النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة الليل: الآيتان ٣ - ٤
عبيدة(١) وغيرِه. وقد تقدَّم .
وقيل: المعنى: وما خَلَق مِن الذَّكَر والأنثى، فتكون ((مِن)) مضمرةً، ويكونُ القَسَمُ
منه بأهل طاعتِه من أنبيائه وأوليائه، ويكونُ قَسَمُه بهم تَكْرِمةً لهم وتشريفاً(٢).
وقال أبو عبيدة (٣): ((وما خَلَق)) أي: ومَن خَلَق. وكذلك قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَّهَا﴾
[الشمس: ٥]، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ٧]، ((ما)) في هذه المواضع بمعنى مَنْ.
ورُوي عن ابن مسعودٍ أَنَّه كان يقرأ: ((والنهارِ إذا تجلَّى. والذَّكَرِ والأُنثى))،
ويُسْقِطُ: ((وما خَلَقَ)). وفي ((صحيح) مسلم عن علقمةَ قال: قَدِمْنا الشامَ، فأتانا أبو
الدرداءِ، فقال: فيكم أحدٌ يقرأ على قراءةِ عبدِ الله؟ فقلتُ: نعم، أنا. قال: فكيف
سمعتَ عبدَ الله يقرأُ هذه الآية: ﴿وَلَِّلِ إِذَا يَمْثَى﴾؟ قال: سمعتُه يقرأ: ((والليلِ إذا
يَغْشَى. والذَّكَرِ والأنثى)) قال: وأنا والله هكذا سمعتُ رسولَ اللهلَ﴾ يقرؤها، ولكنْ
هؤلاءِ يريدون أنْ أقرأ: ((وما خَلَق))، فلا أُتَابِعُهم(٤).
قال أبو بكر الأنباريُّ: وحدَّثنا محمد بن يحيى المروزيُّ، قال: حدَّثنا محمد،
قال: حدَّثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد
الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: أَقْرأني رسولُ الله ﴾: «إنِّي أنا الرَّازِقُ ذو القوَّةِ
المتِين)»(٥).
قال أبو بكر: كلٌّ من هذين الحديثين مردودٌ بخلافِ الإجماع له، وأنَّ حمزةَ
وعاصماً يَرْوِيان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعةُ المسلمين، والبناءُ على سَنَدَيْن
يوافقان الإجماعَ أوْلَى من الأخْذِ بواحدٍ يُخالِفُه الإجماعُ والأمَّةُ، وما يُبَنَى على روايةِ
(١) في مجاز القرآن ٣٠١/٢، وسيأتي.
(٢) النكت والعيون ٢٨٦/٦-٢٨٧ .
(٣) في مجاز القرآن ٣٠٠/٢-٣٠١ .
(٤) صحيح مسلم (٨٢٤)، وهو عند أحمد (٢٧٥٥٤)، والبخاري (٤٩٤٣).
(٥) أخرجه أحمد (٣٧٤١)، وأبو داود (٣٩٩٣)، والترمذي (٢٩٤٠) وقال: حسن صحيح.

٣٢٢
سورة الليل: الآيتان ٣ - ٤
واحدٍ إذا حاذاه روايةُ جماعةٍ تُخالفُه، أُخِذَ بروايةِ الجماعةِ وأُبْطِلَ نَقْلُ الواحد؛ لِمَا
يجوزُ عليه من النسيان والإغفال.
ولو صحَّ الحديثُ عن أبي الدرداء وكان إسنادهُ مقبولاً معروفاً، ثم كان أبو بكر
وعمر وعثمانُ وعليٍّ وسائرُ الصحابةِ ﴾ يخالفونه، لكان الحُكْمُ العملَ بما رَوَّتْه
الجماعةُ، وَرَفْضَ ما يَحْكِيه الواحدُ المنفرِدُ، الذي يُسْرِعُ إليه من النسيان ما لا يُسْرِعُ
إلى الجماعة وجميعِ أهلِ الملَّة.
وفي المراد بالذَّكَر والأُنثى قولان:
أحدهما: آدمُ وحوَّاء؛ قاله ابنُ عباس والحسنُ والكلبيّ(١).
الثاني: يعني جميعَ الذُّكورِ والإناثِ من بني آدمَ والبهائم؛ لأنَّ الله تعالى خَلَق
جميعَهم من ذكرٍ وأنثى من نوعهم.
وقيل: كلُّ ذَكَرٍ وأنثى من الآدميين دون البهائم؛ لاختصاصهم بولايةِ اللهِ
وطاعتهٍ (٢).
﴿إِنَّ سَعِيَّكُمْ لَثَقّ﴾ هذا جوابُ القَسَم. والمعنى: إنَّ عملكم لمختلفٌ. وقال عكرمةُ
وسائرُ المفسّرين: السَّعْيُ: العمل(٣)، فَسَاعٍ في فَكاكِ نفسِه، وساعٍ في عَطَبها، يدلُّ
عليه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الناسُ غادِيان: فبائعٌ نفسَه فمعْتِقُها، أو مُؤْبِقُها))(٤).
وشتَّى: واحدُه شَتيت، مثل: مريض ومَرْضَى، وإنَّما قيل للمختلفِ: شتَّى،
التَباعُدِ ما بينَ بعضِه وبعضِه. أي: إنَّ عملكم لمتباعِدٌ بعضُه من بعض؛ لأنَّ بعضَه
(١) الوسيط ٥٠١/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٩٤ عن مقاتل والكلبي. والنكت والعيون ٢٨٧/٦ عن ابن
عیسى.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢٨٧ .
(٣) أخرجه عن عكرمة ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٥٨/٦.
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٩٠٢)، ومسلم (٢٢٣) عن أبي مالك الأشعري ، ولفظه: ((كلُّ
الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)».

سورة الليل: الآيات ٤ - ١٠
٣٢٣
ضلالةٌ وبعضه هدى(١). أي: فمنكم مؤمنٌ وبَرِّ، وكافرٌ وفاجِر (٢)، ومطيعٌ وعاصٍ.
وقيل: (لشتَّى))، أي: لمختلفُ الجزاءِ، فمِنكم مُثَابٌ بالجنة، و[منكم] معاقَبٌ
بالنار.
وقيل: أي: لمختلفُ الأخلاقِ؛ فمنكم راحِمٌ وقاسٍ، وحليمٌ وطائشٌ، وجوادٌ
وبخيلٌ، وشبه ذلك.
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
قوله تعالى: ﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّفَى
٦
فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
وَأَمَّا
٧
فَسَنُيَسِرُ لِلْمُسْرَى
مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴿ وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى
فيه أربعُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّى﴾ قال ابن مسعود: يعني أبا بكر ﴾(٣)؛
وقاله عامَّةُ المفسِّرين. فرُوِي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يُعتقُ
على الإسلام عجائزَ ونساءً، قال: فقال له أبوه أبو قحافةً: أي بُنيّ! لو أنَّك أَعْتَقتَ
رجالاً جُلْداً يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبتِ، إنَّما أُريدُ ما يُرِيد(٤).
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: بَذَلَ ﴿وَأَتَّقَى﴾ أي: محارِمَ
اللهِ التي نَهَى عنها. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ﴾ أي: بالخَلَفِ من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنْيَسْرُُ
(٥)
لِيُسْرَى﴾(٥).
(١) تفسير الرازي ١٩٩/٣١ .
(٢) في النكت والعيون ٢٨٧/٦ (والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه): فمنكم مؤمنٌ وكافر وبرٍّ وفاجر.
(٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٤٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٥٨/٦ لابن أبي حاتم
وأبي الشيخ وابن عساكر.
(٤) في (د): تريد. وأخرجه الطبري ٤٦٦/٢٤، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٨٧ ، ووقع عند
الطبري: إنما أريد، أظنه قال: ما عند الله. وفي أسباب النزول إنما أريد ما أريد. وأخرجه ابن أبي
عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٢) عن عبد الله بن الزبير ، وفيه : ... لو أعتقتَ مَن يمنع ظهرك،
فقال: مَنْعَ ظهري أرید.
(٥) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٤٦١- ٤٦٢ .

٣٢٤
سورة الليل: الآيات ٥ - ١٠
وفي (صحيح)) مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((ما مِن يومٍ يُضْبحُ
العبادُ فيه إلَّا وَمَكانٍ ينزلان، فيقولُ أحدُهما: اللهمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، ويقول الآخَرٌ:
اللهمَّ أعْطِ ممسكاً تَلَفاً))(١).
وروي من حديث أبي الدرداء: أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((ما مِن يومٍ غَرَبَتْ شمسُه
إلَّا بُعِثَ بجنَبتَيها(٢) ملكان يناديان يَسْمَعُهما خَلْقُ اللهِ كلُّهم إلَّ الثَّقَلين: اللهم أعْطِ
مُنْفِقاً خَلَفاً، وأعْطِ ممسِكاً تلفاً)) وأنزل الله تعالى في ذلك في القرآن: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾
الآيات(٣).
وقال أهلُ التفسير: ((فأمَّا مَن أعْطَى)) المُعْسِرِين. وقال قتادة: أعْطَى حقَّ اللهِ
تعالى الذي عليه (٤). وقال الحسن: أعْطَى الصِّدْقَ من قَلْبِهِ.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ﴾ أي: بلا إلهَ إلَّ اللهُ؛ قاله الضخَّاكُ والسُّلَميُّ وابنُ عباس أيضاً.
وقال مجاهد: بالجنة، دليلُهَ قولُه تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ الآية
[يونس: ٢٦]. وقال قتادةُ: بموعودِ اللهِ الذي وَعَدَه أنْ يُثيبه(٥). زيد بن أسلم: بالصلاة
والزكاة والصوم(٦). الحسن: بالخَلَف من عطائه(٧)؛ وهو اختيارُ الطبريِّ(٨). وتقدَّم
عن ابن عباس، وكلُّه متقارِبُ المعنى؛ إذ كلُّه يرجعُ إلى الثواب الذي هو الجنة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِرُ لِلْمُسْرَى﴾ أي: نُرشِدُه لأسبابِ الخيرِ والصَّلاح،
(١) صحيح مسلم (١٠١٠)، وهو عند أحمد (٨٠٥٤)، والبخاري (١٤٤٢)، وسلف ٣٨٠/١ .
(٢) في (م): بجنبتها.
(٣) أخرجه الطبري ٤٦٥/٢٤، وهو عند أحمد (٢١٧٢١) دون قوله: وأنزل الله ...
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٦١ .
(٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٤ / ٤٦٣-٤٦٤ .
(٦) النكت والعيون ٢٨٨/٦.
(٧) النكت والعيون ٢٨٨/٦، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٤٦١-٤٦٣ عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد.
(٨) في التفسير ٤٦٥/٢٤ .

٣٢٥
سورة الليل: الآيات ٧ - ١٠
حتى يَسْهُلَ عليه فِعْلُها. وقال زيد بن أسلم: ((لليسرى)): للجنة(١). وفي الصحيحين
والترمذيِّ عن عليٍّ ◌َ﴾ قال: كثَّا في جنازةٍ في البقيع، فأتَى النبيُّ ◌َ﴾، فجلس وجَلَسْنا
معه، ومعه عودٌ يَنْكُتُ به في الأرض، فرفَع رأسَه إلى السماء فقال: ((ما مِن نَفْسٍ
مَنْفوسةٍ إلَّا [قد] كُتِب مَدْخَلُها)) فقال القومُ: يا رسولَ الله، أفَلَا نَتَّكِلُ على كتابنا؟
فَمَن كان مِن أهل السعادةِ فإنه يعملُ للسعادة، ومَن كان مِن أهلِ الشقاءِ فإنَّه يعملُ
للشقاء. قال: ((بل اعْمَلوا فكلٌّ مُيسّر؛ أمَّا مَن كان مِن أهلِ السعادةِ فإنَّه يُيَسَّرُ لعملٍ
السعادة، وأمَّا مَن كان مِن أهلِ الشقاءِ فإنَّه ييسَّر لعملِ الشَّقاءِ - ثم قرأ - ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى
وَنََّى. وَصَدَّقَ بِالْحُتَ. فَسَنُبَسِرُ لِلْيُسْرَى وَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْفَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْفَ فَسَنُبَيْرُهُ لِلْعُسْرَى﴾)) لفظُ
الترمذيِّ. وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيح(٢).
وسأل غلامان شابًّان رسولَ اللهِ﴾ فقالا: العملُ فيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به
المقاديرُ، أم في شيءٍ يُسْتَأْنَفُ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((بل فيما جفَّتْ به
الأقلامُ، وجَرَتْ به المقادير)) قالا: ففيمَ العمل؟ قال: ((اعمَلوا، فكلٌّ ميسَرٌ لعَمَله(٣)
الذي خُلِقَ له)) قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ (٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْفَ﴾ أي: ضَنَّ بما عنده، فلم يبذُلْ خيراً.
وقد تقدَّم بيانُه وثمرتُه في الدنيا في سورة آل عمران(٥). وفي الآخرة مَالُه النارُ، كما
في هذه الآية. روى الضخَّاكُ عن ابن عباس: ﴿فَسَنُكِيُّ لِلْعُرَى﴾ قال: سوف أحُولُ بينه
وبينَ الإيمانِ بالله وبرسوله. وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أميةَ بنِ خلف(٦).
(١) النكت والعيون ٢٨٨/٦، وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٥٨/٦ .
(٢) سنن الترمذي (٣٣٤٤)، وما سلف بين حاصرتين منه. وهو في صحيح البخاري (١٣٦٢) وصحيح
مسلم (٢٦٤٧)، وأخرجه أحمد (١٠٦٧).
(٣) في (م): لعمل، وفي (ظ): للعمل.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٧٣ .
(٥) ٤٣٨/٥.
(٦) لم نقف عليه عن ابن عباس وذكر ابن الجوزي ٩/ ١٥٠ عن ابن مسعود أنه قال: يعني بذلك أمية
وأبيًّا ابني خلف.

٣٢٦
سورة الليل: الآيات ٨ - ١٠
وروى عكرمةُ عن ابن عباس: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى﴾ يقول: بَخِل بمالِهِ، واستغنى
عن ربِّه ﴿وَكَذَّبَ بِلْمُسْنَ﴾ أي: بِالخَلَف(١).
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ((وكذب بالحسنى)) قال: بالجنة(٢). وبإسنادٍ
آخرَ عنه قال: ((بالحسنى))، أي: بلا إله إلا الله. ﴿فَسَنُيَسِرُهُ﴾ أي: نسهِّلُ طريقَه
﴿لِلْمُسْرَى﴾ أي: للشَّر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي: فسنعشِّرُ عليه أسبابَ الخيرِ
والصلاحِ حتى يصعب عليه فِعْلُها(٣). وقد تقدَّم أنَّ الملك ينادي صباحاً ومساءً:
((اللهمَّ أعْطِ منفقاً خَلَفاً، وأعْطِ ممسكاً تلفاً)). رواه أبو الدَّرداء.
مسألة: قال العلماء: ثَبَتَ بهذه الآيةِ وبقوله: ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾
[البقرة: ٣]، وقولِه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ﴾
[البقرة: ٢٧٤] إلى غير ذلك من الآيات، أنَّ الجودَ من مكارِمِ الأخلاقِ، والبخلَ من
أرْذَلها. وليس الجوادُ الذي يعطي في غيرِ موضعِ العطاء، ولا البخيلُ الذي يَمنعُ في
موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضعِ العطاء، والبخيل الذي يمنعُ في
موضع العطاء، فكلُّ مَن استفاد بما يعطي أجراً وحَمْداً فهو الجوادُ. وكلُّ مَن استحقَّ
بالمنع ذمَّا أو عقاباً فهو البخيل. ومَن لم يَسْتِفِدْ بالعطاء أجراً ولا حَمْداً، وإنَّما
استوجب به ذمَّا فليس بجواد، وإنَّما هو مُسْرِفٌ مذمومٌ، وهو من المبذِّرين الذين
جعلهم الله إخوانَ الشياطين، وأوْجَبَ الحَجْرَ عليهم. ومَن لم يستوجبْ بالمنع عقاباً
ولا ذمّاً، واستوجب به حَمْداً، فهو مِن أهلِ الرشدِ، الذين يستحقُّون القيامَ على أموالٍ
غيرِهم، بحُسْنٍ تَذْبِيرِهم وسَدَادِ رأيهم(٤).
(١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٦٧ -٤٦٨ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٦٨ -٤٦٩ .
(٣) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٢٨٨/٦، وقول ابن مسعود ﴾ أخرجه ابن أبي حاتم
وأبو الشيخ وابن عساكر، كما في الدر المنثور ٣٥٨/٦ .
(٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٣/ ٤٠٤ .

٣٢٧
سورة الليل: الآيات ١٠ - ١٣
الرابعة: قال الفرَّاء: يقول القائل: كيف قال: ((فسنيسِّره للعُسْرَى)»؟ وهل في
العُسْرى تيسيرٌ؟ فيقالُ في الجواب: هذا في إجازته بمنزلةٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَبَشِرْهُمْ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] والبِشارةُ في الأصل على المُفرِحِ والسارِّ، فإذا جُمع في
كلامين هذا خيرٌ وهذا شرٌّ، جاءت البشارةُ فيهما، وكذلك التيسيرُ في الأصل على
المفرح، فإذا جُمع في كلامين هذا خيرٌ وهذا شرٌّ، جاء (١) التيسيرُ فيهما جميعاً. قال
الفرَّاء: وقولُه تعالى: ((فسنيسِّره)): سَنُهيِّئُه. والعربُ تقول: قد يَسَّرَتِ الغنم: إذا وَلَدتْ
أو تهيّأتْ للولادة؛ قال:
هما سيِّدانا يزعمان وإنَّما
يَسُودانِنا أنْ يَسَّرتْ غَنماهما(٢)
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنّهُ مَالُوْ إِذَا تَرَدَّقَ ﴿ إِنَّ عَيْنَا لِلْهُدَى ﴾ وَإِنَّ لَنَا لَلَخِرَةَ
وَالْأُولَى
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُمْ إِذَا تَرَّقَ﴾ أي: مات. يقال: رَدِيَ الرجلُ يَرْدَى
رَدِّی: إذا هلك. قال :
صَرَفتُ الهوى عنهنَّ من خشيةِ الرَّدى (٣)
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: ((إذا تردَّى)) أي: سَقَطَ في جهنم(٤)؛ ومنه
المتردِّية(٥). ويقال: رَدَى في البئر وتردَّى: إذا سقط في بئر، أو تهوَّر من جبل. يقال:
(١) في معاني القرآن للفراء ٢٧١/٣: جاز.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٧١/٣، والبيت لأبي أسيدةَ الدُّبَيْري، كما في تهذيب الألفاظ لابن السكيت
١٣٥/١، واللسان (يسر).
(٣) وعجزه: وليست بمَقْليِّ الخلالِ ولا قالٍ، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٣٥. قال الشارح:
الخلال: المصادقة، والمعنى: صرفت الهوى عنهن لا لأنني قليتهن ولا لأنهن قَلَيْنني، ولكن خشية
الافتضاح والعار.
(٤) النكت والعيون ٢٨٩/٦، وأخرجه عن أبي صالح الطبري ٢٤/ ٤٧٤ .
(٥) هي التي تطيح في بئر فتموت. تاج العروس (ردى).

٣٢٨
سورة الليل: الآيات ١١ - ١٣
ما أدري أين رَدَى؟ أي: أين ذهب(١).
و((ما)»: يحتملُ أن تكون جَحْداً، أي: ولا يغني عنه مالُه شيئاً. ويَحتمِلُ أن تكون
استفهاماً معناه التوبيخ، أي: أيُّ شيءٍ يغني عنه إذ هلك ووقع في جهنم!
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي: إنَّ علينا أن نُبَيِّن طريق الهُدَى من طريق الضلالة. فالهدى:
بمعنى بيانِ الأحكام؛ قاله الزجاج(٢). أي: على الله البيانُ، بيانُ حلالِه وحرامه،
وطاعتِهِ ومعصيته. وقاله قتادة(٣).
وقال الفرَّاء(٤): مَن سلك الهُدى فعَلَى الله سبيلُه؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ
السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يقولُ: مَن أراد الله فهو على السبيل القاصِد.
وقيل: معناه إنَّ علينا لَلُهُدى والإضلالَ، فَتَرَكَ الإضلالَ، كقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾
عى
[آل عمران: ٢٦] وبيده كلُّ شيءٍ. وكما قال: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]
وهي تقي البردَ؛ عن الفرَّاء أيضاً (٥).
وقيل: أي: إنَّ علينا ثوابَ هُدَاه الذي هدیناه.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلَّخِرَةَ وَالْأُوْلَى﴾ (لَلَآَ خِرَةَ)): الجنة. ((والأولى)): الدنيا. وكذا روى عطاءٌ عن
ابن عباس، أي: الدنيا والآخرةُ لله تعالى.
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى:
﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ تَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الذُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةَّ﴾ [النساء: ١٣٤] فَمن طلبهما
من غير مالِكِهما فقد أخطأ الطَّريق.
(١) الصحاح (ردى).
(٢) في معاني القرآن ٣٣٦/٥ دون قوله: فالهدى بمعنى بيان الأحكام.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٧٥ .
(٤) في معاني القرآن ٢٧١/٣ .
(٥) المصدر السابق.

٣٢٩
سورة الليل: الآيات ١٤ - ١٦
الَّذِى كَذَّبَ
١٥
قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى ﴿ لَا يَصْلَئِهَا إِلَّا الْأَشْقَى
وَتَوَلَى
قوله تعالى: ﴿فَذَرْتُمْ﴾ أي: حذَّرْتَكُم وخوَّفتكُم ﴿فَرًّا تَظَى﴾ أي: تَلَهَّبُ وتتوقَّد.
وأصلُه: تتلّى؛ وهي قراءةُ عُبيد بنِ عُمير، ويحيى بنِ يعمر، وطلحةَ بنِ مصرف(١).
﴿لَا يَعْلَهَ﴾ أي: لا يَجِدُ صَلاَها، وهو حرُّها ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ أي: الشَّقِيُّ ﴿الَّذِى
كَذَّبَ﴾ نبيَّ اللهِ محمداً ﴾ ﴿وَتَوَلَّ﴾ أي: أَغْرضَ عن الإيمان.
وروى مكحولٌ عن أبي هريرة قال: كلٌّ يدخُلُ الجنةَ إلَّا مَن أباها. قالوا: يا أبا
هريرةَ، ومَن يأبى أن يدخلَ الجنة؟! قال: الذي كَذَّب وتَوَلَّى(٢).
وقال مالك: صلَّى بنا عمر بن عبد العزيز المغربَ، فقرأ: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَغْثَى﴾ فلما
بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًّا تَلَّى﴾ وقع عليه البكاءُ، فلم يَقْدِر(٣) يتعدّاها من البكاء، فتركها وقرأ
سورةً أخرى.
وقال الفرَّاء(٤): ((إلَّا الأشقى)): إلَّا مَن كان شقيًّا في عِلْمِ اللهِ جلَّ ثناؤه.
وروى الضَّحاكُ عن ابن عباس قال: ((لا يَضْلاها إلَّا الأشقَى)) أميةُ بنُ خلف
ونظراؤه الذين كذَّبوا محمداً ﴾(٥). وقال قتادةُ: كذَّب بكتاب الله، وتولَّى عن طاعة
الله (٦).
وقال الفرَّاء(٧): لم يكن كذَّب بردِّ ظاهِرٍ، ولكنَّه قصَّر عمَّا أُمِر به من الطاعة،
(١) القراءات الشاذة ص١٧٤ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٧٧ .
(٣) قوله: يقدر، ليس في (ظ).
(٤) في معاني القرآن ٣/ ٢٧٢ .
(٥) ذكره الرازي ٢٠٣/٣١ .
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٩٠/٦.
(٧) في معاني القرآن ٣/ ٢٧٢، وذكره عنه أيضاً الطبري ٢٤/ ٤٧٧ .

٣٣٠
سورة الليل: الآيات ١٤ - ١٦
فجُعِل تكذيباً، كما تقول: لقِي فلانٌ العدوَّ فكذَّب: إذا نَكَلَ ورجع عن اتِّباعه(١).
قال: وسمعتُ أبا ثروان(٢) يقول: إنَّ بني نُمَيْر ليس لِجدِّهم(٣) مكذوبةٌ. يقول: إذا
لَقُوا صَدَقوا القتالَ، ولم يرجعوا. وكذلك قوله جلَّ ثناؤه: ﴿الَّسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةٌ﴾
[الواقعة: ٢] يقول: هي حقٌّ.
. وسمعتُ سلم بن الحسن يقول: سمعتُ أبا إسحاقَ الزجَّاج يقول: هذه الآيةُ التي
مِن أْلِها قال أهلُ الإرجاءِ بالإرجاء، فزَعَموا أنه لا يدخلُ النارَ إلَّا كافرٌ؛ لقوله جلَّ
ثناؤه: ﴿لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ وليس الأمرُ كما ظنُّوا، هذه نارٌ
موصوفةٌ بعينها، لا يَصْلَى هذه النارَ إلَّ الذي كذَّب وتولَّى. ولأهلِ النارِ مَنازِلُ؛ فمنها
أنَّ المنافقين في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار، واللهُ سبحانه كلُّ ما وَعَدَ عليه بجنسٍ من
العذاب فجائزٌ (٤) أن يعذِّب به. وقال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلو كان كلُّ مَن لم يُشْرِكْ لم يعذَّب، لم يكن في
قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ فائدةٌ، وكان ((يغفرُ ما دون ذلك)) كلاماً لا معنى
له(٥)
الزَّمَخْشريُّ(٦): الآيةُ واردةٌ في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم
من المؤمنين، فَأُريدَ أن يبالَغَ في صفتيهما المتناقِضَتين، فقيل: الأشقى، وجُعل
(١) قوله عن اتباعه، ليس في معاني القرآن للفراء وتفسير الطبري.
(٢) العُكْلي، وكان أعرابياً بدويّاً فصيحاً، وله من الكتب: كتاب خلق الفرس، وكتاب معاني الشعر. معجم
الأدباء ٧ / ١٤٨ .
(٣) اختلفت هذه الكلمة في المصادر، فوقع في بعضها: لجدهم، بالجيم كما هنا، وفي بعضها لحدهم
بالحاء ينظر تهذيب اللغة ١٦٧/١٠، والصحاح وأساس البلاغة واللسان (كذب).
(٤) في (ظ): فجدير.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٣٦/٥، وسقط منه قوله: كلاماً لا معنى له. ولم نقف على القائل: سمعت
سلم بن الحسن.
(٦) في الكشاف ٤/ ٢٦٢ .

٣٣١
سورة الليل: الآيات ١٦ - ٢١
مختصًّا بالصَّلْي، كأنَّ النار لم تُخْلَق إلَّا له. وقيل: الأَثْقَى، وجُعل مختصًا بالجنة،
كأنَّ الجنةَ لم تُخْلَق إلَّا له. وقيل: هما أبو جهلٍ أو أميةُ بن خلف، وأبو بكر ظ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى ﴿ الَّذِى يُؤْتِى مَالَمُ يَتَزََّّ
قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا﴾ أي: يكون بعيداً منها. ﴿الْأَنْقَى﴾ أي: التَّقيُّ الخائف.
قال ابن عباس: هو أبو بكر ﴾(١)، يزخْزَحُ عن دخولِ النار. ثم وصفَ الأتْقَى فقال:
﴿اَلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزََّى﴾ أي: يطلبُ أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلبُ بذلك رياءً
ولا سمعةً، بل يتصدَّقُ به مُبتغياً به وجه الله تعالى.
وقال بعضُ أهلِ المعاني: أراد بقوله: ((الأتقى)) و((الأشقى))، أي: التقيُّ
والشقيُّ، كقول طَرَفة:
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أَمُتْ فتلك سبيلٌ لَسْتُ فيها بأوْحَدٍ(٢)
أي: واحد ووحيد، وتوضع ((أفْعَل)) موضعَ فعيلٍ، نحو قولهم: الله أكبر،
بمعنى: كبير، ﴿وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةٌ﴾ [الروم: ٢٧] بمعنى: هين.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ ﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اٌلْأَعْلَ
٢٠
٢١
وَلَسَوْفَ يَرْضَى
قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْرَ﴾ أي: ليس يتصدَّقُ ليُجازِيَ على
نعمةٍ، وإنَّما يبتغي وجهَ ربِّه الأعلى، أي: المُتعالي ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ أي: بالجزاء.
فروى عطاءٌ والضحاكُ عن ابن عباس قال: عَذَّب المشركون بلالاً، وبلالٌ يقول:
(١) أخرجه ابن مردويه، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٩٢/٥: لم
يختلف أهل التأويل أن المراد بالأتقى إلى آخر السورة أبو بكر الصديق ، ثم هي تتناول كلَّ من دخل
في هذه الصفات.
(٢) مجاز القرآن ٢/ ٣٠١، وتفسير الطبري ٤٧٨/٢٤، والمحرر الوجيز ٤٩٢/٥، والبيت ليس في ديوان
طرفة. ونسبه الأخفش في الاختيارين ص١٦١ لمالك بن القَيْن. وسلف ٤١٨/١٦ . وهو في ديوان عبيد
ابن الأبرص ص٦٨ برواية: تمنى مُرَيْءُ القيس موتي وإن أمت ...

٣٣٢
سورة الليل: الآيات ١٩ - ٢١
أحدٌ أحد؛ فمرَّ به النبيُّ :﴿ فقال: ((أحدٌ - يعني الله تعالى - يُنجيك)) ثم قال لأبي بكر:
((يا أبا بكر إنَّ بلالاً يعذَّبُ في الله)) فعرَفَ أبو بكر الذي يريدُ رسولُ اللـه ﴾، فانصرف
إلى منزله، فأخذ رطلاً من ذهب ومضى به إلى أميةَ بنِ خلف، فقال له: أتبيعُني
بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه فأعتقه. فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلَّا لِيَدٍ كانت له
عنده، فنزلت: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ﴾ أي: عند أبي بكر ﴿مِّن نِعْمَةٍ﴾ أي: من يدٍ ومِنَّة
﴿تُجْزَى﴾ بل ابْتَغَى بما فَعَل وجْهَ ربِّه الأعلَى(١).
وقيل: اشترى أبو بكر من أميةَ وأبيّ بنِ خلف بلالاً ببردةٍ وعَشْرٍ أَوَاقٍ، فأعتقه
لله، فنزلت: ﴿إِنَّ سَعْيَكٌ لَشَّ﴾(٢).
وقال سعيد بن المسيب: بلغني أنَّ أمية بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو
بكر: أتبِيعُنِيه؟ فقال: نعم، أبيعُه بنسطاس، وكان نِسْطاس عبداً لأبي بكر، صاحبَ
عشرةِ آلافٍ دينار، وغلمان وجَوَارٍ ومَواشٍ، وكان مشركاً، فحمَله أبو بكر على
الإسلام، على أن يكون له مالُه، فأبى، فباعه أبو بكر به. فقال المشركون: ما فَعل
أبو بكر ببلالٍ هذا إلَّا ليدٍ كانت لبلالٍ عنده، فنزلت: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ
تُمْرَئٌ﴾(٣).
﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ﴾ أي: لكن ابتغاءَ، فهو استثناءٌ منقِطِعٌ؛ فلذلك نُصبت. كقولك: ما
في الدار أحدٌ إلَّا حماراً. ويجوزُ الرفع. وقرأ يحيى بن وثاب: ((إلا ابتغاءُ وجهِ ربِّه))
بالرفع(٤)، على لغةٍ مَن يقول: يجوزُ الرفعُ في المستثنى. وأنشد في اللغتين قول بشر
ابنِ أبي خازم:
(١) أسباب النزول للواحدي ص٤٨٨ .
(٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٤٨٦ عن ابن مسعود ﴾، وزاد في آخره: سَعْيَ أبي بكر وأمية
ابن خلف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن عساكر.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٩٧ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٧٤، والكشاف ٢٦٢/٤ والكلام منه.

سورة الليل: الآيات ١٩ - ٢١
٣٣٣
إلَّ الجآذرَ والظلمانَ تختلفُ(١)
أضْحتْ خَلاءٌ قِفاراً لا أنيسَ بها
وقول القائل :
إلَّا اليعافيرُ وإلَّ العِيسُ(٢)
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وقد تقدَّم.
﴿وَجْهِ رَيِّدِ الْأَعْلَ﴾ أي: مَرْضاته وما يقرِّب منه. و((الأعلى)) من نَعْتِ الربِّ الذي
استَحَقَّ صفاتِ العُلُو.
ويجوزُ أن يكون ((ابتغاءَ وجهِ ربِّه)) مفعولاً له على المعنى؛ لأنَّ معنى الكلام: لا
يؤتي مالَه إلَّا ابتغاءَ وجهِ ربِّه، لا لمكافأةٍ نِعَمِه(٣).
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ أي: سوف يُعْطيهِ في الجنة ما يَرْضَى؛ وذلك أنَّه يعطيه أضعافَ ما
أنفق. وروى أبو حَيّان التيميُّ عن أبيه عن عليٍّ ﴾، قال: قال رسول الله ﴾: ((رَحِم
الله أبا بكر! زوَّجني ابنتَه، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالاً من ماله))(٤).
ولمّا اشتراه أبو بكر قال له بلال: هل اشتريتَني لعَمَلك أو لعملِ الله؟ قال: بل
لعملِ الله. قال: فَذَرْني وعَمَلَ اللهِ، فأعتقه(٥).
(١) ديوان بشر ص١٥٨، والكشاف ٢٦٢/٤، ووقع في الديوان: الجوازئ، بدل: الجآذر، والجآذر
جمع جُؤذُر - وتفتح الذال ـ وهو ولد البقر الوحشي. والجوازئ. الوحش. والظلمان جمع ظليم، وهو
الذكر من النَّعام. القاموس (جذر) و(جزأ) و(ظلم).
(٢) البيت لِجرَان العَوْدِ النُّميري، وهو في ديوانه ص ٩٧، والكتاب ٣٢٢/٢، والكشاف ٢٦٢/٤، وسلف
٦/٧.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٦٢ .
(٤) قطعة من حديث أخرجه الترمذي (٣٧١٤)، والعقيلي في الضعفاء ٢١٠/٤، وابن عدي ٢٤٣٧/٦،
وابن الجوزي في العلل المتناهية (٤١٠) من طريق المختار بن نافع عن أبي حيان التميمي به. قال
الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والمختار بن نافع شيخ بصري كثير الغرائب. وقال
ابن الجوزي: هذا الحديث يعرف بمختار، قال البخاري: هو منكر الحديث. وقال ابن حبان: كان يأتي
بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لذلك.
(٥) أخرجه البخاري (٣٧٥٥) بلفظ: إن كنتَ إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله
فدعني وعَمَلَ الله. وذكر الحافظ في الفتح ٩٩/٧ أن قوله ذلك لأبي بكر كان في خلافة أبي بكر، =

٣٣٤
سورة الليل: الآيات ١٩ - ٢١
وكان عمر بن الخطاب ه يقول: أبو بكرٍ سيدُنا وأعْتقَ سيدّنا. يعني بلالاً ﴾(١).
وقال عطاء - وروي عن ابن عباس -: إنَّ السورة نزلت في أبي الدَّخْداح، في
النخلة التي اشتراها بحائطٍ له، فيما ذَكَر الثعلبيُّ عن عطاء - وقال القشيريُّ عن ابن
عباس: بأربعين نخلةً، ولم يسمِّ الرجل(٢) - قال عطاء: كان لرجلٍ من الأنصار نخلةٌ
يسقطُ مِن بَلَحِها في دارٍ جارٍ له، فيتناولُهُ صبيانُه، فشكا ذلك إلى النبيِّ ﴾، فقال
النبيُّ ﴾: «تبيعُها بنخلةٍ في الجنة؟)) فأبَى، فخرج فلَقِيه أبو الدَّحداح فقال: هل لك أن
تَبِيعَنِيْها بـ((حُسْنَى)) - حائطٍ له - فقال: هي لك. فأتى أبو الدَّحداحِ إلى النبيِّ ﴾ وقال يا
رسول الله، اشْتَرِها مِنِّي بنخلةٍ في الجنة. قال: ((نعم، والذي نفسي بيده)) فقال: هي
لك يا رسول الله. فدعا النبيُّ# جارَ الأنصاريِّ، فقال: ((خُذْها)) فنزلت: ﴿وَأَلَِّلِ إِذَا
يَغْشَى﴾ إلى آخِر السورة في بستان أبي الدَّحْداحِ وصاحبِ النخلة. ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّ﴾
يعني أبا الدَّحداح ﴿وَصَدَّقَ بِلْحُنَى﴾ أي: بالثواب ﴿فَسَنُيَسِرُ لِلْيُسْرَى﴾ يعني: الجنة. ﴿وَأَّا
مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى﴾ يعني الأنصاريَّ ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُنى﴾ أي: بالثواب ﴿فَسَنُيَسْرُ لِلْمُسْرَى﴾
يعني: جهنم ﴿وَمَا يُغْنِى عَنّهُ مَالُو إِذَا تَرَّقَ﴾ أي: مات. إلى قوله: ﴿لَا يَصْلَهَا إِلَّا الْأَشْقَ﴾
يعني: بذلك الخَزْرجيَّ؛ وكان منافقاً، فمات على نفاقه. ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْفَى﴾ يعني:
أبا الدحداح ﴿الَّذِى يُؤِْى مَالَهُ يَتَزَُّ﴾ في ثمنٍ تلك النخلةِ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ
تُجْزَى﴾ يكافئُه عليها، يعني أبا الذَّحداح. ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ إذا أدْخَلَه الله الجنة(٣).
والأكثرُ أنَّ السورةَ نزلتْ في أبي بكرٍ ﴾. ورُوي ذلك عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ
وعبدِ الله بنِ الزبير وغيرِهم(٤). وقد ذَكَرْنا خبراً آخرَ لأبي الدَّخْداح في سورة البقرة،
عند قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الآية: ٢٤٥] والله تعالى أعلم.
= بدليل الرواية الأخرى: قال بلال لأبي بكر حين توفي رسول الله﴾، أخرجها ابن سعد ٢٣٨/٣.
(١) أخرجه البخاري (٣٧٥٤).
(٢) أخرجه عن ابن عباس مطولاً الواحدي في الوسيط ٤/ ٥٠٢ ، وابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير عند
تفسير هذه الآية، والسيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ وضعفه، وقال ابن كثير: وهو حديث غريب جدّاً.
(٣) ذكره البغوي ٤٩٥/٤ إلى قوله: ﴿وَمَا يُغْنِ عَنَّهُ مَالُ إِذَا تَرَََّّ﴾.
(٤) أخرجه عن عبد الله بن الزبير # الطبري ٤٧٩/٢٤، وسلف قول ابن عباس وابن مسعود ﴾.

سورة ((الضُّحَى))
مكيةٌ باتِّفاق، وهي إحدى عَشْرَةَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
﴾ وَلَيْلِ إِذَا سَجَى ٣ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا فَلَى (@))
قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى
قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى وَالَِّلِ إِذَا سَجَى﴾ قد تقدَّم القولُ في ((الضحى))(١)، والمرادُ به
النهارُ؛ لقوله: ﴿وَأَلَِّلِ إِذَا سَجَى﴾ فقابَلَه بالليل، وفي سورة الأعراف: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ
الْقُرَىّ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَنْتًا وَهُمْ نَآَيِعُونَ. أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأَسُنَا ضُحَى وَهُمْ
يَلْعَبُونَ﴾ [الآيتان: ٩٧ - ٩٨] أي: نهاراً.
وقال قتادةُ ومقاتلٌ وجعفرُ الصادقُ: أَقْسَم بالضُحى الذي كلَّم الله فيه موسى،
وبليلة المعراج.
وقيل: هي الساعةُ التي خرَّ فيها السَّحَرةُ سجَّداً، بيانُه قولُه تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ
النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه: ٥٩].
وقال أهلُ المعاني فيه وفي أمثاله(٢): فيه إضمارٌ، مَجازُه: وربِّ الضُّحى.
و (سَجًا)) معناه: سَكَن؛ قاله قتادةُ ومجاهدٌ وابنُ زيدٍ وعكرمةُ(٣). يقال: ليلةٌ
ساجيةٌ، أي: ساكنةٌ. ويقال للعَيْنِ إذا سَكَن طَرْفُها: ساجية. يقال: سجا الليلُ(٤)
يَسْجو سَجْواً: إذا سَكَن. والبحرُ إذا سجا: سَكَن؛ قال الأعشى:
(١) عند تفسير الآية (٥٩) من سورة طه، والآية الأولى من سورة الشمس.
(٢) في النسخ الخطية: إقباله، والمثبت من (م) واللباب ٣٨٠/٢٠.
(٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٨٣، وتفسير الرازي ٢٠٨/٣١ .
(٤) في (ظ) و(ي): الشيء.

٣٣٦
سورة الضحى: الآيات ١ - ٣
وبحرُكَ ساجٍ ما يواري الدَّعَامِصا(١)
فما ذَنْبُنا أن جاش بحرُ ابنِ عمِّكم
وقال الراجز:
وطُرُقٌ مِثْلُ مُلَاءِ النَّسَّاجْ(٢)
يا حَبَّذَا القَمْراءُ والليلُ السَّاجْ
وقال جرير:
ينظُرنَ من خَلَلِ السُّتورِ سَوَاجي(٣)
ولقد رمينَكَ يومَ رُخْنَ بأَعينٍ
وقال الضخَّاك: ((سجا)»: غّى كلَّ شيءٍ (٤). قال الأصمعيُّ: سَجْوُ الليل: تَغْطِيتُه
النهارَ، مثلما يُسَجَّى الرجلُ بالثوب(٥) .
وقال الحسن: غَشِيَ بظلامه. وقاله ابن عباس. وعنه: إذا ذهب. وعنه أيضاً: إذا
أَظْلَمَ. وقال سعيد بن جبير: أَقْبَلَ. ورُوي عن قتادةَ أيضاً. ورَوَى ابن أبي نجيحٍ عن
(٦)
مجاهد: ((سجا)) : استوى
.
والقولُ الأوّل أَشْهِرُ في اللغة: ((سجا)»: سَكّن، أي: سَكّن الناسُ فيه. كما يقال:
نهارٌ صائمٌ، وليلٌ قائمٌ. وقيل: سكونُه: استقرارُ ظَلامِه واستواؤه.
ويقال: ((والضحى. والليل إذا سَجًا)): يعني عبادَه الذين يعبدونه في وقت
الضحى، وعبادَه الذين يعبدونه بالليل إذا أظْلَم.
(١) ديوان الأعشى ص٢٠١، وتفسير الطبري ٢٤/ ٤٨٣، والصحاح (سجا). ووقع في الديوان: أتوعدني
أن جاش بحر ... ، والدعامص: جمع دُغْموص: دودة سوداء تكون في الغدران إذا قل ماؤها. معجم متن
اللغة (دعمص).
(٢) العين ١٦١/٦، ومجاز القرآن ٣٠٢/٢، والكامل للمبرد ٣٧١/١، وتفسير الطبري ٢٤/ ٤٨٤ ،
ومعاني القرآن للزجاج ٣٣٩/٥، وتهذيب اللغة ١١/ ١٤٠، وأساس البلاغة (سجو).
(٣) ديوان جرير ١٣٧/١. قال الشارح: خلل الستور: الفُرَجُ التي بينها. السواجي: الفواتر، وواحدها:
ساجية. وفي العين ٦/ ١٦١: عين ساجية، أي: فاترة النظر، يعتري الحسن في النساء.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤٩٨ .
(٥) تهذيب اللغة ١٤١/١١ .
(٦) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٤٨٢/٢٤، والنكت والعيون ٢٩١/٦، وتفسير الرازي ٢٠٨/٣١ .

٣٣٧
سورة الضحى: الآيات ١ - ٣
ويقال: ((الضحى)): يعني نور الجنةِ إذا تنوَّر. ((والليل إذا سجا)): يعني ظُلمة الليلِ
إذا أظْلَم.
ويقال: ((والضحى)): يعني النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار. ((والليل إذا
سجا)): يعني السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل؛ فَأَقْسَمَ الله عزَّ وجلَّ بهذه
الأشياء.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾: هذا جوابُ القسم. وكان جبريلُ عليه السلام أبطأ على النبيِّ ﴾،
فقال المشركون: قَلَاه الله وودَّعه، فنزلت الآية. وقال ابن جريج: احْتَبَس عنه الوحيُّ
اثني عَشَرَ يوماً. وقال ابن عباس: خمسةَ عَشَرَ يوماً. وقيل: خمسةً وعشرين يوماً. وقال
مقاتل: أربعين يوماً(١). فقال المشركون: إنَّ محمداً ودَّعه ربُّه وقَلاه، ولو كان أمرُه
من الله لتابَعَ عليه، كما كان يفعل بمَن كان قَبْلَه من الأنبياء.
وفي البخاريِّ عن جُنْدُب بن سفيان قال: اشْتَكَى رسولُ اللهِ لَ﴿، فَلَمْ يَقُمْ ليلتين أو
ثلاثاً، فجاءتِ امرأةٌ فقالت: يا محمدُ، إنِّي لأرجو أنْ يكونَ شيطانُك قد تَرَكَك، لمْ
أَرَه قَرِبَك منذ ليلتين أو ثلاثٍ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَالَتْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ
رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾(٢) .
وفي الترمذيِّ عن جُنْدُب البَجَليِّ قال: كنتُ مع النبيِّ:﴿ في غارٍ فَدَمِيتْ إصبعُه،
فقال النبيُّ :﴿: ((هَلْ أنْتِ إلَّ إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبيلِ الله مَا لَقِيتِ))! قال: وأبطأ عليه
جبريلُ فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمدٌ، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا
(١) ذكر هذه الأقوال البغوي ٤/ ٤٩٨، والرازي ٢١١/٣١، وسلفت عند تفسير الآية (٦٤) من سورة
مریم.
(٢) صحيح البخاري (٤٩٥٠)، وهو عند أحمد (١٨٨٠١)، ومسلم (١٧٩٧): (١١٥). وجندب بن سفيان
هو جندب بن عبد الله بن سفيان البَجَلي، ومَن قال: ابن سفيان، نسَبه إلى جدِّه، سكن الكوفة، ثم
البصرة، قَدِمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين. الإصابة ١٠٤/٢ .

٣٣٨
سورة الضحى: الآيات ١ - ٣
قَ﴾. هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١). لم يذكر الترمذيُّ: ((فلم يَقُم ليلتين أو ثلاثاً))،
أسْقَطه الترمذيُّ، وذكره البخاريُّ، وهو أصحُ ما قيل في ذلك. والله أعلم.
وقد ذكره الثعلبيُّ أيضاً عن جندب بن سفيان البَجَليِّ، قال: رُميَ النبيُّ ﴾ في
إصبعه بحجرٍ، فدَمِيَتْ، فقال: ((هل أنتِ إلاَّ إصْبَعْ دَمِيْتِ، وفي سبيل اللهِ ما لَقِيْتِ))
فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقومُ الليل. فقالت له أمُّ جميلٍ امرأةٌ أبي لهبٍ: ما أرى
شيطانَك إلا قد تَرَكك، لم أرَه قَرِبَكَ منذ ليلتين أو ثلاثٍ، فنزلت ((والضُّحَى)).
وروى عن أبي عمران الجَوْنيِّ قال: أبطأ جبريلُ على النبيِّ لَ﴾ حتى شَقَّ عليه،
فجاءَه وهو واضعٌ جبهتَه على الكعبة يدعو، فنَكَتَ بين كَتِفِيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ
رَبُّكَ وَمَا قَلَ﴾.
وقالت خولةُ - وكانت تخدُم النبيَّ ﴾ـ: إنَّ جَرْواً دخل البيتَ، فدخل تحت
السَّريرِ، فمات، فمكَثَ نبيُّ اللـه﴾ أياماً لا ينزل عليه الوحيُّ. فقال: ((يا خولةُ، ما
حَدَث في بيتي؟ جبريلُ لا يأتيني))! قالت خولة: فقلتُ: لو هيّأْتُ البيتَ وكنستُه،
فأهْوَيْتُ بالمِكْنسةِ تحت السريرِ، فإذا جَرْوٌ ميتٌ، فأخذتُه فألقيتُه خلفَ الجدارِ، فجاء
نبيُّ الله تَرْعدُ لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحيُّ استقبلته الرِّعدةُ - فقال: ((يا خولةٌ
دثِّرِيني)) فأنزل الله هذه السورة(٢).
(١) سنن الترمذي (٣٣٤٥)، وأخرجه مسلم مقطَّعاً (١٧٩٦): (١١٣) و(١٧٩٧): (١١٤). وأخرجه دون
قوله: وأبطأ عليه جبريل ... ، أحمد (١٨٧٩٧)، والبخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٧): (١١٢)، وفيه:
دَميتْ إصبع رسول اللـه# في بعض المشاهد فقال: ((هل أنت ... )). قال القاضي عياض: قد يراد
بالغار الجيش والجمع، لا واحد الغيران التي هي الكهوف، فيوافق قوله: في بعض المشاهد. إكمال
المعلم ٦ / ١٧٠ .
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ (٦٣٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٩٠ وعنه نقل المصنف. قال
الحافظ في الفتح ٨/ ٧١٠ : وجدت في الطبراني بإسناد فيه مَن لا يعرف أن سبب نزولها وجود جرو
كلب تحت سريره لم يشعر به النبي #، وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة،
لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح. اهـ. وقصة إبطاء جبريل بسبب
كون الكلب تحت سرير النبي # أخرجها أحمد (٢٥١٠٠)، ومسلم (٢١٠٤) من حديث عائشة رضي
الله عنها. وأخرجها البخاري (٥٩٦٠) مختصرة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٣٣٩
سورة الضحى: الآيات ١ - ٣
ولمَّا نزل جبريل، سأله النبيُّ ﴾ عن التأخّر فقال: ((أمَا عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بيتاً
فيه كلبٌ ولا صُورةٍ))(١).
وقيل: لمَّا سألته اليهودُ عن الروح وذي القرنين وأصحابِ الكهفِ قال:
((سأُخْبِرُكم غداً)) ولم يقل: إنْ شاء الله. فاحتَبَس عنه الوحي، إلى أن نزل جبريل عليه
بقوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] فأخبره
بما سُئل عنه. وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾﴾(٢).
وقيل: إنَّ المسلمين قالوا: يا رسول الله، مالَكَ لا ينزلُ عليك الوحي؟ فقال:
((وكيف ينزلُ عليَّ وأنتم لا تُنقُّونَ رَوَاجِبَكم - وفي روايةٍ بَراجِمَكم - ولا تَقصُّون
أَظْفارَكم، ولا تأخذون من شَوارِبِكم)). فنزل جبريلُ بهذه السورة، فقال النبيُّ ﴾: ((ما
جِئْتَ حتى اشْتَقْتُ إليك)) فقال جبريلُ: ((وأنا كنتُ أشدَّ إليك شوقاً، ولكنِّي عبدٌ
مأمور)) ثم أنزل عليه: ﴿وَمَا تَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ﴾ [مريم: ٦٤](٣).
((ودَّعك)) بالتشديد قراءةُ العامة، من التوديع، وذلك کتوديع المُغارِق. وروي عن
ابن عباسٍ وابن الزبير أنهما قرأاه: ((وَدَعك)) بالتخفيف (٤)، ومعناه: تَركَكَ. قال:
وثم وَدَعْنا آلَ عَمْرٍو وعامرٍ فَرائسَ أطرافِ المثقَّفةِ السُّمْرِ (٥)
واستعمالُه قليل. يقال: هو يَدَعُ كذا، أي: يتركُه. قال المبرِّد محمد بنُ يزيد: لا
يكادون يقولون: وَدَعَ، ولا وَذَرَ؛ لضَعْفِ الواوِ إذا قدِّمَتْ، واستَغْنَوا عنها بتَرَكَ (٦).
(١) قطعة من حديث عائشة وابن عمر - * - وقد سلف تخريجهما في التعليق السابق.
(٢) ذكره بنحوه الواحدي في الوسيط ٥٠٨/٤، والبغوي ٤/ ٤٩٧-٤٩٨، وينظر ما سلف عند تفسير الآية
(٦٤) من سورة مريم.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٨١) إلى قوله: ((شواربكم)) من حديث ابن عباس ، وإسناده ضعيف. وسلف باقي
الخبر بنحوه عن مجاهد ٤٨١/١٣ . قال الجوهري في الصحاح (رجب): الراجبة في الإصبع واحدة
الرواجب، وهي مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع اللاتي يلين الكف.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٧٥، والمحتسب ٣٦٤/٢ .
(٥) الكشاف ٤/ ٢٦٣، وذكره الحافظ في الفتح برواية: ونحن ودعنا ...
(٦) سلف نحوه عن سيبويه ٥٠٣/٨ .

٣٤٠
سورة الضحى: الآيات ٣ - ٥
قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبْغضَكَ ربُّك منذ أَحبَّك. وترك الكاف لأنه رأسُ
آية. والقِلَى: البغضُ، فإنْ فَتَحْتَ القافَ مَدَدْتَ؛ تقول: قَلاَه يَقْلِيه قِلَى وَلاَءٌ. كما
تقول: قَرَيْتُ الضعيفَ أَقْرِيه قِرّى وقَرَاءً. ويَقْلاَه لغةُ طَيِّئ؛ وأنشد ثعلب:
أيامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاها(١)
أي: لا نُبغضُها. ونَقْلَى، أي: نُبغض، وقال:
أسِيئي بنا أو أخسِني لا ملومةٌ لدينا ولا مَقْليَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ(٢)
وقال امرؤ القيس :
ولستُ بمَقْليِّ الخِلالِ ولا قالٍ(٣)
وتأويلُ الآية: ما ودَّعك ربُّك وما قَلاك، فترك الكاف لأنَّه رأسُ آية، كما قال عزَّ
وجلّ: ﴿وَالذَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًا وَالذَِّرَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: والذَّاكِرَاتِ اللهَ.
قوله تعالى: ﴿وَلَلَخِرَةُ خَرٌ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى ﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
روى سَلمةُ عن ابن إسحاق قال: ﴿وَلَلَآخِرة خير لكَ مِنَ الأولى﴾ أي: ما
عندي في مَرْجِعِكَ إليَّ يا محمدُ، خيرٌ لك مما عَجَّلْتُ لك من الكرامةِ في الدنيا (٤).
وقال ابن عباس: أُرِيَ النبيُّ # ما يَفْتَحُ الله على أمَّته بَعْدَه، فسُرَّ بذلك، فنزل جبريلُ
بقوله: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَرٌّ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ (٥). قال ابن إسحاق:
(١) الصحاح (قلا)، ووقع في النسخ: يا رب، بدل: أيام، والمثبت من الصحاح، واللسان (قلا)، وفيه
بعده: ولو تشاء قبِّلتْ عيناها.
(٢) سلف ٢٣٦/١٠.
(٣) وصدره: صرفتُ الهوى عنهنَّ من خشية الردى، والبيت في ديوان امرئ القيس ص٣٥، وسلف
ص٣٢٧ من هذا الجزء.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٤١ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٨٨ .