النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة الغاشية: الآيتان ٣ - ٤ مُتَقَهِّلٌ، عليه سوادٌ، فلمَّا رآه عمرُ بَكَى. فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، ما يُبْكيكَ؟ قال: هذا المسكين طَلَبَ أمراً فلم يُصِبْه، ورَجًا رجاءً فأَخطأًه، وقرأ قول الله عز وجل: ﴿وُجُوٌَّ يَوَمَيِذٍ خَشِعَةُ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾ (١). قال الكسائيُّ: التقَهُّل: رثاثةُ الهيئة، ورجلٌ مُتَقَهِّل: يابسُ الجِلْدِ سَيِّئُ الحال، مثل المتقخِّل. وقال أبو عمرو: التقهُّل: شَكْوَى الحاجة، وأنشد: لَعْوًا إِذا لاقيته تقهَّلا(٢). والقَهْلِ: كُفْرانُ الإحسانِ. وقد قَهَلَ يَقْهَلُ قَهْلاً: إذا أَثْنَى ثناءً قبيحاً. وأَقْهَلَ الرجلُ: تكلّف ما يَعيبهُ ودَّس نَفْسَه. وانْقَهَلَ: ضَعُفَ وسَقطَ؛ قاله الجوهريُّ(٣). وعن عليٍّ : أنهم أهلُ حَرُورَاء، يعني الخوراجَ الذين ذَكَرهم رسول الله ﴾ فقال: ((تَحقِرون صلاتكم مع صلاتِهم، وصيامَكم مع صيامِهم، وأعمالكم مع أعمالِهِم، يَمْرُقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السهمُ من الرَّمِيَّةِ» الحديث (٤). قوله تعالى: ﴿َتَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ ﴾﴾ أي: يُصيبها صِلاؤُها وحرُّها ﴿حَامِيَةٌ﴾ شديدةَ الحرِّ، أي: قد أُوْقِدَتْ وأُحْمِيتْ المدةَ الطويلة. ومنه حَمِيَ النهارُ بالكَسْر، وحَمِيَ التنورُ حَمْياً فيهما، أي: اشتدَّ حرُّه. وحكى الكِسائيُّ: اشتدَّ حَمْيُ الشمسِ وحَمْوُها، بمعنى (٥). (١) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٨/٢، والحاكم ٥٢١/٢-٥٢٢، والواحدي في الوسيط ٤٧٣/٤ بنحوه من طريق أبي عمران الجوني عن عمر. (٢) وقبله: فلا تكونن ركيكاً تنتلا، وهو في الصحاح (قهل) والكلام منه، وأساس البلاغة. (قهل)، واللسان (قهل) و(ذرمل). قوله: لعواً، اللعو: السَّيُِّ الخُلُق، والشَّرِهِ الحريص. القاموس (لعو). (٣) في الصحاح (قهل). (٤) ينظر حديث أبي سعيد الخدري ﴾ عن أحمد (١١٠٠٨) و(١١٢٩١) و(١١٥٧٩)، والبخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤). (٥) الصحاح (حمى). ٢٤٢ سورة الغاشية: الآية ٤ وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوبُ: ((تُصْلَى)) بضم التاء. الباقون بفتحها(١). وقرئ: (تُصَلَّى)) بالتشديد(٢). وقد تقدَّم القولُ فيها في ﴿ إِذَا التَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾(٣). الماوَرْدِيُّ(٤): فإن قيل: فما معنى وَصْفِها(٥) بالحَمْي وهي لا تكونُ إلَّا حاميةً، وهو أقلُّ أحوالها، فما وَجْهُ المبالغةِ بهذه الصِّفة الناقصة؟ قيل: قد اختلف في المراد بالحامية هاهنا على أربعةِ أَوْجُهٍ : أحدُها : أنَّ المراد بذلك أنَّها دائمةُ الحَمْي، وليستْ كنارِ الدنيا التي ينقطعُ حَمْيُها بانطفائها . الثاني: أنَّ المراد بالحامية أنَّها حِمّى [يمنع] من ارتكابِ المحظورات، وانتهاكٍ المحارِم، كما قال النبيُّ لَ﴾: ((إنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمّى، وإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُه، ومَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشك أنْ يقعَ فيه))(٦). الثالث: أنَّها تَحمي نفسها عن أن تطاقَ مُلامَستُها، أو ترامَ مُماسَّتُها، كما يحمي الأسدُ عَرِينَه، ومثلُه قولُ النابغةِ : تعدو الذئابُ على مَن لا كلابَ له وتتَّقِي صَولةَ المُسْتَأسِدِ الحامي(٧) (١) السبعة ص٦٨١، والتيسير ص٢٢١، والنشر ٤٠٠/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ١٧٢ . (٣) ص ١٦٠ من هذا الجزء. (٤) في النكت والعيون ٢٥٨/٦-٢٥٩ . (٥) في النسخ الخطية : صفتها. (٦) أخرجه مطولاً أحمد (١٨٣٧٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير﴾. (٧) طبقات الفحول ١/ ٥٧، والأغاني ٧٩/١، وتهذيب اللغة ٧٦/١٥، ونُسب للزبرقان كما في جمهرة الأمثال للعسكري ١/ ٥٤٠، والصحاح (ثفر). قال ابن سلام: سألت يونس عن البيت فقال: هو للنابغة، أظن الزبرقان استزاده في شعره، كالمَثَل حين جاء موضعه، لا مجتلباً له. اهـ. ووقع في المصادر عدا الأغاني: وتتقي مَرْبِضَ المستثفر الحامي. قال الأزهري: استثفار الكلب: إدخالهُ ذَنَبَه بين فخذيه حتی یلز قه ببطنه . ٢٤٣ سورة الغاشية: الآيات ٤ - ٦ الرابع: أنَّها حاميةٌ حَمْيَ غيظ وغضب؛ مبالغةً في شدَّة الانتقام. ولم يُرِدْ حَمْيَ جِرْمٍ وذاتٍ، كما يقال: قد حَمِيَ فلانٌ: إذا اغتاظَ وغضب عند إرادةِ الانتقام. وقد بَيَّن الله تعالى هذا المعنى بقوله: ﴿تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْفَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. قوله تعالى: ﴿تُنْقَى مِنْ عَیٍِّ ،َاِيَةِ ٥ الآني: الذي قد انتهى حَرُّه؛ من الإيناء، بمعنى التأخير. ومنه ((أنّيْتَ وآذَيْتَ))(١). وآناه يُؤْنيه إيناءً، أي: أخَّره وحَبَسَه وأَبْطَأَه ومنه: ﴿يَطُوفُونَ بَيَِّهَا وَبَيْنَ حِيمٍ ءَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. وفي التفاسير: ((مِن عينٍ آنيةٍ))، أي: تَناهَى حرُّها؛ فلو وَقَعتْ نقطةٌ منها على جبالِ الدنيا لذابَتْ(٢). وقال الحسن: ((آنيةٍ)) أي: حرُّها أدرك(٣)؛ أُوْقِدَتْ عليها جهنّمُ منذ خُلِقَتْ، فدُفِعوا إليها وِرْداً عِطاشاً(٤). وعن ابنِ أبي نجيحِ عن مجاهدٍ قال: بَلَغتْ إِنَاها، وحان شربها(٥). قوله تعالى: ﴿َلَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: لأهل النار. ﴿طَعَامُ إِلَّا مِنْ ضَرِيحٍ﴾ لمَّا ذَكَر شرابَهم ذَكَر طعامهم. قال عكرمةُ ومجاهدٌ: الضَّرِيع، نبتٌ ذو شوكٍ لاصِق بالأرض، تُسمِّيه قريشٌ الشِّبْرِق إذا كان رطباً، فإذا يبِس فهو الضَّريع، لا تَقْرَبُه دابةٌ ولا بهيمةٌ، ولا ترعاه، وهو سُمِّ قاتلٌ، وهو أخبثُ الطعام وأَشْتَعُه. على هذا عامَّةُ المفسِّرين(٦)، إلَّا أنَّ الضحَّاكَ روى عن ابن عباس قال: هو شيءٌ يَرْمي به البحر، يُسمَّى الضَّريعَ، من أقوات الأنعام لا الناسِ، فإذا وقعتْ فيه الإبلُ لم تَشْبَعْ، وهَلَكتْ هُزْلاً. والصحيحُ ما (١) أخرجه أحمد (١٧٦٩٧). (٢) تفسير الرازي ١٥٣/٣١. (٣) في (د) ادارك. (٤) الوسيط ٤٧٤/٤ دون قوله: أي حرها أدرك. (٥) أخرجه الطبري ٣٣٠/٢٤ . (٦) تفسير الطبري ٣٣١/٢٤-٣٣٢، وتفسير البغوي ٤٧٨/٤، وتفسير الرازي ١٥٣/٣١. ٢٤٤ سورة الغاشية: الآية ٦ قاله الجمهورُ: أنه نَبْتٌ. قال أبو ذُؤيب: وعاد ضَريعاً بانَ عنه النَّحائصُ(١) رَعَى الشِّبرِقَ الرِيَّانَ حتى إذا ذَوَى وقال الهُذَلِيُّ وذَكَر إيلاّ وسوءَ مَرْعاها : .. حَذْباءُ دامِيةُ اليدين حَرُودُ(٢) وحُبِسْنَ في هَزْمِ الضَّرِيعِ فكلُّها وقال الخليل : الضَّريعُ: نباتٌ أخضرُ مُنتنُ الريحِ، يَرْمي به البحر. وقال الوالِييُّ عن ابن عباس: هو شجرٌ من نار(٣)، ولو كانت في الدنيا لأَخْرقت الأرضَ وما عليها. وقال سعيد بن جُبير: هو الحجارة. وقاله عكرمة (٤). والأَظْهَرُ أنه شجرٌ ذو شوكٍ حَسْبَ ما هو في الدنيا. وعن ابن عباس عن النبيِّ # قال: ((الضريعُ: شيءٌ يكونُ في النار، يُشبه الشوكَ، أشدُّ مرارةً من الصَّبر، وأَنْتَنُ من الجيفة، وأَخَرُّ من النار، سمَّاه الله ضريعاً)) (٥). وقال خالد بن زياد(٦): سمعتُ المتوكّلَ بنَ حمدان(٧) يُسألُ عن هذه الآية: (١) الكشاف ٢٤٥/٤، وتفسير الرازي ١٥٣/٣١، ولم نقف عليه في ديوان الهذليين. قوله: النحائص، هي جمع نحوص: وهي الناقة الشديدة السِّمَن. القاموس (نحص). (٢) البيت لقيس بن عيزارة، وهو في ديوان الهذليين ٧٣/٣. قال الشارح: الهَزْم: ما تكسَّر من الضريع. وحرود: لا تكاد تَدُرّ. (٣) تفسير الطبري ٣٣٣/٢٤، وزاد المسير ٩٦/٩. (٤) أخرجه عن سعيد بن جبير الطبري ٣٣٢/٢٤، وذكره عن عكرمة النحاس في إعراب القرآن ٢١١/٥. (٥) أخرجه الواحدي في الوسيط ٤٧٤/٤، وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٤٢/٦، وسنده واه كما ذكر السيوطي. (٦) الأزدي، أبو عبد الرحمن الترمذي، قال ابن حبان: يروي عن نافع صحيفة مستقيمة، وعن قتادة الحرف بعد الحرف، مات وهو ابن مئة سنة وسنة، وكان على القضاء بترمذ. الثقات ٢٦٣/٦، وتهذيب التهذيب ١/ ٥١٩ . (٧) لعله المتوكل بن حمران البلخي، ذكره ابن حبان في الثقات ١٩٨/٩ وقال: من العبَّاد، يروي عن كثير ابن زیاد وأبي سهل، روی عنه أهل بلده. ٢٤٥ سورة الغاشية: الآية ٦ ﴿لَّيْسَ لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيجٍ﴾. قال: بلغني أنَّ الضَّريعَ شجرةٌ من نارٍ جهنّم، حَمْلُها القيحُ والدَّمُ، أشدُّ مرارةً من الصَّبر، فذلك طعامُهم. وقال الحسن: هو بعضُ ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعامٌ يَضْرَعون عنده ويَذِلوُن، ويتضرَّعون منه إلى الله تعالى طلباً للخلاص منه، فسمِّي بذلك لأنَّ آكِلَه يَضْرَعُ في أنْ يُعْفَى منه، لكراهته وخُشونته(١). قال أبو جعفر النحاس: قد يكون مشتقًّا من الضَّارِعِ، وهو الذليلُ، أي: ذو ضراعةٍ، أي: مَن شَرِبِه ذليلٌ تلحقُه ضَراعةٌ. وعن الحسن أيضاً: هو الزَّقُوم(٢). وقيل: هو وادٍ في جهنم. فالله أعلم. وقد قال الله تعالى في موضع آخر: ﴿فَيْسَ لَهُ الَّوْمَ هَهُنَا حَيْمٌ وَلَا طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينِ﴾ [الحاقة: ٣٥-٣٦]. وقال هنا: ﴿إِلَّ مِن ضَرِيجُ﴾ وهو غيرُ الغِسْلِين. ووَجْهُ الجمع: أنَّ النار دَرَكاتٌ؛ فمنهم مَنْ طعامُه الزَّقومُ، ومنهم مَن طعامُه الغِسْلينُ، ومنهم مَن طعامُه الضَّريعُ، ومنهم مَن شرابُه الحميمُ، ومنهم مَن شرابُه الصَّديد(٣). قال الكلبيُّ: الضريعُ في درجةٍ ليس فيها غيرُه، والزَّقومُ في درجةٍ أُخْرى. ويجوزُ أنْ تُحْمل الآيتان على حالتين كما قال: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمٍ ءَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٥]. القُتَبيُّ(٤): ويجوزُ أن يكون الضريعُ وشجرةُ الزَّقومِ نَّبْتينِ من النار، أو مِن جوهرٍ لا تأكلُه النار. وكذلك سلاسلُ النارِ وأغلالُها، وعقاربُها وحَيَّاتها، ولو كانت على ما نَعْلَم ما بقيتْ على النار. قال: وإنَّما دلَّنا الله على الغائبِ عنده، بالحاضرِ عندنا، فالأسماءُ متَّفقةُ الدلالةِ، والمعاني مختلفةٌ. وكذلك ما في الجنة من شجرها وفُرُشها. القُشَيريُّ: وأَمْثَلُ من قولِ القُتَبِيِّ أن نقول: إنَّ الذي يُبقي الكافرين في النار ليدومَ (١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ٩٧ مختصراً. (٢) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٢١١/٥ . (٣) تأويل مشكل القرآن ص٤٨، وتفسير الرازي ١٥٤/٣١. (٤) في تأويل مشكل القرآن ص ٥٠ . ٢٤٦ سورة الغاشية: الآيتان ٦ - ٧ عليهم العذابُ، يُبقي النباتَ وشجرةَ الزقوم في النار ليعذِّب بها الكفار. وزعم بعضُهم أنَّ الضَّريع بعَيْنِهِ لا يَنْبتُ في النار، ولا أنَّهم يأكلونه. فالضريعُ مِن أَقْواتِ الأنعام، لا مِن أَقْواتِ الناس. وإذا وقعت الإبلُ فيه لم تَشْبَعْ، وهلکتْ هزلاً، فأراد أنَّ هؤلاء يقتاتون بما لا يُشْبِعُهم، وضَرَب الضَّريعَ له مثلاً، أنهم يعذّبون(١) بالجوع كما يَعذَّبُ مَن قُوتُه الضَّریعُ. قال الترمذيُّ الحكيم: وهذا نظرٌ سقيمٌ من أهله وتأويلٌ دنيءٌ، كأنه يدلُّ على أنَّهم تحيّروا في قدرة الله تعالى. وإنَّ الذي أَنْبتَ في هذا الترابِ هذا الضريعَ قادرٌ على أنْ يُنْبِتَه في حريق النار، كما (٢) جعل لنا في الدنيا من الشجر الأخضر ناراً، فلا النارُ تُحْرِقُ الشجرَ، ولا رطوبةُ الماءِ في الشجر تُظْفِئُ النارَ، فقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُرُ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠]. وكما قيل حين نزلت ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]، قالوا: يا رسول الله، كيف يَمشونَ على وجوههم؟ فقال: ((الذي)) أمشاهم على أَرْجُلِهم قادرٌ على أن يُمْشِيَهم على وجوههم))(٣). فلا يتحيَّرُ في مثلِ هذا إلا ضعيفُ القلب. أَوَليس قد أخْبَرنا أنه ﴿كُلّا نَضِحَتَّ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآَ أَنْكَالًا﴾ أي: قُيوداً ﴿وَحِيمًا. وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٢-١٣] قيل: ذا شوك. فإنَّما يَتلوَّنُ عليهم العذابُ بهذه الأشياء. قوله تعالى: ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوع يعني الضريعَ لا يُسْمِنُ آكله. وكيف يَسْمَنُ مَن يأكلُ الشوك! قال المفسِّرون: لمَّا نزلت هذه الآيةُ قال المشركون: إنَّ إِبِلَنا لتَسْمَنُ بالضَّريع، فنزلتْ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى (١) في تأويل مشكل القرآن ص٤٩ (والكلام منه): أو يعذبون، بدل: أنهم يعذبون. (٢) قوله: كما، ليس في (م). (٣) أخرجه أحمد (١٣٣٩٢)، والبخاري (٦٥٢٣)، ومسلم (٢٨٠٦) من حديث أنس ، وأخرجه أحمد (٨٦٤٧) من حديث أبي هريرة ﴾. ٢٤٧ سورة الغاشية: الآيات ٧ - ١١ مِنْ جُع﴾(١). وكَذَبوا، فإنَّ الإبل إنَّما ترعاه رَظْباً، فإذا يَبِسَ لم تأكله(٢). وقيل: اشْتَبَه عليهم أمرُه فظنُّوه كغيره من النَّبْتِ النافع؛ لأنَّ المضارَعةَ: المشابهة، فوجدوه لا يُسْمِنُ(٣) ولا يغني من جوع. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ فِ جَِّ عَالِيَةٍ ١٠ قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ أي: ذاتُ نَعْمةٍ. وهي وجوهُ المؤمنين، نَعِمَتْ بما عايَنَتْ من عاقبة أَمْرِها وعَمَلِها الصالح. ﴿لِّسَعِْها﴾ أي: لعملها الذي عَمِلَتْه في الدنيا. ﴿رَاضِيَةٌ﴾ في الآخرة حين أُعطيتِ الجنةَ بعَمَلِها. ومَجازُه: لثوابٍ سَعِْها راضيةٌ. وفيها واوٌ مُضْمَرةٌ، المعنى: ووجوه يومئذٍ، للفصل بينها وبين الوجوهِ المتقدِّمة. والوجوهُ عبارةٌ عن الأنفُس . ﴿فِ جَنَّةٍ عَلِيَةٍ﴾ أي: مُرْتفعةٍ؛ لأنَّها فوق السماوات حَسْبَ ما تقدَّم. وقيل: عاليةِ القَدْرِ؛ لأنَّ فيها ما تَشْتَهيه الأنفسُ وتَلَذُّ الأَعْيُن، وهم فيها خالدون. قوله تعالى: ﴿لَّا تَتْمَعُ فِيَهَا لَلِيَةٌ أي: كلاماً ساقطاً غيرَ مَرْضِيٍّ. وقال: ((لاغية))، واللَّغْو واللَّغَا واللَّغية: بمعنَى واحدٍ؛ قال : عنِ اللَّغَا ورَفَثِ الَّكلُّم(٤) وقال الفرَّاء والأخفش: أي: لا تَسمعُ فيها كلمةَ لغوٍ(٥). وفي المراد بها ستةُ (١) معاني القرآن للزجاج ٣١٧/٥، والوسيط ٤٧٥/٤، والكشاف ٢٤٦/٤، وتفسير البغوي ٤٧٩/٤. (٢) تفسير البغوي ٤ / ٤٧٩ . (٣) في (د): لا يشبع. (٤) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ص ٢٨٣ ، وقبله: ورَبِّ أسرابٍ حجيجٍ كُظَّمٍ. أقسم بربِّ أسراب حجيج، وأسراب الحجيج: جماعات الحاجّ. والكظَّم: السكوت. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص٢٥٩ . (٥) النكت والعيون ٦/ ٢٦٠، وقول الأخفش في معاني القرآن ٢/ ٧٣٧. ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء. ٢٤٨ سورة الغاشية: الآيات ١١ - ١٦ أَوْجُهٍ: أحدها: يعني كذبًا وبُهتانًا وكفراً بالله عز وجل؛ قاله ابن عباس. الثاني: لا باطلَ ولا إثم؛ قاله قتادة. الثالث: أنه الشتم؛ قاله مجاهد. الرابع: المعصية؛ قاله الحسن(١). الخامس: لا يُسْمَعُ فيها حالفٌ يحلفُ بكذبٍ؛ قاله الفرَّاء(٢). وقال الكلبيُّ: لا يُسمع في الجنة حالفٌ بيمينٍ برَّةٍ ولا فاجرة(٣). السادس: لا يُسمع في كلامهم كلمةٌ تُلْغَى؛ لأنَّ أهل الجنةِ لا يتكلَّمون إلَّا بالحكمةِ وحَمْدِ الله على ما رَزَقَهم من النعيم الدائم؛ قاله الفرَّاء أيضاً(٤). وهو أحسنُها لأنه يَعمُّ ما ذُكر. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ((لا يُسْمَعِ)) بياءٍ غير مسمَّى الفاعل. وكذلك نافع، إلَّا أنَّه بالتاء المضمومة(٥)؛ لأنَّ اللاغيةَ اسمٌ مؤنثٌ فأنثَ الفعل لتأنيثه. ومَن قرأ بالياء فلأنه حالَ بين الاسم والفعلِ الجارُّ والمجرور. وقرأ الباقون بالتاء مفتوحةً، ((لاغِیةً)) نَصْباً (٦)، على إسنادٍ ذلك للوجوه، أي: لا تسمعُ الوجوهُ فيها لا غيةً. وَنَارِقُ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (®] قوله تعالى: ﴿فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَّةٌ ٧ فِيَهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ (٣) مَصْفُوفَةٌ ﴿ وَزَرَبِىُّ مَبْتُونَهُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَّةٌ﴾ أي: بماءٍ مُنْدَفقٍ، وأنواع الأشربةِ اللذيذةِ على وَجْهِ الأرضِ من غيرٍ أُخدود. وقد تقدَّم في سورة الإنسان(٧) أنَّ فيها عيونًا، فـ«عينٌ)) بمعنی : عیون. والله أعلم. ﴿فِيَهَا سُرٌ مَّقُوعَةٌ﴾ أي: عالية. ورُوي أنه كان ارتفاعُها قَدْرَ ما بين السماءِ (١) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٢٦٠/٦، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق ٣٦٨/٢، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٣٥/٢٤ . (٢) في معاني القرآن ٢٥٧/٣. (٣) النكت والعيون ٦/ ٢٦٠. (٤) النكت والعيون ٦/ ٢٦١، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء. (٥) ومَن قرأ بهاتين القراءتين قرأ: ((لاغيةٌ)) بالرفع. السبعة ص٣٨١، والتيسير ص٢٢٢ . (٦) في (م): نصاً. (٧) ٢١ /٤٥٦ . ٢٤٩ سورة الغاشية: الآيات ١٢ - ١٦ والأرض، ليرَى وليُّ اللهِ مُلْكَه حَوْلَه. ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ أي: أباريقُ وأوانٍ. والإبريق: هو ماله عُروةٌ وخُرطوم. والكوبُ: إناءٌ ليس له عروةٌ ولا خرطوم. وقد تقدَّم هذا في سورة ((الزخرف))(١) وغيرها. ﴿وَغَرِقُ﴾ أي: وسائدُ، الواحدةُ: نُمْرُقة. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ أي: واحدة إلى جَنْبٍ الأخرى، قال الشاعر : وبينَ أبي قابوسَ فَوقَ النَّمارِقِ(٢) وإنا لنُجْرِي الكأَسَ بين شُروبنا وقال آخر : كُهولٌ وشبَّانٌ حِسانٌ وجوهُھُمْ على سُرُرٍ مَصفوفةٍ ونَمارِقٍ(٣) وفي ((الصحاح)): النُّمْرُقُ والنُّمرُقةُ: وسادةٌ صغيرة. وكذلك النِّمرِقة - بالكسر - لغةٌ حكاها يعقوب. وربَّما سَمَّوا الطَّنْفِسةَ التي فوق الرَّحْلِ نُمرقة؛ عن أبي عُبيد (٤). ﴿وَاِىُّ مَبْثُتَّةُ﴾: قال أبو عُبيدة(٥): الزرابيُّ: البُسُط. وقال ابن عباس: الزَّرابيّ: الطّنافسُ التي لها خَمْلٌ رقيقٌ، واحدتُها: زربية(٦). وقاله الكلبيُّ والفرَّاء(٧). والمبثوثة: المبسوطةُ؛ قاله قتادة. وقيل: بعضُها فوق بعضٍ؛ قاله عكرمةُ. وقيل: كثيرة؛ قاله الفرَّاء. وقيل: متفرقةٌ في المجالس؛ قاله القُتَبيّ(٨). (١) ١٩ / ٨١ - ٨٢. (٢) البيت للفرزدق، وهو في الكامل للمبرد ١٣٦٩/٣. قوله: شُروبنا، الشُّروب: القوم يشربون. القاموس (شرب). (٣) نسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٧٤/٥ لزهير، ولم نقف عليه في ديوانه . (٤) الصحاح (نمرق). (٥) في مجاز القرآن ٢٩٦/٢ . (٦) تكسر زايها وتفتح وتضم. النهاية (زرب). (٧) في معاني القرآن ٢٥٨/٣، وذكره عن الكلبي الماوردي في النكت والعيون ٢٦١/٦. (٨) النكت والعيون ٢٦١/٦-٢٦٢. وقول قتادة أخرجه الطبري ٣٣٨/٢٤، وقول الفراء في معاني = ٢٥٠ سورة الغاشية: الآيتان ١٦ - ١٧ قلت: هذا أَضْوَبُ، فهي كثيرةٌ متفرِّقةٌ. ومنه: ﴿وَبَثَّ فِهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال أبو بكر الأنباريُّ: وحدَّثنا أحمد بن الحسين، قال: حدَّثنا حسين بن عرفة، قال: حدَّثنا عمار بن محمد، قال: صلَّيتُ خَلْفَ منصور بنِ المعتمر، فقرأ: ﴿هَلْ أَتْنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾، وقرأ فيها: ((وزَرَابِيُّ مَبْثُوثٌ متَّكئين فيها ناعمين)) (١). قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ قال المفسّرون: لمَّا ذكر الله عزَّ وجلَّ أَمْرَ أهلِ الدارَيْنِ، تعجّب الكفار من ذلك، فكذَّبوا وأنكروا، فذكَّرهُمُ الله صنعته وقُدْرتَه، وأَنه قادرٌ على كلِّ شيء، كما خَلَقَ الحيواناتِ والسماءَ والأرضَ. ثم ذَكَر الإبلَ أولاً، لأنَّها كثيرةٌ في العرب، ولم يَرَوُا الفِيلةَ، فنَبَّههم جلَّ ثناؤه على عظيم مِن خَلْقِه، قد ذَلَّله للصغير يقودُه ويُنيخُه ويُنْهِضُه، ويحملُ عليه الثقيل من الْحِمْل وهو بارِكٌ، فينهضُ بثقيلِ حِمْلِه، وليس ذلك في شيءٍ من الحيوان غيرِهِ. فأراهم عظيماً من خَلْقِه، مسخّراً لصغيرٍ مِن خَلْقِه؛ يدلُّهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته. وعن بعضٍ الحكماءِ: أنَّه حُدِّثَ عن البعير وبديع خَلْقِهِ، وقد نشأ في بلادٍ لا إبلَ فيها، ففكّر ثم قال: يوشكُ أنْ تكونَ طِوالَ الأعناقِ. وحين أراد بها أن تكونَ سفائنَ البرِّ، صَبَّرها على احتمالِ العطش، حتى إنَّ إظماءها ليرتفعُ إلى العَشْرِ فصاعداً، وجعلها ترعَى كلَّ شيءٍ نابتٍ في البراري والمفاوِزِ، ممَّا لا يرعاه سائرُ البهائم(٢). وقيل: لَمَّا ذَكَرِ السُّرُرَ المرفوعةَ قالوا: كيف نَصْعدُها؟ فأنزل الله هذه الآيةَ، وبيَّن أنَّ الإبلَ تَبْرُك حتى يُحمل عليها ثم تقوم، فكذلك تلك السُّرُر تَتَطامنُ ثم ترتفع. قال = القرآن ٢٥٨/٣، وقول ابن قتيبة في تفسير الغريب ص٥٢٥ . وقول عكرمة أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٤٣/٦ . (١) الخبر في كتاب المصاحف لابن الأنباري، كما في الدر المنثور ٣٤٣/٦. (٢) الكشاف ٢٤٧/٤ . ٢٥١ سورة الغاشية: الآية ١٧ معناه قتادةُ ومقاتلٌ وغيرهما (١). وقيل: الإبلُ هنا القِطَعُ العظيمةُ من السحاب؛ قاله المبرِّد (٢). قال الثعلبيُّ: وقيل في الإِبِل هنا: السحابُ، ولم أَجِدْ لذلك أصلاً في كتب الأئمة. قلت: قد ذَكَر الأصمعيُّ أبو سعيدٍ عبدُ الملك بن قُرَيب، قال أبو عمرو: مَن قرأها: ((أفلا ينظرون إلى الإِبِلِ كيف خُلِقتْ)) بالتخفيف: عنَى به البعير؛ لأنَّه من ذواتِ الأربع، يَبْرُك فتُحْمَلُ عليه الحمولةُ، وغيرهُ من ذواتِ الأربع لا يُحملُ عليه إلَّا وهو قائم. ومَن قرأها بالتثقيل فقال: ((الإِبِلِّ)) عنَى بها السحابَ التي تحملُ الماءَ للمطر (٣). وقال الماوَرْديُّ(٤): وفي الإبل وجهان: أحدُهما - وهو أَظْهَرُهما وأَشْهِرُهما -: أنَّها الإبلُ من النَّعَم. الثاني: أنَّها السَّحابُ. فإنْ كان المرادُ بها السحابَ، فلِمَا فيها من الآيات الدالَّةِ على قُدْرَته، والمنافع العامَّة لجميع خَلْقِهِ. وإن كان المرادُ بها الإبلَ من النَّعَمِ، فلأنَّ الإبلَ أَجْمعُ للمنافع من سائر الحيوان؛ لأنَّ ضُروبَه أربعةٌ: حَلُوبة، ورَكُوبة، وأَكُولة، وحَمُولة. والإبلُ تجمع هذه الخِلالَ الأربع، فكانت النعمةُ بها أعمَّ، وظهورُ القدرةِ فيها أَتَمَّ. وقال الحسن: إنَّما خصَّها الله بالذِّكْرِ لأنها تأكلُ النَّوى والقَتَّ، وتُخرِجُ اللَّبن. وسئل الحسن أيضاً عنها وقالوا: الفيلُ أعظمُ في الأعجوبة! فقال: العربُ بعيدةُ العهدِ بالفيل، ثم هو خنزيرٌ لا يُؤكل لحمُه، ولا يُركبُ ظَهْرُه، ولا يُحلَبُ دَرُّه(٥). (١) تفسير البغوي ٤/ ٤٨٠ وزاد المسير ٩٩/٩ عن قتادة دون قوله: وبين أن الإبل تبرك ... (٢) المحرر الوجيز ٤٧٤/٥، وذكره النحاس في إعراب القرآن ٢١٣/٥، والماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٦٢ دون نسبة. (٣) اللسان (أبل)، وذكر قول أبي عمرو مختصراً ابن خالويه في القراءة الشاذة ص١٧٢ . (٤) في النكت والعيون ٦/ ٢٦٢ . (٥) الوسيط ٤ /٤٧٦، وتفسير البغوي ٤ / ٤٨٠ . ٢٥٢ سورة الغاشية: الآيات ١٧ - ٢٠ وكان شُرَيْح يقول: اخرجوا بنا إلى الكُناسة حتى ننظرَ إلى الإبل كيف خُلِقت(١). والإبل: لا واحدَ لها من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيثُ لها لازم، وإذا صغَّرتَها دَخَلَتْها الهاءُ، فقلتَ: أُبيلة وغُنيمة، ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل: إِبْل، بسكون الباء للتخفيف، والجمع: آبال(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ وَإِلَى ﴾ اُلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ قوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَفَ رُفِعَتْ﴾ أي: رُفعت عن الأرض بلا عَمَد. وقيل: رفعت، فلا ينالُها شيء. ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي: كيف نُصبت على الأرض بحيث لا تزول، وذلك أن الأرض لمّا دُحِيت مادت، فأرساها بالجبال، كما قال: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]. ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي: بُسطت ومدّت. وقال أنس: صلَّيت خلف عليّ ﴾، فقرأ: ((كَيفَ خَلَقْتُ)) و((رَفَعْتُ)) و(نَصَبْتُ)) و((سَطَحْتُ))، بضم التاءات(٣)؛ أضاف الضمير إلى الله تعالى. وبه كان يقرأ محمد بن السَّمَيْفَع وأبو العالية، والمفعول محذوف، والمعنى: خلقتها. وكذلك سائرُها. وقرأ الحسن وأبو حَيْوة وأبو رجاء: ((سُطِّحَتْ)) بتشديد الطاء وإسكان التاء(٤). وكذلك قرأ الجماعة، إلا أنَّهم خفَّفوا الطاء. وقدَّم الإبل في الذكر، ولو قدَّم غيرها لجاز. سـ (١) أخرجه الطبري ٣٣٩/٢٤، والكناسة: محلةٌ بالكوفة. معجم البلدان ٤/ ٤٨١. (٢) الصحاح (أبل). (٣) القراءات الشاذة ص ١٧٢، والمحتسب ٣٥٦/٢. (٤) القراءات الشاذة ص١٧٢، والمحتسب ٣٥٦/٢ عن هارون الرشيد، وذكرها عن الحسن ابن عطية في المحرر الموجيز ٤٧٥/٥ . ٢٥٣ سورة الغاشية: الآيات ٢٠ - ٢٦ قال القشيري: وليس هذا ممَّا يُطلب فيه نوعُ حكمة. وقد قيل: هو أقرب إلى الناس في حقِّ العرب، لكثرتها عندهم، وهم من أعرفِ الناس بها. وأيضاً: مَرافق الإبل أكثر من مرافق الحيوانات الأُخَر، فهي مأكولة، ولبنها مشروب، وتصلح للحمل والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة العَلَف، وكثرة الحَمْل، وهي مُعْظَم أموال العرب. وكانوا يسيرون على الإبل منفردين مستوحشين عن الناس، ومَنْ هذا حاله تَفكّر فيما يحضره، فقد ينظر في مركوبه، ثم يمد بصره إلى السماء، ثم إلى الأرض. فأُمِروا بالنظر في هذه الأشياء؛ فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرِ ﴿ إِلَّا مَن إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ٣٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا فَيُعَذِّبُهُ اَللّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ® تَوَلَّى وَكَفَرَ حِسَابَهُم (٣) قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فعِظْهُم يا محمدُ وخوّفْهم. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِرٌ﴾ أي: واعِظُ. ﴿َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ﴾ أي: بمسَلَّط عليهم فتقتلَهم. ثم نَسَخَتْها آيَةُ السَّيف. وقرأ هارون الأعور: ((بِمُسَيْطَرٍ)) بفتح الطاء، و((المُسَيْطَرون)) [الطور: ٣٧]. وهي لغةُ تميم(١). وفي ((الصِّحَاح)): المُسَيطِر والمُصَيْطِر: المُسَلَّطُ على الشيء، ليُشْرِفَ عليه، ويتعهَّدَ أحواله، ويكتبَ عملَه، وأصلهُ من السَّطر؛ لأنَّ الكتاب مُسَطَّرٌ(٢)، والذي يفعلُه مُسَطّر ومُسَيْطِر؛ يقال: سَيْطَرْتَ علينا، وقال تعالى: (لَسْتَ عليهم بمسَيْطِرٍ)). (١) البحر ٤٦٤/٨. قال الزمخشري في الكشاف ٢٤٨/٤: قيل: هو في لغة تميم مفتوح الطاء، على أن سيطر متعدٍّ عندهم، وقولهم: تَسَيْطَر، يدل عليه. (٢) في (م): لأن من معنى السطر ألا يتجاوز فالكتاب مسطر، وفي النسخ الخطية: لأن معنى السطر ألا يتجاوز فالكتاب مسطر، والمثبت من الصحاح (سطر)، ومثله في اللسان (سطر). ٢٥٤ سورة الغاشية: الآيات ٢٢ - ٢٦ وسَطَرَه، أي: صَرَعَه. ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، أي: لكنْ مَن تولَّى عن الوعظ والتذكير ﴿فَيُعَذِّبُهُ اَللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ وهي جهنمُ الدائمُ عذابُها - وإنَّما قال: ((الأكبر)) لأنهم عذِّبوا في الدنيا بالجوع والقَحْطِ والأَسْرِ والقتل - ودليلُ هذا التأويلِ قراءةُ ابنٍ مسعود: ((إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وكَفَر فإنَّه يعذِّبُه الله)) (١). وقيل: هو استثناءٌ متَّصِلٌ، والمعنى: لَسْتَ بمسَلَّطِ إلَّا على مَن تولَّى وكَفَر، فأنت مُسَلٌَّ عليه بالجهاد، واللهُ يعذِّبه بعد ذلك العذابَ الأكبرَ، فلا نَسْخَ في الآية على هذا التقدير. ورُوِي أنَّ عليًّا أُتِي برجلٍ ارتدَّ، فاستتابه ثلاثةَ أيام، فلم يُعاودِ الإسلامَ، فضرب عنقه، وقرأ: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَى وَكَفَرَ﴾(٢) . وقرأ ابنُ عباس وقتادةُ: ((أَلَا)) على الاستفتاح والتنبيه(٣)، كقولٍ امرئ القيس: أَلَّا رُبَّ يومٍ لكَّ منهِنَّ صالِحٍ(٤) و ((مَنْ)) على هذا: للشرط. والجوابُ: ((فيعذِّبه اللهُ)) والمبتدأُ بعد الفاءِ مُضْمَرٌ، والتقدير: فهو يعذِّبُه الله؛ لأنه لو أُرِيدَ الجوابُ بالفعل الذي بَعْدَ الفاءِ لكان: أَلَّا مَن تولَّى وكَفَر يعذِّبْه الله(٥). ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رُجوعَهم بعد الموت. يقال: آبَ يؤوب، أي: رجع. قال عَبید : ٠ (١) الكشاف ٢٤٨/٤ . (٢) أخرجه بنحوه مطولاً دون ذكر الآية البيهقي ٢٠٦/٨. (٣) المحتسب ٢/ ٣٥٧. (٤) وعجزه: ولا سيما يوم بدارة جلجل، وهو في الديوان ص ١٠. قال شارح الديوان: دارة جلجل: موضع يقال له: الحمى. والدار والدارة واحد. (٥) المحتسب ٣٥٧/٢. ٢٥٥ سورة الغاشية: الآيتان ٢٥ -٢٦ وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وغائبُ الموتِ لاَيَؤوبُ(١) وقرأ أبو جعفر: ((إِيّابُهمْ)) بالتشديد(٢). قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل: هما لغتان بمعنى. الزمَخْشَريُّ(٣): وقرأ أبو جعفر المدنيُّ: ((إِيَّبهم)) بالتشديد، ووجهه أن يكون فِيْعالاً: مصدر أيَّب فيْعَلَ من الإيَّاب(٤). أو أن يكون أصلُه إوَّاباً فِعَّالاً من أوَّب، ثم قيل: إيواباً، كديوان في دِوَّان. ثم فُعِل [به] ما فُعِل بأصل سيِّد(٥) ونحوِه. (١) ديوان عبيد بن الأبرص ص٢٦ . (٢) النشر ٢/ ٤٠٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه . (٣) في الكشاف ٢٤٨/٤ . (٤) ويقال منه: أيَّبَ يؤيِّبُ إِيَّاباً، والأصل: أَيْوَب يُؤَيْوِبُ إيواباً - كبَيْطَر يُبَيْطِر - ثم قلبت الواو ياءً وأدغمت الياء المزيدة فيها، فإيَّب على هذا: فيعال. ينظر الدر المصون ٢٧٢/١٠-٢٧٣. (٥) يعني أن أصله: سَيْوِد، فقلبت الواو ياءً وأدغمت. الدر المصون ٢٧٣/١٠ . سورة (الفجر)) مكِّيةٌ، وهي ثلاثون آية بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَاَلْفَجْرِ ﴾ وَالٍ عَشْرٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرٍ﴾ أَقْسَمَ بالفجر. ﴿وَلَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَالَتْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أقسامٌ خمسةٌ. واختُلِف في ((الفجر))؛ فقال قومٌ: الفجر هنا: انفجارُ الظُّلْمةِ عن النهار من كلِّ يومٍ؛ قاله عليٍّ وابن الزُّبير وابن عباس ﴾(١). وعن ابن عباس أيضاً: أنَّه النهارُ كلُّه، وعَبَّر عنه بالفجر لأنه أوَّله(٢). وقال ابن مُحَيْصن عن عطية عن ابن عباس: يعني فجرَ يومِ المحرَّم. ومثلُه قال قتادة. قال: هو فجرُ أوّلِ يومٍ من المحرَّم، منه تنفجرُ السنة(٣). وعنه أيضًا: صلاة الصبح(٤). وروى ابنُ جريج عن عطاءٍ عن ابن عباس قال: ((والفجر)): يريدُ صبيحةَ يومٍ النَّحْرِ؛ لأنَّ الله تعالى جلَّ ثناؤه جعل لكلِّ يوم ليلةً قَبْلَه، إلَّ يومَ النَّحْرِ لم يَجعَلْ لهَ ليلةً قبله ولا ليلةً بعده؛ لأنَّ يومَ عرفةً له ليلتان: ليلةٌ قبله وليلةٌ بعده، فَمَن أدركَ الموقفَ ليلةٌ بعد عرفةَ، فقد أَدْركَ الحَجَّ إلى طلوع الفجر، فجرِ يومِ النَّحْرِ. وهذا قولُ مجاهد(٥). (١) الوسيط ٤٧٨/٤، وزاد المسير ١٠٢/٩ عن ابن عباس، وذكره عن علي بنحوه المارودي في النكت والعيون ٦ /٢٦٥ . (٢) النكت والعيون ٦/ ٢٦٥ وأخرجه الطبري ٢٤٤/٢٤. (٣) الوسيط ٤ / ٤٧٨. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٤٤. (٥) ذكره عن مجاهد الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٦٥، وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٤٤/٦. ٢٥٧ سورة الفجر: الآيتان ١ - ٢ وقال عكرمةُ: ((والفجر)) قال: انْشِقاقُ الفجرِ من يوم جَمْع (١). وعن محمد بن كعب القُرَظِيِّ: ((والفجرِ)): آخر أيام العَشْرِ، إذا دفَعْتَ من جَمْع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة؛ لأنَّ الله تعالى قَرَنَ الأيامَ به فقال: ((وليالٍ عشرٍ))، أي: ليالٍ عشرٍ مِن ذي الحجة(٢). وكذا قال مجاهدٌ والسدِّيُّ والكلبيُّ في قوله: ((وليالٍ عَشْرٍ)): هو عَشْرُ ذي الحجة، وقاله ابن عباس. وقال مسروق: وهي العَشْرُ التي ذكرها الله في قصة موسى عليه السلام: ﴿ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهي أفضلُ أيامِ السَّنة(٣). وروى أبو الزبير عن جابر أنَّ رسول اللـه ل:﴿ قال: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قال: ((عشر الأضحى))(٤) فهي ليالٍ عشر على هذا القول؛ لأنَّ ليلةَ يوم النحر داخلةٌ فيه، إذ قد خصَّها الله بأنْ جَعَلَها موقفاً لمن لم يُدْرِكِ الوقوفَ يومَ عرفةَ. وإنَّما نكِّرتْ ولم تعرَّفْ لفضيلتها على غيرها، فلو عُرِّفت لم تَسْتَقِلَّ بمعنى الفضيلةِ الذي في التنكير، فنكِّرتْ مِن بينِ ما أقسم به، للفضيلة التي ليست لغيرها. والله أعلم. وعن ابن عباس أيضاً: هي العشرُ الأواخِرُ من رمضان. وقاله الضحاك(٥). وقال ابن عباس أيضاً ويمان والطبريُّ: هي العشرُ الأَوَّلُ من المحرَّم، التي عاشِرُها يومُ عاشوراءَ(٦). وعن ابن عباس: ((وليالِ عشرٍ)) - بالإضافة - يريد: وليالِ أيام عشر(٧). (١) أخرجه عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٤٤ بلفظ: طلوع الفجر غداةً جمع. وجمع هو المزدلفة. القاموس (جمع). (٢) الوسيط ٤ / ٤٧٨ . (٣) تفسير الطبري ٣٤٥/٢٤-٣٤٧ . (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٤٥١١)، والنسائي في الكبرى (٤٠٨٦)، وسيأتي لفظه بتمامه. (٥) المحرر الوجيز ٤٧٦/٥، وأخرجه عن ابن عباس الواحدي في الوسيط ٤ /٤٧٩ . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤٨١، وزاد المسير ٩/ ١٠٤ عن يمان (وهو ابن رئاب)، وحكى الطبري ٣٤٨/٢٤ هذا القول دون نسبة ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. (٧) الكشاف ٢٤٩/٤. قال السمين في الدر المصون ٧٨٠/١٠: بعضهم يكتب ((ليال)) في هذه القراءة دون ياء، وبعضهم قال: وليالي بالياء، وهو القياس. ٢٥٨ سورة الفجر: الآية ٣ قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَثْرِ الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك ؛ فرُوي مرفوعاً عن عمران بن الحصين عن النبيِّ﴿ أنه قال: ((الشفع والوتر: الصلاةُ؛ منها شَفْعٌ، ومنها وَتْر)) (١). وقال جابر بنُ عبد الله: قال النبيُّ ﴿: ﴿وَلْفَجْرِ. وَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قال: ((هو الصبحُ، وعَشْرُ النَّحْرِ، والوتر: يومُ عرفةَ، والشفعُ: يوُ النحر)»(٢). وهو قولُ ابن عباس وعكرمة(٣). واختاره النحاس، وقال: حديثُ أبي الزبيرِ عن جابرٍ هو الذي صحَّ عن النبيِّ ◌َ﴾، وهو أصُ إسناداً من حديث عمران بن حُصين. فيومُ عرفَةَ وترٌ لأنه تاسِعُها، ويومُ النحرِ شفعٌ لأنه عاشِرُها. وعن أبي أيوب قال: سُئل النبيُّ# عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتِ﴾ فقال: (الشَّفْعُ: يومُ عرفَةَ ويومُ النحرِ، والوترُ: ليلةُ يوم النحر))(٤). وقال مجاهدٌ وابن عباس أيضاً: الشَّفعُ خَلْقُه؛ قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجَا﴾ [النبأ: ٨]، والوَثْر هو الله عزَّ وجل(٥). فقيل لمجاهد: أَتَرْوِيهِ عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ، عن النبيِّ ◌َ﴾(٦). ونَحوَه قال محمد بن سيرين ومسروقٌ وأبو صالحٍ وقتادةٌ، قالوا: الشفعُ: الخَلْقُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، (١) أخرجه أحمد (١٩٩١٩)، والترمذي (٣٣٤٢) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة. أهـ. وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن عمران. (٢) أخرجه أحمد (١٤٥١١)، والنسائي في الكبرى (٤٠٨٦)، واللفظ له ، وسلف قريباً. (٣) أخرج قولهما الطبري ٢٤٩/٢٤ . (٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٠٧٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٣٧ : فيه واصل بن السائب وهو متروك. ! (٥) أخرج قولهما الطبري ٣٥١/٢٤ و٣٥٢ . (٦) لم نقف عليه، وقال البغوي ٤٨١/٤: روي ذلك عن أبي سعيد. ٢٥٩ سورة الفجر: الآية ٣ والسماء والأرض، والجنّ والإنس. والوتر: هو الله عزَّ وجلَّ، قال جلَّ ثناؤه: ﴿قُلّ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ اللَّهُ الضَّمَدُ﴾(١). وقال النبيَُّ﴾: ((إِنَّ للهِ تسعة وتسعين اسماً، واللهُ وِتْرٌ يُحبُّ الوتر))(٢). وعن ابن عباس أيضاً: الشفعُ: صلاةُ الصبح، والوترُ: صلاةُ المغرب. وقال الربيع بن أنس وأبو العالية: هي صلاةُ المغرب؛ الشفعُ فيها ركعتان، والوترُ الثالثة. وقال ابن الزُّبير: الشفعُ: يوما مِنّى؛ الحادي عشر، والثاني عشر. والثالث عشر: الوتر؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةِ﴾. [البقرة: ٢٠٣] وقال الضحاك: الشَّفعُ: عَشْرُ ذي الحجة، والوتر: أيامُ مِنّى الثلاثة. وهو قولُ عطاء. وقيل: إنَّ الشفعَ والوتر: آدمُ وحوَّاء؛ لأنَّ آدم كان فرداً فشُفِع بزوجته حوّاء، فصار شفعاً بعد وترٍ. رواه ابن أبي نَجِيح، وحكاه القشيريُّ عن ابن عباس. وفي رواية: الشفع: آدمُ وحوّاء، والوتر هو الله تعالى. وقيل: الشفع والوتر: الخَلْقُ؛ لأنهم شفعٌ ووتر، فكأنه أَقْسَم بالخلق(٣). وقد يُقْسِمُ الله تعالى بأسمائه وصفاته لعِلْمِه، ويقسمُ بأفعاله لقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ◌َلَقَ الذُّكَرَ وَالْأُنثَ﴾ [الليل: ٣]. ويقسمُ بمفعولاته، لعجائب صُنْعِه، كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَهَا﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. (١) تفسير البغوي ٤/ ٤٨١ عن مجاهد ومسروق، وأخرجه الطبري ٣٥١/٢٤ عن مجاهد وأبي صالح. (٢) أخرجه أحمد (٧٥٠٢)، والبخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٢٤/ ٣٥٠-٣٥٤، والنكت والعيون ٢٦٦/٦، وزاد المسير ١٠٦/٩-١٠٧ ٠ ٢٦٠ سورة الفجر: الآية ٣ وقيل: الشفعُ: دَرَجاتُ الجنة، وهي ثمان. والوترُ دَرَكاتُ النارِ؛ لأنها سبعةٌ. وهذا قولُ الحسين بن الفضل، كأنه أَقسم بالجنة والنار. وقيل: الشَّفعُ: الصفا والمروةُ، والوترُ: الكَعْبة. وقال مقاتل بن حَيَّان: الشفع: الأيامُ والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلةَ بعده، وهو يومُ القيامةِ. وقال سفيان بن عيينة: الوترُ هو الله، وهو الشفع أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. وقال أبو بكر الورَّاقُ: الشفعُ: تَضَادُّ أوصافِ المخلوقين: العِزُّ والذلُّ، والقدرةُ والعجزُ، والقوّةُ والضعفُ، والعلمُ والجهلُ، والحياةُ والموتُ، والبصرُ والعَمَى، والسَّمْعُ والصَّمَم، والكلامُ والخَرَس. والوتر: انفرادُ صفاتِ الله تعالى: عِزِّ بلا ذلِّ، وقدرةٌ بلا عجزٍ، وقوّةٌ بلا ضعفٍ، وعلمٌ بلا جهلٍ، وحياةٌ بلا موتٍ، وبصرٌ بلا عَمّى، وكلامٌ بلا خَرَسٍ، وسمعٌ بلا صَمَمٍ، وما وازاها. وقال الحسن: المرادُ بالشَّفْعِ والوَتْرِ: العددُ كلُّه؛ لأنَّ العددَ لا يخلو عنهما، وهو إقسامٌ بالحساب. وقيل: الشَّفعُ: مسجدُ مكةَ والمدينةِ، وهما الحرمان. والوتر: مسجدُ بيتٍ المقدس. وقيل: الشَّفع: القِرَانُ بين الحجّ والعمرةِ، أو التمتُّعُ بالعمرة إلى الحج. والوتر: الإفرادُ فیه. وقيل: الشفع: الحيوان؛ لأنه ذَكَرٌ وأُنثَى. والوتر: الجماد. وقيل: الشفع: ما يَنْمي، والوتر: ما لا يَنْمي. وقيل غيرُ هذا(١). (١) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٢٦٦/٦، وتفسير البغوي ٤٨١/٤-٤٨٢، والمحرر الوجيز ٤٧٧/٥، وزاد المسير ١٠٦/٩-١٠٧ قال الزمخشري في الكشاف ٢٤٩/٤: وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناسَ ما يقعان فيه، وذلك قليلُ الطائل، جديرٌ بالتَّلهي عنه.