النص المفهرس
صفحات 201-220
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ الرَّحَيَةِ سورة ((الطارق)) مَكِّيّةٌ، وهى سبع عشرة آية قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالَّارِقِ ﴿﴿ وَمَآ أَذَرَئِكَ مَا اُلْطَّارِقُ ٣ النَّجُمُ الَّقِبُ قوله تعالى: ﴿وَمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ قَسَمان: ((السماء)) قَسَمٌ، و((الطارِقُ)) قَسَم. والطارق: النَّجم. وقد بيَّنه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَذَرَكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. واختلف فيه؛ فقيل: هو زُحَل، الكوكب الذي في السماء السابعة؛ ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، وذكر له أخباراً، الله أَعْلَمُ بصحَّتها(١). وقال ابن زيد: إنَّه الثُّريًّا. وعنه أيضاً أنَّه زُحَل(٢). وقاله الفرَّاء(٣). ابن عباس: هو الجَذي (٤). وعنه أيضاً وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - والفرَّاء: ((النجم الثاقِب)): نجمٌ في السماء السابعة، لا يسكنُها غيرُه من النجوم؛ فإذا أخَذَت النجومُ أَمْكِنَتها من السماء، هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زُحَل؛ فهو طارقٌ حين ينزل، وطارقٌ حين يصعد(٥). وحكى الفراء(٦): ثَقَبَ الطائرُ: إذا ارتفع وعَلاً. (١) التعريف والإعلام ص ١٨٢، ومحمد بن الحسن هو أبو بكر النقاش. (٢) أخرج القولين الطبري ٢٤/ ٢٩٠ . (٣) في معاني القرآن ٢٥٤/٣ . (٤) المحرر الوجيز ٤٦٥/٥ . (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٨١/٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم نقف عليه عن علي والفراء. (٦) في معاني القرآن ٢٥٤/٣ . ٢٠٢ سورة الطارق: الآية ٣ وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﴾ قاعداً مع أبي طالب، فانحظّ نجم، فامتلأت الأرضُ نوراً، ففزع أبو طالب وقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال: (هذا نجمٌ رُميَ به، وهو آيةٌ من آيات الله)) فعَجِبَ أبو طالب، ونزل: ﴿وَالسَّةِ وَالْطَارِقِ﴾(١). وروي عن ابن عباس أيضاً ((والسماءِ والطارِقِ)): وما يَطْرُقُ فيها(٢). وعن ابن عباس وعطاء: ((الثاقب)): الذي تُرْمَى به الشياطين(٣). قتادةُ: هو عامٌّ في سائر النجوم؛ لأنَّ طلوعها بليلٍ، وكلُّ مَن أتاك ليلاً فهو طارِقٌ (٤)؛ قال: ومِثْلك حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرضِعًا فَأَلْهَيْتُها عن ذِي تَمَائِمَ مُغْيلٍ(٥) وقال : ألم تَرَياني كلَّما جئتُ طارقًا وَجَدْتُ بها طيبًا وإنْ لم تَطَيَّبٍ(٦) فالطارق: النجم، اسمُ جنسٍ، سمِّي بذلك لأنه يَظْرقُ ليلاً، ومنه الحديث: ((نهى النبيُّ# أن يَظْرُقَ المسافر أهلَه ليلاً، كي تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثة))(٧). (١) ذكره البغوي ٤/ ٤٧٢ عن الكلبي، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٨٤، والزمخشري في الكشاف ٢٤١/٤، والثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٣ دون نسبة. (٢) أخرجه الطبري ٢٨٨/٢٤ . (٣) ذكره أبو الليث ٣/ ٤٦٧ عن الحسن البصري. (٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٥/٢، والطبري ٢٨٩/٢٤ بلفظ: ﴿وَالطَّارِقِ﴾ قال: ظهور النجوم، يقول: تَطْرُقك لیلاً. (٥) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٢، وسلف عند تفسير الآية (٨٤) من سورة ص . قال الشارح: مَن نصب مثلك، فعلى قوله: طرقت، ومن خفضه فعلى معنى رُبَّ. والمغيل: المرضَع وأمه حبلى، أو المرضّع وأمه تُجامع. (٦) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٤١، وسلف ١٧ / ٤٨١ . (٧) أخرجه بنحوه أحمد (١٤١٨٤)، والبخاري (١٨٠١) و(٥٢٤٣-٥٢٤٧)، ومسلم ص١٥٢٧، قوله: المُغيبة، هي التي غاب عنها زوجها. شرح النووي لصحيح مسلم ١٣/ ٧١ . ٢٠٣ سورة الطارق: الآية ٣ والعربُ تسمِّي كلَّ قاصدٍ في الليل طارقًا. يقال: طَرَقَ فلانٌ: إذا جاء بليل. وقد طَرَقَ يَظْرُقُ طُروقًا، فهو طارق. ولا بن الرومِيُّ : إنَّ الحوادثَ قد يَظْرُقْنَ أسحارا يا راقدَ الليل مسروراً بأوَّلهِ فرُبَّ آخِرٍ ليلٍ أَجَّجِ النَّارا(١) لا تَفْرَحَنَّ بليلٍ طابَ أوَّلُه وفي ((الصِّحاح)): والطارق: النجمُ الذي يقال له كوكبُ الصُّبح. ومنه قولُ هند: نحنُ بنات طارِقٍ نمشي علـى الـنـارقِ أي: إنَّ أَبانا في الشَّرف كالنجم المضيء (٢). الماوَرْديُّ: وأصلُ الطَّرْق: الدَّقُّ، ومنه سمِّيت المِطْرقة، فسمِّي قاصدُ الليلِ طارقًا؛ لاحتياجه في الوصول إلى الدَّق(٣). وقال قومٌ: إنه قد يكون نهاراً. والعربُ تقول: أتيتُك اليومَ طَرْقَتين، أي: مرَّتين. ومنه قولُهُ ﴾: «أعوذُ بكَ مِن شَرِّ طَوارِقِ الليلِ والنَّهار، إلَّا طارقاً يَظْرُقُ بخيرٍ يا رحمن)) (٤). وقال جرير في الظُّروق: طَرَقَتْكَ صائدةُ القلوبِ وليس ذا حين الزيارة فارجعي بسلام(٥) ثم بيَّن فقال: ﴿وَمَا أَذَئِكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّقِبُ﴾ والثاقبُ: المضيءُ. ومنه: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. يقال: ثَقَبَ يَثْقُبُ ثُقُوبًا وثَقَابةً: إذا أضاء. وتُقوبُه: ضَوْءُه. (١) البيتان ليسا في ديوان ابن الرومي، والأول منهما نسبه المرزباني في معجم معجم الشعراء ص٣٧١ لمحمد بن حازم الباهلي، ونسبه الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص٥٣ لعدي بن زيد العبادي. وهو دون نسبة في البيان والتبيين للجاحظ ٣/ ٢٠٢ . وذكر في كتاب الحيوان ٦/ ٥٠٨ أن أبا عبد الحميد المكفوف كان يتمثل به في قصصه. وذكر البيتين دون نسبة ابن عرب شاه في فاكهة الخلفاء ص٣٩٥ . (٢) الصحاح (طرق)، والبيت في طبقات ابن سعد ٢/ ٤٠، وورد ضمن حديث للزبير في مسند البزار (٩٧٩). (٣) النكت والعيون ٢٤٥/٦. (٤) سلف ١٦ / ١٦٧ . (٥) النقائض ٢٧٠/١، والخزانة ٤٣١/٥ . ٢٠٤ سورة الطارق: الآيتان ٣ - ٤ والعربُ تقول: أَثْقِبْ نارَك، أي: أَضِتْها. قال: أذاَع به في الناسِ حتى كأنه بعلياءَ نارٌ أُوْقِدَتْ بِثَقُوبٍ(١) الثَّقوب: ما تُشْعَلُ به النارُ من دِقاق العِيدان . وقال مجاهد: الثاقب: المتوهِّج(٢). القشيريُّ: والمُعْظَمُ على أنَّ الطارقَ والثاقبَ اسمُ جنسٍ أُرِيدَ به العُمومُ، كما ذكرنا عن مجاهد. ﴿وَمَّ أَئِكَ مَا اُلْطَّارِقُ﴾ تفخيمًا لشأن هذا المُقْسَم به. وقال سفيان: كلُّ ما في القرآن: ((وما أَدْراكَ))، فقد أَخْبَرِه به، وكلُّ شيء قال فيه: ((وما يدريك))، لم يُخْبِرِه به(٣). قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ قال قتادةُ: حَفَظةٌ يحفظون عليكَ رِزقكَ وعملكَ وأَجَلك (٤). وعنه أيضاً قال: قرِينُه يَحْفظُ عليه عمله من خيرٍ أو شرِّ(٥). وهذا هو جوابُ القَسَم. وقيل: الجوابُ: ((إِنَّه على رَجْعِهِ لقادِر)) في قول الترمذيِّ محمد بنٍ عليّ(٦). و ((إنْ)) مخفّفةٌ من الثقيلة، و((ما)» مؤكّدة، أي: إنْ كلُّ نفسٍ لعليها حافظ. وقيل: المعنى: إنْ كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظ(٧)، يحفظُها من الآفات، حتى يُسْلِمِها إلى (١) البيت لأبي الأسود الدِّيلي، كما في الحيوان ٦٠١/٥، والأضداد لابن الأنباري ص٢١٤، والخزانة ٢٨٣/١٠. (٢) أخرجه الطبري ٢٩٠/٢٤. (٣) سلف ١٨٩/٢١ . (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٩٢ . (٥) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٢٤٦/٦، بلفظ: الملائكة يحفظون عليه عمله ... (٦) ذكر هذا القول السمين في الدر المصون ٧٥٢/١٠ وقال: وفيه بعد. (٧) وهذا القول على قراءة ((لمَّا)) بالتشديد، والذي قبله على القراءة بالتخفيف، حيث تكون فيه ((ما)» زائدة مؤكدة، كما سيرد. ينظر تفسير الطبري ٢٤/ ٢٩٠، ومعاني القرآن للزجاج ٣١١/٥، وإعراب القرآن للنحاس ١٩٨/٥، والحجة للفارسي ٣٩٧/٦، والوسيط ٤ / ٤٦٤-٤٦٥ . ٢٠٥ سورة الطارق: الآيات ٤ - ٨ القَدَر. قال الفراء(١): الحافظُ من الله، يحفظُها حتى يُسْلِمَها إلى المقادير. وقاله الكلبيُّ. وقال أبو أُمامةَ: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((وُكِّل بالمؤمن مئةٌ وستُّون مَلَكاً يذبُّون عنه ما لم يُقَدَّرْ عليه. من ذلك البصرُ، سبعةُ أملاكٍ يَذُبُّون عنه، كما يُذَبُّ عن قصعةِ العَسَلِ الذبابُ. ولو وُكِلَ العبدُ إلى نَفْسِه طَرْفَ عينٍ لاخْتَطَفْه الشياطين))(٢). وقراءةُ ابنٍ عامٍ وعاصم وحمزة: ((لَمَّا)) بتشديد الميم(٣)، أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، وهي لغةُ هذيل؛ يقولُ قائلُهم: نَشَدْتُكَ لمَّا قمتَ. الباقون بالتخفيف، على أنَّها زائدةٌ مؤكِّدة، كما ذَكَرْنا. ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَعُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١١] على ما تقدَّم. وقيل: الحافظُ هو اللهُ سبحانه؛ فلولا حِفْظُه لها لم تَبْقَ. وقيل: الحافظُ عليه عقلُه، يرشدُه إلى مصالحه، ويَكُفُّه عن مَضَارٌ.(٤). قلت: العقلُ وغيرُه وسائطٌ، والحافظُ في الحقيقة هو اللهُ جلَّ وعزَّ؛ قال الله عز وجل: ﴿فَلَهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾ [يوسف: ٦٥]، وقال: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وما كان مثلَه. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ اُلُّبِ خُلِقَ مِن مَّآءِ دَافِقٍ قوله تعالى: ﴿فَلْتُظُرِ اَلْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ وَلَّيِ ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائٌِّ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿فَلْتَظِرِ الْإِسَنُ﴾ أي: ابنُ آدَمَ ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ وجهُ الاتِّصالِ بما قَبْلَه (١) في معاني القرآن ٢٥٥/٣. (٢) ذكره بهذا اللفظ الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (٧١١٧)، وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (٧٧٠٤)، وفي إسناده عفير بن معدان، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٣. (٣) السبعة ص٦٧٨، والتيسير ص٢٢١. (٤) النكت والعيون ٢٤٦/٦ . ٢٠٦ سورة الطارق: الآيات ٥ - ٨ توصيةُ الإنسان بالنظرِ في أوَّل أمرِه وسُنَّته (١) الأُولى، حتى يعلمَ أنَّ مَن أَنْشأَه قادرٌ على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادةِ والجزاء، ولا يُمْلي على حافِظِه إلَّا ما يسرُّه في عاقبةِ أمرِه. و((مِمَّ خُلِق)). استفهامٌ، أي: من أيِّ شيءٍ خُلِق؟ ثم قال: ﴿خُلِقَ﴾ وهو جوابُ الاستفهام ﴿مِن مَّآءِ دَافِقٍ﴾ أي: من المنيِّ. والدَّفْقُ: صبُّ الماءِ، دَفَقْتُ الماءَ أَدْفُقُه دفقًا: صَبَبته، فهو ماءٌ دافق، أي: مدفوق، كما قالوا: سِرِّ كاتِم، أي: مَكْتوم. لأنَّه من قولك: دُفِقِ الماءُ، على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه. ولا يقال: دَفَقَ الماءُ. ويقال: دفَقَ الله رُوحَه: إذا دُعي عليه بالموت(٢). قال الفرَّاء والأخفشُ: ((من ماءٍ دافِقٍ)) أي: مَصْبوبٍ في الرَّحِم. الزجَّاج(٣): من ماءٍ ذي انْدِفاقٍ. يقال: دارِعٌ وفارِسٌ ونابِلٌ، أي: ذو فرسٍ، ودرعٍ، ونبلٍ. وهذا مذهبُ سيبويه(٤). فالدافقُ هو المندفقُ بشدّة قوتِه. وأراد ماءين: ماءَ الرجلِ وماءَ المرأة؛ لأنَّ الإنسان مخلوقٌ منهما، لكِنْ جَعَلهما ماءً واحداً لامْتِزاجِهما. وعن عكرمة عن ابن عباس: ((دافِقٍ)»: لَزِج. ﴿يَخْرُ﴾ أي: هذا الماءُ ﴿مِنْ بَيْنِ الْقُلْبٍ﴾ أي: الظّهْر. وفيه لغاتٌ أربعُ: صُلْب، وصُلُب - وقرئ بهما(٥) - وصَلَب بفتح اللَّام، وصالب على وزن قالب ، ومنه قولُ العباس : تُنْقَلُ من صالبٍ إلى رَحِمِ (٦) (١) في (ظ): ونسبته. (٢) الصحاح (دفق). وفي تهذيب اللغة ٣٩/٩: وقال الليث: يقال: دَفَق الماء دفوقً ودفقاً إذا انصبَّ، قال الأزهري: ولم أسمع دفقت الماء فدَفَق لغير الليث. وينظر العين ١٢٠/٥ . (٣) في معاني القرآن ٣١١/٥ . (٤) ينظر الكتاب ٣٨١/٣. (٥) ((الصُّلْب)) قراءة الجمهور، و((الصُّلُب)) بضمتين ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧١ عن عیسى. (٦) وعجزه: إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ، وسلف ١٤/ ٨٧ وص ١٧٥ من هذا الجزء. ٢٠٧ سورة الطارق: الآيتان ٧ - ٨ ﴿وَالتَّآيِ﴾ أي: الصَّدْر، الواحدةُ: تَرِيْبَة؛ وهي موضعُ القِلادةِ من الصَّدر. قال: مُهَفهفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفَاضَةٍ تَرائِبُها مَضْقولٌ كالسَّجَنْجَلِ (١) والصُّلْبُ من الرجل، والترائبُ من المرأة. قال ابن عباس: الترائب: موضعُ القلادة. وعنه: ما بين ثَدْيَيْها. وقاله عكرمة(٢). ورُوي عنه: يعني ترائبَ المرأة: اليدين والرجلين والعينين (٣). وبه قال الضحَّاك (٤). وقال سعيد بن جبير: هو الجِيْدُ. مجاهد: هو ما بين المَنْكِبين والصَّدْرِ(٥). وعنه: الصَّدْر. وعنه: التراقي(٦). وعن ابن جبير عن ابن عباس: الترائب: أربعةُ أضلاع من هذا الجانب(٧). وحكى الزجَّاج(٨): أنَّ الترائبَ أربعةُ أضلاعٍ من يَمنةِ الصَّدر، وأربعةُ أضلاعٍ من يَسْرةِ الصَّدر. وقال معمر بن أبي حبيبة المَدَنيُّ: الترائبُ : عُصارةُ القلبِ، ومنها يكونُ الولد (٩). (١) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٥ . قال النحاس في شرح المعلقات ٢٣/١: المهفهفة: الحسنة الخَلْقِ، ولا تكون مهفهفةٌ حتى تكون مع حُسْن خَلْقِها ضامرةً الخاصرة. والمفاضة: المسترخية البطن. والسجنجل: المرآة، وقيل: الفضة. (٢) في النسخ: وقال عكرمة، والمثبت هو الصواب، وأخرج هذه الأخبار الطبري ٢٤/ ٢٩٣. (٣) أخرجه الطبري ٢٩٥/٢٤، وذكره ابن الجوزي ٨٣/٩، وليس فيهما: يعني ترائب المرأة. وذكره مكي عن ابن عباس، كما في روح المعاني ٩٧/٣٠، وفيه: أطراف المرء، بدل: ترائب المرأة. (٤) أخرجه الطبري ٢٩٥/٢٤ . (٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٩٤ . (٦) ذكرهما ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٥/٥. (٧) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٠ بلفظ: الترائب أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع. (٨) في معاني القرآن ٣١٢/٥ . (٩) أخرجه الطبري ٢٩٦/٢٤ . ٢٠٨ سورة الطارق: الآيتان ٧ - ٨ والمشهورُ من كلام العرب: أنَّها عظامُ الصَّدر والنحر، قال دُريد بن الصمة: وإِنْ تُقْبِلوا نَأخُذْكم في الترائبِ(١) فإِنْ تُذْبِروا نأخُذْكُمُ في ظهوركُمْ وقال آخر : جَمْرُ الغَضَى في ساعدٍ تَتوقَّدُ(٢) وبَدَتْ كأنَّ ترائباً من نحرها وقال آخر: شَرِقٌ به اللَّبَّاتُ والنحرُ(٣) والزَّعْفَرانُ على تَرائِبِها وعن عكرمةَ: الترائبُ الصَّدر، ثم أنشد: نِظامُ دُرِّ على ترائبها (٤) وقال ذو الرمّة : ضَرَجْنَ البُرودَ عن ترائبٍ حُرةٍ (٥) أي: شَقَقْنَ. ويُروى ((ضَرَحْنَ)) بالحاء، أي: أَلْقَيْنَ(٦). وفي (الصحاح)): والتَّرِيبَةُ: واحدةُ الترائب، وهي عظامُ الصدرِ، مابين التَّرْقُوةِ والتَّنْدُوة. قال الشاعر: (١) ديوان دريد بن الصمة ص٢٨ ، والأصمعيات ص١١٢، وفيهما: يأخُذْنكم، يدل: نأخذكم. (٢) لم نقف عليه. قوله: جمر الغضى، الغضى: شجر من الأثل خشبه من أصلب الخشب، وجمره يبقى زماناً طويلاً لا ينطفئ. المعجم الوسيط (غضي). (٣) البيت للمخبل، كما في اللسان (شرق)، وهو دون نسبة في معاني القرآن للفراء ١٤٦/٣، وتفسير الطبري ٥٤٦/٢٢، و٢٩٦/٢٤، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٤، ووقع في هذه المصادر: شَرِقاً، بدل: شرق، وذكره في البحر ٤٥٣/٨ برواية: شرقت. وهو برواية المصنف في النكت والعيون ٢٤٧/٦، واللسان (ترب). (٤) أخرجه عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ٣٣٦/٦ ، وفيه: شَرِقاً به اللَّبَّاتُ والنحرُ نظامُ اللؤلؤ على ترائبها (٥) وعجزه: وعن أَعْينٍ قتلننا كلَّ مقتل. وهو في الديوان ٣/ ١٤٦٧ . (٦) الصحاح (ضرج). ٢٠٩ سورة الطارق: الآيتان ٧ - ٨ أَشْرفَ ثَدياها على التَّرِيبِ(١) وقال المثقَّبُ العَبْدِيُّ: ومِن ذَهَبٍ يَبينُ(٢) على تَرِيبٍ كلونِ العاج ليس بذي غُضونٍ عن غير الجوهريِّ. الثُّنْدُؤةُ للرجل : بمنزلةِ الثَّدي للمرأة. وقال الأصمعيُّ: مَغْرِزُ الثَّذي. وقال ابنُ السِّكِّيت: هي اللحمُ الذي حَوْلَ الثَّذْىِ، إذا ضَمَمْتَ أوَّلها هَمَزْتَ، وإذا فَتَحْتَ لم (٣) تَهْمِز(٣). وفي التفسير: يخلق من ماء الرجل الذي يخرجُ من صُلْبِهِ العظم والعَصَب. ومن ماء المرأة الذي يخرجُ من ترائبها اللحم والدَّم. وقاله الأعمش(٤). وقد تقدَّم مرفوعاً في أوَّلِ سورةِ آلِ عمران(٥). وفي ((الحجرات)): ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأَنْثَى﴾ [الآية: ١٣] وقد تقدَّم. وقيل: إنَّ ماء الرجلِ ينزلُ من الدماغ، ثم يجتمعُ في الأُنْثَيِين(٦). وهذا لا يُعارِضُ قولَه: ((مِن بينِ الصُّلْبِ))؛ لأنه إنْ نَزَلَ من الدِّماغ، فإنَّما يمرُّ بين الصُّلْبِ والترائب. وقال قتادةُ: المعنى: ويخرج من صُلْبِ الرجلِ وترائبِ المرأة. وحكى الفراء(٧) (١) الصحاح (ترب)، والبيت للأغلب العجلي، كما في اللسان (ترب)، وعجزه: لم يَعْدُوَا التَّفليك في التَّتُوبِ. فَلَّك ثديها: استدار. والنتوب: النهود، وهو ارتفاعه. القاموس (فلك)، واللسان (ترب). (٢) في (م) و(ز) وتفسير الطبري: يسن، ولم تجود في (د)، وسقط هذا الموضع من (ي)، والمثبت من (ظ) وروح المعاني ٩٧/٣٠ . والبيت في المفضليات ص٢٨٩، وتهذيب اللغة ٢٧٥/١٤، ومنتهى الطلب من أشعار العرب ١٦/٤ برواية: يلوح. (٣) من قوله: الثندؤة للرجل، إلى هذا الموضع ليس في النسخ الخطية، والكلام من الصحاح (تدأ). (٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٦/٢ . (٥) ١٤/٥. (٦) أي: الخصيتين. القاموس (أنث). (٧) في معاني القرآن ٣/ ٢٥٥ . ٢١٠ سورة الطارق: الآيتان ٧ - ٨ أنَّ مِثْلَ هذا يأتي عن العرب، وعليه فيكونُ معنى ((من بينِ الصُّلْب)»: من الصُّلْب. وقال الحسن: المعنى: يخرج من صُلْبِ الرجلِ وترائبِ الرجلٍ، ومن صُلْبٍ المرأةِ وترائبِ المرأة(١). ثم إنَّا نعلم أنَّ النطفة من جميع أجزاء البدن؛ ولذلك يُشْبِهُ الرجلُ والديه كثيراً. وهذه الحكمةُ في غَسْلٍ جميعِ الجسدِ من خروج المني. وأيضاً المكْثِرُ من الجماع يجدُ وَجَعاً في ظَهْرِهِ؛ وليس ذلك إلَّ لخلوِّ صُلْبِهِ عمَّا كان مُخْتَبِساً من الماء. ورَوَى إسماعيلُ عن أهلِ مكة: ((يخرج من بين الصُّلُب)) بضمِّ اللام. ورُوِيتْ عن عيسى الثقفيّ(٢). حكاه المهدويُّ وقال: مَن جَعَلَ المنيَّ يخرج من بين صُلْبِ الرجل وترائبه، فالضميرُ في ((يَخْرِجُ)) للماء. ومَن جَعَلَه من بين صُلْبِ الرجلِ وترائبِ المرأة، فالضميرُ للإنسان. وقُرئ: ((الصَّلَب))، بفتح الصَّاد واللام. وفيه أربع لغاتٍ: صُلْبٌ وصُلُبُ وصَلَبٌ وصَالبٌ. قال العَجَّاج: في صَلَبٍ مِثْلِ العِنانِ المُؤْدَمِ (٣) وفي مَدْحِ النبيِّ ﴾. (٤) تُنْقَل من صَالِبٍ إلى رَحِمِ" الأبياتُ مشهورةٌ معروفةٌ. (١) ذكره بنجوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٥/٥ . (٢) القراءات الشاذة ص١٧١، والمحرر الوجيز ٤٦٥/٥ . (٣) الكشاف ٢٤١/٤، وقد سلف نحو هذا الكلام ص٢٠٦ من هذا الجزء، والبيت في ديوان العجاج ص٢٨١ ، وقبله: ريَّ العظامِ فَعْمةُ المخدَّم. قال شارح الديوان: الفَعْم: الممتلئ، والمخدَّم: موضع الخِدام، وهو الخلخال. وقال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص ١٢٣ : ريًّا: ليست بمهزولةٍ تَبِينُ عظامها، وصُلْبُها مثلُ العنان نعمةٌ واستواءٌ. والعنان المؤدم: الذي لم تُقْشَر أَدَمتُه، فهو ألينُ له. وقوله: في صَلَب، أي: مع صَلَبٍ. وفي أساس البلاغة (عنن): امرأة معثَّنة، أي: مجدولة جَدْلَ العنان. (٤) سلف ١٤ / ٨٧، وص١٧٥ وص ٢٠٦ من هذا الجزء. ٢١١ سورة الطارق: الآيتان ٨ - ٩ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: إنَّ الله جلَّ ثناؤه ﴿عَلَى رَجْبِهِ﴾ أي: على ردِّ الماءِ في الإحليل، ﴿لَقَائِرٌ﴾ كذا قال مجاهدٌ والضحاك(١). وعنهما أيضاً أنَّ المعنى: إنَّه على ردِّ الماءِ في الصُّلْب. وقاله عكرمة (٢). وعن الضحَّاك أيضاً: أنَّ المعنى: إنَّه على ردِّ الإنسان ماءً كما كان لقادر(٣). وعنه أيضاً أنَّ المعنى: إنه على ردِّ الإنسانِ من الكِبَر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، لقادر؛ كذا في المهدويِّ. وفي الماوردِيِّ والثعلبيِّ: إلى الصِّبا، ومن الصبا إلى النطفة (٤). وقال ابن زيد: إنه على حَبْسٍ ذلك الماءِ حتى لا يخرج، لقادر (٥). وقال ابن عباس وقتادةُ والحسن وعكرمةُ أيضاً: إنه على ردِّ الإنسانِ بعد الموتِ القادر(٦). وهو اختيارُ الطبريِّ(٧). الثعلبيُّ: وهو الأقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَ السَّرآبِرُ﴾. قال الماورديُّ(٨): ويحتمل: إنه على أنْ يُعِيدَه إلى الدنيا بعد بَعْثِه في الآخرة؛ لأنَّ الكفار يَسألون الله تعالى فيها الرَّجْعةَ. ٩ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآيِرُ فيه مسألتان : (١) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢٥٥/٣، والطبري ٢٤/ ٢٩٧ عن مجاهد. (٢) الوسيط ٤ /٤٦٥ عن عكرمة والضحاك، وأخرجه عن عكرمة الطبري ٢٤/ ٢٩٧. (٣) أخرجه الطبري ٢٩٨/٢٤ . (٤) النكت والعيون ٢٤٧/٦، ومثله في تفسير الطبري ٢٩٩/٢٤، وإعراب القرآن للنحاس ٢٠٠/٥، وزاد المسير ٩/ ٨٤ . (٥) زاد المسير ٩/ ٨٤، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٩٩/٢٤ . (٦) النكت والعيون ٢٤٧/٦، والمحرر الوجيز ٤٦٦/٥، وأخرجه الطبري ٢٩٩/٢٤ -٣٠٠ عن قتادة. (٧) في التفسير ٢٤/ ٣٠٠ . (٨) في النكت والعيون ٦/ ٢٤٧ . ٢١٢ سورة الطارق: الآية ٩ الأولى: العاملُ في ((يومَ)) - في قولِ مَن جَعَلَ المعنى: إنَّه على بعثِ الإنسان - قولُهُ ((القادر))، ولا يَعْمِلُ فيه ((َرَجْعِه))؛ لما فيه من التَّفْرِقةِ بين الصِّلةِ والموصولِ بخبرٍ ((إنَ)) (١). وعلى الأقوال الأُخَر التي في ((إنه على رجْعِه لقادِر»، يكونُ العاملُ في ((يومَ)) فعلٌ مُضْمَرٌ، ولا يعملُ فيه ((القادر))؛ لأنَّ المراد: في الدنيا. و﴿بَلَ﴾ أي: تُمتَحَنُ وتُختَبَر؛ قال أبو الغُول الظُّهَوِيُّ: ولا تُبْلَى بَسالَتُهُمْ وإنْ هُمْ صَلُوا بالحَرْب حِيناً بعدَ حِينٍ(٢) ويروى: (تَبْلَى بَسالتُهم))، فَمَن رواه ((تُبلى)) - بضم التاء - جَعَلَه من الاختبار، وتكون البسالةُ على هذه الرواية: الكراهةَ، كأنه قال: لا يُعْرفُ لهم فيها كراهةٌ. و((تُبْلَى)): تُعْرَف. قال الراجز: فاليومَ أَبْلُوكَ وَتَبْتَلِيني(٣) قد كنتَ قبلَ اليومٍ تَزْدَريني أي: أَغْرِفُكَ وتَعْرِفُني. ومَن رواه: تَبْلَى - بفتح التاء - فالمعنى: أنهم لا يَضْعُفون عن الحرب وإنْ تَكَرَّرتْ عليهم زمانًا بعدَ زمانٍ. وذلك أنَّ الأمورَ الشِّدادَ إذا تَكَرَّرتْ على الإنسان هَدَّتْه وأَضْعفَتْه. وقيل: ((تُبْلَى السرائر))، أي: تخرج مخبَّتُها وتَظْهَر، وهو كلُّ ما كان استسرَّه (١) وأجاز بعض العلماء أن يكون العامل فيه ((رجعه))، مثل الطبري ٢٤/ ٢٠٠، والزمخشري ٢٤١/٤ . وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٦/٥: قالوا: وفي المصدر من القوة بحيث يعمل وإن حال خبر إنَّ بينه وبين معموله، وقال الحذّاق: العامل فعل مضمر تقديره: فرَجْعُه يومَ تبلى السرائر. (٢) أمالي القالي ٢٦٠/١، والصحاح (صلي)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٣٩/١، والخزانة ٤٣٣/٦. قال البكري في سمط اللآلي ١/ ٥٨٠ : أي: لا يختبر ما عندهم من النجدة والبأس وإن طال أمد الحرب. اهـ. وأبو الغول قال عنه الآمدي في المؤتلف والمختلف ص ٢٤٥ : هو من قوم من بني طهية يقال لهم: بنو عبد شمس بن أبي سود، وكان يكنى أبا البلاد، وقيل له: أبو الغول؛ لأنه فيم زعم رأى غولاً فقتلها. وقال البغدادي في الخزانة ٦/ ٤٤٠: لم أقف على كونه إسلاميًّا أو جاهليًّا. (٣) ذكره الشوكاني في فتح القدير ٤٢٠/٥ . ٢١٣ سورة الطارق: الآية ٩ الإنسانُ من خيرٍ أو شرِّ، وأَضْمَرَه من إيمانٍ أو كفر، كما قال الأَخْوَصُ : سريرةُ وُدِّ يومَ تُبْلَى السَّرائُر سَيَبْقَى لها(١) في مُضْمَرِ القلبِ والحَشَا الثانية: رُوِيَ عن النبيِّ﴾ أنه قال: «ائتَمنَ الله تعالى خَلْقَه على أربعٍ: على الصلاة، والصوم، والزكاة، والغُسْلِ، وهي السرائرُ التي يَخْتَبِرُها الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامة))(٢). ذَكَرِه المَهْدَويُّ. وقال ابنُ عمرَ: قال النبيُّ ﴾: ((ثلاثٌ مَن حافَظَ عليها فهو وليُّ الله حقًّا، ومَن اختانَهنَّ فهو عدوُّ الله حقًّا: الصلاةُ، والصَّوْمُ، والغُسْلُ من الجنابة))(٣) ذَكَره الثعلبيُّ. وذكر الماوَرْدِيُّ عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﴾: «الأمانةُ ثلاثٌ: الصلاةُ، والصومُ، والجنابةُ. استَأُمَنَ الله عزَّ وجلَّ ابنَ آدَمَ على الصلاة، فإنْ شاء قال: صلَّيْتُ، ولم يُصَلِّ. استأمنَ الله عزَّ وجلَّ ابنَ آدمَ على الصوم، فإن شاء قال: صُمْتُ، ولم يَصُمْ. استأمنَ الله عزَّ وجلَّ ابنَ آدَمَ على الجنابة، فإن شاء قال: اغْتَسَلْتُ، ولم يَغْتَسِلْ، اقرؤوا إنْ شئتُم: ﴿يَوْمَ ثَلَى الْتَرَّبِرُ﴾ (٤)»، وذكره الثعلبيُّ عن عطاء قوله(٥). وقال مالكٌ في روايةٍ أَشْهبَ عنه، وسأَلْتُه عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى الْتَرَّبِرُ﴾: أَبَلَغْكَ أنَّ الوضوءَ مِن السَّرائر؟ قال: قد بلغني ذلك فيما يقولُ الناسُ، فأمَّا حديثٌ أُحدِّثُ به فلا (٦). والصَّلاةُ من السرائر، والصِّيامُ من السرائر، إنْ شاء قال: صلَّيتُ، ولم يُصَلِّ. ومِن السرائرِ ما في القلوب، يجزي اللهُ به العبادَ. (١) في (ظ): سيبلى لكم، وهو موافق لما في الشعر والشعراء ٥١٨/١، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الديوان ص ٨٤ ، والخزانة ١٨/٢. (٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٧٥١)، والواحدي في الوسيط ٤٦٦/٤ من حديث أبي الدرداء ﴾. (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٥٦) من حديث أنس . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٣/١: فيه عدي بن الفضل وهو ضعيف. (٤) النكت والعيون ٢٤٨/٦، وسلف بنحوه ٢٤٥/١٧ . (٥) أخرجه الطبري ٣٠٠/٢٤ . (٦) في أحكام القرآن لابن العربي ١٩٠٦/٤ (والكلام منه): فأما حديث أخذته فلا. ٢١٤ سورة الطارق: الآيتان ٩ - ١٠ قال ابن العربي: قال ابن مسعود: يُغفر للشهيدِ إلَّا الأمانةَ، والوضوءُ من الأمانة، والصلاةُ والزكاةُ من الأمانة، والوديعةُ من الأمانة، وأشدُّ ذلك الوديعةُ؛ تُمَثَّلُ له على هيئتها يومَ أَخَذَها، فيُرْمَى بها في قَعْرِ جهنّم، فيقال له: أَخْرِجْها، فَيَتْبَعُها فيجعلها في عُنُقِه، فإذا رَجًا أن يخرج بها زَلَّتْ منه، فيتبعُها، فهو كذلك دَهْرَ الداهرين. وقال أبيُّ بن كعب: من الأمانةِ أنِ اثتُمنتِ المرأةُ على فَرْجِها (١). قال أشهبُ: قال لي سفيان: في الحيضة والحمل، إن قالت: لم أَحِضْ وأنا حامِلٌ صُدِّقتْ، ما لم تأتِ بما يُعْرَفُ فيه أنَّها كاذبةٌ. وفي الحديث: ((غُسْلُ الجنابةِ من الأمانة))(٢). وقال ابن عمرَ: يُبدي اللهُ يومَ القيامةِ كلَّ سرِّ خفيٍّ، فيكونُ زيناً في الوجوه، وشَيْناً في الوجوه (٣). واللهُ عالمٌ بكلِّ شيءٍ، ولكنْ يظهر (٤) علامات الملائكةِ والمؤمنين. قوله تعالى: ﴿فَا لَهُ مِنْ قُوَِّ وَلَا نَاضِرٍ قوله تعالى: ﴿فَا لَهُ﴾ أي: للإنسان ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾ أي: منعةٍ تَمنِعُهُ ﴿وَلَ نَاصِرٍ﴾ ينصرُهُ ممَّا نزل به. وعن عِكرمةَ ((فما له مِن قوةٍ لا ناصِرٍ» قال: هؤلاء الملوكُ، مالهم يومَ القيامةِ من قوةٍ ولا ناصرٍ. وقال سفيان: القوّة: العَشِيرة. والناصر: الحليف(٥). وقيل: ((فماله من قوةٍ)) في بدنه، و((لا ناصِرٍ)) من غيره يمتنعُ به من الله. وهو معنی قولٍ قتادة(٦). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٠٦/٤. وقول أبيٍّ ه سلف ٢٤٥/١٧. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٠٦/٤، وقوله: غسل الجنابة ... ، أخرجه بنحوه أبو داود (٤٢٩) من حديث أبي الدرداء # موقوفاً، وسلف ٢٤٥/١٧ . (٣) الوسيط ٤٦٦/٤، وتفسير البغوي ٤ / ٤٧٤ . (٤) في (ظ): تظهر. (٥) أخرجه الطبري ٣٠١/٢٤-٣٠٢ . (٦) النكت والعيون ٢٤٨/٦، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٦٥/٢، والطبري ٣٠١/٢٤. ٢١٥ سورة الطارق: الآيات ١١ - ١٦ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَضْلٌ ﴿ وَمَا وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْ (1) هُوَ بِلَّلِ ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيِّدًا ﴿ وَأَكِدُ كَيْدًاً قوله تعالى: ﴿وَلَمِّ ذَاتِ الرَّعْ﴾ أي: ذاتِ المطر. تَرِجعُ كلَّ سنةٍ بمطرٍ بعدَ مطرٍ. كذا قال عامَّةُ المفسِّرين. وقال أهلُ اللغةِ: الرَّجْعُ: المطر، وأنشدوا للمُتَنَخِّل يصفُ سیفاً شبَّهه بالماء: أبيضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخ في مُحْتَفَلِ يَخْتَلي(١) قال الخليلُ: الرَّجْعُ: المطر نَفْسُه، والرَّجْعُ أيضاً: نباتُ الربيع(٢). وقيل: ((ذاتِ الرَّجْعِ))، أي: ذاتِ النَّفْع(٣). وقد يُسمَّى المطرُ أيضاً أَوْبا، كما يسمَّى رَجْعاً، قال: رَبَّاءُ شَمَّاءَ لا يأوِي لِقُلَّتِها إِلَّ السَّحابُ وإِلَّ الأَوْبُ والسَّبَلُ(٤) وقال عبد الرحمن بن زيد: الشمسُ والقمرُ والنجومُ يَرْجِعْنَ في السماء، تَظْلِعُ من ناحيةٍ وتغيبُ في أخرى(٥). وقيل: ذاتِ الملائكة؛ لرجوعهم إليها بأعمال العباد. (١) ديوان الهذليين ١٢/٢، ومجاز القرآن ٢٩٤/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٣١٢/٥، وتفسير الطبري ٣٠٢/٢٤، والصحاح (رجع) و(ثوخ). قال شارح ديوان الهذليين: المحتفل: مُعْظَم الشيء، محتفل الوادي: معظمه، وثاخ وساخ واحد، أي: غاب. يختلي: يقطع. والرسوب: الذي إذا وقع غَمُضَ مكانه لسرعة قَطْعِه. اهـ. وقال الجوهري: ثاخت قدمه بالوحل تثوخ وتثيخ: خاضت وغابت فيه. (٢) العين ٢٢٧/١ . (٣) الصحاح (رجع) . (٤) الكشاف ٢٤١/٤، والبيت للمتنخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٣٧/٢ ضمن قصيدة يرثي فيها الشاعر ابنه. قوله: ربَّاء، هو صيغة مبالغة، من ربأت الجبل: إذا صعدته، فيكون رباءُ شمَّاءَ، كقولهم: طلَّاعُ أَنْجُدٍ، وهو مضاف إلى شماء، والمعنى: ربَّهُ هضبةٍ شماءً. وقوله: لايدنو لقلَّتها، أي: لرأسها، أي: لا يعلو هذه الهضبة من طولها إلا السحاب، والسَّبَل: المطر النازل. ينظر الخزانة ٣/٥-٦. (٥) أخرجه بنحوه الطبري ٣٠٤/٢٤ . ٢١٦ سورة الطارق: الآيات ١١ - ١٦ وهذا قَسَمٌ. ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّلْعْ﴾ قَسَمٌ آخَرُ، أي: تتصدَّعُ عن النباتِ والشَّجرِ والثِّمارِ والأَنْهارِ، نظيرُه: ﴿ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ الآيةَ [عبس: ٢٦]. والصَّدْعُ: بمعنى الشَقِّ؛ لأنَّه يَصْدَعُ الأرضَ، فتنصَدِعُ به. وكأنه قال: والأرضِ ذاتِ النباتِ؛ لأنَّ النباتَ صادِعٌ للأرض (١). وقال مجاهدٌ: والأرضِ ذاتِ الظُّرُقِ التي تَصْدَعُها المُشَاةُ. وقيل: ذاتِ الحَرْثِ؛ لأنه يَصْدَعُها. وقيل: ذاتِ الأموات؛ لانْصِداعِها عنهم للنشور(٢). ﴿إِنَُّ لَقَوْلٌ فَضْلٌ﴾ على هذا وَقَعَ القَسَم. أي: إنَّ القرآن يَفْصِلُ بينَ الحقِّ والباطل. وقد تقدَّم في مقدمة الكتاب(٣) ما رواه الحارثُ عن عليٍّ ﴾ قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يقول: ((كتاب اللهِ فيه خَبَرُ ما قَبْلَكم وحُكْمُ ما بَعْدَكم، هو الفَصْلُ ليس بالهَزْلِ، مَن تَرَكَّه من جَبَّارٍ فَصَمَه الله، ومَن ابْتَغَى الهُدَى في غيره أَضَلَّه الله)). وقيل: المرادُ بالقول الفَصْلِ: ما تقدَّم من الوعيدِ في هذه السورةِ، من قوله تعالى: ﴿إِنَُّ عَ رَجْمِهِ، لَقَائِّرُ يَوْمَ تُبُلَى السَّرَآيِرُ﴾ (٤). ﴿وَمَا هُوَ بِأَزَّلِ﴾ أي: ليس القرآنُ بالباطِلِ واللَّعِب. والهَزْلُ: ضدُّ الجِدِّ، وقد هَزَلَ يَهْزِلُ. قال الكُميت: يُجَدُّ بنا في كلِّ يومٍ ونَهْزِلُ(٥) ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: إنَّ أعداءَ الله ﴿يَكِيدُونَ كَيدًا﴾ أي: يمكُرون بمحمدٍ ﴾ وأصحابِه (١) أخرج هذا القول عبد الرزاق ٢/ ٣٦٥، والطبري ٢٤/ ٣٠٤ عن ابن عباس قال: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّذْعَ﴾ قال: ذات النبات. (٢) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٢٤٩/٦ . (٣) ١٠/١-١١. (٤) النكت والعيون ٢٤٩/٦ . (٥) وصدره: أرانا على حبّ الحياة وطولها، وهو في شرح هاشميات الكميت ص١٤٨ . قال ابن زيد الأسدي الشارح: يقول: نحب أن تطول حياتنا، ونحن كلَّ يوم نقرب إلى آجالنا. ٢١٧ سورة الطارق: الآيات ١٥ - ١٧ مَكْراً. ﴿وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ أي: أُجازيهم جزاءَ كَيْدِهم. وقيل: هو ما أَوْقَع الله بهم يومَ بدٍ من القتل والأَسر. وقيل: كَيْدُ اللهِ: استِدْراجُهم من حيث لا يعلمون. وقد مضى هذا المعنى في أوّلٍ (البقرة)) عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [الآية: ١٥] مُسْتَوفّى. قوله تعالى: ﴿فَهِلِ اَلْكَفِرِينَ أَمْهِذَهُمْ رُوَيًِّا قوله تعالى: ﴿فَهِّلِ اَلْكَفِرِينَ﴾ أي: أَخِّرهم، ولا تَسْألِ اللهَ تعجيلَ إهلاكِهم، وارْضَ بما يُدبِّره في أمورهم. ثم نُسِخَتْ بآيَةِ السيفِ: ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥](١). ﴿أَنْهِلَهُمْ﴾ تأكيدٌ. ومَهَّل وأَمْهَلَ: بمعنىّ، مثل: نَزَّل وأَنْزِل. وأَمْهَلَه: أَنْظَرَه، ومهَّله تمهيلاً، والاسمُ: المُهْلَةِ. والاسْتِمهالُ: الاستنظار. وتَمَّلَ في أمره، أي: اتَّأْدَ. واتْمَهَلَ اتْمِهْلالاً، أي: اعْتَدَلَ وانْتَصبَ. والاتْمِهلالُ أيضاً: سكونٌ وفتور(٢). ويقال: مهلاً يافلانُ، أي: رِفْقاً وسكوناً(٣). ﴿رُوًَّ﴾ أي: قريباً، عن ابن عباس. قتادة: قليلاً (٤)، والتقدير: أَمْهِلْهم إمهالاً قليلاً. والرُّوَيْد في كلام العرب: تصغيرُ رُوْد. وكذا قال أبو عبيد(٥)، وأنشد: كأنَّها ثَمِلٌ يمشي على رُودٍ (٦) (١) الوسيط ٤٦٧/٤، والمحرر الوجيز ٤٦٧/٥، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص ٢٥١ ، قال ابن الجوزي: وإذا قلنا: إنه وعيد، فلا نسخ. (٢) الصحاح (مهل). (٣) تهذيب اللغة ٦/ ٣٢١. (٤) أخرج القولين الطبري ٣٠٧/٢٤-٣٠٨ . (٥) في (د): عبيدة. (٦) الصحاح (رود)، وصدره: تكاد لا تثلم البطحاء وطأتها، والبيت للجَموح الظَّفَري، كما في اللسان (رود)، وذكره الزمخشري في أساس البلاغة (رويد) برواية: خطوتها، بدل: وطأتها. وذكره ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص٤٢٣ برواية: كأنها مِثْلُ مَن يمشي على رُودٍ. ٢١٨ سورة الطارق: الآية ١٧ أي: على مَهَل. وتفسيرُ ((رُوَيداً)): مَهْلاً، وتفسيرُ رُوَيْدَكَ: أَمْهِلْ؛ لأنَّ الكافَ إنَّما تَدْخُله إذا كان بمعنى أَفْعِلْ دون غيرهٍ (١)، وإنَّما حرِّكت الدالُ لالتقاءِ الساكِنَيْنِ، فنُصِبَ نَصْبَ المصادرِ، وهو مصغّرٌ مأمورٌ به؛ لأنه تصغيرُ التَّرْخيم من إرواد، وهو مصدرُ أَرْوَدَ يُرْوِدُ(٢). وله أربعةُ أَوْجُهٍ: اسمٌ للفعل، وصفةٌ، وحالٌ، ومصدرٌ. فالاسمُ نحوُ قولِكَ: رُوَيْدَ عَمْراً، أي: أَرْوِدْ عمراً، بمعنى أَمْهِلْه. والصفةُ نحوُ قولِكَ: ساروا سَيْراً رُوَيْداً، والحالُ نحوُ قولك: سار القومُ رُوَيْدًا، لمَّا اتَّصلَ بالمعرفة صار حالاً لها. والمصدرُ نحو قولك: رُوَيْدَ عَمْرٍو بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ اُلْرِقَابِ﴾ [محمد: ٤]. قال جميعهَ الجوهريُّ(٣). والذي في الآية من هذه الوجوه أن يكون نعتًا للمصدر، أي: إمهالاً رُوَيداً. ويجوزُ أن يكون للحال، أي: أَمْهِلْهم غيرَ مستعجِلٍ لهم العذابَ. خُتِمَتِ السورة. (١) وتقول رويدَكَ عمراً، أي: أَمْهِلْه وهذه الكاف للخطاب لا موضعَ لها من الإعراب لأنها ليست بِاسْمٍ، ورويد غير مضاف إليها. وهو متعدٍّ إلى عمرو؛ لأنه اسم سمِّي به الفعل يعمل عمل الأفعال. الصحاح (رود). (٢) وتقول: أَرْوِدْه إرواداً، بمعنى: أَمْهِلْه إمهالاً، ثم صغَّروا الإرواد تصغير الترخيم، ثم نقلوه وسمَّوْا به فِعْلَه فقالوا: رويد عمراً. وتصغير الترخيم: هو أن تصغر الاسم على حذف الزوائد التي فيه، كقولك في حارث: حريث، وفي سرحوب: سُرَيْجِب؛ لأن الواو فيه زائدة. ينظر المقتضب ٢٩٣/٢، وأوضح المسالك ص٥٤٧-٥٤٨ . (٣) في الصحاح (رود). سورة ((الأعلى)» مَكِيةٌ في قولِ الجمهورِ، وقال الضخَّاكُ: مَدَنِيَّةٌ(١). وهي تسعَ عَشْرَةَ آيَةً. بِسْمِ اللَّهِ الرََّىِ الرَّحَيَةِ T قوله تعالى: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يُستحبُّ للقارئ إذا قرأ ﴿سَيِّعٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أن يقول عَقِبَه: سبحانَ ربِّي الأَعْلَى؛ قاله النبيُّ ◌َ﴾، وقاله جماعةٌ من الصحابة والتابعين، على ما يأتي. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه قال: إنَّ لله تعالى مَلَكاً يقال له: حزقيائيل، له ثمانيةَ عَشَرَ ألفَ جَناحٍ، ما بين الجناحِ إلى الجناحِ مَسيرةُ خمسٍ مئةٍ عام، فخطَر له خاطِرٌ: هل تَقْدِرُ أن تُبْصِر العرشَ جميعَه؟ فزادَه الله أجنحةٌ مِثْلَها، فكان له ستةٌ وثلاثون ألفَ جناحٍ، ما بين الجناحِ إلى الجناح خمسُ مئةٍ عامٍ. ثم أَوْحَى الله إليه: أيُّها المَلَك، أَنْ طِرْ، فطار مقدارَ عشرين ألفَ سنةٍ، فلم يبلغ قائمة(٢) من قوائم العرش. ثم ضاعف الله في الأجنحةِ والقوةِ، وأَمَره أن يطير، فطار مقدارَ ثلاثين ألفَ سنةٍ أخرى، فلم يَصِلْ أيضاً، فَأَوْحَى الله إليه: أيُّها المَلَك، لو طِرْتَ إلى نفخِ الصورِ مع أَجْنِحَتِك وقوتك لم تبلغ ساقَ عرشي. فقال المَلَك: سبحانَ ربِّ الأعلى؛ فأنزل الله تعالى: ﴿َِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فقال النبيُّلَ﴾: ((اجْعَلوها في سُجودكم)). ذكره الثعلبيّ في (كتاب العرائس)) له(٣). وقال ابن عباس والسُّديُّ: معنى ﴿سَيِّحِ أسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ أي: عَظِّمْ ربَّك الأعلى. والاسمُ صِلةٌ قُصِد بها تعظيمُ المسمَّى؛ كما قال لَبِيد: (١) حكاه عنه النقاش، كما في المحرر الوجيز ٤٦٨/٥، قال ابن عطية: وهو ضعيف، وإنما دعا إليه قولُ مَن قال: إنَّ ذكر صلاة العيد فيها. (٢) في (م): رأس قائمة. (٣) ص١٦ . ٢٢٠ سورة الأعلى: الآية ١ إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلام عليكما (١) وقيل: نَزِّه ربَّك عن السوء، وعمّا يقولُ فيه المُلْحِدون. وذكر الطبريّ أنَّ المعنى: نزّه اسمَ ربِّك عن أن يسمَّى به أحدٌ سواه(٢). وقيل: نَزَّهْ تَسْميةَ ربِّك وذِكْرَكَ إياه، أن تَذْكُره إلَّا وأنت خاشعٌ مُعَظِّمٌ، ولذِكْرِه محترِمٌ. وجعلوا الاسمَ بمعنى التَّسْميةِ(٣)، والأَوْلَى أن يكون الاسمُ هو المسَمَّى. روى نافع عن ابن عمر قال: لا تَقُلْ على اسمِ الله؛ فإنَّ اسمَ الله هو الأعلى (٤). وروى أبو صالح عن ابن عباس: صَلِّ بأمر ربِّك الأعلى(٥). قال: وهو أن تقولَ: سبحان ربِّي الأعلى. وروي عن عليٍّ ﴾ وابنِ عباس وابنٍ عمر وابنِ الزبير وأبي موسى وعبد الله بن مسعود ﴾: أنَّهم كانوا إذا افْتَتَحوا قراءةَ هذه السورةِ قالوا: سبحان ربِّيَ الأعلى(٦)؛ امتثالاً لأمره في ابتدائها. فيُختارُ الاقتداءُ بهم في قراءتهم، لا أنَّ سبحان ربِّي الأعلى من القرآن؛ كما قال بعضُ أهلِ الزَّيغ. وقيل: إنَّها في قراءةٍ أَبيٍّ: ((سبحان ربِّي الأعلى)). وكان ابنُ عمر يقرؤها كذلك (٧). وفي الحديث كان رسولُ الله إذا قرأها قال: ((سبحان ربِّيَ الأعلى)). قال أبو بكر (١) وعجزه: ومَن يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ، وهو في ديوان لبيد ص٧٩، وسلف ١٥٣/١، والكلام من النكت والعيون ٢٥١/٦ . (٢) النكت والعيون ٢٥١/٦، وينظر تفسير الطبري ٣١١/٢٤. (٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٣١٠-٣١١، وتفسير البغوي ٤/ ٤٧٥ . (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٨٤/٣-٣٨٥ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ٤٧٥، وذكره أبو الليث ٤٦٩/٣ عن الكلبي. (٦) أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة ٥٠٨/٢ - ٥٠٩، والطبري ٣٠٩/٢٤-٣١٠ . (٧) النكت والعيون ٢٥٢/٦، وأخرج الطبري ٣٠٩/٢٤ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه كان يقرأ: ((سبح اسم ربك الأعلى سبحان ربي الأعلى الذي خلق فسوى)). قال: وهي في قراءة أبي بن كعب كذلك.