النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة الضحى: الآيتان ٤ - ٥ الفَلْجُ(١) في الدنيا، والثوابُ في الآخرة. وقيل: الحوضُ والشفاعةُ. وعن ابن عباس: ألفُ قَصْرٍ من لؤلؤٍ أبيضَ ترابُه المِسْكُ(٢). رَفَعه الأَوْزاعيُّ، قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ عبيدِ الله، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: أُرِيَ النبيُّ ◌َ# ما هو مفتوحٌ على أمَّتِه، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله عزَّ وجلّ: ((والضحى - إلى قوله تعالى - ولَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى))، فأعطاه الله جلَّ ثناؤه ألفَ قصرٍ في الجنة، ترابُها المِسْكُ، في كلِّ قصرٍ ما ينبغي له من الأزواج والخدم (٣). وعنه قال: رِضا محمدٍ ألَّ يدخل أحدٌ من أهلٍ بيتهِ النارَ. وقاله السُّدِّي (٤). وقيل: هي الشفاعةُ في جميع المؤمنين. وعن عليٍّ ﴾ قال: قال رسول الله ﴾ .. ((يشفِّعُني الله في أُمَّتي، حتى يقولَ الله سبحانه لي: أَرَضيتَ يا محمد؟ فأقول: يا ربِّ رِضيتُ))(٥). وفي ((صحيح)) مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ النبيَّ ﴾ تلا قولَ الله تعالى في إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَُّ مِنَِّّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقولَ عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكٌ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه وقال: ((اللهمَّ أمَّتي أمَّتي)) وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: ((اذهبْ إلى محمدٍ - وربُّك أعْلَم - فسَلْه ما يُبَكيكَ)) فأتَى جبريلُ النبيَّ ﴾، فسأله فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: ((اذهب إلى (١) في (د) و(ي): الفلح، وفي (ظ): الفتح، والمثبت من (م) وسيرة ابن هشام ٢٤١/١ . والفَلْجُ - بالجيم - بوزن الفَلْس: الظَّفَر والفوز. والفَلَح - بالحاء - محركةُ: الفوز والنجاة. القاموس (فلج) و(فلح). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠٤/١٣، والطبري ٤/ ٤٨٨ . (٣) أخرجه الطبري ٤٨٨/٢٤، والطبراني في الكبير (١٠٦٥٠)، والحاكم ٥٥٦/٢ ، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٩٠ . قال ابن كثير عن تفسير هذه الآية: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف. (٤) أخرجه الطبري ٤٨٨/٢٤ من طريق السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه البيهقي في الشعب (١٤٤٥) من طريق سعيد بن جبير عنه بلفظ: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. (٥) أخرجه البزار في المسند (٦٣٨)، وأبو نعيم في الحلية ١٧٩/٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٦١/٦ لابن المنذر وابن مردويه. ٣٤٢ سورة الضحى: الآيات ٥ - ٧ محمدٍ، فقُل له: إنَّ الله يقولُ لك: إنَّا سنُرْضِيْكَ في أمَّتك ولا نَسُوءُك))(١). وقال عليٍّ ﴾(٢) لأهل العراق: إنَّكم تقولون: إنَّ أَرْجَى آيةٍ في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَّ﴾ [الزمر: ٥٣] قالوا: إنَّا نقولُ ذلك. قال: ولكنَّا أهل البيت نقولُ: إنَّ أرْجَى آيةٍ في كتاب الله قولُه تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾. وفي الحديث: لمَّا نزلت هذه الآيةُ قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إذاً واللهِ لا أرضَى وواحدٌ من أمتي في النار))(٣). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ بَنِيمًا فَشَاوَى عدَّد سبحانه مِنَنَه على نبيِّه محمدٍ ﴿ فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ لا أبَ لك، قد مات أبوك، ﴿فَشَاوَى﴾ أي: جعل لك مأوَى تأوي إليه عند عمِّك أبي طالب، فكَفِلَك. وقيل لجعفر بن محمد الصَّادقِ: لمَ أُوتِمَ النبيُّ :﴿ من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوقٍ عليه حقٌّ(٤). وعن مجاهد: هو مِن قول العرب: درَّةٌ يتيمة؛ إذا لم يكن لها مِثْل(٥). فَمَجازٌ الآيةِ: أَلَم يجدك واحداً في شَرَفكَ لا نظيرَ لك، فآواك الله بأصحابٍ يحفظونك ويَحُوطونك. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى ٧ أي: غافلاً عمَّا يرادُ بك من أمرِ النبوَّة، فهداك، أي: أَرْشَدَك. والضلالُ هنا (١) صحيح مسلم (٢٠٢)، وسلف ٣٠٦/٨. (٢) كذا في النسخ، والصواب أنه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، كما في الحلية ١٧٩/٣، والوسيط ٤/ ٥١٠، وتفسير البغوي ٤٩٨/٤، والدر المنثور ٣٦١/٦ عن ابن المنذر وابن مردويه. (٣) المحرر الوجيز ٤٩٤/٥، وتفسير الرازي ٢١٣/٣١. (٤) المحرر الوجيز ٤٩٤/٥ . (٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٩٣/٦ دون نسبة. ٣٤٣ سورة الضحى: الآية ٧ بمعنى الغَفْلةِ، كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَسَى﴾ [طه: ٥٢] أي: لا يَغْفَلُ. وقال في حقِّ نِيِّه: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِينَ﴾ [يوسف: ٣]. وقال قوم: ((ضالًّا)): لم تكنْ تدري القرآنَ والشرائعَ، فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام؛ عن الضَّحَّاك وشهر بنِ حوشب وغيرِهما. وهو معنى قوله تعالى : ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢](١)، على ما بَيَّنا في سورة الشورى. وقال قوم: ((ووجدك ضالًّا)) أي: في قومٍ ضُلَالٍ، فهداهم الله بك. هذا قولُ الكلبيِّ والفرَّاء (٢). وعن السُّدِّيِّ نحوُه، أي: ووجد قومك في ضلالٍ، فهداك إلى إرشادهم. وقيل: ((ووجدك ضالًّا)) عن الهجرة، فهداك إليها(٣). وقيل: ((ضالّا)) أي: ناسياً شأنَ الاستثناءِ حين سُئلْتَ عن أصحاب الكهفِ وذي القرنين والروح، فَأَذْكَرَكَ، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقيل: ووجَدَكَ طالباً للقِبْلةِ فهداك إليها، بيانُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. ويكون الضَّلالُ بمعنى الطَّلبِ؛ لأنَّ الضَّالَّ طالبٌ. وقيل: ووجدك متحيِّراً عن بيانٍ ما نزل عليك، فهداك إليه، ويكونُ الضلالُ بمعنى التحيُّرِ؛ لأنَّ الضالَّ مُتحيِّرٌ. وقيل: ووجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليه، ويكون الضلالُ بمعنى الضَّيَاعِ. وقيل: ووجدك مُحِبّاً للهداية، فهداك إليها، ويكون الضلالُ بمعنى المحبة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] أي: في مَحبَّتِك(٤). قال الشاعر : (١) معاني القرآن للزجاج ٣٣٩/٥-٣٤٠ دون نسبة، وذكره بنحوه البغوي ٤٩٩/٤، والرازي ٢١٦/٣١ -٢١٧ عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب وابن كيسان. (٢) بنحوه في معاني القرآن ٢٧٤/٣ . (٣) النكت والعيون ٢٩٤/٦. (٤) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٢٩٤/٦ . ٣٤٤ سورة الضحى: الآية ٧ والعارِضَيْنِ ولم أكُنْ مُتَحقٌّقا هذا الضَّلالُ أشابَ منِّي المَفْرِقا عَجباً لعَزَّةً في اختيار قطيعتي بعد الضلالِ فحَبْلُها قد أخلقا (١) وقيل: ((ضالًّا)) في شِعابٍ مكةَ، فهداك: ردَّك (٢) إلى جدِّك عبدِ المطّلب؛ قال ابن عباس: ضلَّ النبيُّ ﴾ وهو صغيرٌ في شعابٍ مكةَ، فرآه أبو جهل مُنْصَرِفاً عن أغنامه، فردَّه إلى جدِّه عبدِ المطلب(٣). فمنَّ الله عليه بذلك، حين ردّه إلى جدِّه على يدي عدوِّه. وقال سعيد بن جبير: خرج النبيُّ ﴾ مع عمِّه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليسُ بزمامِ الناقةِ في ليلةٍ ظَلماءَ، فَعَدَلَ بها عن الطريق، فجاء جبريلُ عليه السلام فنَفَغَ إبليسَ نفخةً وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة؛ فمنَّ الله عليه بذلك(٤). وقال كعب: إنَّ حَليمةَ لمَّا قَضَتْ حقَّ الرضاعِ، جاءت برسول الله ﴾ لتردَّه على عبد المطلب، فسَمِعَتْ عند بابٍ مكةً: هنيئاً لكِ يا بَطْحاءَ مكةَ، اليومَ يُردُّ إليك النورُ والدِّينُ والبهاءُ والجمال. قالت: فوضعتُه لأصلِح ثيابي، فسمعتُ هدَّةً شديدةً، فالتفتُّ فلمْ أَرَه، فقلت: مَعْشَرَ الناسِ، أين الصبيُّ؟ فقالوا: لمْ نَرَ شيئاً، فصِحْتُ: وامحمداه! فإذا شيخٌ فانٍ يتوكَّأُ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإنْ شاء أنْ يردّه عليك فَعَلَ. ثم طاف الشيخ بالصنم، وقبَّل رأسَه وقال: يا رب، لم تَزَلْ مِنَّتُكَ على قريش، وهذه السعدِيةُ تزعم أنَّ ابنها قد ضلَّ، فرُدَّه إن شئت. فانْكَبَّ هُبَلُ على وجهه، وتَساقَطَتِ الأصنام، وقالت: إليكَ عنَّا أيها الشيخ، فهلاكُنا على يَدَيْ محمدٍ. فألقى الشيخ عصاه، وارْتَعَدَ وقال: إنَّ لابنِكِ ربًّا لا يضيعُه، فاطلُبيه على مَهَل. (١) النكت والعيون ٦/ ٢٩٤ . (٢) في (م): وردك. (٣) تفسير البغوي ٤٩٩/٤. (٤) ذكره البغوي ٤٩٩/٤ وابن الجوزي ١٥٩/٩ عن سعيد بن المسيب، وفيهما: أرض الحبشة، بدل: أرض الهند. ٣٤٥ سورة الضحى: الآية ٧ فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع مكة، فلم يَجدِوه. فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتَضَرَّع إلى الله أن يردّه، وقال: اردُذْه ربِّي وانَّخِذْ عندي يدا يا ربِّ رُدَّ ولدي محمدا فشَمْلُ قومي كلِّهم تبدَّدا يا ربِّ إنْ محمدٌ لم يُوجَدا فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشِرَ الناس لا تَضِجُوا، فإنَّ لمحمدٍ ربًّا لا يخذلُه ولا يضيعُه، وإنَّ محمداً بوادي تِهامةَ، عند شجرة السَّمُر. فسار عبد المطلب هو وورقة بنُ نوفل، فإذا النبيُّ :﴿ قائمٌ تحت شجرةٍ يلعبُ بالأغصان وبالورق(١). وقيل: ((ووجدك ضالًا)) ليلةَ المِعراج، حين انصرف عنك جبريلُ وأنت لا تعرفُ الطريقَ، فهداك إلى ساقٍ العرش. وقال أبو بكر الورَّاقُ وغيرُه: ((ووجدك ضالًّا)): تحبُّ أبا طالب، فهداك إلى محبّة ربِّك. وقال بسام بن عبد الله: ((ووجدك ضالَّا)) نَفْسَك(٢) لا تدري من أنت، فعرَّفك بنفسِك وحالك. وقال الجنيد: ووجدك متحيِّراً في بيان الكتاب، فعلَّمك البيانَ، بيانُه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ فِهِ﴾ [النحل: ٦٤]. وقال بعض المتكلِّمين: إذا وَجَدتِ العربُ شجرةً منفردةً في فلاةٍ من الأرض، لا شجرَ معها، سمَّوْها ضالَّة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال الله تعالى لنبيِّه ◌ِ﴾: ((ووجدك ضالًّا)) أي: لا أحدَ على دينك، وأنت وحيدٌ ليس معك أحدٌ، فَهِدَيتُ بك الخَلْقَ إليّ(٣). (١) أخرجه مطولاً ابن عساكر في تاريخه ٤٧٤/٣-٤٧٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) في النسخ عدا (ظ): بنفسك، والمثبت من (ظ) وتفسير البغوي ٤/ ٤٩٩ . (٣) تفسير الرازي ٢١٧/٣١، قال الرازي: ونظيره قوله عليه السلام: ((الحكمة ضالَّة المؤمن)). ٣٤٦ سورة الضحى: الآيتان ٧ - ٨ قلت: هذه الأقوالُ كلُّها حِسانٌ، ثم منها ما هو معنويٌّ، ومنها ما هو حِسِّيٍّ. والقولُ الأخيرُ أَعْجِبُ إليَّ؛ لأنه يجمع الأقوالَ المعنوية. وقال قومٌ: إنَّه كان على جملةِ ما كان القوم عليه، لا يُظهِرُ لهم خلافاً في ظاهر الحال، فأمَّا الشِّركُ فلا يُظَنَّ به، بل كان على مراسم القوم في الظَّاهِر أربعين سنة. وقال الكلبيُّ والسدِّيُّ: هذا على ظاهره، أي: وجدك كافراً والقومُ كفَّارٌ فهداك(١). وقد مضى هذا القولُ والردُّ عليه في سورة الشورى(٢). وقيل: وجدك مغموراً بأهل الشِّرْكِ، فميَّزك عنهم؛ يقال: ضلَّ الماء في اللبن(٣)، ومنه: ﴿أَِذَا ضَلَلْنَا فِ اْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: لَحِقْنا بالتراب عند الذَّفن، حتى كأنَّا لا نَتميَّز من جملته. وفي قراءة الحسن: ((ووجدك ضالٌّ فهُديَ)) أي: وجدك الضالُّ فاهتَدَى بك(٤)، وهذه قراءةٌ على التفسير. وقيل: ((ووجدك ضالًّا)) لا يهتدي إليك قومُك، ولا يعرفون قَدْرَك؛ فهدَى المسلمین إليك، حتى آمنوا بك. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَابِلًا فَأَغْنَى أي: فقيراً لا مالَ لك. ﴿فَأَغْنَ﴾ أي: فأغناك بخديجة رضي الله عنها؛ يقال: عالَ الرجلُ يَعِيلُ عَيْلةً: إذا اقْتَقَر؛ قال أُحَيحةُ بن الجُلاحِ: فما يَذْري الفقيرُ متى غِنَاهُ وما يَدري الغنيُّ متى يَعِيلُ(٥) أي: يفتقر. (١) ذكره عنهما الرازي ٣١/ ٢١٧ . (٢) عند تفسير الآية (٥٢) منها. (٣) تفسير الرازي ٢١٧/٣١ . (٤) النكت والعيون ٦/ ٢٩٤ . (٥) ديوان أحيحة بن الجلاح ص٧٤، وسلف ٣٩/٦ . ٣٤٧ سورة الضحى: الآيات ٨ - ١١ وقال مقاتل: فرضَّاك بما أعطاك من الرزق(١). وقال الكلبيُّ: فَنَّعك بالرزق. وقال ابن عطاء: وجدك فقيرَ النَّفْسِ، فأغنَى قلبك. وقال الأخفش (٢): وجدك ذا عيالٍ، دليلُه: ((فأغنى))، ومنه قولُ جرير: اللهُ أنزلَ في الكتاب فريضةً لابنِ السبيلِ وللفقير العائِلِ(٣) وقيل: وجدك فقيراً من الحُجَج والبراهين، فأغناك بها(٤). وقيل: أغناك بما فتح لك من الفتوح، وأفاءه عليك من أموال الكفار. القشيريُّ: وفي هذا نَظَرٌ؛ لأنَّ السورة مكيةٌ، وإنَّما فُرِضَ الجهاد بالمدينة (٥). وقراءةُ العامَّةِ: ((عائلاً)). وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ((عَيِّلا)) بالتشديد (٦)، مثل: طيِّب وھیِّن. : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ قوله تعالى: ﴿فَمَّا الْيَنِمَ فَلَا نَفْهَرْ ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَ نَنْهَرْ ® فَحَدِّثْ ﴾﴾ فيه أربعُ مسائلَ : الأولى: قولُه تعالى: ﴿فَمَّا أَلِيَ فَلَ نَفْهَرْ﴾ أي: لا تَسَلَّظُ (٧) عليه بالظُلم، ادفع إليه حقَّه، واذكُرْ يُتْمكَ؛ قاله الأخفش. وقيل: هما لغتان بمعنى(٨). وعن مجاهد ((فلا (١) المحرر الوجيز ٤٩٤/٥، وتفسير البغوي ٤ /٤٩٩ . (٢) قوله في النكت والعيون ٦/ ٢٩٤ . (٣) ديوان جرير ٧٣٧/٢ برواية: والله أنزل. (٤) النكت والعيون ٦/ ٢٩٤. (٥) وذكر الرازي ٢١٩/٣١ أن هذا وإن كان حصل بعد نزول هذه السورة، لكن لما كان معلوم الوقوع كان کالواقع. (٦) القراءات الشاذة ص١٧٥ . (٧) في (ظ): تشط. (٨) كذا وقعت هذه العبارة في هذا الموضع، وحقُّها أن تكون قبل ما سيأتي من قوله: والعرب تعاقب بين القاف والكاف، وبعد ذكر قراءة (تكهر)) بالكاف، وفي الصحاح (كهر): قال الكسائي: كَهَره وقَهَره بمعنى. ٣٤٨ سورة الضحى: الآيات ٩ - ١١ تَقْهَر)»: فلا تَحْتَقِرُ(١). وقرأ النخَعيُّ والأشهب العُقَيليُّ: ((تَكْهَرْ)) بالكاف، وكذلك هو في مصحفِ ابنِ مسعود(٢). فعلى هذا يَحتمِلُ أن يكون نَهْياً عن قَهْرِهِ بِظُلِمْه وأَخْذِ مالِه. وخصَّ اليتيم لأنَّه لا ناصرَ له غيرُ الله تعالى، فغلَّظ في أمره بتغليظ العقوبةِ على ظالِمه. والعربُ تُعاقِبُ بينَ الكافِ والقاف؛ النَّاس: وهذا غلطٌ، إنَّما يقال: كَهَره: إذا اشتدَّ عليه وغَلَّظ. وفي ((صحيح)) مسلم من حديث معاويةَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، حين تكلّم في الصلاة بردِّ السلام، قال: فبأبي هو وأمِّي! ما رأيتُ معلِّماً قبله ولا بعده أحسنَ تعليماً منه - يعني رسولَ الله ◌ِ﴾ - فوالله ما كَهَرَني، ولا ضربني، ولا شتمني ... الحديث(٣). وقيل: القَهْر: الغَلَبةُ. والكَهْر: الزَّجْرِ. الثانية: ودلَّتِ الآيةُ على اللُّطْفِ باليتيم، وبِرِّه والإحسانِ إليه؛ حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأبِ الرَّحيم. وروِي عن أبي هريرةَ أنَّ رجلاً شَكَا إلى النبيِّ # قسوةَ قَلْبِهِ؛ فقال: ((إنْ أردتَ أنْ يَلِينَ، فامْسَحْ رأسَ اليتيم، وأَطْعِمِ المسكين))(٤). وفي الصحيح عن أبي هريرةَ: أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((أنا وكافلُ اليتيمٍ له أو لغيره كهاتين)) وأشار بالسبَّابة والوسطى(٥). ومن حديثِ ابنِ عمر أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((إنَّ اليتيم إذا بكى اهتَزَّ لبكائه عرشُ الرحمن، فيقولُ الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، مَن ذا الذي أبْكَى هذا اليتيمَ الذي غيَّيْتُ أباه في التراب. فتقول الملائكةُ: ربَّنا أنت أَعْلَمُ، فيقولُ الله تعالى لملائكته: (١) أخرجه الطبري ٤٩٠/٢٤ . (٢) القراءات الشاذة ص١٧٥، ومعاني القرآن للفراء ٢٧٤/٣، والمحرر الوجيز ٤٩٥/٥ . (٣) صحيح مسلم (٥٣٧) مطولاً، وهو عند أحمد (٢٣٧٦٢). (٤) أخرجه أحمد (٧٥٧٦)، وإسناده ضعيف لجهالة الراوي عن أبي هريرة ﴾. (٥) صحيح مسلم (٢٩٨٣)، وهو عند أحمد (٨٨٨١)، وسلف ٢٣٠/٢. ٣٤٩ سورة الضحى: الآيات ٩ - ١١ يا ملائكتي، اشْهَدوا أنَّ مَن أسْكَتَه وأرضاه أنْ أُرْضِيَه يومَ القيامة»(١). فكان ابن عمر إذا رأى يتيماً مسح برأسه، وأعطاه شيئاً. وعن أنس قال: قال رسول اللـه ﴾: «مَن ضمَّ يتيماً فكان في نفقته، وكفاه مؤونَتَه، كان له حجاباً من النار يومَ القيامة، ومَن مسح برأسٍ يتيمٍ كان له بكلِّ شعرةٍ حسنةٌ)(٢). وقال أكثم بنُ صَيفيّ: الأذلَّاء أربعةٌ: النَّّام، والكذَّاب، والمَدْيونُ، واليتيم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَِّلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ أي: لا تَزْجُزه. فهو نهيّ عن إغلاظِ القول. ولكنْ رُدَّه بَبَذْلٍ يَسيرٍ، أو ردِّ جميل، واذكُر فَقْرَك؛ قاله قتادةُ وغيره(٣). وروي عن أبي هريرةَ أنَّ رسول اللـه :﴿ قال: ((لا يمنعنَّ أحدُكم السائلَ، وأنْ يعطِيَه إذا سأل ولو رأى في يده قُلْبِينٍ من ذهب))(٤). وقال إبراهيم بن أدهم: نِعْمَ القومُ السُّؤَّالُ؛ يحملون زادَنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النَّخَعيُّ: السائلُ بريدُ الآخرةِ، يَجيءُ إلى باب أحدِكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيءٍ. وروي أنَّ النبيَّ لَ ﴾ قال: ((رُدُّوا السائلَ بَبَذْلٍ يسير، أو ردِّ جميل، فإنَّه يأتيكم مَن ليس من الإنس ولا من الجنِّ، ينظرُ كيف صنيعُكم فيما خوَّلكم الله))(٥). (١) أخرجه ابن عدي ٢/ ٧٢١، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢٩٩/٢ من طريق سعيد بن المسيب عن عمر ، وهو عند ابن عدي مختصر. وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر الجُفْري وهو ضعيف الحديث، كما ذكر الحافظ في التقريب. وسعيد بن المسيب لم يسمع من عمر. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ٦٤ . (٢) أخرجه ابن عدي ١٠٩٧/٣، وفي إسناده سليمان بن عمرو أبو داود النخعي، قال عنه البخاري: متروك، وقال يحيى: معروف بوضع الحديث، وقال أحمد: كان يضع الحديث. الميزان ٢١٦/٢ . (٣) أخرجه عن قتادة ابن المنذر وابن أبي حاتم، كما الدر المنثور ٣٦٢/٦ بلفظ: ردّ السائل برحمة ولين. (٤) أخرجه البزار (٩٥٢ - كشف)، وابن عدي ٧٣٣/٢. قال البزار: لا نعلمه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. اهـ. وفي إسناده الحسن بن علي الهاشمي، ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث. الميزان ٥٠٥/١ . والقُلب: سوار المرأة. القاموس (قلب). (٥) سلف ٣٢٨/٤، وذكرنا ثمة قول ابن الجوزي: هذا حديث لا أصل له. ٣٥٠ سورة الضحى: الآيات ١٠ - ١١ وقيل: المرادُ بالسائل هنا: الذي يَسألُ عن الدِّين، أي: فلا تَنْهره بالغِلْظةِ والجَفْوة، وأجِبْه برفقٍ ولين؛ قاله سفيان(١). قال ابن العربيَّ(٢): وأمَّا السائلُ عن الدِّين فجوابُه فَرْضٌ على العالِم على الكفاية، كإعطاءِ سائلِ البِرِّ سواء. وقد كان أبو الدَّرْداءِ ينظرُ إلى أصحاب الحديث، ويبسطُ رداءه لهم، ويقول: مرحباً بأحبَّةٍ رسولِ الله ◌ِ﴾(٣). وفي حديثٍ أبي هارون العَبْديِّ، عن أبي سعيدِ الخُدريِّ، قال: كنّا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مَرْحَبًا بوصية رسولِ الله ﴾، إنَّ رسول الله : ﴿ قال: ((إنَّ الناس لكم تَبَعٌ، وإنَّ رجالاً يأتونكم من أقطارِ الأرضِ يتفقَّهون، فإذا أتَوْكم فاستوصُوا بهم خيراً)) (٤). وفي روايةٍ: ((يأتيكم رجالٌ مِن قِبْلِ المَشْرِقِ ... )) فذكره(٥). و((اليتيم)) و((السائل)) منصوبان بالفعل الذي بعده، وحقُّ المنصوبِ أن يكون بعد الفاءِ، والتقدير: مهما يكن من شيءٍ فلا تَقْهرِ اليتيم، ولا تنهر السائل(٦). وروي أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((سألتُ ربِّي مسألةٌ ودِدْتُ أنّي لم أسألها، قلتُ: يا ربِّ، انَّخذتَ إبراهيمَ خليلاً، وكلَّمْتَ موسى تكليماً، وسخّرتَ مع داود الجبالَ يسبِّحْنَ، وأعطيتَ فلاناً كذا، فقال عزَّ وجلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يتيماً فآويتُك؟ ألم أجِدْكَ ضالًّا فهديتُك؟ ألم أَجِدْكَ عائلاً فأغنيتُك؟ ألم أَشْرَحْ لك صدركَ؟ ألم أُوتِكَ ما لم أُوْتِ أحداً قبلك: خواتيم سورة البقرة، ألم أنَّخذك خليلاً كما اتَّخذتُ إبراهيمَ (١) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ . (٢) في أحكام القرآن ١٩٣٥/٤ . (٣) ذكره ابن بشكوال في الصلة ص٤١٢ . (٤) أخرجه الترمذي (٢٦٥٠)، وأبو هارون العبدي اسمه عمارة بن جُوَين، قال عنه الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم مَن كذَّبه. (٥) سنن الترمذي (٢٦٥١)، وهو أيضاً من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري (٦) مشكل إعراب القرآن ٨٢٤/٢ . ٣٥١ سورة الضحى: الآيات ١٠ - ١١ خليلاً؟ قلتُ: بلى يا رب))(١). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي: انشُرْ ما أنْعمَ الله عليك بالشكر والثناء. والتحدُّثُ بنِعَم الله والاعترافُ بها شكرٌ. وروى ابنُ أبي نجِيح عن مجاهد: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قال: بالقرآن. وعنه قال: بالنبوَّة(٢)، أي: بلِّغ ما أُرْسِلْتَ به. والخطابُ للنبيِّ ل:﴿، والحُكْمُ عامٌ له ولغيره. وعن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما قال: إذا أَصَبْتَ خيراً، أو عملتَ خيراً، فحدِّثْ به الثّقةَ من إخوانك(٣). وعن عمرو بن ميمون قال: إذا لقي الرجل من إخوانه مَن يثقُ به، يقول له: رَزَقَ الله من الصلاة البارحةَ كذا وكذا(٤). وكان أبو فراسٍ عبدُ الله بنُ غالب(٥) إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحةَ كذا، قرأتُ كذا، وصلَّيتُ كذا، وذكرتُ الله كذا، وفعلتُ كذا. فيقال له: يا أبا فِراس، إنَّ مثلك لا يقولُ هذا! قال: يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وتقولون أنتم: لا تحدّثْ بنعمة اللـه (٦)! ونحوه عن أيوبَ السختِيانيِّ وأبي رجاءٍ العُطارِدِيِّ ﴾(٧) . (١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٢٨٩)، والحاكم ٥٢٦/٢ ، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٩١- ٤٩٢، وفي الوسيط ٥١١/٤-٥١٢، والبغوي ٤٩٩/٤ . وليس فيه عندهم: ألم أوتك ... كما اتخذت إبراهيم خليلاً. (٢) أخرج الأول عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٦٢/٦ . وأخرج الثاني الطبري ٢٤/ ٤٩٠ -٤٩١ . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢. وذكره الرازي ٢٢١/٣١ ثم قال: إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٢٥/١٣، والحاكم ٥٢٧/٢ . (٥) الحُدَّاني البصري العابد، توفي سنة (٨٣ هـ). تهذيب التهذيب ٢/ ٤٠١ . (٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٥٧ . (٧) ذكره عنهما ابن العربي في أحكام القرآن ١٩٣٦/٤. ٣٥٢ سورة الضحى: الآية ١١ وقال بكر بن عبد الله المُزَنيُّ: قال النبيُّ ◌َ﴾]: ((مَن أُعطِيَ خيراً فلم يُرَ عليه، سمِّي بغيضَ الله، مُعادياً لِنِعَم الله))(١). وروى الشعبيُّ عن النعمان بن بشير قال: قال النبيُّ ﴿: ((مَن لم يَشْكُرِ القليلَ لم يَشْكُرِ الكثير، ومَن لم يشكر الناسَ لم يشكرِ اللـه، والتحذُّثُ بالنِّعم شكرٌ، وتَرْكُه كفرٌ، والجماعةُ رحمةٌ، والفُرْقَةُ عذابٌ))(٢). وروى النسائيُّ عن مالك بن نَضْلَ الجُشَميِّ قال: كنتُ عند رسولِ الله ◌ِ﴾ جالساً، فرآني رَثَّ الثيابِ فقال: ((ألَكَ مالٌ؟)) قلتُ: نعم يا رسول الله، مِن كلِّ المال. قال: ((إذا آتاك الله مالاً فلْيُرَ أثرُهُ عليك))(٣). وروى أبو سعيد الخدريُّ عن رسول اللـه ﴿ أنه قال: ((إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ، ويحبُّ أن يرى أثَر نعمته على عبده))(٤). فصل: يكبِّر القارئُ في روايةِ البزِّيِّ عن ابن كثير، وقد رواه مجاهدٌ عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن النبيِّ ﴾: إذا بلغ آخِرَ ((والضُّحى)) كَبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرةً، إلى أن يختم القرآن. ولا يَصِلُ آخِرَ السورةِ بتكبيرةٍ، بل يفصلُ بينهما بسكتة(٥). وكأنَّ المعنى في ذلك أنَّ الوحي تأخّر عن النبيِّ ﴾ أياماً، فقال ناسٌ من (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٣٦٤). (٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٨٤٤٩). وإسناده ضعيف كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٣٦٢/٦. وقوله: ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) له شاهد من حديث أبي هريرة ﴾ عند أحمد (٧٥٠٤)، وأبو داود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤) وقال: حسن صحيح. (٣) سنن النسائي (المجتبى) ١٨٠/٨-١٨١. (٤) أخرجه أبو يعلى (١٠٥٥)، وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف. ويشهد لجزئه الأول حديث ابن مسعود # عند أحمد (٣٧٨٩)، ومسلم (٩١). ويشهد لجزئه الثاني حديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي (٢٨١٩). قال الترمذي. حديث حسن. (٥) وهذه رواية النقاش، عن أبي ربيعة، عن البزي، كما ذكر أبو عمرو الداني في التيسير ص٢٢٦ ، إلا أنه ذكر أن الأحاديث الواردة عن المكيين دالةٌ على أنه يَصِلُ التكبير بآخر السورة؛ قال: لأن فيها: ((مع))، وهي تدل على الصحبة والاجتماع. ٣٥٣ سورة الضحى: الآية ١١ المشركين: قد ودَّعه صاحبُه وقَلاه، فنزلت هذه السورةُ، فقال: ((الله أكبر))(١). قال مجاهد: قرأتُ على ابنِ عباس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ، عن النبيِّ ﴾﴾. ولا يكبِّر في قراءةِ الباقين؛ لأنَّها ذرِيعةٌ إلى الزيادة في القرآن. قلت: القرآنُ ثبتَ نقلاً متواتراً، سورُه وآياتُه وحروفُه؛ لا زيادةَ فيه ولا نقصان؛ فالتكبيرُ على هذا ليس بقرآن. فإذا كان بسم الله الرحمن الرحيم المكتوبُ في المصحف بخطّ المصحفِ ليس بقرآنٍ، فكيف بالتكبير الذي هو ليس بمكتوب. أما إنه ثبتَ سنَّةً بنقلِ الآحاد، فاستحبَّ ابنُ كثير، لا أنَّه أوْجَبه فخطَّأْ مَن تَّرَكه. ذكر الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظُ في كتاب ((المستدرك)) له على البخارِيِّ ومسلم: حدَّثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئُ الإمامُ بمكة في المسجد الحرام، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغُ، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزةً: سمعتُ عكرمةَ بنَ سليمان يقول: قرأتُ على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، فلمَّا بلغتُ ((والضحى)) قال لي: كبِّر عند خاتمةِ كلِّ سورة حتى تختم، فإنِّ قرأتُ على عبد الله بن كثير فلمًّا بلغتُ ((والضحى)) قال: كبِّر حتى تختم. وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد [فأمره بذلك]، وأخبره مجاهدٌ أنَّ ابن عباس أمَره بذلك، وأخبره ابن عباس أنَّ أُبيّ ابنَ كعب أمره بذلك، وأخبره أُبيّ بن كعب أنَّ رسول الله ﴾ أمره بذلك. هذا حديثٌ صحيحٌ ولم يخرِّ جاه(٢). (١) بنحوه في الوسيط ٤ /٥١٤، وتفسير البغوي ٤ / ٥٠١ . (٢) المستدرك ٣٠٤/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. وقد تعقبه الذهبي بقوله: البزي قد تُكُلُّم فيه. وأخرجه أيضاً الفاكهي في أخبار مكة (١٧٤٤)، والداني في التيسير ص٢٢٧ ، وينظر جامع البيان للداني ٥٠١/٢-٥٠٥ . وذكره ابن كثير في بداية تفسير سورة الضحى وقال: فهذه سنَّةٌ تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزَّة، وكان إماماً في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث. لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلاً يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث. سورة ((ألم نشرح)) مكيةٌ في قول الجميع. وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿أَلَّرْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرََ شَرْعُ الصَّدْرِ: فَتْحُه، أي: ألَمْ نَفْتَحْ صدرَكَ للإسلام. وروى أبو صالحٍ عن ابن عباس قال: أَلَمْ نُلِيِّن لك قلبكَ. وروى الضَّحاكُ عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسولَ الله، أَيَنْشَرحُ الصَّدْرُ؟ قال: ((نعم، ويَنْفَسِحُ)). قالوا: يا رسولَ الله، وهل لذلك علامةٌ؟ قال: ((نَعَم، التَّجَافي عن دارِ الغرورِ، والإنابةُ إلى دارِ الخلود، والاعتدادُ للموتِ قَبْلَ نزولِ الموت))(١). وقد مضى هذا المعنى في ((الزمر)) عند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ،﴾ [الآية: ٢٢]. وروي عن الحسن قال: ﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال: مُلِئَ حكماً وعِلماً(٢). وفي الصحيح عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة - رجلٍ من قومه - أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((فبينما أنا عند البيتِ بينَ النائم واليقظان إذ سمعتُ قائلاً يقول: أحدٌ [بين] الثلاثةِ، فَأُتِيْتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ، فيها ماءُ زمزمَ، فشُرِحَ صدري إلى كذا وكذا)» قال قتادة: قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفلٍ بطني، قال: ((فاستُخْرِجَ قلبي، فغُسِل قلبي بماءٍ زمزمَ، ثم أُعيدَ مكانَه، ثم حُشِي إيماناً وحِكْمةً)). وفي الحديث قِصة [طويلة](٣). (١) الوسيط ٤ / ٥١٥ . (٢) النكت والعيون ٢٩٦/٦، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، كما في الدر المنثور ٣٦٣/٦ . (٣) صحيح مسلم (١٦٤)، وسنن الترمذي (٣٣٤٦)، واللفظ له، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه بنحوه أحمد (١٧٨٣٣) و(١٧٨٣٥)، والبخاري (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧). وهو من طريق قتادة عن أنس به. ٣٥٥ سورة الشرح: الآية ١ وروي عن النبيِّ # قال: ((جاءني مَلَكان في صورةٍ طائرٍ، معهما ماءٌ وثلجٌ، فَشَرَحَ أحدُهما صدري، وفَتَحَ الآخَرُ بمنقاره فيه فَغَسَلَه))(١) . وفي حديثٍ آخر قال: ((جاءني مَلَكٌ فشَقَّ عن قلبي، فاستخرج منه عذرة(٢)، وقال: قَلبُكَ وَكيعٌ، وعيناك بصيرتان، وأُذناك سميعتان، أنت محمدٌ رسولُ الله، لسانُكَ صادِقٌ، ونَفْسُكَ مُظْمَئِنَّةٌ، وخُلقُكَ قُثَم، وأنت قيِّم))(٣). قال أهلُ اللغةِ: قولُه: ((وكيع)) أي: يَحفَظُ ما يُؤْضَعُ فيه. يقال: سِقَاءٌ وكيع، أي: قويٌّ يحفظُ ما يوضَعُ فيه. واستَوْكَعتْ مَعدتُه، أي: قويت. وقولُه: ((قُثَم)) أي: جامع. يقال: رجلٌ قَثوم للخير، أي : جامعٌ له. ومعنى ((أَلَم نَشْرَحْ)»: قد شَرَحْنا، الدليلُ على ذلك قولُه في النَّسق عليه: ((ووَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ))، فهذا عطفٌ على التأويل، لا على التنزيل؛ لأنَّه لو كان على التنزيل لقال: ونَضَعْ عنكَ وِزْرَكَ. فدلَّ هذا على أنَّ معنى ((ألم نشرح): قد شَرَحنا. و(لم)) حَجْدٌ، وفي الاستفهام طَرَفٌ من الجحد، وإذا وقع حَجْدٌ، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَمَكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ [التين: ٨] ومعناه: اللهُ أَحْكَمُ الحاكِمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ﴾ [الزمر: ٣٦]. ومثلُه قولُ جرير يَمْدَحُ عبد الملك بن مروان: أَلَسْتُمْ خِيرَ مَن ركبَ المطايا وأنْدَى العالَمِين بطونَ راحٍ(٤) المعنى: أنتم كذا. (١) هو في السير والمغازي لابن إسحاق ص٥١ من رواية يونس بن بكير، عن أبي سنان الشيباني، عن حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة قال: قال رسول الله ﴾ ... ، وذكره، وهو حديث مرسل. (٢) في (د) و(ي): غدرة، ولم نقف على هذا اللفظ عند غير القرطبي، وجاء في خبر آخر: فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٦٣/٦ . (٣) أخرجه الدارمي (٥٣) عن عبد الرحمن بن غنم قال: نزل جبريل على رسول الله# فشق بطنه، ثم قال جبريل: قلب وكيع .. ، وذكره. (٤) ديوان جرير ٨٩/١، وسلف ٣١٢/٤. ٣٥٦ سورة الشرح: الآيتان ٢ -٣ قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿ الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾، أي: حَطَظْنا عنكَ ذَنْبكَ. وقرأ أنس: ((وحَلَلْنا))، ((وحَطَطْنا))(١). وقرأ ابن مسعود: ((وحَلَلْنا عنكَ وِقْرَك))(٢). وهذه الآيةُ مثلُ قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. قيل: الجميعُ كان قَبْلَ النبوّة. والوِزْرُ: الذَّنْبُ، أي: وَضَعْنا عنكَ ما كنتَ فيه من أمر الجاهلية؛ لأنَّه كان# في كثيرٍ من مذاهب قومه، وإنْ لم يكن عبَدَ صنماً ولا وَثناً. قال قتادة والحسن والضحاك: كانت للنبيِّ# ذنوبٌ أَثْقلَتْه، فغَفَرها الله له(٣). ﴿الَّذِىَ أَنْقَضَ ◌َهْرَكَ﴾ أي: أثقلَه حتى سُمِعَ نقيضُه، أي: صوتُه. وأهلُ اللغةِ يقولون: أنْقضَ الحِملُ ظَهْرَ الناقةِ: إذا سَمِعْتَ له صريراً من شدَّة الحمل. وكذلك: سمعتُ نقيضَ الرَّحْلِ، أي: صَريرَه. قال جميل(٤): وحتى تَداعَتْ بالنَّقيض حِبَالُه وهَمَّتْ بَوَاني زَوْرِهِ أنْ تَحَظّمَا ((بَوَانِي زَوْرِه)): أي: أُصولُ صَدْرِهِ. فالوِزْرُ: الحملُ الثقيل. قال المحاسِبِيُّ: يعني ثِقَلَ الوِزْرِ لو لم يَعْفُ الله عنه، ((الذي أنْقَضَ ظهرَكَ)) أي: أَثْقَلَه وأوْهَنه. قال: وإنَّما وُصِفَتْ ذنوبُ الأنبياءِ بهذا الثِّقلِ - مع كونها مغفورةً - لشدَّةٍ اهتمامِهم بها، ونَدَمِهم منها، وتحسُّرِهم عليها. وقال السُّدِّي: ((ووَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ))، أي: وحَطَظْنا عنك ثِقْلَكَ(٥). وهي في (١) القراءات الشاذة ص ١٧٥، والمحتسب ٣٦٧/٢ . (٢) معاني القرآن للفراء ٢٧٥/٣، والنكت والعيون ٢٩٧/٦، والمحرر الوجيز ٤٩٧/٥. (٣) أخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٢/ ٣٨٠، والطبري ٢٤/ ٤٩٣ . (٤) كذا في النسخ، والصواب أنه لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ص١٩، ومنتهى الطلب من أشعار العرب ٧/ ٣٦٤. (٥) النكت والعيون ٢٩٧/٦ . ٣٥٧ سورة الشرح: الآيتان ٣ - ٤ قراءةِ عبدِ الله بن مسعود: ((وحَطَظْنا عنكَ وِقْرَك)). أي(١): حَطَطْنا عنك ثقلَ آثام الجاهلية. قال الحسين بن الفضل: يعني الخطأَ والسَّهْوَ. وقيل: ذنوبَ أمَّتِك، أضافَها إليه الاشتغالِ قلبِه بها. وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدةً: خفَّقْنا عنكَ أعباءَ النبوّةِ والقيام بها، حتى لا تَثْقُلَ عليك(٢). وقيل: كان في الابتداء يَثْقَلُ عليه الوحيُّ، حتى كاد يرمي نفسَه من شاهقِ الجبل، إلى أن جاءه جبريلُ وأَراه نَفْسَه، وأُزِيلَ عنه ما كان يخاف من تغيُّرِ العقل. وقيل: عصمناك عن احتمالِ الوِزر، وحَفِظُناكَ قبلَ النبوَّةِ في الأربعين من الأدناس؛ حتى نزل عليك الوحيُّ وأنت مُطَهَّرٌ من الأدناس(٣). قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ® قال مجاهد: يعني بالتأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت : من الله مشهودٌ يَلوحُ ويُشْهَدُ أَغَرُّ عليه للنبوَّةِ خاتَمٌ إذا قال في الخمس المؤذِّنُ أشْهدُ (٤) وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسْمِه ورَوَى الضحاكُ عن ابن عباس قال: يقولُ له: لا ذُكِرتُ إلَّا ذُكِرتَ معي في الأذان والإقامةِ والتشهُّدِ، ويومَ الجمعةِ على المنابر، ويومَ الفِطْرِ، ويومَ الأضحى، وأيامَ التَّشْرِيق، ويومَ عَرَفةَ، وعند الجِمارِ، وعلى الصفا والمروةٍ، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغارِبِها. ولو أنَّ رجلاً عَبَدَ الله جلَّ ثناؤه، وصدَّق (١) قبلها في (ظ) و(م): وقيل. وتنظر قراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص ١٧٥، ومعاني القرآن للفراء ٢٧٥/٣ . وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٩٧/٥ عن أبيٍّ عُ. (٢) ذكر هذه الأقوال البغوي ٤/ ٥٠٢ . (٣) النكت والعيون ٦/ ٢٩٧ . (٤) ديوان حسان ص ١٣٤ . ٣٥٨ سورة الشرح: الآيات ٤ - ٦ بالجنة والنارِ وكلِّ شيء، ولم يَشْهَدْ أنَّ محمداً رسولُ الله، لم يَنْتَفِع بشيءٍ وكان كافراً(١). وقيل: أي: أَعْلَيْنا ذِكْرَكَ، فَذَكَرْناكَ في الكتب المنزلةِ على الأنبياء قَبْلَكَ، وأُمَرناهم بالبشارة بك، ولا دِينَ إلَّا ودِينُك يَظْهَرُ علیه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكةِ في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفعُ في الآخرةِ ذِكْرِكَ بما نُعْطيكَ من المقام المحمود، وكَرائم الدرجات. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بِسْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُتْرًا ﴾ أي: إنَّ مع الضِّيْقَةِ والشدَّةِ يُسْراً، أي: سعةً وغِنَّى. ثم كَرَّر فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْمُتْرِ يُسْرًا﴾ فقال قومٌ: هذا التكريرُ تأكيدٌ للكلام، كما يقال: ارْمِ ارْمِ، اعْجَلْ اعْجَلْ؛ قال الله تعالى: ﴿كَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣-٤]. ونظيرُه في تكرارِ الجوابِ: بلَى بلَى، لا لا. وذلك للإطناب والمبالغة؛ قاله الفرّاء. ومنه قولُ الشاعر : هَممتُ بنفسِيَ بعضَ الهموم فأَوْلَى لنفسيَ أَوْلَى لها(٢) وقال قومٌ: إنَّ من عادةِ العربِ إذا ذَكَروا اسماً معرَّفا ثم كرَّروه، فهو هو. وإذا نَكَّروه ثم كَرَّروه فهو غيرُه. وهما اثنان؛ ليكونَ أقوى للأمل، وأَبْعثَ على الصَّبر؛ قاله ثعلب(٣). وقال ابن عباس: يقولُ الله تعالى خلقتُ عُسراً واحداً، وخلقتُ يُسْرَيْنِ، ولن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَين (٤). (١) الوسيط ٥١٦/٤ من طريق عطاء عن ابن عباس. (٢) البيت للخنساء، وهو في ديوانها ص ١٢١، والنكت والعيون ٢٩٨/٦، والكلام منه، ورواية الديوان: هممت بنفسي كلَّ الهموم ... (٣) بنحوه في النكت والعيون ٢٩٨/٦، والوسيط ٥١٨/٤. (٤) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢٧٥/٣ مختصراً بلفظ: لا يغلبُ يُسْرَيْنِ عسرٌ واحد. ٣٥٩ سورة الشرح: الآيتان ٥ -٦ وجاء في الحديث عن النبيِّ :﴿ في هذه السورة أنه قال: ((لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ))(١). وقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العُسْرُ في جُحْرٍ، لطلبه اليُسْرُ حتى يدخلَ عليه؛ ولن يغلبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن(٢). وكتب أبو عبيدةَ بنُ الجرّاح إلى عمر بن الخطاب يذكُر له جموعاً من الروم، وما يتخوَّفُ منهم؛ فكتب إليه عمرُ رضي الله عنهما: أمَّا بعدُ، فإنه مهما ينزلُ بعبدٍ مؤمنٍ من مَنزلِ شِدَّةٍ، يجعلُ الله بعده فرجاً، وإنه لن يغلبَ عسرٌ يسرين، وإنَّ الله تعالى يقولُ في كتابه: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢](٣). وقال قومٌ منهم الجُرْجانيُّ: هذا قولٌ مدخولٌ؛ لأنَّه يجبُ على هذا التدريجِ إذا قال الرجل: إنَّ مع الفارسِ سيفاً، إنَّ مع الفارس سيفاً، أن يكون الفارسُ واحداً والسيفُ اثنان. والصحيحُ أن يقال: إنَّ الله بعث نبيَّه محمداً ﴾ مُقِلَّا مُخِفًّا، فعيَّره المشركون بفَقْرِه، حتى قالوا: نجمع لك مالاً، فاغتمَّ وظنَّ أنهم كذَّبوه لفقره؛ فعزَّاه الله، وعدَّدَ نِعمَه عليه، ووَعَدَه الغنَى بقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُبْرًا﴾ أي: لا يَحْزُنكَ ما عيَّروك به من الفقر؛ فإنَّ مع ذلك العُسْرِ يسراً عاجلاً، أي: في الدنيا. فأنْجزَ له ما وَعَدَه؛ فلم يَمُتْ حتى فَتَح عليه الحجازَ واليمن، ووسَّع ذاتَ يَدِه، حتى كان يعطي الرجلَ المئتين من الإبل، ويَهَبُ الهباتِ السَّنِيَّةَ، ويُعِدُّ لأهله قوتَ سنةٍ. فهذا الفضلُ (١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٨٠، والطبري ٤٩٥/٢٤-٤٩٦ عن الحسن عن النبي 8# مرسلاً. وأخرجه الطبري ٤٩٦/٢٤ عن قتادة عن النبي # مرسلاً أيضاً. وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٦ : وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه من رواية عطية عن جابر موصولاً، وإسناده ضعيف، وفي الباب عن عمر ذكره مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه عمر ﴾ ... وهذا أصح طرقه. اهـ. وسيأتي خبر عمر ﴾ لاحقاً. (٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٨٠-٣٨١، والطبري ٢٤ / ٤٩٦. (٣) الموطأ ٤٤٦/٢ . ٣٦٠ سورة الشرح: الآيات ٦ - ٨ كلُّه في أمر الدنيا، وإنْ كان خاصًّا بالنبيِّ ﴾، فقد يدخلُ فيه بعضُ أمَّتِه إن شاء الله تعالى. ثم ابتدأ فضلاً آخَرَ من الآخرة، وفيه تَأْسِيةٌ وتَعْزِيةٌ له :﴿، فقال مبتدئاً: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فهو شيءٌ آخَرُ. والدليلُ على ابتدائه، تَعرِّيهِ من فاءٍ أو واوٍ وغيرهما من حروفِ النَّسقِ التي تدلُّ على العطف. فهذا وعدٌ عامٌ لجميع المؤمنين، لا يخرجُ أحدٌ منه، أي: إنَّ مع العُسْرِ في الدنيا للمؤمنين يُسْراً في الآخرة لا مَحالةَ. وربَّما اجتمع يُسْرُ الدنيا ويُسْرُ الآخرة، والذي في الخبر: ((لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ)) يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنَّما يغلبُ أحدَهما إنْ غلبَ، وهو يُسْرُ الدنيا، فأمَّا يُسْرُ الآخرةِ فكائنٌ لا مَحالةَ، ولن يَغْلِبَه شيءٍ (١). ويقال: ((إنَّ مع العسر)) وهو إخراجُ أهلِ مكةَ النبيَّ ﴾ من مكةً، ((يسراً)) وهو دخولُه يومَ فَتْحِ مكةً مع عشرةِ آلاف رجلٍ، مع عِزِّ وشَرَف. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَرْغَب فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَفْتَ﴾ قال ابن عباس وقتادةُ: فإذا فَرَغْتَ من صلاتك ﴿فَأَنْصَبْ﴾ أي: بالِغْ في الدعاء وسَلْه حاجتك(٢). وقال ابن مسعود: إذا فَرِغْتَ من الفرائض فانصَبْ في قيام الليل(٣). وقال الكلبيُّ: إذا فَرَغْتَ من تبليغ الرسالةِ ((فانصَبْ)) أي: استَغْفِرْ لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات (٤). وقال الحسن وقتادةُ أيضاً: إذا فَرِغْتَ من جهادٍ عدوِّكَ، فانْصَبْ لعبادةِ رِّبك(٥). (١) ذكره الواحدي في الوسيط ٥١٩/٤، والبغوي ٤/ ٥٠٣ بنحوه عن كتاب النظم للجرجاني. (٢) أخرج قولهما الطبري ٢٤/ ٤٩٧-٤٩٨. وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٨١/٢. (٣) النكت والعيون ٢٩٨/٦، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٦٥/٦. (٤) تفسير البغوي ٥٠٣/٤ . (٥) النكت والعيون ٢٩٩/٦، وأخرجه بنحوه الطبري ٤٩٨/٢٤ عن الحسن وابن زيد. قال ابن عطية في =