النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة البروج: الآية ٣ وحكى القُشَيريُّ عن ابنِ عمرَ وابنِ الزُّبير: أنَّ الشاهدَ يومُ الأضحى(١). وقال سعيد بن المسيب: الشاهدُ: يومُ التَّرْوِيةِ، والمشهودُ: يومُ عَرَفةَ(٢). وروى إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارث، عن عليٍّ ﴾: الشاهدُ يومُ عرفة، والمشهودُ يومُ النحر(٣). وقاله النخعيّ(٤). وعن عليٍّ أيضاً: المشهودُ يومُ عرفةً(٥). وقال ابنُ عباسٍ والحسينُ بن عليٍّ رضي الله عنهما: المشهودُ يومُ القيامةِ؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَّهُمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣](٦). قلت: وعلى هذا اختَلَفَتْ أقوالُ العلماءِ في الشاهد، فقيل: اللهُ تعالى؛ عن ابن عباسٍ والحسنٍ وسعيد بنِ جُبير (٧)، بيانُه: ﴿وَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، ﴿قُلْ أَُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللّهُ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقيل: محمدٌ ﴾؛ عن ابنِ عباسٍ أيضاً والحسينِ بنِ عليٍّ، وقرأ ابنُ عباس: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقرأ الحسين: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥](٨). (١) أخرجه عنهما الطبري ٢٦٦/٢٤ و٢٦٩ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٦٧، وزاد المسير ٩/ ٧٢ . (٣) ذكره الرازي ١١٦/٣١-١١٧ دون نسبة، وفي تفسير مجاهد ٧٤٥/٢ من طريق شريك،، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر. (٤) لم نقف عليه، وروي عنه عكسه، وهو أن الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة. النكت والعيون ٢٤١/٦، والمحرر الوجيز ٤٦١/٥، وزاد المسير ٩/ ٧٢. (٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٦١، والطبري ٢٦٥/٢٤، وسلف في بداية تفسير هذه الآية. (٦) أخرجه عن ابن عباس النسائي في الكبرى (١١٥٩٩)، والطبري ٢٦٦/٢٤، وأخرجه عن الحسين الطبري ٢٦٦/٢٤-٢٦٧، والطبراني في الصغير (١١٣٧)، وهو في تفسير مجاهد ٧٤٦/٢، ووقع في تفسير الطبري: الحسن، بدل: الحسين. (٧) أخرجه عن ابن عباس الطبري ٢٦٩/٢٤، وذكره عن سعيد بن جبير البغوي ٤/ ٤٦٧، وابن الجوزي ٩ / ٧٢ . (٨) أخرجه عن ابن عباس النسائي في الكبرى (١١٥٩٩)، وعن الحسين الطبراني في الصغير (١١٣٧). وقد سلفت قطعة منه قريباً. ١٨٢ سورة البروج: الآية ٣ ...- قلت: وأَقرأُ أنا: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: الأنبياءُ يَشْهَدون على أُممهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]. وقيل: آدمُ. وقيل: عيسى بنُ مريم؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. والمشهودُ: أمَّتُهُ. وعن ابن عباس أيضاً ومحمد بنِ كعب: الشاهدُ: الإنسان؛ دليلُه: ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. مقاتل: أعضاؤه، بيانُه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. الحسين بنُ الفَضْلِ: الشاهدُ هذه الأمَّةُ، والمشهودُ سائر الأمم، بيانُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: الشاهد: الحفَظَة، والمشهودُ: بنو آدم (١). وقيل: الليالي والأيامُ. وقد بيَّنَاه(٢). قلت: وقد يشهدُ المالُ على صاحبه، والأرضُ بما عملَ عليها؛ ففي ((صحيح) مسلم(٣) عن أبى سعيد الخُدريِّ عن النبيِّلَ﴾: ((إنَّ هذا المالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، ونِعْمَ صاحبُ المُسْلِم هو لمَن أَعْطَى منه المسكينَ واليتيمَ وابنَ السبيلِ - أو كما قال رسول اللـه 18 - وإنَّه مَن يأخذُه بغيرِ حقِّه كان كالذي يأكلُ ولا يَشْبَعُ، ويكونُ عليه شهيداً يومَ القيامة)). وفي الترمذيِّ عن أبي هريرةَ قال: قرأ رسولُ اللـه :﴿ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَأْ﴾ [الزلزلة: ٤] قال: ((أتدرون ما أخبارُها))؟ قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلم. قال: (١) تنظر هذه الأقوال وغيرها في النكت والعيون ٢٤١/٦، والمحرر الوجيز ٤٦١/٥، وتفسير البغوي ٤٦٧/٤، وزاد المسير ٩/ ٧٢-٧٣ . (٢) في الصفحة السابقة. (٣) برقم (١٠٥٢). ١٨٣ سورة البروج: الآيات ٣ - ٧ ((فإنَّ أخبارَها أنْ تَشْهَدَ على كلِّ عبدٍ أو أَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهْرِها، تقولُ: عَمِلَ يومَ كذا كذا وكذا. قال: فهذه أخبارُها)). قال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيح(١). وقيل: الشاهدُ الخَلْقُ، شهدوا للهِ عزَّ وجلَّ بالوحدانية. والمشهودُ له بالتوحيدِ هو الله تعالی. وقيل: المشهودُ يومُ الجمعةِ، كما رَوَى أبو الدَّرداءِ قال: قال رسول الله ﴾. ((أَكْثِروا عليَّ من الصلاةِ يومَ الجمعةِ فإنه يومٌ مشهودٌ تَشْهَدُه الملائكةُ .... )) وذَكر الحديث. خرَّجه ابنُ ماجه وغيرُه(٢). قلت: فعلى هذا يومُ عرفةَ مشهودٌ؛ لأنَّ الملائكةَ تَشْهدُه، وتنزلُ فيه بالرحمة. وكذا يومُ النَّحْرِ إنْ شاءَ الله. وقال أبو بكرِ العطارُ: الشاهدُ الحجرُ الأسودُ، يَشْهِدُ لِمَنْ لَمَسَه بصدقٍ وإخلاصٍ ويقينٍ. والمشهودُ الحاجُّ. وقيل: الشاهدُ الأنبياءُ، والمشهودُ محمدٌ ﴾، بيانُه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١](٣). قوله تعالى: ﴿قُلِلَ أَصْحَبُ اٌلْأُخْدُودِ (@ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿ إِذْ هُرٌ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٧ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ قوله تعالى: ﴿قُلِلَ أَضْحَبُّ الْأُنْدُورِ﴾ أي: لُعن. قال ابنُ عباسٍ: كلُّ شيءٍ في القرآن ((قُتل))، فهو لُعِن. وهذا جوابُ القَسَم في قولِ الفرَّاء، واللام فيه مُضْمَرَةٌ، كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾ ثم قال: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا﴾ [الشمس: ١٢] أي: لقد أَفْلَح(٤). (١) سنن الترمذي (٢٤٢٩) و(٣٣٥٣)، وهو عند أحمد (٨٨٦٧). (٢) سنن ابن ماجه (١٦٣٧)، وتفسير الطبري ٢٤/ ٢٧٠ . (٣) زاد المسير ٩/ ٧٣ . (٤) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٥٣/٣، وللأخفش ٧٣٦/٢. وعقب عليه الفراء بقوله: هذا في التفسير، ولم نجد العرب تَدَعُ القسم بغير لام يستقبل بها، أو ((لا))، أو ((إنَّ))، أو ((ما))، فإن يكن كذلك فكأنه مما ترك فيه الجواب، ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر. ١٨٤ سورة البروج: الآيات ٤ - ٧ وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: قُتل أصحابُ الأخدود والسماء ذاتِ البُروجِ، قاله أبو حاتم السِّجِسْتانيُّ. ابنُ الأنباريِّ: وهذا غَلَظُ؛ لأنه لا يجوزُ لقائلٍ أنْ يقولَ: واللهِ قام زيدٌ؛ على معنى: قام زيدٌ واللهِ. وقال قومٌ: جوابُ القَسَمِ: ((إنَّ بظْشَ ربك الشديد)) وهذا قبيحٌ، لأنَّ الكلامَ قد طال بينهما(١). وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَوَا﴾(٢). وقيل: جوابُ القَسَمِ محذوفٌ، أي: والسماءِ ذاتِ البروجِ لَتُبْعَثُنَّ. وهذا اختيارُ ابنِ الأنباريّ(٣). والأخدودُ: الشقُّ العظيمُ المستطيلُ في الأرض كالخندق، وجَمْعُه أخاديد. ومنه الخدُّ، لمجاري الدموع، والمخذَّةُ، لأنَّ الخذَّ يوضعُ عليها (٤). ويقال: تَخذَّد وجه الرجلِ: إذا صارتْ فيه أخاديدُ من جِراحٍ، قال طَرَفة : ووجهٌ كأنَّ الشمسَ حَلَّتْ رداءها عليه نَقِيُّ اللونِ لم يَتَخذَّهِ (٥) ﴿أَلنَّارِ ذَاتِ الْوَقُدٍ﴾ ((النارِ)) بدلٌ من ((الأخدودِ)) بدلُ الاشتمال. و((الوقود)) بفتحِ الواو قراءةُ العامَّةِ، وهو الحَطَبُ. وقرأ قتادةُ وأبو رجاءٍ ونصر بنُ عاصم بضمِّ الواوٍ على المصدر (٦)، أي: ذاتِ الاتِّقادِ والالتهابِ. وقيل: ذاتِ الوقودِ بأبدان الناس. وقرأ أشهبُ العُقَيْلِيُّ وأبو السَّمَّالِ العَدَويُ وابنُ السَّمَيْفَعِ: ((النارُ ذاتُ)) بالرفعِ فيهما(٧)، أي: أَخْرفَتْهم النارُ ذاتُ الوقود. (١) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٧٣. (٢) المحرر الوجيز ٤٦٢/٥ . (٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٧٢ - ٩٧٣ . (٤) النكت والعيون ٢٤١/٦. (٥) ديوان طرفة ص٢١. قوله: ووجْهٌ، أي: ولها وجهٌ، ومعنى حلت رداءها عليه: قَلَعتْه وأَلْبَسَتْه إياه. شرح المعلقات للنحاس ٥٩/١ . (٦) القراءات الشاذة ص١٧١، والمحرر الوجيز ٥/ ٤٦٢ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٥/ ١٩٢ عن أبي عبد الرحمن السلمي. وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٤٦٢ دون نسبة. ١٨٥ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ ﴿إِذْ هُّرٌ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ أي: الذين خدَّدوا الأخاديدَ وقَعَدوا عليها يُلْقونَ فيها المؤمنين، وكانوا بنَجرَانَ في الفترة بين عيسى ومحمدٍ صلى الله عليهما وسلم. وقد اختلفت الروايةُ(١) في حديثهم. والمعنى متقارِبٌ. ففي ((صحيح)) مسلم عن صُهَيب: أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((كانَ مَلِكٌ فيمَن كان قَبْلَكم، وكان له ساحرٌ، فلمَّا كَبِرَ قال للملك: إنِّي قد كَبِرْتُ، فابْعَثْ إليَّ غلاماً أُعَلِّمْه السِّحْرَ، فبعَثَ إليه غلاماً يعلِّمُه، فكان في طريقه إذا سَلَك راهبٌ، فَقَعَدَ إليه وسَمِعَ كلامَه، فأعجبه، فكان إذا أَتَى السَّاحرَ مرَّ بالراهبِ وقَعَدَ إليه، فإذا أَتَى السَّاحر ضَرَبَه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خَشِيْتَ السَّاحِرَ فقُلْ: حَبَسني أَهْلي. وإذا خَشيت أَهْلَك فقُلْ: حَبَسني السَّاحرُ. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابَّةٍ عظيمةٍ قد حَبَسَت الناسَ، فقال: اليومَ أَعْلمُ السَّاحِرُ أفْضَلُ أم الراهبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حجراً فقال: اللهمَّ إنْ كان أمرُ الراهبِ أحبَّ إليكَ من أَمْر السَّاحرِ فاقْتُلْ هذه الدابةَ حتى يمضي الناسُ، فرماها فقتلها، ومضى الناسُ. فَأَتى الراهبَ فَأَخْبَرِهِ، فقال له الراهبُ: أي بنيَّ، أنت اليومَ أَفضلُ منِّي، قد بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ ما أرى، وإنَّك ستُبْتَلَى، فإنِ ابْتُلِيْتَ فلا تَدُلَّ عليَّ. وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأَكْمِهَ والأَبْرَصَ، ويُداوي الناسَ من سائرِ الأَذْوَاءِ. فسمع جليسٌ للملك كان قد عَمِي، فأتاه بهدايا كثيرةٍ فقال: ماهاهُنا لك أَجْمعُ إِنْ أنتَ شَفَيْتَني. فقال: إنِّي لا أَشْفي أحداً، إنَّما يَشْفي اللهُ، فإنْ أنتَ آمنتَ بالله دَعَوْتُ الله فشَفَاكَ، فَآمَنَ بالله فشَفَاه الله. فأتَى الملكَ فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملكُ: مَنْ رَدَّ عليك بَصَرَكَ؟ قال: ربِّي. قال: ولكَ ربّ غيري؟! قال: ربِّي وربُّكَ اللهُ. فَأَخَذَه فلم يَزَلْ يُعذّبُه حتى دَلَّ على الغلام، فجيءَ بالغلام فقال له الملكُ: أي بنيَّ! قَدْ بَلَغَ مِن سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأَكْمَه والأَبْرصَ، وتَفْعلُ وتفعلُ؟! قال: إنِّي لا أَشْفي أحداً، إِنَّما يَشْفي اللهُ. فَأَخَذَه فلم يَزَلْ يُعذِّبه حتى دَلَّ على الراهب، فجيءَ بالراهب، فقيل له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فَأَبَى، فدعا بالمنشار، فوَضَعَ المنشار في مَفْرِق رأسِه، فشقّه حتى (١) في (م): الرواة. ١٨٦ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ وقع شِفَّاه. ثم جيءَ بجليسِ الملِكِ فقيل له: ارجعْ عن دِينِكَ، فَأَبِى، فوضَعَ المنشارَ في مَفرق رأسِه، فشقَّه به حتى وقع شِقَّه. ثم جيء بالغلام فقيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبى، فدَفَعه إلى نَفَرٍ من أصحابه فقال: اذْهَبوا به إلى جبلٍ كذا وكذا، فاضْعَدوا به الجبل، فإذا بلغتُم ذِرْوَتَه، فإنْ رَجَع عن دينه، وإلَّا فاظْرَحوه، فَذَهبوا به فصَعِدوا به الجبل، فقال: اللهمَّ اكْفِنِيهِم بما شِئْتَ، فَرَجَفَ بهم الجبلُ فسَقَطوا. وجاء يمشي إلى الملِكِ، فقال له الملك: ما فَعَلَ أصحابكَ؟! قال: كَفَانِهِمُ اللهُ. فَدَفَعَه إلى نَفَرٍ من أصحابه فقال: اذْهَبوا به فاحمِلوه في قُرْقُور (١)، فتوسَّطوا به البحرَ، فإنْ رَجَع عن دينه، وإلَّ فاقْذِفوه، فذهبوا به فقال: اللهمَّ اكْفِنِيهِم بما شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بهم السفينةُ فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملكُ: ما فَعَل أصحابُك؟! قال: كَفَانِهِمُ اللهُ. فقال للملك: إنَّك لَسْتَ بقاتِلي حتى تَفْعَل ما آمرُكَ به. قال: وما هو؟ قال: تَجْمعُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، وتَصْلُبُني على جِذْعِ، ثم خُذْ سهماً من كِنانَتي، ثم ضَعِ السَّهمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثم قل: بِاسْمِ اللهِ ربِّ الغلامِ، ثم ارْمِني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلك قَتَلْتني. فجمع الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، وصَلَبه على جِذْعٍ، ثم أَخَذَ سهماً من كنانته، ثم وضع السهمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثم قال: باسْمِ اللهِ ربِّ الغلامِ، ثم رماه فوقع السهمُ في صُدْغِهِ، فوضَعَ يَده في صُدْغِه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمَنَّا بربِّ الغلامِ! آمنًا بربِّ الغلامِ! آمنًا بربِّ الغلام! فأُتي الملِكُ فقيل له: أرأيتَ ما كنتَ تَحْذَرُ؟ قد واللهِ نَزَلَ بك حَذَرُكَ، قد آمنَ الناسُ، فأَمر بالأُخدودِ في أفواه السِّككِ، فخُذَّت، وأَضْرمَ النيرانَ، وقال: من لم يَرْجِعْ عن دِينهِ فأَخْموه فيها(٢) - أو قيل له: اقْتَحِمْ - ففعلوا، حتى جاءتِ امرأةٌ ومعها صبيٍّ لها، فتقاعَسَتْ أن تقع فيها، فقال لها الغلامُ: ((يا أُمَّهُ اضِرِي فإنَّكِ على الحقِّ»(٣). (١) هو السفينة العظيمة، وجمعها قراقير. النهاية (قرقر). (٢) أي: ارموه فيها، شرح النووي لصحيح مسلم ١٣٣/١٨. (٣) صحيح مسلم (٣٠٠٥)، وهو عند أحمد (٢٣٩٣١). ١٨٧ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ خرَّجه الترمذيُّ بمعناه، وفيه: ((وكان على طريق الغلام راهبٌ في صومعةٍ)) قال معمر: أَحْسَبُ أنَّ أَصحابَ الصَّوامع كانوا يومئذٍ مسلمين. وفيه: أنَّ الدابةَ التي حَبَستِ الناس كانت أَسَداً، وأنَّ الغلام دُفِنَ، قال: فيُذْكَر أنه أُخرِجَ في زمن عمر بن الخطاب وأصبعهُ على صِدْغِه كما وَضَعَهَا حين قُتِل. وقال: حديثٌ حسنٌ غريب(١). ورواه الضحاك عن ابن عباس قال: كان مَلِكٌ بنَجْران، وفي رعيته رجُل له بُنَيِّ(٢)، فبعثه إلى ساحرٍ يعلِّمه السِّحرَ، وكان طريقُ الفتى على راهبٍ يقرأ الإنجيل، فكان يُعْجِبُهُ ما يَسْمَعُهُ من الراهب، فدخل في دينِ الراهبِ، فأقبل يوماً فإذا حيةٌ عظيمةٌ قَطَعتْ على الناس طريقَهم، فأخذ حجراً فقال: باسم الله ربِّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما، فقتلها. وذَكَر نحوَ ما تقدَّم. وأنَّ الملك لمَّا رماه بالسَّهم وقَتَلَه، قال أهلُ مملكةِ الملكِ: لا إله إلَّا إلهُ عبدِ الله(٣) بن ثامرٍ - وكان اسمَ الغلام - فغضب الملك، وأَمر فخُدَّتْ أخاديدُ، وجُمِع فيها حطبٌ ونارٌ، وعَرَضَ أهلَ مملكته عليها، فَمَن رَجَعَ عن التوحيد تَرَكَه، ومَن ثَبَتَ على دِينه قَذَفه في النار. وجيءَ بامرأةٍ مُرْضعٍ، فقيل لها : ارجِعي عن دينك وإلا قذفناكِ وولَدَكِ، قال: فَأَشْفَقتْ وهَمَّتْ بالرجوع، فقال لها الصَّبيُّ المُرْضَعِ: يا أمِّي، اثْبُتي على ما أنتِ عليه، فإنَّما هي غُمَيْضَةٌ، فَأَلْقَوْها وابنَها. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أنَّ النار ارتفعتْ من الأخدودِ فصارت فوقَ الملكِ وأصحابِهِ أربعينَ ذراعاً فَأَحْرَقَتْهم(٤). وقال الضحاك: هم قومٌ من النصارى كانوا باليمن قبل مَبْعَثِ رسول الله ﴾. بأربعين سنةً، أَخَذَهم يوسف بنُ شراحيل بن تُبَّع الحميريُّ، وكانوا نيفاً وثمانين (١) سنن الترمذي (٣٣٤٠). (٢) في (م): فتى. (٣) في النسخ: لا إله إلا الله عبد الله، والمثبت من تفسير البغوي ٤٦٩/٤ والخبر فيه بنحوه من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره مطولاً الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٣٩-٤٤١، وفيه: لا إله إلا الله آمنا بدین عبد الله ... (٤) ذكر نحوه الثعلبي في عرائس المجالس ص ٤٤٢ عن الكلبي. ١٨٨ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ رجلاً، وحَفَر لهم أُخدوداً وأَخْرقَهم فيه. حكاه الما ورديُّ(١). وحَكَى الثعلبيُّ عنه: أنَّ أصحابَ الأخدودِ من بني إسرائيل، أَخَذوا رجالاً ونساءً، فخدُّوا لهم الأخاديدَ، ثم أَوْقَدوا فيها النارَ، ثم أُقيم المؤمنون عليها، وقيل لهم: تكفُرونَ أو تُقْذَفون في النار(٢)؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابُه، وقاله عَطِيةُ العَوْفيُّ. ورُوي نحوُ هذا عن ابن عباس(٣). وقال عليٍّ ه: إنَّ ملِكاً سكِر فوقعَ على أُخته، فأراد أن يجعل ذلك شرعاً في رَعيَّته، فلم يقبلوا، فأشارت إليه أنَّ يخطُبَ بأنَّ الله - عزَّ وجل - أَحَلَّ نكاحَ الأَخواتِ، فلم يُسْمَعْ منه، فأشارتْ عليه أن يخُذَّ لهم الأخدودَ، ويُلقي فيه كلَّ من عَصَاه، ففعل. قال: وبقاياهم ينكِحون الأخوات وهم المَجُوسُ، وكانوا أهلَ كتاب (٤). ورُوي عن عليٍّ أيضاً أنَّ أصحاب الأخدودِ كان سببُهم أنَّ نبيًّا بَعَثه الله تعالى إلى الحبشة، فاتَّبعه ناسٌ، فخدَّ لهم قومُهم أخدوداً، فَمَن اتَّبع النبيَّ رُمي فيها، فجيءَ بامرأةٍ لها بُنَّيِّ رضيعٌ فجزِعتْ، فقال لها: يا أمَّاه، امْضي ولا تَجْزعي(٥). وقال أيوب عن عكرمةَ قال: ﴿قُلَ أَضْحَبُ الْأُنْدُودِ﴾ قال: كانوا من قومِكَ من السِّجِسْتان. وقال الكلبيُّ: هم نصارى نجران، أَخَذوابها قوماً مؤمنين، فخدُّوا لهم سبعةً أخاديد، طولُ كلِّ أخدودٍ أربعون ذراعاً، وعرضُه اثنا عَشَر ذراعاً. ثم طُرِحَ فيه النّفْطُ والحطبُ، ثم عَرَضوهم عليها، فَمَنْ أَبَى قَذَفوه فيها. وقيل: قومٌ من النصارى كانوا بالقُسْطَنْطينيةِ زمانَ قُسْطَنطين. وقال مقاتل: أصحابُ الأخدودِ ثلاثةٌ، واحدٌ بنجرانَ، والآخرُ بالشَّام، والآخَرُ (١) في النكت والعيون ٦/ ٢٤٢ . (٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٧٣ . (٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٧٢ من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وذكره عن عطية الماوردي ٢٤٢/٦. (٤) أخرجه مطولاً الطبري ٢٤/ ٢٧٠ - ٢٧١ . (٥) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٣٣/٦ ، وذكره البغوي ٤٦٩/٤ . ١٨٩ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ بفارس. أمَّا الذي بالشام، فأنطنيانوس الروميُّ، والذي بفارس بختنصّر، والذي بأرض العربِ يوسف بن ذي نُواس. فلم يُنْزِل الله في الذي بفارس والشام قرآناً، وأَنزل قرآناً في الذي كان بنجرانَ. وذلك أنَّ رجلين مسلمين كان أحدُهما بتهامةً، والآخرُ بنجران، آجَرَ أحدُهما نفسَه، فجعل يعملُ ويقرأُ الإنجيلَ، فرأت ابنةُ المستأجر النور في قراءة الإنجيل، فأخبرتْ أباها فأسْلَم. وبلغوا سبعةً وثمانين بين رجلٍ وامرأةٍ، بعدَ ما رُفع عيسى، فخذَّ لهم يوسف بنُ ذي نُواس بن تُبَّعِ الحِميريُّ أُخدوداً، وأَوْقَد فيه النارَ، وعَرَضهم على الكفر، فَمَن أَبَى أنْ يكفر قَذفه في النار، وقال: مَن رجع عن دين عيسى لم يُقْذَف. وإنَّ امرأةً معها ولدُها صغيرٌ لم يتكلّم، فرجعت، فقال لها ابنُها: يا أمَّاه، إنِّي أرى أمامك ناراً لا تُطْفَأ، فقَذَفا جميعاً أنفسهما في النار، فجعلها اللهُ وابنَها في الجنة. فقُذِفَ في يومٍ واحدٍ سبعةٌ وسبعون إنساناً(١). وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبِّهِ: كان رجلٌ من بقايا أهلِ دينِ عيسى ابن مريم عليه السلام، يقال له: قيميون، وكان رجلاً صالحاً مجتهداً، زاهداً في الدنيا، مُجابَ الدعوة، وكان سائحاً في القرى، لا يُعْرَفُ بقريةٍ إلَّا مَضَى عنها، وكان بَنَّاءً يعملُ الطّين(٢). قال محمد بن كعب القُرَظيُّ: وكان أَهلُ نَجْرانَ أهلَ شِرْكِ يعبدون الأصنام، وكان في قريةٍ من قُراها قريباً من نجران ساحرٌ يعلِّم غلمانَ أهلِ نجران السِّحرَ، فلمَّا نزل بها قيميون، بنى بها خيمةً بين نجرانَ وبين تلك القريةِ التي بها السَّاحر، فجعل أهلُ نجران يبعثون غلمانَهم إلى ذلك الساحرِ يعلِّمهم السِّحرَ، فبعث إليه الثامر عبدَالله ابنَ الثامر، فكان مع غلمانِ أهلِ نجران، فكان عبدُ الله إذا مرَّ بصاحبِ الخيمةِ أَعْجبه ما يرى من أمرِ صَلاتِه وعبادته، فجعل يجلسُ إليه ويسمعُ منه، حتى أَسْلَم، فوحَّد الله (١) ذكره بنحوه البغوي ٤ / ٤٦٩ - ٤٧٠ . (٢) سيرة ابن هشام ٣١/١-٣٢. ١٩٠ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ وعَبَدَه، وجعل يسألهُ عن اسم اللهِ الأعظم، وكان الراهبُ يعلِّمه، فَكَتَمَه إياه وقال: يا ابن أخي، إنَّك لن تَحْمِلَه، أخشى ضَعْفَكَ عنه، وكان أبوه الثامرُ لا يظنُّ إلّا أنَّ ابنَه يختلفُ إلى الساحر كما يختلف الغلمان. فلمَّا رأى عبدُ الله أنَّ الراهبَ قد بَخِلَ عليه بتعليم اسم الله الأعظم، عمدَ إلى قِداحِ فجمعَها، ثم لم يُبْقِ للهِ تعالى اسماً يعلَمُه إلَّا كتبه في قِدْح، لكلِّ اسمٍ قِدْحٌ، حتى إذا أحصاها أَوْقَدَ لها ناراً، ثم جعل يقذفُها فيها قِدْحاً قِدْحاً، حتى إذا مرَّ بالاسم الأَعْظَم قذف فيها بقِدْحِه، فوثَبَ القِدْحُ حتى خرج منها لم يضرَّه شيءٌ، فأخذه ثم قام إلى صاحبه، فأخبره أنه قد عَلِمَ اسمَ الله الأعظمَ الذي كَتَمه إياه؛ فقال: وماهو؟ قال: كذا وكذا. قال: وكيف عَلِمْتَه؟ فأخبره بما صنع. فقال له: يا ابن أخي، قد أَصَبْتَه، فأمْسِكْ على نفسك، وما أظنُّ أنْ تَفْعَلَ. فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يَبْقَ أحدٌ به ضُرِّ إلَّا قال: يا عبد الله، أَتُوَحِّدُ الله وتَدْخُلُ في ديني، فَأَدْعوَ الله لك فيعافِيكَ مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحِّد الله ويُسْلِم، فيدعو الله له فيشفَى، حتى لم يَبْقَ أحدٌ بنجران به ضرٍّ إلَّا أتاه فاتَّبعه على دينه، ودعا له فعُوفي، حتى رُفِع شأنُه إلى مَلِكِهم، فدعاه فقال له: أَفْسَذْتَ عليَّ أهلَ قريتي، وخالَفْتَ ديني ودين آبائي، فلأُمثِّلنَّ بك. قال: لا تقدرُ على ذلك. فجعل يرسلُ به إلى الجبل الطويل، فيُظْرَحُ عن رأسه، فيقعُ على الأرض ليس به بأسٌ. وجعل يبعثُ به إلى مياهِ نجرانَ، بحار لا يُلْقَى فيها شيءٌ إلَّا هَلَكَ، فيُلْقَى فيها فيخرجُ ليس به بأسٌ، فلمَّا غلبه قال له عبد الله بن الثامر: والله لا تقدرُ على قتلي حتى توحِّدَ الله وتؤمنَ بما آمنتُ به، فإنك إن فعلتَ ذلك سُلُّطْتَ عليَّ وقَتَلْتني. فوحَّد الله ذلك الملكُ وشَهِدَ شهادته، ثم ضَرَبه بعصاً فشجَّه شجةً صغيرةً ليست بكبيرةٍ، فقتله، وهَلَكَ الملك مكانهُ، واجْتَمَعَ أهلُ نجرانَ على دينِ عبد الله بن الثَّامِر، وكان على ما جاء به عيسى ابنُ مريم من الإنجيل وحُكْمِه. ثم أصابهم ما أصاب أهلُ دينهم من الأحداث، فَمِن ذلك كان أصلُ النصرانيةِ بنجرانَ. فسار إليهم ذو نُواس اليهوديُّ بجنوده من حِمْير، فدعاهم إلى اليهودية، وخيَّرهم بين ذلك أو ١٩١ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ القتلِ، فاختاروا القتلَ، فخذَّ لهم الأخدودَ؛ فحرَّق بالنار وقَتَلَ بالسيف، ومَثَّل بهم حتى قَتَلَ منهم عشرين ألفاً (١). وقال وهب ابن منبه: اثني عَشَر ألفاً. وقال الكلبيُّ: كان أصحابُ الأخدودِ سبعين ألفاً(٢). قال وهبٌ: ثم لمَّا غَلَبَ أرياط على اليمن خرج ذو نُواس هارباً، فاقتحم البحر بفرسه فغرِق. قال ابن إسحاق: وذو نُواس هذا اسمُه زُرْعةُ بنُ تُبَّان أسعد الحميريُّ، وكان أيضاً يسمَّى يوسف، وكان له غَدَائرُ من شعرٍ تَنُوسُ، أي: تضطربُ، فسُمِّي ذا نُواس، وكان فَعَلَ هذا بأهلِ نجران، فأقْلَتَ منهم رجلٌ اسمُه دَوْسٌ ذو ثَعْلَبان، فساق الحبشة لينتصر بهم، فملكوا اليمن وهلك ذو نُواس في البحر، أَلْقَى نفسَه فيه(٣)، وفيه یقولُ عمرو بن معدي گرِب : بأَنْعَمِ عِيشةٍ أو ذو نُواسٍ أَتُوْعِدني كأنَّك ذو رُعَيْنٍ ومُلْكِ ثابتٍ في الناس راسٍ وكائن كان قبلَك من نَعِيم عظيمٍ قاهرِ الجبروتِ قاسٍ قديم عهدُه من عهدِ عادٍ يُنَقَّل من أناسٍ في أناسٍ (٤) أزالَ الدهرُ مُلْكَهم فأَضْحَى وذو رُعينٍ : ملكٌ من ملوك حمير. ورُعَينٌ حصنٌ له، وهو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سَباً. مسألة: قال علماؤنا: أَعْلَم الله عزَّ وجلَّ المؤمنين من هذه الأمةِ في هذه الآية ما كان يلقاه مَن وَحَّد قبلهم من الشدائد، يُؤَنِّسهم بذلك. وذكر لهم النبيُّ ﴾ قصةَ الغلامِ ليَصْبِروا على ما يلاقون من الأذى والآلام، والمَشقَّات التي كانوا عليها، ليتأسَّوْا (١) سيرة ابن هشام ٣٤/١-٣٥. (٢) ذكر القولين الثعلبي في عرائس المجالس ص ٤٤٢. (٣) التعريف والإعلام ص ١٨٢، وبنحوه في سيرة ابن هشام ٣٠/١ و٣١ و٣٧. (٤) سيرة ابن هشام ١/ ٤٠، وعرائس المجالس ص٤٤٢ وصدر البيت الأخير فيهما: فأمسى أهله بادوا وأمسى ... ١٩٢ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ بمثل هذا الغلام في صبره وتصلُّبه في الحقِّ وتمسُّكه به، وبَذْلِه نَفْسَه في حقِّ إظهارٍ دعوته، ودخولِ الناس في الدين، مع صِغَرِ سنِّه وعظيمٍ صَبْرهِ. وكذلك الراهبُ صبر على التمسُّك بالحقِّ حتى نُشِرَ بالمنشار. وكذلك كثيرٌ من الناس لمَّا آمنوا بالله تعالى وَرَسَخَ الإيمانُ في قلوبهم، صبروا على الطَّرْح في النار ولم يرجعوا في دينهم(١). ابن العربيٍّ: وهذا منسوخٌ عندنا، حَسْبَ ما تقدَّم بيانُه في سورة النحل(٢). قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وإنَّ الصَّبر على ذلك لِمَن قَوِيَتْ نَفْسُه وصَلُب دينُه أَوْلَى، قال الله تعالى مُخْبِراً عن لقمان: ﴿يَبُنَّ أَقِ اٌلْضَلَوَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. وروى أبو سعيد الخدريُّ أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((إنَّ من أَعْظَم الجهادِ كلمةَ عَدْلٍ عند سلطانٍ جائرٍ»: خرَّجه الترمذيُّ وقال : حديثٌ حسنٌ غريب(٣). ورَوَى ابن سنجر - محمد بنُّ سنجر - عن أميمةَ مولاة النبيِّ ﴾ قالت: كنتُ أوضِّئُ النبيَّ ﴾، فأتاه رجلٌ فقال: أَوْصِني. فقال: ((لا تُشْركْ بالله شيئاً وإنْ قُطَّعْتَ أو حُرِّقْتَ بالنار ... )) الحديث(٤). قال علماؤنا: ولقد امتُحِنَ كثيرٌ من أصحاب النبيِّ# بالقتل والصَّلب والتعذيب الشديد، فصَبَروا ولم يلتفتوا إلى شيءٍ من ذلك، ويكفيكَ قصةُ عاصمٍ وخُبيبٍ (١) المفهم ٤٢٦/٧، وفيه : .... ولم يرجعوا عن دينهم. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٠٤/٤، وينظر أحكام القرآن ١١٦٥/٣ وما بعدها، وينظر ما سلف ٤٣٢/١٢ وما بعدها. (٣) سنن الترمذي (٢١٧٤)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٣٤٤)، وابن ماجه (٤٠١١)، وله شاهد من حديث أبي أمامة # سلف ١٤/ ٤٥١. وآخر من حديث طارق بن شهاب عند أحمد (١٨٨٢٨)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٦١ . (٤) لعله في مسند ابن سنجر، وقد سلف الكلام عنه ١٤/٥، وأخرجه مطولاً ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٤٧)، والطبراني في الكبير ٢٤/ (٤٧٩). وأخرجه عبد بن حميد (١٥٩٤) من حديث أم أيمن رضي الله عنها. وينظر الإصابة ١٢/ ١٤١. ١٩٣ سورة البروج: الآيتان ٦ - ٧ وأصحابِهما، ومالَقُوا (١) من الحروبِ والمحنِ والقتلِ والأسرِ والحَرْقِ، وغير ذلك، وقد مضى في ((النحل)) أنَّ هذا إجماعٌ ممن قَوِيَ في ذلك، فتأمَّلْه هناك(٢). قول تعالى: ﴿قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُودِ﴾ دعاءٌ على هؤلاء الكفَّار بالإبعاد من رحمة الله تعالى. وقيل: معناه: الإخبارُ عن قَتْلِ أولئك المؤمنين، أي: إنهم قُتلو بالنار فصَبروا. وقيل: هو إخبارٌ عن أولئك الظالمين، فإنه رُوي أنَّ اللـه قَبَضَ أرواح الذين أُلْقُوا في الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار، وخرجتْ نارٌ من الأخدود فأَحْرقَت الذين هم عليها قعود(٣). وقيل: إنَّ المؤمنين نَجَوا، وأَخْرقَت النارُ الذين قعدوا، ذكره (٤) النحاس (٤). ومعنى ((عليها)) أي: عندها، وعلى بمعنى عند. وقيل: ((عليها)): على ما يدنو منها من حافاتِ الأخدود، كما قال : وباتَ على النارِ النَّدى والمحلَّقُ(٥) والعامل في ((إِذ)): ((قُتِل))، أي: لُعنوا في ذلك الوقت. ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِينَ شُهُوٌ﴾ أي: حضورٌ، يعني الكفارَ، كانوا يعرضون الكفرَ على المؤمنين، فَمَن أَبَى أَلْقَوْه في النار، وفي ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجِدِّ في ذلك. (١) يعني أصحاب النبي﴿ عامةٌ، والكلام من المفهم ٤٢٦/٧ . (٢) ينظر ٤٣٢/١٢ وما بعدها، وسلفت قصة عاصم وخبيب وأصحابهما ٣٤٣/١٣ وما بعد. (٣) أخرجه الطبري ٢٧٦/٢٤ عن الربيع بن أنس قوله. (٤) وذكره كذلك الفراء في معاني القرآن ٢٥٣/٣ وقال: هو أشبه بالصواب. (٥) وصدره: تُشَبُّ لمَقْرورَيْنِ يصطليانها. والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٢٧٥ ، من قصيدة في مدح المحلَّق بن حنتم بن شداد. قال الشارح: أي: بات عليها اثنان يستدفئان من البرد ويَسْمُران، هما الكرَم والمحلَّق. ١٩٤ سورة البروج: الآيات ٧ - ١١ وقيل: ((على)) بمعنى مع، أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ﴾ وقرأ أبو حَيْوة: (نَقِموا)) بالكسر، والفصيحُ هو الفتح(١)، وقد مضى في «براءة)» القولُ فيه(٢)، أي: ما نَقَم الملِكُ وأصحابُه من الذين حَرَّقهم ﴿إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا﴾ أي: إلَّا أنْ يصدِّقوا ﴿بِاللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: الغالبِ المنيعِ ﴿الْحَمِيدِ﴾ أي: المحمودِ في كلِّ حال. ﴿الَّذِىِ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ لا شريكَ له فيهما ولانديدَ ﴿وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالمٌ بأعمالِ خَلْقِه لاتَخْفَى عليه خافيةٌ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَّ بَتُوبُواْ فَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ﴾ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَيْرُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنتُواْ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: حَرَّقوهم بالنار. والعربُ تقول: فَتَنَ فلانٌ الدرهمَ والدينارَ: إذا أَدْخَلَه النارَ(٣) لينظرَ جودَتَه. ودينارٌ مفتونٌ. ويسمَّى الصَّائغِ: الفئَّان، وكذلك الشيطانُ، ووَرِقٌ فَتِين، أي: فضةٌ مُخْرَقةٌ (٤). ويقال للحَرَّةُ(٥): فَتين، أي: كأنها(٦) أُخْرِقَتْ حجارتُها بالنار، وذلك لسَوَادها. ◌ُمَّ لَمْـ بَتُوبُوا﴾ أي: مِن قبيح صَنيعِهم مع ما أَظْهَره الله لهذا الملِكِ الجبارِ الظالم (١) الكشاف ٢٣٩/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص١٧١. (٢) ٣٠٤/١٠. (٣) في (د) و(م): الكور. (٤) في (ظ) و(م): محترقة، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الصحاح (فتن)، والكلام منه. (٥) الحرَّة: أرض ذات حجارة سودٍ نَخِرةٍ كأنها أحرقت بالنار. الصحاح (حرر). (٦) في (ي) و(ظ): كأنما. ١٩٥ سورة البروج: الآيات ١٣ - ١٦ وقومِه من الآيات البيناتِ على يدِ الغلام. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ﴾ لَكُفْرَهم ﴿وَمُمْ عَذَابُ اَْرِيقِ﴾ في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار. وقد تقدَّم عن ابن عباس(١). وقيل: ((ولهم عذاب الحرِيق))، أي: ولهم في الآخرة عذابٌ زائدٌ على عذابٍ كُفْرِهم بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم عذابُ الجحيم وعذابُ الحريق(٢). والحريق: اسمٌ من أسماء جهنم، كالسَّعير. والنارُ دَرَكاتٌ وأنواعٌ ولها أسماء، وكأنَّهم يعذَّبون بالزَّمْهَرير في جهنم، ثم يعذَّبون بعذابِ الحريق. فالأولُ عذابٌ بِيَّرْدها، والثاني عذابٌ بحرِّها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله، أي: صدَّقوا به وبرسُله. ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ﴾ أي: بساتين ﴿تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ﴾ من ماءٍ غيرِ آسِنٍ، ومن لَبَنٍ لم يتغيَّر طَعْمُهُ، ومن خَمْرٍ لَّذَّةٍّ للشاربين، وأنهارٍ من عسلٍ مُصَفَّى. ﴿ذَلِكَ اٌلْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ أي: العظيم، الذي لافوزَ يُشْبِهِه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ ﴿ إِنَّهُ هُوَ بَيْدِىُ وَبُعِدُ (٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿ فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٤ قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطَشَ رَبِّكَ لَتَدِيدُ﴾ أي: أَخْذَه الجبَابِرَةَ والظّلَمَةَ، كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ أَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ * إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وقد تقدَّم. قال المبرد(٣): ((إِنَّ بَظْشَ ربِّك)) جوابُ القَسَم. المعنى: والسماءِ ذاتِ البروج إنَّ بَطْشَ ربِّك، وما بينهما معتَرِضٌ مؤكِّدٌ للقَسَم. وكذلك قال التِّرمذيُّ الحكيمُ في (نوادر الأصول)»(٤): إنَّ القسم واقعٌ على(٥) ذِكْرِ صفتِهِ بالشِّدة. (١) ص ١٨٧ من هذا الجزء. (٢) في (د) و(م): لهم عذاب وعذاب جهنم الحريق. (٣) في المقتضب ٣٣٧/٢. (٤) قوله: نوادر الأصول، ليس في (ي) و(ظ)، ولم نقف على هذا الكلام في المطبوع منه. (٥) في (م): عما. ١٩٦ سورة البروج: الآيات ١٣ - ١٦ ﴿إِنَُّ هُوَ يُبْدِيُ وَبُِدُ﴾ يعني الخَلْقَ - عند أكثر العلماء - يخلُقهم ابتداءً، ثم يعيدُهم عند البعث. وروى عكرمةُ قال: عَجِبَ الكفارُ من إحياءِ اللهِ جلَّ ثناؤه الأمواتَ. وقال ابن عباس: يبدئُ لهم عذابَ الحريقِ في الدنيا، ثم يعيدُه عليهم في الآخرة. وهذا اختيارُ الطبريٌّ(١). ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ أي: السَّتُورُ لذنوبِ عبادِه المؤمنين، لا يفضحُهم بها. ﴿ الْوَدُودُ﴾ أي: المحبُّ لأوليائه. ورَوَى الضحَّاك عن ابن عباس قال: كما يَوَدُّ أحدُكم أخاه بالبشرى والمحبة. وعنه أيضاً: ((الودود))، أي: المتودِّدُ إلى أوليائه بالمغفرة(٢). وقال مجاهد: الوادُّ لأوليائه، فعولٌ بمعنی فاعِلٍ. وقال ابن زيد: الرحيم(٣). وحكى المبرِّدُ عن إسماعيل بن إسحاق القاضي: أنَّ الودودَ هو الذي لا وَلَدَ له، وأنشد قول الشاعر : وأَرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانةٌ ذَلولَ الجنَاحِ لقاحاً وَدُودا(٤) أي: لا ولَد لها تَحِنُّ إليه، ويكونُ معنى الآيةِ: إنه يَغْفِرُ لعباده وليس له ولدٌ يَغْفِرُ لهم من أَجْلِه، ليكونَ بالمَغْفِرة متفضِّلاً من غير جزاء(٥). وقيل: الودودُ بمعنى المَوْدودِ، کرَكوب وحَلُوب، أي: يَوَدُّه عبادُه الصالحون ويحبُّونه(٦). (١) في التفسير ٢٨٣/٢٤، وقول ابن عباس منه. (٢) ذكره الرازي ١٢٣/٣١ عن الكلبي. (٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٨٤ . (٤) النكت والعيون ٢٤٣/٦، والبيت في البحر ٤٥٢/٨ برواية: ذلول الجماع، وفي الدر المصون ٤٧٨/١٠ برواية: خيفانة ذلول الجماح. وورد صدر البيت في ديوان امرئ القيس ص ١٦٣. وذكر الرازي ١٢٤/٣١، وصاحب اللسان (ورد) البيت برواية: جَمُومَ الجِراءِ وَقَاحاً ودودا وأَعْددتُ للحرب خَيْفانةً (٥) النكت والعيون ٢٤٣/٦. (٦) الوسيط ٤٦٢/٤، وتفسير الرازي ١٢٣/٣١. ١٩٧ سورة البروج: الآيتان ١٥ - ١٦ ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِدُ﴾ قرأ الكوفيون إلَّا عاصماً: ((المجيدِ)) بالخفض(١)، نعتاً للعرش. وقيل: لـ ((ربِّك))، أي: إِنَّ بَطْشَ ربِّك المجيدِ لشديدٌ، ولم يمتنع الفَصْلُ، لأنه جارٍ مجرى الصفةِ في الشديد. الباقون بالرفع نعتاً لـ (ذو)) وهو اللهُ تعالى. واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم؛ لأنَّ المجدَ هو النهايةُ في الكرم والفَصْلِ، والله سبحانه هو المنعوتُ بذلك. وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر ((المؤمنون))، تقول العرب: في كلِّ شجرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرُْ والعَفَار(٢)، أي: تَناهَيا فيه، حتى يُقْتَبَس منهما. ومعنى ذو العرش: أي: ذو المُلْكِ والسُّلْطانِ، كما يقال: فلانٌ على سريرِ مُلْكِه، وإن لم يكن على سرير. ويقال: ثُلَّ عرشُه، أي: ذهب سلطانُه. وقد مضى بيانُ هذا في (الأعراف)»(٣) وخاصَّةً في ((كتاب الأُسْنَى في شرح أسماءِ اللهِ الحُسْنَى)) (٤). ﴿فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ أي: لا يمتنعُ عليه شيءٌ يريدُهُ. الزمخشريُّ(٥): ((فَعَّالٌ)) خبرُ ابتداءٍ محذوفٍ. وإنَّما قيل: ((فَعَّالٌ)) لأنَّ ما يريدُ ويفعلُ في غايةِ الكَثْرةِ. وقال الفرَّاء: هو رفعٌ على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرةٌ مَحْضَةٌ. وقال الطبريُّ: رُفعَ ((فعالٌ)) - وهي نكرةٌ مَحْضَةٌ - على وجهِ الإتباعِ لإعراب ((الغفورُ الودودُ)) (٦). وعن أبي السَّفَرِ قال: دخل ناسٌ من أصحاب النبيِّ :﴿ على أبي بكرِ ه يَعُودونه (١) هي قراءة حمزة والكسائي. السبعة ص٦٧٨، والتيسير ص٢٢١ . (٢) يريد بذكر المثل أن المجد والتمجيد قد يوصف بهما الجمادات، وقد سلف هذا المثل ٦٠/١٥. وكذلك حين وصف العرش بالكرم في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] جاز أن يوصف العرش بالمجد؛ لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء وأكمله وأجمعه لصفات الحُسن. ينظر الوسيط ٤ / ٤٦٢، والمحرر الوجيز ٤٦٣/٥. (٣) ٩ / ٢٤٠. (٤) ص ١٨٣ وما بعدها. (٥) في الكشاف ٢٣٩/٤ . (٦) ينظر تفسير الطبري ٢٨٤/٢٤-٢٨٥ . ١٩٨ سورة البروج: الآيات ١٦ - ٢٢ فقالوا: أَلَا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إنّ فعالٌ لِمَا أُريد(١). فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ الْجُودِ ١٩٦ گذِیپٍ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَّكَ حَدِيثُ الْجُدِ﴾ أي: قد أتاك يا محمدُ خبرَ الجموعِ الكافرةِ المكذِّبةِ لأنبيائهم؛ يؤنِّسه بذلك ويُسلِّيه. ثم بَيَّنهم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ وهما في موضعٍ جرِّ على البَدَلِ من ((الجنودِ)). المعنى: إنَّك قد عَرَفْتَ ما فَعَلَ الله بهم حين كذَّبوا أنبياءَه ورُسُلَه . ﴿َلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك . ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ لك، كداب مَن قَبْلَهم. وإنَّما خص فرعون وثمود؛ لأنَّ ثمودَ في بلاد العرب، وقصتُهم عندهم مشهورةٌ وإن كانوا من المتقدِّمين. وأمرُ فرعون كان مشهوراً عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخّرين في الهلاك، فدلَّ بهما على أمثالهما في الهلاك. والله أعلم. ٢٢ قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ مِن وَرَآءِهِمْ تُحِيطٌ" (٥) بَلْ هُوَ قُوَانٌ تَجِيدٌ ﴾ فِ لَّوْجٍ تَّحْفُوظِ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآَبِهِم ◌ُحِيطٌ﴾ أي: يَقْدِرُ على أن يُنْزِلَ بهم ما أَنزل بفرعون. والمحاطُ به كالمحصور. وقيل: أي: واللهُ عالمٌ بهم فهو يُجازيهم. ﴿بَّ هُوَ قَُّانٌ تَجِدٌ﴾ أي: مُتنَاهٍ في الشَّرفِ والكرم والبركة، وهو بيانُ ما بالناس الحاجةُ إليه من أحكام الدِّين والدنيا، لا كما زعم المشركون. وقيل: ((مَجيد))، أي: غيرُ مخلوقٍ. ﴿فِى لَوَّجَ تَّحْفُوظٍ﴾ أي: مكتوبٌ في لوح. وهو محفوظٌ عند الله تعالى من وصول (١) أخرجه ابن سعد ١٩٨/٣، وهناد في الزهد (٣٨٢)، وأبو السَّفَر هو سعيد بن يُحْمِد الهمدانيُّ الكوفي، من رجال التهذيب. ١٩٩ سورة البروج: الآية ٢٢ الشياطين إليه. وقيل: هو أمُّ الكتاب، ومنه انتسخَ القرآنُ والكتب. وروى الضخَّاك عن ابن عباس قال: اللوحُ من ياقوتةٍ حمراءَ، أعلاه معقودٌ بالعرش وأسفلُه في حِجْرِ مَلَكِ يقال له: ماطريون، كتابُه نورٌ، وقَلَمُه نورٌ، ينظر الله عزَّ وجلَّ فيه كلَّ يومٍ ثلاثَ مئةٍ وستِّين نظرةً، ليس منها نظرةٌ إلَّا وهو يفعلُ ما يشاءُ؛ يرفعُ وضيعاً، ويَضَعُ رفيعاً، ويُغني فقيراً، ويُفْقِرُ غنِيّاً؛ يُحيي ويُميتُ، ويفعلُ ما يشاء، لا إلهَ إلَّا هو (١). وقال أنس بن مالك ومجاهد: إنَّ اللوحَ المحفوظَ الذي ذكره الله تعالى في جَبْهَةِ إسرافيل(٢). وقال مقاتل: اللوحُ المحفوظُ عن يمين العرش(٣). وقيل: اللوحُ المحفوظُ: الذي فيه أصنافُ الخلْقِ والخليقةِ، وبيانُ أمورِهم، وذِكْرُ آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم، والأقضية النافذة فيهم، ومآل عواقبِ أمورِهم، وهو أمُّ الكتاب. وقال ابن عباس: أوَّلُ شيءٍ كَتبَه الله تعالى في اللوح المحفوظ: إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلَّا أنا، محمدٌ رسولي، مَن استسلم لقضائي، وصَبر على بلائي، وشَكَر نَعْمائي، كتبتُه صدِّيقاً وبعثتُه مع الصِّدِّيقين، ومَن لم يستسلم لقضائي، ولم يَصْبر على بلائي، ولم يَشْكُر نَعْمائي، فليتَّخِذْ إلهاً سواي(٤). وكتب الحجّاجُ إلى محمد ابن الحنفية ه يتوَّدُهُ، فكتب إليه ابنُ الحنفيةِ: بلغني (١) أخرجه بنحوه الحاكم ٥١٩/٢، والواحدي في الوسيط ٤٦٣/٤ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه مختصراً بنحوه عبد الرزاق ٣٨٩/١ من طريق مجاهد عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري ٢٨٧/٢٤ عن أنس. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٧٢، وذكره الألوسي ٣٠/ ٩٤ وقال: وجاء فيه أخبار غير ذلك، ونحن نؤمن به ولا يلزمنا البحث عن ماهيته وكيفية كتابته وغير ذلك. (٤) أخرجه الديلمي كما ذكر المناوي في الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ص٤٦ . ٢٠٠ سورة البروج: الآية ٢٢ أنَّ للهِ تعالى في كلِّ يوم ثلاثُ مئةٍ وستِّين نظرةً في اللوح المحفوظ؛ يُعِزُّ ويُذِلُّ، ويَبْتلي ويُفْرحُ، ويفعلُ ما يريد، فلعلَّ نظرةً منها تَشْغَلُك بنفسك، فتشتغلُ بها ولا تتفرَّغ(١). وقال بعضُ المفسّرين: اللوحُ شيءٌ يلوحُ للملائكة فيقرؤونه. وقرأ ابن السَّمَيْفَع وأبو حَيْوة: ((قرآنُ مجيدٍ)) على الإضافة(٢)، أي: قرآنُ ربِّ مجید. وقرأ نافعٌ: ((في لوحِ محفوظٌ)) بالرفع (٣) نعتاً للقرآن، أي: بل هو قرآنٌ مجيدٌ محفوظٌ في لوح. الباقون بالجرِّ نعتاً للَّوح. والقرَّاءُ متَّفقُون على فتح اللام من (لَوْح))، إلَّا ما روي عن يحيى بن يعمر؛ فإنه قرأ: ((في لُوحٍ)) بضمِّ اللام(٤)، أي: إنه يَلُوحُ، وهو ذو نورٍ وعلوٍّ وشرف. قال الزمخشريُّ(٥): واللُّوحُ الهواء، يعني الُّوحِ فوقَ السماءِ السابعةِ الذي فيه اللَّوح. وفي ((الصِّحاح)) (٦): لاحَ الشيءُ يَلُوحُ لَوْحاً، أي: لَمَحَ(٧). ولاحَهُ السَّفرُ: غيَّره. ولاحَ لَوْحاً ولُواحاً: عَطِشَ، والْتَاحَ مثلُه. واللَّوحُ: الكَتِفُ، وكلُّ عظم عريضٍ. واللَّوحُ: الذي يُكْتَبُ فيه. واللُّوحُ بالضم: الهواءُ بين السماءِ والأرض. والحمد لله. (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٧٦/٣ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٧١، والمحرر الوجيز ٥/ ٤٦٣ . (٣) السبعة ص٦٧٨، والتيسير ص٢٢١. (٤) الكشاف ٢٤٠/٤، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧١ عن اليماني. (٥) في الكشاف ٤/ ٢٤٠ . (٦) مادة (لوح). (٧) لمح: لمع. مختار الصحاح (لوح).