النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة الشرح: الآيتان ٧ - ٨ وعن مجاهد: ((فإذا فَرِغْتَ)) من دنياك، ((فانْصَبْ)) في صلاتك(١). ونحوه عن الجنيد(٢)؛ قال الجنيد: إذا فَرَغْتَ من أمرِ الخَلْقِ، فاجتَهِدْ في عبادة الحقِّ. قال ابن العربيّ(٣): ومن المُبتدعةِ مَن قرأ هذه الآيةَ: ((فانْصِبْ)) بكَسْرِ الصَّاد والهمز من أوَّله (٤)، وقالوا: معناه: انْصِبِ الإمامَ الذي تستخلفُه. وهذا باطلٌ في القراءة، باطلٌ في المعنى؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ﴾ لم يَسْتَخْلِفْ أحداً. وقرأها بعضُ الجُمَّالِ: ((فانْصَبَّ)) بتشديدِ الباءِ، معناه: إذا فَرَغْتَ من الجهاد، فجِدَّ في الرجوع إلى بلدك. وهذا باطلٌ أيضاً قراءةً؛ لمخالفةِ الإجماعِ، لكنَّ معناه صحيحٌ؛ لقوله ﴾: ((السَّفَرُ قطعةٌ من العذاب، يَمنعُ أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابَه، فإذا قضَى أحدُكم نَهْمَتَه، فَلْيُعجِّلِ الرُّجوعَ إلى أهْلِه))(٥). وأشدُ الناسِ عذاباً وأسوأهم مَبَاءً ومآباً، مَن أخذَ معنّى صحيحاً، فرَّب عليه مِن قِبَل نَفْسِه قراءةً أو حديثاً، فيكون كاذباً على الله، كاذباً على رسوله، ومَن أَظْلَمُ ممَّن افترى على الله كذباً. قال المَهْدَوِيُّ: ورُوي عن أبي جعفر المنصور أنه قرأ: ((ألم نشرحَ لك صدرك)) بفتحِ الحاء (٦)، وهو بعيدٌ، وقد يؤوَّلُ على تقدير النونِ الخفيفة، ثم أُبْدِلَتْ النونُ ألفاً في الوَقْفِ، ثم حُمِل الوصلُ على الوقف، ثم حذفَ الألف، وأنشد عليه: اضْربَ عنك الهمومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بالسَّوط قَوْنَسَ الفَرسِ (٧) = المحرر الوجيز ٢٩٧/٥ : ويعترض هذا التأويل بأن الجهاد فرض في المدينة. (١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤٦)، والطبري ٢٤/ ٤٩٩ . (٢) في (م): الحسن. (٣) في أحكام القرآن ١٩٣٧/٤ - ١٩٣٨. (٤) يعني همزة الوصل، والقراءة ذكرها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٩٨/٥، والزمخشري في الكشاف ٢٦٧/٤ ، وأبو حيان في البحر ٤٨٩/٨ . (٥) أخرجه أحمد (٧٢٢٥)، والبخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧) من حديث أبي هريرة . (٦) ذكرها ابن جني في المحتسب ٣٦٦/٢ . (٧) النوادر في اللغة ص١٣، والمحتسب ٣٦٦/٢، وأساس البلاغة (قنس). قال ابن جني: ويقال: إنه مصنوع. اهــ. وقونس الفرس: ما بين الأذنين. أساس البلاغة (قنس). ٣٦٢ سورة الشرح: الآيتان ٧ - ٨ أراد: اضِربَنْ. ورُوي عن أبي السَّمَّالِ: ((فإذا فَرِغْتَ)) بكَسْرِ الراء (١)، وهي لغةٌ فيه. وقرئ: ((فرغِّب)»(٢) أي: فرغِّب الناسَ إلى ما عنده. الثانية: قال ابن العربيّ(٣): روي عن شُريح أنه مرَّ بقومٍ يلعبون يومَ عِيدٍ، فقال: ما بهذا أُمِر الفارِغُ (٤). وفيه نَظَرٌ، فإن الحَبَش كانوا يلعبون بالدَّرَقِ والحِرَابِ في المسجد يومَ العيد، والنبيُّ:﴿ ينْظُرُ. ودخل أبو بكر في بيتِ رسولِ الله﴾ على عائشةَ رضي الله عنها وعندها جاريتان من جواري الأنصارِ تغنِّيانٍ، فقال أبو بكر: أبمزمورٍ الشيطانِ في بيتِ رسولِ الله﴾؟ فقال: ((دَعْهُما يا أبا بكر، فإنه يومُ عيدٍ))(٥). وليس يلزمُ الدُّؤوبُ على العمل، بل هو مكروهٌ للخَلْقِ. (١) القراءات الشاذة ص ١٧٥ . (٢) يعني: ((وإلى ربك فرغِّب))، وهي في القراءات الشاذة ص ١٧٥ . (٣) في أحكام القرآن ١٩٣٨/٤. (٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد لأحمد ص٢٦٢، وبنحوه أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢٧٦/٣، وهناد في الزهد (٦٧٧)، وأبو نعيم في الحلية ١٣٤/٤. ووقع في (م) ومطبوع أحكام القرآن: الشارع، بدل: الفارغ، والمثبت من النسخ الخطية ومصادر التخريج. (٥) أخرجه مع قصة لعب الحبشة بالدرق أحمد (٢٤٥٤١)، والبخاري (٩٤٩) و(٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. تفسير سورة ((والتين)» مكيةٌ في قولِ الأَكْثَرِ. وقال ابن عباسٍ وقتادةُ: هي مدنية(١). وهي ثماني آيات. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿وَأَلِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ فيه ثلاثُ مسائلَ : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِيْنِ وَاُلْزَُّنِ﴾ قال ابنُ عباس والحسنُ ومجاهدٌ وعكرمةُ وإبراهيمُ النخعيُّ وعطاء بنُ أبي رباح وجابر بنُ زيد ومقاتلٌ والكلبيُّ: هو تينكُم الذي تأكلون، وزيتونُكم الذي تعصرون منه الزيت(٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَشَجَرَةُ تَّخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْنَآءَ تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعٍ لِلَّكِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وقال أبو ذرٍّ: أُهْدِيَ للنبيِّ﴾ سَلُّ تِين؛ فقال: ((كُلُوا)) وأَكَلَ منه. ثم قال: ((لو قلتُ: إنَّ فاكهةً نزلت من الجنة، لقلتُ هذه؛ لأنَّ فاكهةَ الجنةِ بلا عَجَم، فكُلوها فإنَّها تقطعُ البواسِيرَ، وتنفعُ من النِّقْرِس))(٣). وعن معاذ: أنه استاك بقضيبٍ زيتونٍ، وقال: سمعتُ النبيَّ ﴾ يقول: ((نِعْمَ السِّواكُ الزيتونُ، من الشجرة المباركة، يُطيِّبُ الفم، ويذهبُ بالحَفَر، وهي سِواكي وسِواكُ الأنبياءِ مِن قَبْلي))(٤). (١) ذكر قولهما الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٠٠ . (٢) تفسير البغوي ٥٠٤/٤، والمحرر الوجيز ٤٩٩/٥، وأخرجه الطبري ٥٠١/٢٤-٥٠٣ عن الحسن وعكرمة ومجاهد وإبراهيم والكلبي. وأخرجه عن ابن عباس الحاكم ٥٢٨/٢. (٣) الوسيط ٥٢٣/٤، والفردوس بمأثور الخطاب (٤٧١٦)، والكشاف ٢٦٨/٤، والمحرر الوجيز ٤٩٩/٥. وأخرجه أبو نعيم في الطب والثعلبي، كما ذكر الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٦ ، وقال: وفي إسناده مَن لا يعرف. (٤) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤٦)، وذكره الزمخشري في الكشاف ٢٦٨/٤ . قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٦ : إسناده واه. والحَفَر: صفرة تعلو الأسنان. القاموس (حفر). ٣٦٤ سورة التين: الآية ١ وروي عن ابن عباس أيضاً: التينُ: مسجِدُ نوح عليه السلامُ الذي بُنيَ على الجوديِّ، والزيتونُ: مسجدُ بيتِ المَقْدِس(١). وقال الضحاك: التينُ: المسجدُ الحرام، والزيتونُ: المسجدُ الأقصى. ابن زيد: التين: مسجدُ دمشقَ، والزيتون: مسجدُ بيتِ المَقْدِس. قتادةُ: التين: الجبلُ الذي عليه دمشق، والزيتونُ: الجبلُ الذي عليه بيتُ المقدس(٢). وقال محمد بن كعب: التينُ: مسجدُ أصحابِ الكَهْفِ، والزيتونُ: مسجدُ إيلياءَ(٣). وقال كعب الأحبارِ وقتادةُ أيضاً وعكرمةُ وابنُ زيد: التينُ: دمشق، والزيتونُ: بيتُ المقدس(٤). وهذا اختيارُ الطَّبريّ(٥). وقال الفرَّاء: سمعتُ رجلاً من أهلِ الشام يقول: التينُ: جبال ما بين حُلْوانَ إلى هَمَذان، والزيتونُ: جبالُ الشامِ (٦). وقيل: هما جبلان بالشام، يقال لهما: طورُ زَيْتًا وطورُ تِينا بالسريانية، سمِّيا بذلك لأنهما يُنْبِتانِهما (٧). وكذا رَوَى أبو مَكينٍ عن عكرمة، قال: التينُ والزيتونُ: جبلان بالشام (٨). وقال زهير (٩): (١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٠٤ . (٢) أخرج القولين الطبري ٢٤/ ٥٠٣، وقول قتادة أخرجه أيضاً عبد الرزاق ٢/ ٣٨٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٤/٥، والنكت والعيون ٣٠١/٦، وتفسير البغوي ٥٠٤/٤ . وإيلياء هي بيت المقدس. (٤) النكت والعيون ٦/ ٣٠٠ عن کعب وابن زيد. (٥) كذا ذكر المصنف، والذي قاله الطبري في تفسيره ٥٠٤/٢٤ : والصواب من القول عندنا قولُ مَن قال: التين هو التين الذي يؤكل، والزيتون هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت. (٦) معاني القرآن للفراء ٢٧٦/٣ ، وفيه: سمعت رجلاً من أهل الشام وكان صاحب تفسير يقول ... (٧) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٥٣٢ . وطور زيتا: بيت المقدس، وطورتينا: دمشق. ينظر الدر المنثور ٣٦٦/٦. (٨) الوسيط ٥٢٣/٤، وأخرجه الطبري ٥٠٤/٢٤ دون قوله: بالشام. وأبو مكين هو نوح بن ربيعة الأنصاري مولاهم، البصري. من رجال التهذيب. (٩) كذا في النسخ، والصواب أنه للنابغة، على ما يأتي. ٣٦٥ سورة التين: الآية ١ أَتَيْنَ التِّينَ عَن عُرُضٍ(١) وهذا اسمُ موضع. ويجوزُ أن يكون ذلك على حذفِ مضافٍ، أي: ومَنابِتِ التِّينِ والزيتون. ولكنْ لا دليلَ على ذلك من ظاهرِ التنزيل، ولا مِن قولٍ مَن لا يَجوزُ خلافُه؛ قاله النَّخَّاس(٢). الثانية: أصحُّ هذه الأقوالِ الأوّلُ؛ لأنَّه الحقيقةُ، ولا يُعدلُ عن الحقيقة إلى المَجازِ إلَّا بدليلٍ. وإنَّما أَقْسَمَ الله بالتين؛ لأنه كان سِترَ آدَمَ في الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] وكان ورقَ التِّين(٣). وقيل: أَقْسَمَ به ليبينَ وَجْهَ المِنَّةِ العُظْمَى فيه؛ فإنَّه جميلُ المنظر، طيِّبُ المَخْبَرِ، نَشِرُ الرائحة، سهلُ الجَنْي، على قَدْرِ المضغة، وقد أَحْسنَ القائل فيه: ممزَّقَ الجِلدِ مائلَ العُنُقِ انظُرْ إلى التِّين في الغصون ضُحِّی فعاد بعدَ الجديدِ في الخَلَق كأنَّه ربُّ نِعمةٍ سُلِبتْ لكنْ يُنَادَى عليه في الطُرقِ (٤) أصغرُ ما في النهودِ أكبرُه وقال آخَرُ : إذا انْثَنَى مائلاً في غُضْنِه الزَّاهي التينُ يَعْدِلُ عندي كلَّ فاكهةٍ كأنَّه راكعٌ مِن خشيةِ اللهِ مُحمَّشُ الوجهِ قد سالتْ حلاوتُه وأَقسَمَ بالزيتون لأنه مثَّل به إبراهيم في قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مُبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] وهو أكثرُ أُدُم أهلِ الشام والمغرب؛ يَصْطَبِغون به(٥)، ويستعملونه (١) ديوان النابغة ص ١٠٢ ، وتمامه: صُهْبَ الظُّلالِ أَتَيْنَ التِّين عن عُرُضٍ يُزْجينَ غيماً قليلاً ماؤه شَبِما يصف سحائب لا ماء فيها. والتين المذكور في هذا البيت هو جبل بنجد لبني أسد، أو جبل في دار غطفان. ينظر معجم ما استعجم ٣٣١/١، ومعجم البلدان ٦٩/٢، واللسان (تين). (٢) وقاله أيضاً الطبري ٢٤/ ٥٠٤ . (٣) ذكره الرازي ٩/٣٢ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٣٩/٤ . (٥) أي: يأتدمون به. القاموس (صبغ). ٣٦٦ سورة التين: الآيتان ١ - ٢ في طبيخهم، ويَسْتَصْبِحون به، ويُداوَى به أدواءُ الجوفِ والقُروح والجراحات، وفيه منافعُ كثيرةٌ. وقال عليه الصلاة والسلام: ((كُلوا الزيتَ وادَّهِنوا به؛ فإنَّه من شجرةٍ مبارَكةٍ)). وقد مضى في سورة ((المؤمنون)) القولُ فيه (١). الثالثة: قال ابن العربيّ(٢): ولامتنان البارئ سبحانه، وتعظيم المِنَّةِ في التين، وأنَّه مُقْتَاتٌ مدَّخَر، قلنا بوجوبِ الزكاةِ فيه. وإنَّما فرَّ كثيرٌ من العلماء من التصريح بوجوب الزكاةِ فيه، تَقيَّةَ جَوْرِ الولاةِ؛ فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية، فيأخذونها مَغْرَماً، حَسْبَ ما أَنذر به الصادقُ﴾. فكره العلماءُ أن يجعلوا لهم سبيلاً إلى مالٍ آخَرَ(٣) يتشّطون فيه، ولكنْ ينبغي للمرء أن يخرج عن نِعمةِ ربِّه، بأداءِ حقّه. وقد قال الشافعيُّ لهذه العِلَّةِ وغيرِها: لا زكاةً في الزيتون. والصحيحُ وجوبُ الزكاةِ فيهما. قوله تعالى: ﴿وَطُورٍ سِيِنِينَ روى ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ: ((وطور)) قال: جبل. ((سِينِين)) قال: مبارك، بالسريانية (٤). وعن عكرمةً عن ابن عباس قال: ((طور)) جبلٌ، و((سينين)) حَسَن(٥). وقال قتادةُ: (سينين)) هو المبارَكُ الحَسَن(٦). وعن عكرمةَ قال: الجبل الذي نادى الله جلَّ ثناؤه منه موسى عليه السلام (٧). وقال مقاتلٌ والكلبِيُّ: ((سِينِين)): كلُّ جبلٍ فيه شجرٌ مثمِرٌ، فهو سِنين وسِيناء، (١) ٣٣/١٥. وقوله: مثل به إبراهيم، هو على قول من قال: إن الشجرة المباركة هي إبراهيم عليه السلام، سماه الله مباركاً لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه. (٢) في أحكام القرآن ١٩٣٩/٤. (٣) في النسخ الخطية: أحد، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٠٧ دون قوله: بالسريانية، وكذلك هو في تفسير مجاهد ٧٦٩/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٤ / ٥٠٦ عن عكرمة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سينين هو الحسن بلغة الحبشة. الدر المنثور ٣٦٦/٦ . (٦) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٨٢، والطبري ٢٤/ ٥٠٧ بلفظ: جبل بالشام مبارك حسن. (٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٠١ عن كعب الأحبار. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٩٩/٥: لم يُختَلَف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ومنه نودي. ٣٦٧ سورة التين: الآيتان ٢ - ٣ بُلُغةِ النَّبَطَ (١). وعن عمرو بن ميمون قال: صلَّيتُ مع عمر بنِ الخطاب العشاءَ بمكةً، فقرأ: ((والتين والزيتون وطورٍ سَيناء. وهذا البلدِ الأمين)) قال: وهكذا هي في قراءةٍ عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت. وقرأ في الركعة الثانية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبِّكَ﴾ و﴿لِإِيلَفِ قُرَيْشٍ﴾ جَمَعَ بينهما. ذكره ابنُ الأنباريِّ(٢). النَّخَّاس: وفي قراءة عبد الله: ((سِيناء)) بكسر السين، وفي حديثٍ عمرو بن ميمون عن عُمر بفتح السين. وقال الأخفش: (طُور)) جبل. و((سِيْنِينَ)) شجرٌ، واحدتُه: سِينينة(٣). وقال أبو عليٍّ: ((سِينِين)) فِعلِيل، فكُرِّرت اللَّامُ التي هي نونٌ فيه، كما كُرِّرتْ في زِحْلِيل: للمكان الزَّلِقِ، وكِرْديدَة: للقطعةِ من التمر، وخِنذيذ: للطويل. ولم يَنْصَرِف ((سينين)) كما لم ينصرفْ سِيناء؛ لأنه جُعِل اسماً لبقعةٍ أو أرضٍ، ولو جُعِل اسماً للمكان أو للمنزل أو اسمَ مذكَّرٍ لانْصَرِفَ؛ لأنَّك سمَّيْتَ مذكَّراً بمذكَّرٍ (٤). وإنَّما أَقْسَم بهذا الجبلِ لأنه بالشام والأرضِ المقدَّسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ يعني مكةَ. سمَّاه أميناً لأنه آمِنٌ، كما قال: ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فالأمين: بمعنى الآَمِن؛ قاله الفرَّاءُ وغيرُه، قال الشاعر: أَلَمْ تَعلَمي يا أَسْمُ ونْحَكِ أَنَّني حَلَفْتُ يَميناً لا أَخُون أَمِيني (٥) (١) الوسيط ٥٢٣/٤، وزاد المسير ٩/ ١٧٠ عن مقاتل. (٢) في كتاب المصاحف، وأخرجه أيضاً عبد بن حميد. الدر المنثور ٣٦٦/٦. وقراءة: ((سيناء)) عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في القراءات الشاذة ص ١٧٦ . (٣) ذكره عن الأخفش البكري في معجم ما استعجم ٨٩٨/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٩٩/٥، وهو في معاني القرآن للأخفش ٢/ ٧٤٠ مختصراً بلفظ: ((وطور سينين)) واحدها السِّينينة. (٤) بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٤٩٨/٢ - ٤٩٩. (٥) معاني القرآن للفراء ٢٧٦/٣، وذكره أيضاً ابن الأنباري في الأضداد ص٣٤، والطبري ٢٤/ ٥٠٨، والجوهري في الصحاح (أمن). ٣٦٨ سورة التين: الآيات ٣ - ٥ يعني: آمِني. وبهذا احتجَّ مَن قال: إنه أراد بالتِّين دمشقَ، وبالزيتونِ بيتَ المقدِسِ. فأقسمَ الله بجبلٍ دِمَشْقَ؛ لأنه مأوى عيسى عليه السلام، ويجبلٍ بيتٍ المقدسِ؛ لأنه مُقَامُ الأنبياءِ عليهم السلامُ، وبمكةَ لأنها أَثَرُ إبراهيمَ ودارُ محمدٍ صلى الله عليهما وسلم(١). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَغْوِيٍ ﴿٣ ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ﴾ هذا جوابُ القسم. وأراد بالإنسان: الكافر؛ قيل: هو الوليد بنُ المُغيرة(٢). وقيل: كَلَدة بنُ أسيد(٣). فعلى هذا نزلتْ في مُنْكري البعث. وقيل: المرادُ بالإنسان آدمُ وذرِّيتُه. ﴿فَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وهو اعتدالُه واستواءُ شبابِه؛ كذا قال عامَّةُ المفسِّرين، وهو أحسنُ ما يكون؛ لأنه خَلَق كلَّ شيءٍ مُنْكَبًّا على وجهه، وخَلَقه هو مستويًا، وله لسانٌ ذَلِقٍ، ويدٌ وأصابعُ يقبضُ بها. وقال أبو بكر بن طاهر: مزيَّناً بالعقل، مؤدِّياً للأمر، مَهْديًّا بالتمييز، مديدَ القامةِ؛ يتناولُ مأکولَه بیده. ابن العربيّ(٤): ليس للهِ تعالى خَلْقٌ أحسنُ من الإنسان؛ فإنَّ الله خَلَقَه حيًّا عالِماً، قادراً مريداً متكلِّماً، سميعاً بصيراً، مدبِّراً حكيماً. وهذه صفاتُ الربِّ سبحانه، وعنها عبَّر بعضُ العلماء، ووقع البيانُ بقوله: ((إنَّ الله خَلَق آدمَ على (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٣٩/٤ - ١٩٤٠. وقال الرازي ٩/٣٢: فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم. (٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ١٧١ عن عطاء. (٣) النكت والعيون ٣٠٢/٦، وزاد المسير ١٧١/٩ عن ابن عباس. (٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٤٠ . ٣٦٩ سورة التين: الآيتان ٤ - ٥ صُورته))(١) يعني على صفاته التي قدَّمْنا ذِكْرَها. وفي روايةٍ: ((على صورةِ الرحمن))(٢)، ومِن أين يكون للرحمن صورةٌ متشَخِّصةٌ؟ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أن تكون معانيَ. وقد أَخبرَنا المباركُ بنُ عبد الجبار الأزْديُّ قال: أخبرنا القاضي أبو القاسم عليّ بنُ أبي عليٍّ القاضي المحسّن عن أبيه قال: كان عيسى بنُ موسى الهاشميُّ يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسنَ من القمر، فنهضتْ واحْتَجبتْ عنه، وقالت: طلَّقتني! وبات بليلةٍ عظيمة، فلمَّا أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبرَ، وأظهر للمنصور جزءاً عظيماً، فاستَحْضَر الفقهاءَ واستَفْتاهم. فقال جميعُ مَن حضر: قد طلقتْ، إلَّا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنَّه كان ساكتاً، فقال له المنصور: مالَكَ لا تتكلّم؟ فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلِينِ وَالزَُّونِ وَطُورِ سِنِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يا أمير المؤمنين، فالإنسانُ أَحْسنُ الأشياءِ، ولا شيءَ أحسنُ منه. فقال المنصورُ لعيسى بنِ موسى: الأمرُ كما قال الرجلُ، فأَقْبِلْ على زوجتك. وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجته: أن أطيعي زوجَكِ ولا تَعْصِيْهِ، فما طلَّقك(٣). فهذا يدلُّكَ على أنَّ الإنسان أَحْسنُ خَلْقِ اللهِ باطنًا وظاهراً، جمالَ هيئةٍ، وبديعَ تركيبٍ: الرأسُ بما فيه، والصدرُ بما جَمَعَه، والبطنُ بما حَوَاه، والفَرْجُ وما ◌َوَاه، (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨١٧١)، والبخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) عن أبي هريرة ﴾، وسلف ٦ / ٤٩٢ - ٤٩٣ . (٢) أخرجه بهذا اللفظ الحارث (٨٧٢ - بغية الباحث)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٣١٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٧)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٣٨ ، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من طريق الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، عن النبي 8﴾. وقد أعله ابن خزيمة بأن الثوري خالف الأعمش في إسناده، فأرسل ولم يقل: عن ابن عمر، وأعله أيضاً بتدليس الأعمش وقد عنعن، وكذلك حبيب بن أبي ثابت وقد عنعن. ولكن الذهبي في الميزان ٢/ ٤٢٠ نقل عن إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل تصحيحهما لهذا الحديث. وينظر الفتح ١٨٣/٥ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٤٠/٤، وهو في كتاب الفرج بعد الشدة ٤/ ٣٧٧ للقاضي أبي علي المحسّن بن علي التنوخي البصري الأديب، المتوفى سنة (٣٨٤هـ). السير ٥٢٤/١٦ . ٣٧٠ سورة التين: الآيتان ٤ - ٥ واليدان وما بَطَشتاه، والرِّجلان وما احْتَمَلَتاه. ولذلك قالت الفلاسفةُ: إنَّه العالَمُ الأصغَرُ؛ إذ كلُّ ما في المخلوقات جُمِعَ فيه(١). الثانية: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ أي: إلى أَرْذلِ العمرِ، وهو الهَرَمُ بعد الشباب، والضَّعفُ بعد القوّة، حتى يصير كالصبيِّ في الحال الأوّل؛ قاله الضَّحاك والكلبيُّ وغيرُهما(٢). وروى ابنُ أبي نَجيح عن مجاهد: ((ثم رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ)) إلى النار، يعني الكافرَ. وقاله أبو العالية(٣). وقيل: لمَّا وَصَفَه الله بتلك الصفاتِ الجليلةِ التي رُكِّب الإنسانُ عليها، طغى وعلا، حتى قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وحين علم الله هذا مِن عَبْدِه، وقضاؤه صادرٌ(٤) من عنده، رَدَّه أَسْفَل سافِلين، بأنْ جَعَله مملوءًا قَذَرًا، مشحونًا نجاسةً، وأخرجها على ظاهره إخراجاً مُنْكراً، على وجه الاختيارِ تارةً، وعلى وجه الغَلَبةِ أخرى، حتى إذا شاهد ذلك من أمره، رَجَع إلى قَدْره(٥). وقرأ عبد الله: ((أسفلَ السَّافِلِينَ))(٦). وقال: ((أسفلَ سافِلِين)) على الجمع؛ لأنَّ الإنسان في معنى جمعٍ، ولو قال: أسفلَ سافلٍ جاز؛ لأنَّ لفظَ الإنسانِ واحدٌ. وتقول: هذا أفضلُ قائم، ولا تقولُ: أفضلُ قائِمين؛ لأنَّك تُضْمِرُ لواحدٍ، فإنْ كان الواحدُ غيرَ مُضْمَرٍ له، رجع اسمُه بالتوحيد والجمع، كقوله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بٌِّ أُوْلَئِكَ هُمُ (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٤١. (٢) ذكره عنهما الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٠٢، وأخرجه الطبري ٥١٣/٢٤ - ٥١٤ عن ابن عباس وعكرمة وإبراهيم وقتادة. (٣) النكت والعيون ٣٠٢/٦، وأخرجه عن مجاهد الطبري ٢٤/ ٥١٥ . (٤) في (د) و(ي): صار. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٤١ . (٦) المحرر الوجيز ٥٠٠/٥، وتفسير البغوي ٤/ ٥٠٤، والكشاف ٢٦٩/٤ . ٣٧١ سورة التين: الآيات ٤ - ٦ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِنََّ إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٨]. وقد قيل: إنَّ معنى ((رَدَدْنَاه أَسْفَلَ سافلينَ))، أي: ردَدْناه إلى الضلال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾ أي: إِلَّا هؤلاء، فلا يُرِدُون إلى الهرم(١). والاستثناءُ على قولِ مَن قال: ((أسفل سافلينَ)): النار، متَّصِلٌ. ومَن قال: إنه الهَرَم، فهو مُنْقَطِعٌ(٢). قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجُ غَيْرُ مَنُونٍ قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ فإنَّه تكتبُ لهم حسناتُهم، وتُمْحَى عنهم سيئاتُهم، قاله ابن عباس. قال: وهم الذين أَدْرَكهم الكِبَر، لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم(٣). وروى الضحاك عنه قال: إذا كان العبدُ في شبابه كثيرَ الصلاةِ كثيرَ الصيام والصَّدقةِ، ثم ضَعُف عمَّا كان يعمل في شبابه، أَجْرَى الله عزَّ وجلَّ له ما كان يعمل في شبابه(٤). وفي الحديث: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إذا سافَرَ العبدُ أو مَرِض كتبَ اللهُ له مثلَ ما كان يَعْمَلُ مُقِيماً صحيحاً) (٥). (١) في (م): إلى ذلك. بدل قوله: إلى الهرم، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الأنسب بسياق الكلام بعده. وقد وقع هذا الكلام في النسخ الخطية متأخراً عن موضعه هنا، وينظر التعليق التالي. (٢) من قوله: وقال أسفل سافلين على الجمع ... إلى هذا الموضع، وقع في النسخ الخطية بعد قوله الآتي: ويكتب له ذلك. قبل تفسير قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ ◌َمَنُونٍ﴾. (٣) أخرجه الطبري ٥١٨/٢٤، وفي آخره زيادة: وهم هرمَى لا يعقلون. (٤) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٥١٨ من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) أخرجه أحمد (١٩٦٧٩)، والبخاري (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﴾. ٣٧٢ سورة التين: الآيتان ٦ - ٧ وقيل: ﴿ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ فإنه لا يَخْرَفُ ولا يَهْرَمُ، ولا يذهبُ عقلُ مَن كان عالِماً عاملاً به. وعن عاصم الأحولِ عن عكرمةَ قال: مَن قرأ القرآنَ لم يُرَدَّ إلى أَرْذلِ العمر(١). ورُوي عن ابن عمر عن النبيَِّ﴾ أنه قال: «ُطُوْبَى لِمَن طال عمرُهُ وحَسُنَ عملُه))(٢). ورُوي: إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا ماتَ أَمَرَ الله مَلَكَيْهِ أنْ يتعبَّدا على قبره إلى يوم القيامة، ويكتب له ذلك(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال الضحاك: أجرٌ بغيرِ عملٍ(٤). وقيل: غيرُ مقطوع. قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ قيل: الخطابُ للكافر؛ توبيخاً وإلزاماً للحجَّة. أي: إذا عَرَفْتَ أيها الإنسانُ أنَّ الله خَلَقَك في أحسن تقويم، وأنه يردُكَ إلى أرذلِ العمر، وينقلُك من حالٍ إلى حال، فما يحملُكَ على أنْ تُكَذِّب بالبعثِ والجزاء وقد أخبرك محمدٌ ﴿ به؟ وقيل: الخطابُ للنبيِّلَ﴾، أي: اسْتَيْقِنْ مع ما جاءك من الله عزَّ وجلَّ أنَّه أحكم الحاكمين. رُوِي معناه عن قتادة(٥). وقال قتادةُ أيضاً والفرَّاء: المعنى: فَمَن يكذِّبُك أيُّها الرسولُ بعد هذا البيانِ (١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥١٧ . (٢) تفسير أبي الليث ٤٩٢/٣. وأخرجه بنحوه أحمد (١٧٦٨٠) من حديث عبد الله بن بُسر ﴾، و(٢٠٤١٥) من حديث أبي بكر ، وسلف ٩٧/٥ و٢٦٤ . (٣) ذكره بنحوه مطولاً أبو الليث ٣/ ٤٩٢ . (٤) النكت والعيون ٦/ ٣٠٣، وتفسير البغوي ٥٠٥/٤ . (٥) أخرجه الطبري ٥٢٤/٢٤ . ٣٧٣ سورة التين: الآيتان ٧ - ٨ (( بالدِّين)) واختاره الطبريُّ (١). كأنه قال: فَمَن يَقْدِرُ على ذلك، أي: على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعدما ظَهَر من قدرتنا على خَلْقِ الإنسان والدِّين والجزاء. قال الشاعر : دِنَّا تميماً كما كانتْ أوائلُنا دانَتْ أوائلَهمْ في سالِفِ الزَّمنِ (٢) ٨ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَكَرِ الْحَكِمِينَ أي: أَثْقَن الحاكِمينَ صُنْعاً في كلِّ ما خَلَق. وقيل: ((بأحكم الحاكمين)) قضاءً بالحقِّ، وعَدْلاً بينَ الخَلْقِ. وفيه تقريرٌ (٣) لمن اعْتَرَفَ من الكفار بصانع قديم. وألفُ الاستفهامِ إذا دخلتْ على النَّفْي وفي الكلام معنى التوقيفِ صار إيجاباً، كما قال: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِب المَطايا (٤) وقيل: ((فما يُكَذِّبُك بعدُ بِالدِّينِ. أليسَ اللهُ بِأَحْكُم الحاكِمِين)): منسوخةٌ بآيةٍ السَّيف(٥). وقيل: هي ثابتةٌ؛ لأنَّه لا تَنَافِيَ بينهما. وكان ابنُ عباس وعلي بنُ أبي طالب رضي الله عنهما إذا قرأا ((أليس الله بأحكم الحاكمين)) قالا: بلى، وأنا على ذلك من الشَّاهِدِين. فيُختارُ ذلك(٦)، والله أعلم. ورواه الترمذيُّ عن أبي هريرةَ قال: مَن قرأ سورةَ ﴿وَالِينِ وَالزُّنِ﴾ فقرأ: ﴿أَيْسَ (١) في تفسيره ٢٤/ ٥٢٤، وقول الفراء بنحوه في معاني القرآن ٢٧٧/٣. (٢) البيت للطرماح، وهو في ديوانه ص ١٧٢، والنكت والعيون ٣٠٣/٦ . ورواية الديوان: في سالف الأبد. (٣) في النسخ عدا (ظ): تقدير، والمثبت من (ظ)، والنكت والعيون ٣٠٣/٦، والكلام منه. (٤) وعجزه: وأندى العالمين بطون راح. والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٨٩/١، وسلف ٣١٢/٤، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. (٥) زاد المسير ٩/ ١٧٤. (٦) في (ظ): فنختار ذلك. والكلام من النكت والعيون ٣٠٣/٦ دون ذكر ابن عباس، وقد أخرجه بنحوه عن ابن عباس عبد الرزاق ٢/ ٣٨٣، والطبري ٥٢٦/٢٤ . ٣٧٤ سورة العلق: الآية ١ اَللَّهُ بِأَعْكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ فليقُلْ: بلى، وأنا على ذلك من الشَّاهِدِين(١). والله أعلم. سورة ((العَلَق) وهي مكِّيةٌ بإِجماعٍ، وهي أوّلُ ما نزل من القرآن، في قول أبي موسى وعائشةً رضي الله عنهما(٢). وهي تسعَ عَشْرةَ آيَةً. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ هذه السورةُ أوّلُ ما نزل من القرآن في قولِ مُعْظَم المفسِّرين. نزل بها جبريلُ على النبيِّ ﴿ وهو قائمٌ على حِراءٍ، فعلَّمه خمسَ آياتٍ من هذه السورة. وقيل: إنَّ أول ما نزل ((يا أيُّها المُدَّثِّر))؛ قاله جابر بنُ عبد الله، وقد تقدَّم(٣). وقيل: فاتحةُ الكتابِ أوّلُ ما نزل؛ قاله أبو مَيْسَرَةَ الهَمْدانيّ(٤). وقال عليّ بنُ أبي طالب ﴾: أوّلُ ما نزل من القرآن ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١](٥) . والصحيحُ الأوّل؛ قالت عائشة: أوَّلُ ما بُدِئ به رسولُ اللـه﴾ الرؤيا الصادقةُ، (١) سنن الترمذي (٣٣٤٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٣٩١)، وأبو داود (٨٨٧) وهو من طريق إسماعيل بن أمية، عن أعرابيٍّ، عن أبي هريرة به. قال الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة، ولا يسمَّى. وذكر ابن أبي حاتم في العلل ٢/ ٩٠ عن أبي زرعة قوله: الصحيح إسماعيل بن أمية عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبي هريرة موقوفاً. (٢) سيأتي قولهما قريباً. (٣) في بداية تفسير سورة المدثر ٢١/ ٣٥٥. (٤) المحرر الوجيز ٥٠١/٥ وأحكام القرآن لابن العربي ١٩٤٢/٤، وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٤٢. ٣٧٥ سورة العلق: الآية ١ فجاءه المَلَكُ فقال: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِىِ خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ آَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. خرَّجه البخاريّ(١). وفي الصحيحين عنها قالت: أوّلُ ما بُدِىَ به رسولُ اللهِ ﴾ من الوَحْي الرؤيا الصادقةُ في النوم، فكان لا يَرَى رؤيا إلَّا جاءت مِثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثم حُبِّب إليه الخَلاءُ، فكان يخلو بغار حراءٍ، يتحنَّثُ فيه اللَّياليَ ذواتِ العددِ [قبلَ أَنْ يَرْجع إلى أَهلِه]، ويَتزوَّدُ لذلك، ثم يرجعُ إلى خديجةَ فيتزوَّدُ لمثلها؛ حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فجاءه الملك فقال: ((اقرأ))، فقال: ((ما أنا بقارئٍ)) قال: ((فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجَهْدُ، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلتُ: ما أنا بقارئٍ. فَأَخَذني فغطّني الثانيةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثم أَرْسَلَنِي فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فَأَخَذَني فغطّني الثالثةَ حتى بلغ مِنِّي الجَهْدُ، ثم أرسلني فقال: ﴿أَقْرَأْ بِأَسِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلََّ بِالْقَلِ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَ﴾)) الحديثَ بكماله(٢). وقال أبو رجاء العُطارِدِيُّ: وكان أبو موسى الأشعريُّ يطوفُ علينا في هذا المسجد - مسجدِ الْبَصْرةِ - فيُقعِدُنا حِلَقاً فيقرِتُنا القرآن، فكأنِّي أنظرُ إليه بين ثوبين له أبيضين، وعنه أخذتُ هذه السورةَ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ﴾. وكانت أوّلَ سورةٍ أنزلها الله على محمدٍ ﴾(٣). وروتْ عائشةُ رضي الله عنها أنها أوّلُ سورةٍ أُنزلت على رسول الله 28، ثم بعدها (ن والقلم))، ثم بعدها ((يا أيها المدثر))، ثم بعدها ((والضحى)). ذَكَره الماوَرْدِيّ(٤). (١) برقم (٤٩٥٥). (٢) صحيح البخاري (٤٩٥٣)، وصحيح مسلم (١٦١)، وما سلف بين حاصرتين منهما، وهو عند أحمد (٢٥٩٥٩). (٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٤)، والطبري ٢٤/ ٥٣١، وأبو نعيم في الحلية ٢٥٦/١. (٤) في النكت والعيون ٦/ ٣٠٤، وأخرجه ابن الأنباري في المصاحف، كما في الدر المنثور ٣٦٨/٦ . ٣٧٦ سورة العلق: الآيتان ١ - ٢ وعن الزُّهِريِّ: أولُ ما نزل سورةُ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعَ﴾ فحزِن رسول اللـه ﴿، وجعل يعلو شواهِقَ الجبالِ، فأتاه جبريلُ فقال: إنَّك نبيُّ الله، فرجع إلى خديجةَ وقال: ((دَثِّروني وصُبُّوا عليَّ ماءً بارِدًا))، فنزل: ﴿يَأَيُّهَا الُْذَِّرُ﴾(١). ومعنى ((اقرأ باسم ربِّك)) أي: اقرأ ما أُنزل إليك من القرآن مُفْتَتِحاً باسمِ ربِّك، وهو أنْ تذكر التَّسمية في ابتداءِ كلِّ سورةٍ. فمحلُّ الباءِ من ((باسم ربِّك)) النصبُ على الحال. وقيل: الباءُ بمعنى على، أي: اقرأ على اسمِ ربِّك. يقال: فَعَلَ كذا باسم الله، وعلى اسم الله. وعلى هذا فالمقروءُ محذوفٌ، أي: اقرأ القرآن، وافْتَتِحْه باسْمِ الله. وقال قومٌ: اسم ربِّك هو القرآنُ، فهو يقول: ((اقرأ باسم ربك))، أي: اسمَ ربِّك، والباءُ زائدةٌ، كقوله تعالى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وكما قال: سُودُ المَحاجِر لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ (٢) أراد: لا يقرأنَ السُّوَرَ. وقيل: معنى ((اقرأ باسم ربِّك))، أي: اذْكُر اسمَه. أَمَره أن يبتدئ القراءةَ باسم الله(٣). ٢ ٠ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ يعني ابنَ آدَمَ ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ أي: من دم؛ جمع عَلَقة، والعلقةُ: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح. وقال: ((مِنْ عَلَق)) فذَكَره بلَفْظِ الجَمْعِ؛ لأنه أراد بالإنسان الجمعَ، وكلُّهم خُلِقوا من عَلَق بعد النطفة. والعَلَقَةُ: قطعةٌ من دمٍ رَظْبٍ، سمِّيتْ بذلك لأنها تَعْلَقُ لرطوبتها بما تَمُرُّ عليه، فإذا جَفَّتْ لم تكن (١) الكشاف ١٨٠/٤، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق ٣٢٧/٢، والبخاري في آخر الحديث (٦٩٨٢)، والطبري ٤٠٣/٢٣، وينظر فتح الباري ٣٥٩/١٢. (٢) وصدره: هن الحرائر لا ربَّاتُ أَحْمِرةٍ، والبيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص ١٢٢ ، وسلف ١٠٧/١. (٣) والباء على هذا القول زائدة أيضاً، كما ذكر الواحدي في الوسيط ٥٢٨/٤، والبغوي ٤/ ٥٠٧ . ٣٧٧ سورة العلق: الآيات ٢ - ٤ عَلَقةً؛ وقال الشاعر: يمجُّ عليهما عَلَقِ الوَتِينِ(١) تركناه يَخِرُّ على يديه وخَصَّ الإنسانَ بالذِّكْرِ تشريفاً له. وقيل: أراد أن يبيِّن قَدْرَ نعمتِه عليه، بأنْ خَلقَه مِن عَلَقةٍ مَهِينةٍ، حتى صار بشراً سَوِيًّا، وعاقلاً مميّزاً. قوله تعالى: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ٣ قوله تعالى: ﴿أَقْرأْ﴾ تأكيدٌ، وتمَّ الكلام، ثم استأنفَ فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي: الكريم. وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جَهْلِ العباد، فلم يُعَجِّل بعقوبتهم(٢). والأوّلُ أَشْبَهُ بالمعنى؛ لأنه لمَّا ذَكَر ما تقدَّم من نِعَمِه، دلَّ بها على كَرَمه. وقيل: (اقرأ وربُّك)) أي: اقرأ يا محمدُ وربُّك يُعِينُك ويُفْهِمُك، وإنْ كنتَ غيرَ القارئ. و((الأكرمُ)) بمعنى: المتجاوِزُ عن جَهْلِ العباد. ﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( فيه ثلاثُ مسائلَ : الأولى: قولُه تعالى: ﴿الَّذِى عَلَّمْ بِالْقَلِمِ﴾ يعني الخطّ والكتابة، أي: علَّم الإنسانَ الخطّ بالقلم. ورَوى سعيدٌ عن قتادةَ قال: القلمُ نعمةٌ من الله تعالى عظيمةٌ، لولا ذلك لم يَقُمْ دينٌ، ولم يَضْلُحْ عيشٌ(٣). فدلَّ على كمالٍ كرمِه سبحانه، بأنه عَلَّم عبادَه ما لم يَعْلَموا، ونَقَلَهم من ظُلْمةِ الجَهْلِ إلى نور العلم، ونَبَّه على فَضْلٍ عِلْمِ الكتابة، لِمَا فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيطُ بها إلَّا هو. وما دُوِّنت العلوم، ولا قُيِّدت الحِكَم، ولا ضُبطتْ أخبارُ الأوَّلين ومقالاتُهم، ولا كُتبُ اللَّهِ المُنْزَلةُ، إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامتْ أمورُ الدِّينِ والدنيا. وسُمِّي قلماً لأنَّه يُقْلَم، أي: يُقْطَع، ومنه تقليمُ الظفرِ. وقال بعضُ الشعراءِ المحدثين يصفُ القلم : (١) النكت والعيون ٣٠٥/٦. (٢) الوسيط ٥٢٨/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٥٠٧ . (٣) أخرجه الطبري ٥٢٧/٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣١٩/٦ لعبد بن حميد وابن أبي حاتم. ٣٧٨ سورة العلق: الآية ٤ شيخٌ لوَصْلٍ خَرِيدٍ (١) يَتَصَنَّعُ فكأنه والحِبْرُ يَخْضِبُ رأسَهُ وبه إلى الله الصَّحائفُ تُرفعُ لِمَ لا(٢) أُلاحظُه بعينٍ جَلالةٍ وعن عبد الله بن عمرو(٣) قال: يا رسولَ الله، أأكتبُ ما أسمعُ منك من الحديث؟ قال: ((نعم فاكتبْ، فإنَّ الله عَلَّم بالقلم)) (٤). وروى مجاهدٌ عن ابن عمر قال: خَلَقَ الله عزَّ وجلَّ أربعةَ أشياءَ بيده، ثم قال لسائر الحيوان: كن، فكان. القلمَ، والعَرْشَ، وجنةَ عَدْنٍ، وآدَمَ عليه السلام(٥). وفيمَن علَّمه بالقلم ثلاثةُ أقاويلَ : أحدها : أنَّه آدمُ عليه السلام؛ لأنه أوّلُ مَن كَتَب؛ قاله كعبُ الأخبار. الثاني: إدريسُ، وهو أولُ مَن كتب؛ قاله الضحاك. الثالث: أنه أَدْخَل كلَّ مَن كتب بالقلم؛ لأنه ما عَلِم إلَّا بتعليم الله سبحانه) وجمع بذلك [بينَ] نعمتِه عليه في خَلْقه، وبينَ نعمته عليه في تعليمه؛ استكمالاً للنعمة عليه(٦). الثانية: صحَّ عن النبيِّ﴾ من حديث أبي هُريرة، قال: لمَّا خَلَق الله الخَلْقَ كَتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش - : ((إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غَضَبي))(٧). (١) هي البكر لم تُمسَسْ. القاموس (خرد). (٢) في النسخ: ألا، بدل: لم لا، والمثبت من زهر الآداب للقيرواني ٥١٨/١ ، وقد ذكر البيتين ضمن قصيدة في وصف المحبرة والقلم، ولم ينسبها. (٣) في النسخ: عمر، والمثبت هو الصواب. (٤) أخرجه بهذا اللفظ القزويني في أخبار قزوين ٣٧/٢، وأخرجه أحمد (٦٩٣٠) بلفظ : ... أكتب ما أسمع منك؟ قال: ((نعم))، قلت: في الرضا والسخط؟ قال: ((نعم، فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقًّا)). (٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٢٩) و(٧٣٠). وذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٠٥، وفيهما: لسائر الخلق، بدل: لسائر الحيوان. (٦) النكت والعيون ٣٠٥/٦، وما سلف بين حاصرتين منه. (٧) أخرجه أحمد (٨٩٥٨)، والبخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٥٧١). ٣٧٩ سورة العلق: الآية ٤ وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((أوّلُ ما خَلَقَ الله: القلمُ، فقال له: اكتُبْ، فَكَتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذِّكر فوقَ عَرْشِه))(١). وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: [أنه](٢) سمع رسول الله ﴾ يقول: ((إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً، بعث الله إليها مَلَكاً فصوَّرها، وخَلَق سَمْعَها وبَصَرَها، وجِلْدَها ولحمها وعَظْمَها، ثم يقول: يا ربّ، أَذَكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربّ أَجَلُه، فيقول ربُّك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقُه، فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتبُ المَلك، ثم يخرج الملكُ بالصحيفة في يده، فلا يَزيدُ على ما أُمِرَ ولا يَنْقُصُ)) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ كِرَامًا كَئِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]. قال علماؤنا: فالأقلامُ في الأصل ثلاثةٌ : القلمُ الأوّل: الذي خَلقَه الله بيده، وأَمَره أن يكتب. والقلم الثاني: أقلامُ الملائكةِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقاديرَ والكوائن والأعمال. والقلم الثالث: أقلامُ الناسِ، جَعَلها الله بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويَصِلُون بها [إلى] مآرِبهم(٣). وفي الكتابة فضائلُ جَمَّةٌ. والكتابةُ من جملةِ البيان، والبيانُ مما اختُصَّ به الآدميُّ. الثالثة: قال علماؤنا: كانت العربُ أقلَّ الخَلْقِ معرفةً بالكتابة، وأقلُّ العربِ (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٤٤/٤، وهذه قطعة من حديث عبادة بن الصامت ، أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥) وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٣٣١٩) دون قوله: فهو عنده في الذكر فوق عرشه. قال الترمذي: حديث حسن غريب. (٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، والحديث عن حذيفة بن أسيد الغفاري، وليس عن ابن مسعود كما ذكر المصنف. وهو في صحيح مسلم (٢٦٤٥)، ومسند أحمد (١٦١٤٢)، وسلف ١٤/ ٣١٤. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٤٤/٤، وما بين حاصرتين منه. ٣٨٠ سورة العلق: الآية ٤ معرفةً به المصطفى ﴿؛ صُرِف عن عِلْمِه، ليكون ذلك أَثْبَتَ لمعجزته، وأقوى في حجته (١)، وقد مضى هذا مبيّناً في سورة العنكبوت(٢). وروى حَمَّاد بنُ سَلَمة عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفِهْريِّ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول اللـه ◌َ﴾: ((لا تُسْكِنوا نساءَكم الغُرَفَ، ولا تعلِّموهنَّ الكتابةَ))(٣). قال علماؤنا: وإنَّما حذَّرهم النبيُّ﴾ ذلك؛ لأنَّ في إسكانهنَّ الغُرَفَ تطلُّعاً إلى الرجال، وليس في ذلك تحصينٌ لهنَّ ولا تستُّرٌ. وذلك أنهنَّ لا يَملِكُنَ أنفسهنَّ حتى يُشْرِفْنَ على الرجال، فَتَحْدُث الفتنةُ والبلاء، فحذَّرهم أن يجعلوا لهنَّ غُرَفاً ذريعةً إلى الفتنة(٤). وهو كما قال رسول اللـه ◌َ﴾: «ليس للنساءِ خيرٌ لهنَّ مِن ألَّا يراهنَّ الرجالُ، ولا يَرَيْنَ الرجالَ))(٥). وذلك أنَّها خُلِقَتْ من الرجل، فهمَّتها(٦) في الرجل، والرجلُ خُلِقِتْ فيه الشهوةُ، وجُعِلَتْ سَكَناً له، فغيرُ مأمونٍ كلُّ واحدٍ منهما في صاحبه. وكذلك تعليمُ الكتابةِ ربَّما كانتْ سبباً للفتنة، وذلك إذا عُلِّمَتِ الكتابةَ كتَبتْ إلى مَن تَهوَى. والكتابةُ عينٌ من العيون، بها يُبْصِرُ الشاهِدُ الغائبَ، والخظُ هو آثارُ يده، (١) المصدر السابق. (٢) عند تفسير الآية (٤٨) منها. (٣) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٧٣ - ١٧٤ من حديث ابن عباس وعائشة، وذكره عن ابن مسعود الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ٢٧٠ - ٢٧١ ، والكلام منه، وقد سلف الحديث ٥/ ٤٤ ، وينظر الكلام عليه ثَمة. (٤) العبارة في نوادر الأصول ص ٢٧١ (والكلام منه): فحذرهم من أن يجعلوا لها ذريعة إلى الفتنة. (٥) أخرجه البزار (٥٢٦)، وأبو نعيم في الحلية ٤١/٢ من حديث علي ، وفيه أن فاطمة رضي الله عنها هي التي قالت هذا القول، فذكر علي ذلك لرسول الله # فقال: ((إنما فاطمة بضعة مني)). وفي إسناده علي بن زيد، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في مختصر زوائد البزار ١/ ٥٦٧ . وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٤٠ من حديث أنس ﴾. وفي مسألة نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي خلاف بين العلماء، وينظر في ذلك ما ذكره الحافظ في الفتح ٣٣٦/٩ . (٦) في (د) و(م): فنهمتها، وفي (ظ): فتهمتها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في نوادر الأصول.