، وكان قد أُعطِي قوّةً في البطش، لا يُوجِعُه حديدٌ ولا غيره، وكان اسمُه شَمْسُون. وقال كعب الأحبارِ: كان رجلاً ملِكاً في بني إسرائيل، ففعل خَصْلةً واحدةً، فأوحَى الله إلى نَبيِّ زمانهم: قل لفلانٍ يتمنَّى. فقال: يا رب، أتمنّى أن أُجاهد بمالي وولدي ونَفْسي، فرزَقه الله ألفَ ولدٍ، فكان يُجهِّز الولد بماله في عسكرٍ ويُخْرِجُه مجاهداً في سبيل الله، فيقومُ شهراً ويُقتلُ ذلك الولد، ثم يجهّزُ آخَرَ بماله في عسكر، فكان كلُّ ولدٍ يقتل في الشهر، والملِكُ مع ذلك قائمُ الليلِ، صائمُ النهار، فقُتِل الأَلْفُ وَلِدٍ في ألفِ شهر، ثم تقدَّم فقاتل فقُتِل. فقال الناس: لا أحدَ يدركُ منزلةَ هذا الملك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفسٍ والأولاد في سبيل الله. وقال علي بن عروة (١): ذكر النبيُّ﴾ أربعةٌ من بني إسرائيلَ، فقال: ((عَبَدوا الله ثمانينَ سنة، لم يَعْصُوه طرفةَ عينٍ))؛ فذَكَر أيوبَ، وزكرِيّا، وحِزقيل بن العجوز، ويُوشَع بن نون، فعَجِبَ أصحابُ النبيِّ ﴾ من ذلك. فأتاه جبريل فقال: يا محمدُ، عَجِبَتْ أمَّتك من عبادةِ هؤلاء النَّفَرِ ثمانين سنةً لم يعصوا الله طرفةَ عين، فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فسُرَّ بذلك رسولُ الله ◌ِ﴾. وقال مالكٌ في ((الموظّأ)) من رواية ابن القاسم وغيره: سمعتُ مَن أَثْقُ به يقول: إنَّ رسول الله ﴾ أُرِي أعمارَ الأُمم قبلَه، فكأنه تقاصَرَ أعمارَ أمَّتِه ألَّا يبلغوا من العمل مثلَ ما بلغ غيرُهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلةَ القدرِ، وجعلها خيراً من ألفِ شهرٍ (٢). (١) في النسخ: وقال علي وعروة، والمثبت من تفسير ابن كثير عند هذه الآية، والدر المنثور ٣٧١/٦، وقد عزاه ابن كثير والسيوطي لابن أبي حاتم، وهو من طريق مسلمة بن علي عن علي بن عروة، وهما متروكان، كما ذكر الحافظ في التقريب. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٥٠، والخبر في الموطأ ٣٢١/١. قال ابن عبد البر في التمهيد = ٣٩٥ سورة القدر: الآيات ٢ - ٤ وفي الترمذيِّ عن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما: أنَّ رسول اللـه* أُرِي بني أميةَ على منبره، فساءَه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ يعني نهراً في الجنة. ونزلت ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَهُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكُها بعدك بنو أمية. قال القاسم بن الفضل الحُدَّانيُّ: فعدَدْناها، فإذا هي ألفُ شهرٍ، لا تزيدُ يوماً، ولا تنقُص يوماً. قال: حديثٌ غريب(١). قوله تعالى: ﴿فَنَّلُ الْمَلَكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمِّ قوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَئِكَةُ﴾ أي: تهبطُ من كلِّ سماءٍ، ومن سِدْرةِ المنتهى، ومسكنُ جبريلَ على وسطها. فينزلون إلى الأرض ويؤمِّنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾. ﴿وَاُلُُّحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَيْهِمْ﴾ أي: جبريلُ عليه السلام. وحكى القُشَيرِيُّ: أنَّ الرُّوح صِنْفٌ من الملائكة، جُعِلوا حفظَةً على سائرهم، وأنَّ الملائكة لا يرونهم، كما لا نرى نحن الملائكة. وقال مقاتل: هم أشرفُ الملائكةِ وأقربُهم من الله تعالى. وقيل: إنَّهم جندٌ من جند الله عزَّ وجلَّ من غيرِ الملائكة. رواه مجاهدٌ عن ابن عباس مرفوعًا؛ ذكره الماوَرْدِيُّ(٢). وحكى القشيريُّ: قيل: هم صِنفٌ من خَلْقِ الله يأكلون الطعام، ولهم أَيْدٍ وأرجلٌ؛ وليسوا ملائكةً. وقيل: ((الرُّوح)) : خَلْقٌ عظيمٌ يقومُ صفًّا، والملائكةُ كلُّهم صفًا. = ٣٧٣/٢٤: لا أعلم هذا الحديث يروى مسنداً من وجه من الوجوه، ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلاً ولا مسنداً، وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك. (١) سنن الترمذي (٣٣٥٠) والقاسم بن الفضل هو أحد رجال الإسناد. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا الحديث منكر جدًّا. (٢) في النكت والعيون ٣١٣/٦، وقد سلف عند تفسير الآية (٣٨) من سورة عم. ٣٩٦ سورة القدر: الآيتان ٤ -٥ وقيل: ((الرُّوح)): الرحمةُ ينزل بها جبريلُ عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، دليله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] أي: بالرحمة(١). ﴿فِيهَا﴾ أي: في ليلة القدر. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره. ﴿مِّن كُلِّ أَمٍّ﴾: أي: بكلِّ أمرٍ قدَّرَه الله وقضاه في تلك السنة إلى قابِلٍ؛ قاله ابن عباس(٢)؛ كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمرِ الله. وقراءةُ العامَّة: ((تَنَزَّلُ)) بفتح التاء، إلَّا أنَّ البزِّيَّ شدَّد التاء(٣). وقرأ طلحةُ بن مُصرِّف وابن السَّميفَع بضمِّ التاءِ على الفعل المجهول (٤). وقرأ عليٍّ وابنُ عباس وعِكرمةُ والكلبيُّ: ((مِن كلِّ امْرِئٍ)»(٥). وروي عن ابن عباس أنَّ معناه: من كلِّ مَلَكٍ (٦). وتأوَّلها الكلبيُّ على أنَّ جبريل ينزلُ فيها مع الملائكة، فيسلِّمون على كلِّ امرئٍ مسلم، فـ ((مِن)) بمعنى على (٧). وعن أنس قال: قال النبيُّ ﴾: ((إذا كان ليلة القَدْرِ نزلَ جبريلُ في كَبْكبةٍ من الملائكة، يُصَلُّون ويسلِّمون على كلِّ عبدٍ قائمٍ أو قاعدٍ يذكُر الله تعالى))(٨). ٥ قوله تعالى: ﴿سَلَّمُ هِىَ حَّى مَطْلَعِ اَلْنَجْرِ قيل: إنَّ تمامَ الكلامِ: ((مِنْ كُلّ أَمْرٍ))، ثم قال: ((سلام))؛ رُوِي ذلك عن نافعٍ (١) النكت والعيون ٦/ ٣١٤. (٢) ذكره ابن الجوزي ٩/ ١٩٣ عن المفسرين. (٣) أي: في حال الوصل. التيسير ص ٨٣ . (٤) لم نقف عليها عند غير المصنف. (٥) القراءات الشاذة ص ١٧٦ عن ابن عباس، والمحتسب ٣٦٨/٢ عن ابن عباس وعكرمة والكلبي. (٦) المحرر الوجيز ٥/ ٥٠٦ . (٧) النكت والعيون ٣١٤/٦، وزاد المسير ١٩٣/٩، قال ابن الجوزي: هي كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ [الأنبياء: ٧٧]. (٨) أخرجه مطولاً البيهقي في الشعب (٣٧١٧). وفي إسناده أصرم بن حوشب، قال عنه يحيى: كذاب خبيث، وقال البخاري ومسلم والنسائي: متروك. وقال الدارقطني: منكر الحديث. الميزان ١/ ٢٧٢ . ٣٩٧ سورة القدر: الآية ٥ وغيره، أي: ليلةُ القدرِ سلامةٌ وخيرٌ كلُّها لا شرَّ فيها، ((حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ)) أي: إلى طلوع الفجر. قال الضحاك: لا يقدِّرُ الله في تلك الليلةِ إلَّا السلامةَ، وفي سائرٍ الليالي يقضي بالبلايا والسلامة(١). وقيل: أي: هي سلامٌ، أي: ذاتُ سلامةٍ من أنْ يؤثِّر فيها شيطانٌ في مؤمنٍ ومؤمنةٍ. وكذا قال مجاهد: هي ليلةٌ سالمةٌ، لا يستطيعُ الشيطانُ أن يعمل فيها سوءاً ولا أذّى(٢). وروي مرفوعًا(٣). وقال الشعبيُّ: هو تسليمُ الملائكةِ على أهلِ المساجد، من حينِ تغيبُ الشمسُ إلى أنْ يطلعَ الفجر، يمرُّون على كلِّ مؤمنٍ، ويقولون: السلامُ عليك أيُّها المؤمن (٤). وقيل: يعني سلامَ الملائكةِ بعضِهم على بعضٍ فيها. وقال قتادةُ: ((سَلَامٌ هي)) خيرٌ هي، ((حتى مَطْلَعِ الفجرِ)) أي: إلى مطلع الفجر(٥). وقرأ الكسائيُّ وابنُ مُحَيصِنٍ: ((مَطلِع)) بكسرِ اللَّامِ، الباقونَ بالفتح(٦). والفتحُ والكسرُ لغتان في المصدر. والفتحُ الأصلُ في فَعَلَ يَفْعُلُ، نحو المَقْتَلِ والمَخْرَج. والكسرُ على أنه ممَّا شذَّ عن قياسه، نحو المَشْرِقِ والمَغْرِب والمَنْبِتِ والمَسْكِن والمَنْسِك والمَحْشِر والمَسْقِطِ والمَجْزِر. حكي في ذلك كلِّه الفتحُ والكسر، على أنْ يُراد به المصدرُ لا الاسم. وهنا ثلاثُ مسائلَ : الأولى: في تعيينٍ ليلة القدر، وقد اختلف العلماءُ في ذلك. والذي عليه المُعْظَمُ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين؛ لحديثِ زِرّ بنِ حُبَيْش قال: قلتُ لأبيّ بنِ كعب: إنَّ أخاك (١) ذكره البغوي ٥١٢/٤ دون قوله: وفي سائر الليالي ... (٢) تفسير البغوي ٥١٢/٤ . وأخرجه سعيد بن منصور، كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٣) سيأتي ص٤٠٣ من هذا الجزء. (٤) أخرجه بنحوه سعيد بن منصور، كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٨٦، والطبري ٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩ . (٦) السبعة ص ٦٩٣، والتيسير ص ٢٢٤ عن الكسائي. ٣٩٨ سورة القدر: الآية ٥ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقول: مَن يَقُم الحَوْلَ يُصِبْ ليلةَ القدر. فقال: يَغْفِرُ الله لأبي عبدٍ الرحمن! لقد عَلِم أنها في العَشْرِ الأَواخِر من رمضان، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين، ولكنَّه أراد ألَّا يَتَّكِلَ الناس، ثم حلف لا يستثني: أنَّها ليلةُ سبع وعشرين. قال: قلت: بأيِّ شيءٍ تقولُ ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي أَخبرَنا بها رسولُ الله ﴾ - أو بالعلامة - أنَّ الشمسَ تَطْلُعُ يومئذٍ لا شُعاعَ لها. قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيح. وخرَّجه مسلم(١). وقيل: هي في شهرِ رمضانَ دونَ سائرِ العام؛ قاله أبو هريرةً وغيرُه(٢). وقيل: هي في ليالي السنةِ كلِّها. فَمَن علَّق طلاقَ امرأتِه أو عِثْقَ عبدِه بليلةِ القدرِ ، لم يقع العِتقُ والطلاقُ إلَّا بعد مُضِيٍّ سنةٍ من يوم حَلَف (٣)؛ لأنه لا يجوزُ إيقاعُ الطلاقِ بالشكِّ، ولم يَثْبتِ اختصاصُها بوقتٍ؛ فلا ينبغي وقوعُ الطلاقِ إلَّا بمضيِّ حَوْلٍ(٤)، وكذلك العِتقُ وما كان مِثْلَه من يمينٍ أو غيره. وقال ابن مسعود: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها، فبلغ ذلك ابنَ عمر، فقال: يرحمُ الله أبا عبد الرحمن! أمَا إنَّه عَلِم أنها في العشر الأواخِرِ من شهر رمضان، ولكنَّه أراد ألّا يتَّكِلَ الناس(٥). وإلى هذا القولِ ذهب أبو حنيفةً: أنَّها في جميع السنة(٦). وقيل عنه: أنها رُفِعَتْ - يعني ليلةَ القدر - وأنها إنَّما كانت مرةً واحدة. والصحيحُ أنَّها باقيةٌ(٧). (١) برقم (٧٦٢)، ص ٨٢٨، وهو عند الترمذي (٣٣٥١)، وأخرجه أحمد (٢١١٩٣). (٢) أخرجه عن أبي هريرة عبد الرزاق في المصنف (٧٧٠٧)، وأخرجه (٧٧٠٨) عن ابن عباس، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٠٨/٢ عن ابن عمر وأبي ذر وأبي هريرة وابن عباس. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٥١٠ . (٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٣١/٣. (٥) تفسير البغوي ٤/ ٥١٠، ومجمع البيان ١٩٣/٣٠، وقد سلف قريباً قول ابن مسعود في حديث أبيٍّ أيضاً. (٦) ذكره الجوزجاني عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، كما في التمهيد ٢٠٨/٢ . (٧) وذكر القول عن أبي حنيفة ابن عطية في المحرر ٥٠٥/٥ وقال: هذا قول مردود، وإنما رفع تعيينها. ٣٩٩ سورة القدر: الآية ٥ وروي عن ابن مسعود أيضاً: أنَّها إذا كانت في يوم من هذه السنة، كانت في العام المقبلِ في يومٍ آخَر. والجمهورُ على أنَّها في كلِّ عام من رمضانَ، ثم قيل: إنها الليلةُ الأولى من الشهر؛ قاله أبو رَزِين العُقَيليّ(١). وقال الحسن وابنُ إسحاقَ وعبد الله بن الزُّبير: هي ليلةُ سبعَ عَشْرَة من رمضان، وهي الليلةُ التي كانت صبيحتَها وقعةُ بدْر. كأنهم نزعوا بقوله تعالى: ﴿وَمَّا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ اٌلْنَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وكان ذلك ليلةَ سَبْعَ عَشْرَةَ(٢)، وقيل: هي ليلةُ التاسعِ عَشَر(٣). والصحيحُ المشهورُ: أنها في العَشْرِ الأواخِر من رمضان، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ والأوزاعيِّ وأبي ثور وأحمدَ (٤). ثم قال قومٌ: هي ليلةُ الحادي والعشرين. ومال إليه الشافعيُّ ◌ُه، لحديثِ الماءِ والطينِ؛ رواه أبو سعيد الخُذْرِيُّ، خرَّجه مالك وغیرُه(٥). وقيل: ليلة الثالث والعشرين؛ لِمَا رواه ابنُ عمر: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إنِّي رأيتُ ليلةَ القدرِ في سابعةٍ تبقى. فقال النبيُّ ﴾: «أرى رؤياكم قد تَواطَأَتْ على (١) تفسير البغوي ٤/ ٥١٠، والمحرر الوجيز ٥٠٥/٥ . (٢) سيرة ابن هشام ٢٤٠/١، وتفسير البغوي ٥١٠/٤، والمحرر الوجيز ٥٠٥/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٥٣. وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٠٦/٢ عن ابن مسعود . (٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٩٦) عن علي ، أنه كان يتحرى ليلة القدر ليلة تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين. (٤) ذكر قولهم ابن عبد البر في الاستذكار ٣٣٨/١٠، والقاضي عياض في إكمال المعلم ١٤٣/٤ ، وأبو العباس في المفهم ٢٥١/٣: أنها في العشر الأواخر، وأنها متنقلة فيه. قال أبو العباس: وبهذا يجتمع شتات الأحاديث الواردة في تعيينها. (٥) موطأ مالك ٣١٩/١، وهو عند أحمد (١١٠٣٤)، والبخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧)، وفيه: (( ... وقد رأيت هذه الليلة ثم أُنسيتُها، وقد رأيتُني أسجد من صبحها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كلِّ وتر)) قال أبو سعيد: فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله 8# انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين، من صبح ليلة إحدى وعشرين. ٤٠٠ سورة القدر: الآية ٥ ثلاثٍ وعشرين، فَمَن أراد أن يقوم من الشهر شيئاً فليَقُمْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين)). قال معمر: فكان أيوبُ يغتسلُ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين ويَمَسُ طِيْباً(١). وفي ((صحيح)) مسلم أنَّ النبيَّ # قال: ((إِنِّي رأيتُ أنَّي أسجدُ في صبيحتها في ماءٍ وطين)). قال عبد الله بن أنيس: فرأيتُه في صبيحةٍ ليلةٍ ثلاثٍ وعشرين [سجد] في الماء والطين، كما أَخبر رسولُ اللهِ﴾(٢). وقيل: ليلة خمسٍ وعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدرِيِّ: أنَّ رسولَ الله ل:﴿ قال: ((التمِسوها في العشر الأواخِر في تاسعةٍ تَبْقَى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى)). رواه مسلم(٣)، قال مالك: يريدُ بالتاسعة ليلةَ إحدى وعشرين، والسابعةِ ليلةً ثلاثٍ وعشرين، والخامسةِ ليلةً خمسٍ وعشرين(٤). وقيل: ليلة سبعٍ وعشرين. وقد مضى دليلُه، وهو قولُ عليٍّ ﴾ه وعائشةَ ومعاويةً وأبيّ بنِ كعب(٥). ورَوَى ابنُ عمر أنَّ رسول الله :﴿ قال: ((مَن كان متحرِّياً ليلةَ القدرِ، فَلْيَتَحرَّها ليلةً سبعٍ وعشرين))(٦). (١) ذكره بهذا اللفظ الطبرسي في مجمع البيان ١٩٣/٣٠ - ١٩٤، ومختصراً ابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ١٨٥، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق (٧٦٨٨). (٢) بنحوه في صحيح مسلم (١١٦٨)، ونقله المصنف عن ابن العربي في أحكام القرآن ١٩٥٤/٤، وما سلف بین حاصر تين منه. (٣) كذا نقل المصنف عن ابن العربي في أحكام القرآن ١٩٥٤/٤، وهذا اللفظ الذي ذكره هو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد (٢٠٥٢)، والبخاري (٢٠٢٢). وحديث أبي سعيد عند مسلم (١١٦٧): (٢١٧)، وفيه: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)». (٤) المدونة ٢٣٩/١ . (٥) قول أبيٍّ ه سلف، وذكره البغوي ٥١١/٤، وابن الجوزي ٩/ ١٨٧ عن علي وعائشة رضي الله عنهما، وأخرج أبو داود (١٣٨٦) من حديث معاوية ه مرفوعاً: ((ليلة القدر ليلة سبع وعشرين)). (٦) أخرجه أحمد (٤٨٠٨).