النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة الإنشقاق: الآيات ٥ -٩
وعن الحسن: إنَّ قوله: ((إِذا السماءُ انشقَّتْ)) قَسَمٌّ. والجمهورُ على خلافٍ قوله،
من أنه خبرٌ وليس بقَسَمِ.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَفِيهِ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ
كِتَبَهُ بَِمِينِةٍ، ﴿﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿ وَقَلِّبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدّمًا﴾ المرادُ بالإنسان الجنسُ،
أي: يا ابنَ آدمَ. وكذا روى سعيدٌ عن قتادةَ: يا ابنَ آدمَ، إنَّ كَدْحَكَ لضعيفٌ، فَمَن
استطاع أن يكونَ كَذْحُه في طاعة الله فليفعلْ، ولا قوَّةَ إلَّا بالله(١).
وقيل: هو مُعَيَّنٌ؛ قال مقاتل: يعني الأسودَ بنَ عبد الأسد. ويقال: يعني أُبِيَّ بنَ
خَلفَ. ويقال: يعني جميعَ الكفَّارِ، يعني: يا أيها الكافرُ إنك كادحٌ. والكَذْحُ في كلام
العرب: العملُ والكَسْبُ؛ قال ابن مُقْبِلٍ :
أَموتُ وأُخرى أَبتغي العيشَ أَكْدَحُ (٢)
وما الدَّهْرُ إِلَّا تارَتانِ فمنهما
وقال آخَرُ :
ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عيشٍ صالِحٍ
وبَقِيتُ أَكْدَحُ لِلحياةِ وأَنصبُ(٣)
أي: أَغْملُ. وروى الضخَّاكُ عن ابن عباس: ((إِنك كادِحٌ)) أي: راجعٌ، ((إِلى ربِّك
كدحاً)) أي: رجوعاً لا مَحالةَ، ((فملاقِيهِ)) أي: مُلاقٍ ربَّك. وقيل: مُلاقٍ عَملَك.
القُتَبِيُّ(٤): (إِنك كادحٌ)) أي: عامِلٌ ناصِبٌ في معيشتك إلى لقاء ربك.
والملاقاةُ بمعنى اللقاءِ، أي: تَلْقَى ربَّك بعملك. وقيل: أي: تُلاقي كتابَ
عملك؛ لأنَّ العمل قد انْقَضَى ولهذا قال: ﴿فَمَّا مَنْ أُوِى كِنَبَهُ بِهِ﴾(٥).
(١) أخرجه الطبري ٢٣٥/٢٤.
(٢) ديوانه ص ٢٤، وسلف ١٦/ ٤١٤.
(٣) النكت والعيون ٢٣٥/٦ .
(٤) في تفسير غريب القرآن ص ٥٢١ .
(٥) تفسير الرازي ١٠٥/٣١ .

١٦٢
سورة الإنشقاق: الآيات ٧ - ١٥
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِ كِنَهُ بِيَمِنِهِ﴾ وهو المؤمنُ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
لا مناقشةَ فيه. كذا روي عن رسول الله ﴾ من حديث عائشةَ قالت: قال رسول الله ﴾.
((مَن حُوسِبَ يومَ القيامةِ عُذِّب)) قالت: فقلتُ: يا رسولَ الله: أليس قد قال الله:
﴿فَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ بِيَمِينِهِ .. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: ((ليس ذاكِ الحسابُ،
إنَّما ذلك العَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الحسابَ يومَ القيامةِ عُذِّب)) أخرجه البخاريُّ ومسلم
والترمذيّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (١).
﴿وَقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أزواجِه في الجنة من الحور العين ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: مُغْتبطاً قريرَ
العين.
ويقال: إنها نزلت في أبي سلمةَ بن عبد الأسد، وهو أوّلُ مَن هاجَرَ من مكةً إلى
المدينة.
وقيل: إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا، ليُخْبِرَهم بخَلاصِه وسلامته. والأوّلُ
قولُ قتادة؛ أي: إلى أهله الذين قد أعدَّهم الله له في الجنة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ، ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا (٨) وَيَصْلَى
سَعِيرًا (١٧) إِنَُّ كَانَ فِيَ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (٣٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ ( بَ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ
بِهِ، بَصِيرًا @)
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِيَ كِنَهُ وَرَةَ ظَهْرٍِ﴾ نزلتْ في الأسود بنِ عبد الأسد أخي
أبي سلمةً؛ قاله ابنُ عباس. ثم هي عامةٌ في كلِّ مؤمنٍ وكافٍ. قال ابن عباس: يمدُّ يدَه
اليمنى ليأخذَ كتابه، فيجذبُه مَلَكٌ فيخلعُ يمينه، فيأخذُ كتابه بشماله من وراء ظهره.
وقال قتادةُ ومقاتلٌ: تُفَكُّ ألواحُ صدرِه وعظامُه، ثم تَدْخُلُ يدُه وتَخْرِجُ من ظهره،
فيأخذُ کتابه كذلك.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا﴾ أي: بالهلاك، فيقول: يا وَيْلاه، يا ثُبُورَاه. ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾
(١) سنن الترمذي (٢٤٢٦) و(٣٣٣٧)، وهو عند البخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦)، وسلف ٢٩٨/١٧ .
(٢) النكت والعيون ٢٣٦/٦، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٣٩/٢٤.

١٦٣
سورة الإنشقاق: الآيات ١٢ - ١٥
أي: ويدخُلُ النارَ حتى يَصْلَى بحرِّها.
وقرأ الحِرْميَّانِ وابنُ عامٍ والكسائيُّ: ﴿ويُصَلَّى﴾ بضم الياء وفتحِ الصَّاد وتشديدٍ
اللَّام، كقوله تعالى: ﴿لُّ الْبَحِيمَ صَلُوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] وقوله: ﴿وَتَصْلَةُ ◌َِيمٍ﴾
[الواقعة: ٩٤]. الباقون: ((ويَصْلَى)) بفتح الياءِ مخفَّفاً(١)، فِعْلٌ لازمٌ غيرُ متعدٍ(٢)؛ لقوله:
﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] وقوله: ﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢]
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا﴾ [المطففين: ١٦].
وقراءةٌ ثالثةٌ رواها أبانٌ عن عاصم، وخارجةُ عن نافع، وإسماعيلُ المكِّيُّ عن ابن
كثير: ((ويُصْلَى)) بضمِّ الياءِ وإسكانِ الصَّادِ وفتح اللَّام مخفَّفاً (٣)، كما قُرئ:
﴿وَسَيُصْلَون﴾ [النساء: ١٠] بضمِّ الياء(٤)، وكذلك في ((الغاشية)) قد قُرئ أيضاً:
﴿تُصْلَى ناراً﴾ [الآية: ٤](٥). وهما لغتان: صلَّى وأَضْلَى، كقوله: نزَّل وأَنْزَل.
﴿إِنَُّ كَنَ فِىَ أَهْلِهِ﴾ أي: في الدنيا ﴿مَسْرُورًا﴾ قال ابن زيد: وَصَفَ الله أهلَ الجنةِ
بالمَخافةِ والحزنِ والبكاءِ والشفقةِ في الدنيا، فَأَعْقَبهم به النعيمَ والسرورَ في الآخرة،
وقرأ قولَ الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا قَّلُ فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَئِنَا عَذَابَ
السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٦-٢٧]. قال: ووصَفَ أهلَ النارِ بالسرور في الدنيا والضَّحِكِ فيها
والتفَكُّهِ، فقال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فِىَ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا﴾ .
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُرَ﴾ أي: لن يرجعَ حيًّا مبعوثًا فيحاسَب، ثم يثاب أو يُعاقَب.
يقال: حارَ يحورُ: إذا رجع؛ قال لبيد :
(١) السبعة ص ٦٧٧، والتيسير ص ٢٢١ .
(٢) ويكون نصبُ ((سعيراً)) على هذا بنزع الخافض، ينظر ما سلف ٦/ ٤٢٠، والدر المصون ٥٩٥/٣ -
٥٩٦ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧٠.
(٤) وهي قراءة ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وقد سلفت ٦/ ٩١ .
(٥) وهي قراءة أبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وستأتي.

١٦٤
سورة الإنشقاق: الآيات ١٤ - ١٥
وما المرءُ إِلَّ كالشِّهابٍ وضَوْئِهِ يحورُ رَماداً بعد إِذ هو ساطِعُ(١)
وقال ◌ِكرمةُ وداودُ بنُ أبي هند: يحورُ كلمةٌ بالحَبَشيَّة، ومعناها: يرجع (٢).
ويجوزُ أن تتَّفق الكلمتان فإنهما كلمةُ اشتقاقٍ. ومنه: الخبزُ الحُوَّارَى(٣)؛ لأنه يرجع
إلى البياض.
وقال ابن عباس: ما كنتُ أدري ما يحور، حتى سمعتُ أعرابيةً تدعو بُنيةً لها:
حُوري، أي: ارجعي إليّ(٤). فالحَوْرُ في كلام العرب: الرجوعُ، ومنه قولُه عليه
الصلاة والسلام: ((اللهمَّ إِنِّي أعوذُ بك من الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْر)»(٥) يعني: من الرجوع
إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحُوْرُ بالضم. وفي المثل: ((حُورٌ فِي مَحَارَةٍ) أي:
نقصان في نقصان. يُضْرَبُ للرجل إذا كان أَمْرُه يُذْبِرُ؛ قال الشاعر:
واستَعْجَلوا عن خفيفِ المَضْغِ فازْدَردُوا والذمُ يَبْقَى وزادُ القومِ في حُوْرٍ(٦)
والحُورُ أيضًا: الاسمُ من قولكِ: طحَنَتِ الطاحنةُ فما أَحارثْ شيئًا، أي: ما
ردَّتْ شيئاً من الدقيق. والحُوْر أيضًا: الهَلَكُ؛ قال الراجِزُ:
في بِئْرٍ لا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ(٧)
(١) ديوان لبيد ص ١٦٩.
(٢) النكت والعيون ٢٣٦/٦، وأخرجه عن عكرمة عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ٣٣٠/٦.
(٣) الحوَّارَى بالضم وتشديد الواو والراء مفتوحة: الدقيق الأبيض، وكلُّ ما حوِّر من الطعام، أي: بُيِّضَ.
الصحاح (حور)، والمعجم الوسيط (حور).
(٤) الكشاف ٢٣٥/٤، والمحرر الوجيز ٤٥٨/٥، وتفسير الرازي ١٠٨/٣١ .
(٥) أخرجه أحمد (٢٠٧٧٢)، ومسلم (١٣٤٣) والترمذي (٣٤٣٩) من حديث عبد الله سَرْجِسَ ﴾. ووقع
في صحيح مسلم والترمذي: بعد الكون. قال الترمذي: ویروی: الحور بعد الكور، و کلاهما له وجه.
اهـ وسيأتي الكلام عن الروايتين قريباً.
(٦) البيت لسبيع بن الخطيم، كما في شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ٢٨٨ ، واللسان (حور)،
وهو دون نسبة في إصلاح المنطق ص ١٤١ ، والصحاح (حور) والكلام منه. قال السيرافي: الازدراد
الابتلاع، وقوله: والذم يبقى ... ، يريد: الذم يبقى على الأيام، والأكل يذهب.
(٧) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ص ٧٢ ، والصحاح (حور) والكلام منه. قال الأصمعي شارح =

١٦٥
سورة الإنشقاق: الآيات ١٤ - ١٥
قال أبو عبيدةً: أي: في بئرِ حُوْرٍ، و((لا)) زائدةٌ.
وروي: (بعد الكَوْنِ)) ومعناه: من انتشارِ الأمرِ بعد تَمَامِهِ (١). وسُئِل معمرٌ عن
الحَوْرِ بعد الكَوْنِ، فقال: هو الكُتْتِيُّ. فقال له عبد الرزاق: وما الكُنْتَيُّ؟ فقال: الرجلُ
يكون صالحاً ثم يتحوَّلُ رجلَ سوءٍ(٢). قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كُنْتِيٍّ،
كأنه نُسِبَ إلى قوله: كنتُ في شبابي كذا وكذا. قال:
فأصبحت كُنْتيًّا وأصبحتُ عاجِنًا وشرُّ خِصَال المرءِ كُنْتُ وعاجِنُ(٣)
عَجَنَ الرجلُ: إذا نَهضَ مُعْتمداً [بيديه] على الأرض من الكِبَر(٤). وقال ابن
الأعرابيّ: الكُنْتيُّ: هو الذي يقول: كنتُ شابًّا، وكنتُ شجاعًا، والكانيُّ هو الذي
يقول: كان لي مالٌ وكنتُ أَهَبُ، وكان لي خيلٌ وكنتُ أَرْكَب(٥).
قوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ أي: ليس الأمرُ كما ظنَّ، بل يحورُ إلينا ويرجع. ﴿إِنَّ رَبَّهُ
= الديوان: يريد: في بئر حور سرى الحَرُوريُّ وما شعر .
والبيت من قصيدة في مدح عمر بن عبد الله بن معمر، وكان عبد الملك وجهه إلى أبي فديك
الحروري، فقتله وأصحابه.
(١) النكت والعيون ٢٣٦/٦، قال النووي في شرح صحيح مسلم ١١١/٩: هو في معظم النسخ من
صحيح مسلم: ((بعد الكون)» بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون. اهـ. وقد رواه بعض
رواة صحيح مسلم بالراء، كما ذكر القاضي عياض في إكمال المعلم ٤/ ٤٥٢، وأبو العباس في المفهم
٤٥٥/٣. قال النووي: معناه بالراء والنون جميعاً: الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، قالوا:
ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو لفُّها وجَمْعها، ورواية النون مأخوذة من الكون، مصدر
کان یکون کونًا: إذا وُجد واستقر.
(٢) أخرجه الخطابي في غريب الحديث ١٩٤/٢.
(٣) الصحاح (كون) و(عجن)، وأساس البلاغة (كون)، والتكملة للصاغاني ٣٣٦/١ . وهو في تهذيب
اللغة ١٤١/١٠ برواية :
وما كنت كنتيًّا ولا كنت عباجنًا
وشر الرجال الكُنْتُنيُّ وعاجِنُ
(٤) الصحاح (عجن)، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) النكت والعيون ٢٣٦/٦، وذكره بنحوه الأزهري في تهذيب اللغة ١٤١/١٠.

١٦٦
سورة الإنشقاق: الآيات ١٥ - ٢١
كَانَ بِهِ، بَصِيرًا﴾ قبل أنْ يَخْلُقَه، عالماً بأنَّ مَرْجِعَه إليه. وقيل: بلَى لَيَحُورَنَّ وَلَيْرْجِعَنَّ. ثم
استأنف فقال: ((إنَّ ربَّه كان بِهِ بصيرًا)) مِن يومٍ خَلَقَه إلى أنْ بَعَثَه. وقيل: عالمًا بما سبق
له من الشقاء والسعادة.
وَالْقَمَرِ إِذَا آتََّقَ ®
وَلَيْلِ وَمَا وَسَقَ
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ @)
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا
فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
يَسْجُدُونَ (4)
قوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ﴾ أي: فَأُقْسِمُ و ((لا)) صِلَةٌ. ﴿ بِالشَّفَقِ﴾ أي: بالحُمْرةِ
التي تكونُ عندَ مغيبِ الشمسِ حتى تأتيَ صلاةُ العشاءِ الآخِرةِ. قال أشهبُ وعبد الله
ابنُ الحكم ويحيى بنُ يحيى وغيرُهم - كثيرٌ عددُهم - عن مالك: الشَّفَقُ: الحُمْرةُ التي
في المغرب، فإذا ذهبت الحمرةُ فقد خَرَجْتَ من وقتِ المغرب ووَجَبتْ صلاةُ
العشاءٍ(١).
وروى ابنُ وهب قال: أخبرني غيرُ واحدٍ عن عليّ بنِ أبي طالب ومعاذ بن جبل
وعُبادةَ بنِ الصامتِ وشدَّاد بنِ أَوْسٍ وأبي هريرةَ: أنَّ الشفَقَ الحمرةُ، وبه قال مالك
ابن أنس. وذَكَر غيرُ ابنُ وَهْبٍ من الصحابة: عمرَ وابنَ عمرَ وابنَ مسعودٍ وابنَ عباسٍ
وأنَساً وأبا قتادةً وجابر بنَ عبد الله وابنَ الزبير، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن
المسيب، وطاوس، وعبد الله بن دينار، والزهريّ، وقال به من الفقهاء: الأوزاعيُّ
ومالكٌ والشافعيُّ وأبو يوسفَ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ وأحمدُ وإسحاقُ.
وقيل: هو البياض؛ رُوي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرةَ أيضاً وعمر بنِ عبد
العزيز والأوزاعيِّ (٢)، وأبي حنيفةَ في إحدى الروايتين عنه، ورَوَى أسد بنُ عمرو أنه
(١) الموطأ ١٣/١، وأحكام القرآن لابن العربي ١٨٩٨/٤.
(٢) تنظر أقوال الأئمة المذكورين في الأوسط ٣٣٩/٢ - ٣٤١، والتمهيد ٩١/٨ - ٩٢، وأحكام القرآن
لابن العربي ١٨٩٨/٤، وزاد المسير ٦٥/٩ - ٦٦. وسلف بعضها ١٢٢/١٩.

١٦٧
سورة الإنشقاق: الآيات ١٦ - ٢١
رجع عنه(١). ورُوي عن ابن عمرَ أيضًا أنه البياضُ، والاختيارُ الأولُ؛ لأنَّ أكثر
الصحابة والتابعين والفقهاءِ عليه؛ ولأنَّ شواهدَ كلام العربِ والاشتقاق والسنة تشهدُ
له. قال الفرَّاء(٢): سمعتُ بعضَ العربِ يقول لثوبٍ عليه مصبوغ: كأنه الشَّفَقُ، وكان
أحمرَ، فهذا شاهدٌ للحُمْرة، وقال الشاعر:
أحمر (٣) اللونِ كمُحْمَرِّ الشَّفَقْ
وقال آخر :
قُمْ يا غلامُ أَعِنِّي غيرَ مُرْتَبكٍ على الزمانِ بِكأسِ حَشْوُها شَفَقُ (٤)
ويقال للمَغْرةِ(٥): الشَّفَقِ. وفي ((الصحاح)): الشَّفقُ بقيةُ ضوءِ الشمسِ وحُمْرتِها
في أوّل الليل إلى قريبٍ من العَتَمة. قال الخليل: الشَّفقُ: الحمرةُ، من غروبِ الشمس
إلى وقتِ العشاء الآخرة، إذا ذهب قيل: غاب الشَّفَق (٦). ثم قيل: أصلُ الكلمةِ من
رِقَّةِ الشيءٍ؛ يقال: شيءٌ شَفِقٌ، أي: لا تَماسُكَ له لرقَّته. وأَشْفَقَ عليه: أي: رقَّ قلبه
عليه، والشَّفَقةُ: الاسمُ من الإشفاق، وهو رِقَّةُ القلب، وكذلك الشَّفَق؛ قال الشاعر:
تَهْوَى حَياتي وأَهْوَى موتَها شَفَقًا والموتُ أَكرمُ نزَّالٍ على الحُرَمِ (٧)
فالشَّفَقُ: بقيةُ ضوءِ الشمسِ وحمرتِها، فكأنَّ تلك الرقَّةَ من ضوء الشمس. وزعم
(١) الكشاف ٢٣٥/٤. وأسد بن عمرو هو أبو المنذر - وقيل: أبو عمرو - القاضي القشيري البجلي
الكوفي ، سمع أبا حنيفة وتفقه عليه، توفي سنة (١٨٨ هـ). الجواهر المضيّة ٣٧٦/١ .
(٢) في معاني القرآن ٢٥١/٣ .
(٣) في (م): وأحمر، ولم نقف على البيت.
(٤) لم نقف عليه.
(٥) المَغْرة ويحرك: طين أحمر. القاموس (مغر).
(٦) الصحاح (شفق).
(٧) نسب لإسحاق بن خلف، كما في زهر الآداب ١/ ٤٨٥، والحماسة البصرية ٢٧٥/١، وفوات
الوفيات ١٦٤/١، واللسان (شفق). قال صاحب اللسان: وقيل: هو لابن المعلى. ونسبه ابن المعتز في
طبقات الشعراء ص ٢٨١- ٢٨٢ لمحمد بن يسير الرياشي. وهو دون نسبة في عيون الأخبار ٣/ ٩٤ ،
والصحاح (شفق).

١٦٨
سورة الإنشقاق: الآيات ١٦ - ٢١
الحكماءُ أنَّ البياضَ لا يغيبُ أصلاً. وقال الخليل: صعدتُ مَنارةَ الإسكندريةِ فرمقتُ
البياضَ، فرأيتُه يتردّدُ من أفقٍ إلى أفقٍ ولم أَرَه يغيبُ(١). وقال ابن أبي أُويس: رأيتُه
يتمادَى إلى طلوعِ الفجرِ. قال علماؤنا (٢): فلمَّا لم يتحدَّدْ وقتُه سَقَطَ اعتبارُه.
وفي ((سُنَن)) أبي داودَ عن النعمان بن بشير قال: أنا أَعْلَمُكم بوقتِ صلاةِ العشاءِ
الآخِرة؛ كان النبيُّ ◌َ# يصلِّيها لسقوطِ القمرِ لثالثةٍ(٣). وهذا تحديدٌ، ثم الحكمُ معلَّقٌ
بأولِ الاسم. لا يقال: فينقَضُ عليكم بالفجر الأوّل، فإنَّا نقولُ: الفجرُ الأوّل لا يتعلَّقُ
به حكمٌ من صلاةٍ ولا إمساكٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ بيَّن الفجرَ بقوله وفِعْلِه فقال: ((وليس
الفجرُ أن تقول هكذا - ورَفَعَ يدَه إلى فوق - ولكنَّ الفجرَ أن تقول هكذا)). وبَسَطها،
وقد مضى بيانُه في آيةِ الصيام من سورة البقرة(٤)، فلا معنى للإعادة.
وقال مجاهد: الشفقُ: النهارُ كلُّه، ألا تراه قال: ﴿وَأَلَيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾(٥). وقال
عِکرمةُ: ما بقي من النهار(٦).
والشفقُ أيضاً: الرديءُ من الأشياء؛ يقال: عطاءٌ مُشَفَّقٌ، أي: مقلَّل؛ قال
الگُمیت:
مَلِكٌ أَغَرُّ مِن الملوك تَحلَّبتْ للسائلين يداه غير مُشِفّقِ(٧)
(١) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٢٧٨/٢، وقال: وقد راعيته في البوادي في ليالي الصيف، والجوُّ
نقي، والسماء مصحيةً، فإذا هو يغيب قبل أن يمضي من الليل ربعه بالتقريب، ومن أراد أن يعرف ذلك
فليجرب حتى يتبين له غلط هذا القول.
(٢) هو ابن العربي في أحكام القرآن ١٨٩٩/٤ .
(٣) سنن أبي داود (٤١٩)، وهو عند أحمد (١٨٤١٥)، والترمذي (١٦٥)، والنسائي في المجتبى ٢٦٤/١ .
قوله: ((لسقوط القمر)) أي: وقت غروبه أو سقوطه إلى الغروب ((الثالثة)) أي: في ليلة ثالثة من الشهر.
تحفة الأحوذي ١/ ٥٠٧ .
(٤) ٣ /١٩٣ .
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٢٨/٣، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٢٤٤ دون قوله: ألا تراه ...
(٦) تفسير البغوي ٤ / ٤٦٤ .
(٧) ديوان الكميت ص ٢٤٨، والصحاح (شفق) والكلام منه.

١٦٩
سورة الإنشقاق: الآيات ١٧ - ٢١
قوله تعالى: ﴿وَآلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: جَمعَ وضمَّ ولفَّ، وأصلُه من سَواد(١)
السلطانِ وغَضَبِهِ؛ فلولا أنه خرج إلى العباد من بابِ الرحمةِ ما تَمالك العبادُ لمجيئه،
ولكن خرج من باب الرحمة فمزِج بها، فسَكَنَ الخَلْقُ إليه، ثم ابْذَعَرُّوا(٢) والْتَقُوا
وانْقَبَضوا، ورجع كلٌّ إلى مأواه فسَكَن فيه مِن هَوْلِه وحشاً، وهو قولُه تعالى: ﴿وَمِن
رَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوا فِيهِ﴾ أي: بالليل ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[القصص: ٧٣] أي: بالنهار، على ما تقدَّم. فالليلُ يَجْمعُ ويضمُّ ما كان منتشراً بالنهار
في تَصَرُّفه. هذا معنى قولِ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ ومقاتلٍ وغيرهم(٣)؛ قال ضابئ بنُ
الحارث البُرْجُميُّ :
فإِنِّي وإياكُمْ وشوقًا إليكُمُ كقابِضٍ ماءٍ لم تَسِقْهُ أَنامِلُهْ(٤)
يقول: ليس في يدي من ذلك شيءٌ، كما أنه ليس في يدِ القابضٍ على الماء
شيءٌ. فإذا جلَّل الليلُ الجبالَ والأشجارَ والبحارَ والأرضَ فاجتمعت له، فقد
وَسَقَها(٥). والوَسْقُ: ضَمُّكَ الشيءَ بعضه إلى بعضٍ، تقول: وَسَقْتُه أَسِقُه وَسْقًا. ومنه
قيل للطعام الكثيرِ المجتمع: وَسْقٌ، وهو ستُّونَ صاعاً. وطعامٌ مُؤْسَق، أي: مجموع.
وإبلٌ مُسْتَوْسِقةٌ، أي: مُجتمِعةٌ؛ قال الراجز:
مُسْتَوْسقاتٍ لو يَجِدْنَ سائِقًا(٦)
إنَّ لنا قَلائِصاً حَقَائِقا
(١) في (م): سورة.
(٢) أي: فرُّوا وجفلوا. تاج العروس (بذعر).
(٣) تفسير الطبري ٢٤٥/٢٤ - ٢٤٧.
(٤) الصحاح (وسق)، والمستقصى ٢٠٩/٢، والخزانة ٣٢٣/٩.
(٥) الصحاح (وسق).
(٦) نسبهما صاحب اللسان (وسق) للعجاج، وليسا في ديوانه، وهما بلا نسبة في الكامل ١١٤٥/٣،
والفاضل للمبرِّد ص١٠، والثاني في مجاز القرآن ص ٢٩١، وتفسير الطبري ٢٤٥/٢٤. القلائص
جمع قُلُوص، وهي الناقة الشابة. والحقائق جمع حِقّة، وهي من الإبل ما دخل في السنة الرابعة إلى
آخرها، سمي بذلك لأنه استحق الركوب والتحميل. النهاية (قلص) و(حقق).

١٧٠
سورة الإنشقاق: الآيات ١٧ - ٢١
وقال ◌ِكرمةُ: ((وما وَسَق)) أي: وما ساق من شيءٍ إلى حيث يَأوي(١)، فالوَسْقُ
بمعنى الطَّرْد، ومنه قيل للطريدة من الإبل والغنم والحمر: وسِيقة، قال الشاعر:
كما قافَ آثارَ الوسِيقةِ قائِفٌ(٢)
وعن ابن عباس: ((وما وَسَق))، أي: وما جَنَّ وسَتر (٣). وعنه أيضاً: وما حَمَل.
وكلُّ شيءٍ حَمَلْتَه فقد وَسَقْتَه، والعربُ تقول: لا أفعلُه ما وَسَقَتْ عيني الماءَ، أي:
حَمَلَتْه. ووسَقَتِ الناقةُ تَسِقُ وَسْقًا، أي: حَمَلَتْ وأَغْلَقتْ رَحِمَها على الماء، فهي ناقةٌ
واسِقٌ، ونُوْقٌ وِسَاقٌ، مثل: نائِم ونيام، وصاحِب وصِحاب، قال بشر بن أبي خازم:
أَلَظَّ بِهِنَّ يَخْدوهُنَّ حتى تَبَيَّنَتِ الحِيالُ مِن الوِساقِ(٤)
ومَواسيقُ(٥) أيضًا. وأَوْسَقْتُ البعيرَ: حَمَّلْته حِمْلَه. وأوسَقَتِ النخلةُ: كَثُر
حملُها(٦).
وقال يمان والضحاك ومقاتل بن سليمان: حَمَلَ من الظُّلْمةِ. قال مقاتل: أو حَمَلَ
من الكواكب. القشيريُّ: ومعنى حَمَل: ضمَّ وجمع، والليلُ يجلِّلُ بظُلْمتِه كلَّ شيءٍ،
(١) أخرجه الطبري ٢٤٨/٢٤ .
(٢) وصدره: كذبتُ عليك لا تزال تقوفني. والبيت للأسود بن يعفر، كما في شرح أبيات إصلاح المنطق
ص ٥٠٥ ، ونسب للقطامي كما في اللسان (قوف). وهو بلا نسبة في إصلاح المنطق ص ٣٢٤ ،
والصحاح (وسق)، واللسان (كذب) وفيه: معنى كذب عليكم معنى الإغراء، أي: عليكم به. فقوله
كذبت عليك، إنما أغراه بنفسه، أي: عليك بي. قال السيرافي: يهجو بذلك تولباً أحد بني معاوية بن
مالك، وقافه يقوفه: إذا اتَّبعه. يقول: عليك بي فاتبعني كما تُتَّبعُ آثار الطريدة إذا أُخذت، فإنك لا
تضيرني بذلك. اهـ والطريدة: ما سرق من الإبل. القاموس (طرد).
(٣) النكت والعيون ٦/ ٢٣٧ .
(٤) الصحاح (وسق) و(لظظ)، والبيت في ديوان بشر ص ١٧٨ برواية: تبيَّن حُوْلهن من الوساق. والحيال
والحُوْل جمع حائل، وهي الناقة التي حُمل عليها فلم تلقح. القاموس (حول). وقوله: ألظ، أي: ألحّ،
وفي الصحاح (لظظ): الإلظاظ: الإلحاح.
(٥) في (ي) و(ظ): ومواسق، وكلاهما صواب، يقال: نوق مواسيق ومواسق، وهو جمع على غير قياس.
الصحاح (وسق).
(٦) الصحاح (وسق).

١٧١
سورة الإنشقاق: الآيات ١٧ - ٢١
فإذا جلَّلها فقد وَسَقَها، ويكونُ هذا القَسَمُ قسماً بجميع المخلوقات؛ لاشتمالِ الليلِ
عليها، كقوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ. وَمَا لَا نُصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨-٣٩].
وقال ابن جُبير: ((وما وَسَقَ)) أي: وما عُمِلَ فيه(١). يعني التهجُّدَ والاستغفارَ
بالأسحار، قال الشاعر :
ويومًا ترانا صالحينٍ وتارةً تقومُ بِنا كالواسِقِ المتلَبِّبِ
أي: كالعامل(٢).
قوله تعالى: ﴿وَاَلْقَمَرِ إِذَا أَنَّسَقَ﴾ أي: تَمَّ واجْتَمَعَ واسْتَوَى. قال الحسن: اتَّسق،
أي: امْتَلأَ واجْتَمَع. ابن عباس: اسْتَوَى. قتادةُ: استدار (٣). الفرَّاءُ: اتِّساقُه: امتلاؤه
واستواؤه لياليَ البدر، وهو افتعالٌ من الوَسْقِ الذي هو الجمع (٤)، يقال: وَسَقْتُه
فاتَّسَقَ، كما يقال: وَصَلْتُه فاتَّصَلَ، ويقال: أمرُ فلانٍ مُتَّسِقٌ، أي: مُجتمِعٌ على
الصلاح مُنْتِظِمٌ. ويقال: اتَّسقَ الشيءُ: إذا تتابع.
﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَقًا عَنْ طَقٍ﴾ قرأ عمرُ وابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومسروقٌ
وأبو وائلٍ ومجاهدٌ والنخَعيُّ والشعبيُّ وابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكسائِيُّ: (لَتَرْكَبَنَّ)) بفتح
الباء(٥)، خطاباً للنبيِّ ﴾، أي: لتركَبَنَّ يا محمدُ حالاً بَعْدَ حالٍ؛ قاله ابن عباس(٦).
الشعبيُّ: لتركَبَنَّ يا محمدُ سماءً بعد سماءٍ، ودرجةً بعد درجةٍ، ورُتبةً بعد رتبةٍ، في
(١) النكت والعيون ٢٣٧/٦، وأخرجه عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ٣٣٠/٦.
(٢) النكت والعيون ٢٣٧/٦، وذكر البيت أيضاً صاحب اللسان (وسق).
(٣) أخرج أقوالهم الطبري ٢٤٩/٢٤ - ٢٥٠، وقول قتادة أخرجه أيضاً عبد الرزاق ٣٥٨/٢.
(٤) الوسيط ٤/ ٤٥٥، وقول الفراء في معاني القرآن ٢٥١/٣: اتساقه: امتلاؤه ثلاث عشرة إلى ست
عشرة.
(٥) السبعة ص ٦٧٧، والتيسير ص ٢٢١ عن ابن كثير وحمزة والكسائي. وذكرها عن عمر وابن مسعود
وابن عباس الطبري ٢٤/ ٢٥٠ .
(٦) أخرجه البخاري (٤٩٤٠)، والطبري ٢٤/ ٢٥١.

١٧٢
سورة الإنشقاق: الآيات ١٩ - ٢١
القربةِ من الله تعالى(١).
ابن مسعود: لتَرْكَبَنَّ السماءُ حالاً بعد حالٍ، يعني حالاتها التي وَصَفَها الله تعالى
بها؛ من الانشقاق والطّيِّ، وكونها مرةً كالمُهلِ ومرةً كالدِّهانِ (٢). وعن إبراهيم عن
عبد الله: ((طبقاً عن طبقٍ)) قال: السماءُ تقلَّبُ حالاً بعد حال. قال: تكونُ وردةً
كالدِّهانٍ، وتكونُ كالمهل(٣).
وقيل: أي: لتركَبَنَّ أيها الإنسانُ حالاً بعدَ حالٍ، من كَوْنِكَ نطفةٌ ثم عَلَقَةً ثم
مضغةً، ثم حيًّا وميتاً وغنيًّا وفقيرًا. فالخطابُ للإنسان المذكورِ في قوله: ﴿يَأَيُّهَا
اَلْإِسَنُ إِنَّكَ كَائِمٌ﴾ وهو اسمٌ للجنس، ومعناه الناس.
وقرأ الباقون: (التركَبُنَّ)) بضمِّ الباءِ، خطاباً للناس، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم،
قال: لأنَّ المعنى بالناسِ أشبهُ منه بالنبيِّ*، لما ذكر قبل هذه الآية: فَمَن أُوتي كتابه
بيمينه ومَن أُوتي كتابه بشماله. أي: لتركُبنَّ حالاً بعد حالٍ من شدائد القيامة. أو
لتركَبُنَّ سُنَّةَ مَن كان قَبْلَكم في التكذيب والاختلافِ(٤) على الأنبياء.
قلت: وكلُّهُ مُرادٌ، وقد جاءتْ بذلك أحاديثُ، فروى أبو نعيم الحافظُ عن أبي
جعفر محمد بنِ علي(٥) عن جابرٍ ﴾، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َ﴾ يقول: ((إنَّ ابن آدمَ
لفي غَفْلةٍ ممَّا (٦) خَلَقَه الله عزَّ وجلَّ له؛ إنَّ الله لا إله غيرُه إذا أراد خَلْقَه قال للمَلكِ:
اكتُبْ رزقَه وأَثَرِه وأَجَلَه، واكتب شقيًّا أو سعيداً، ثم يرتفعُ ذلك الملكُ، ويبعث الله
(١) أخرجه الطبري ٢٥٤/٢٤، وقوله: ودرجة بعد درجة ... ، ليس منه، وإنما ذُكر في شرحه، كما في
الوسيط ٤ /٤٥٥، وتفسير البغوي ٤ / ٤٦٥ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٥٤/٢٤ - ٢٥٥ .
(٣) أخرجه من طريق إبراهيم عن عبد الله بن مسعود الطبري ٢٥٥/٢٤ - ٢٥٦، وهو والذي قبله في
المعنى سواء.
(٤) في (م): واختلاق.
(٥) في النسخ: عن جعفر بن محمد بن علي، والمثبت هو الصواب.
(٦) في (م): عما.

١٧٣
سورة الإنشقاق: الآيات ١٩ - ٢١
مَلَكاً آخَرَ فيحفظُه حتى يُدْرِكَ، ثم يبعثُ الله مَلَكَين يكتبان حسناتِه وسيئاته، فإذا جاءه
الموتُ ارتفع ذانِكَ الملكان، ثم جاءه ملكُ الموتِ عليه السلامُ فيقبضُ روحَه، فإذا
أُدْخِل حُفْرتَه رُدَّ الروحُ في جسده، ثم يرتفعُ مَلكُ الموتِ، ثم جاءه مَلَكا القبرِ
فامتَحَنَاه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعةُ انحظّ عليه مَلَكُ الحسناتِ ومَلَكُ السيئاتِ،
فَأَنْشَطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضرا معه، واحدٌ سائقٌ والآخَرُ شهيدٌ، ثم قال الله
عزَّ وجلَّ: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ * فَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]
قال رسول اللـه ◌ِ﴾: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّا عَن طَبَقٍ﴾ قال: ((حالاً بعدَ حالٍ)) ثم قال النبيُّ ◌َ﴾:
((إنَّ قُدَّامَكُمْ أمراً عظيماً فاستعينوا بالله العظيم))(١) فقد اشتمل الحديثُ على أحوالٍ
تعتري الإنسانَ، من حين يُخْلقُ إلى حين يُبعثُ، وكلُّه شدَّةٌ بعد شدَّةٍ، حياةٌ ثم موتٌ،
ثم بعثٌ ثم جزاءٌ، وفي كلِّ حالٍ من هذه شدائدُ.
وقال : «لتَرْكَبُنَّ سَنَن مَن قَبْلَكم، شيراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دَخَلوا
جُحرَ ضَبٍّ لدخَلْتُموه)) قالوا: يا رسولَ الله: اليهود والنصارى؟ قال: ((فَمَنْ؟)) خرَّجه
البخاريٌّ(٢).
وأمَّا أقوال المفسِّرين، فقال عكرمةُ: حالاً بعد حالٍ، فطيماً بعد رضيعٍ، وشيخاً
بعد شَابٌّ(٣)، قال الشاعر:
كذلِك المرءُ إِن يُنْسَأُ له أَجَلٌ
يَرْكَبْ على طبقٍ مِن بَعْدِه طَبَقُ (٤)
(١) الحلية ١٩٠/٣، وسلف ٤٤٥/١٩. قال ابن كثير: هذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء، ولكن معناه
صحیح.
(٢) في صحيحه (٣٤٥٦)، وهو عند أحمد (١١٨٠٠)، ومسلم (٢٦٦٩) وهو من حديث أبي سعيد
الخدري ، ووقع في هذه المصادر: لتتبعن، بدل: لتركبن. وأخرج أحمد (١٨٨٩٧) من حديث أبي
واقد الليثي : ((لتركبن سنن من كان قبلكم سُنَّةً سُنَّةٌ)).
(٣) في (د) و(م) و(ي): شباب، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢٣٨/٦ والكلام
منه.
(٤) البيت لكعب بن زهير، وهو في ديوانه ص ٦٨، وغريب الحديث لابن قتيبة ١٢٩/١، وهو فيهما
برواية: يُرْكَب به طبق ... ، قال ابن قتيبة: أي ينقل من حال الشباب إلى حال الهرم.

١٧٤
سورة الإنشقاق: الآيات ١٩ - ٢١
وعن مكحول: كلَّ عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه(١).
وقال الحسن: أمراً بعد أمرٍ، رَخاءً بعد شدَّةٍ، وشدَّةٌ بعد رَخاءٍ، وغنّى بعد فَقْرٍ،
وفقرًا بعد غِنّى، وصحةً بعد سُقْمٍ، وسقماً بعد صحةٍ.
سعيد بن جبير: منزلةً بعد منزلةٍ، قومٌ كانوا في الدنيا متَّضِعينَ فارتفعوا في
الآخرة، وقومٌ كانوا في الدنيا مُرْتَفعين فاتَّضَعوا في الآخرة(٢).
وقيل: منزلةً عن منزلةٍ، وَطَبَقاً عن طَبَقٍ، وذلك أنَّ مَن كان على صلاحٍ دعاه إلى
صلاحِ فوقَه، ومَن كان على فسادٍ دعاه إلى فسادٍ فوقه، لأنَّ كلَّ شيء يجري إلى
شَكْلِهِ.
ابن زيد: ولتصيرُنَّ من طَبَق الدنيا إلى طَبَق الآخرة(٣).
وقال ابن عباس: الشدائد والأهوال: الموتُ، ثم البعث، ثم العَرْض(٤).
والعربُ تقولُ لمن وقع في أمرٍ شديدٍ: وَقَع في بَنَاتِ طَبَقٍ، وإحدى بناتِ طَبَقٍ، ومنه
قيل للدَّاهية الشَّديدة: أمُّ طَبَقٍ، وإحدى بناتِ طَبَقٍ، وأصلُها من الحيَّات؛ إذ يُقال
للحية: أمُّ طَبَق لتَحَوِّيها(٥). والطَّبَقُ في اللغة: الحالُ، كما وصفنا؛ قال الأقرِعُ بنُ
حابس التميميُّ :
إنِّي امرؤٌ قد حَلَبْتُ الدَّهْرَ أَشْطُرَه وساقني طَبَقٌ منه إلى طَبَقِ (٦)
وهذا أَدَلُّ دليلٍ على حدوث العالَم، وإثباتِ الصانع؛ قالت الحكماء: مَن كان
(١) الكشاف ٢٣٦/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير والدر المنثور ٣٣١/٦، وفيهما:
تُحدثون، بدل: تجدون.
(٢) ذكر قول الحسن وقول سعيد بن جبير الماوردي في النكت والعيون ٢٣٨/٦ .
(٣) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٢٥٤ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤٦٥ .
(٥) تحوَّى: تجمّع واستدار. المعجم الوسيط (حوى).
(٦) زاد المسير ٦٧/٩. ويقال: حَلَب فلانٌ الدهرَ أشْطُرَه، أي: خبر ضروبه، أي: مرَّ به خير وشر. تهذيب
اللغة ٣٠٧/١١ .

١٧٥
سورة الإنشقاق: الآيات ١٩ - ٢١
اليومَ على حالةٍ، وغداً على حالةٍ أُخرى، فلْيَعلَم أنَّ تدبيره إلى سواه. وقيل لأبي بكرٍ
الورَّاقِ: ما الدليلُ على أنَّ لهذا العالَم صانعاً؟ فقال: تحويلُ الحالاتِ، وعجزُ
القوَّةِ، وضَعْفُ الأركان، وقَهْرُ المنيةِ، ونَسْخُ العزيمة.
ويقال: أتانا طَبَقٌ من الناس وطَبَقٌ من الجراد، أي: جماعة(١): وقولُ العباسِ
في مَدْحِ النبيِّ ﴾.
تُنْقَلُ مِن صالبٍ إلى رَحِمٍ إِذا مضَى عالَمٌ بدا طَبَقُ (٢)
أي: قَرْنٌ من الناس يكونُ طِبَاقَ الأرض: أي: مِلْأها.
والطّبق أيضاً: عَظْمٌ رقيق يَفْصِلُ بين الفَقَارين. ويقال: مضَى طَبقٌ من اللَّيل،
وطَبَقٌ من النهار، أي: مُعْظَمٌ منه. والطَّبَقُ: واحدُ الأطباق(٣)، فهو مُشْتركٌ.
وقُرئ: ((لتَرْكَبِنَّ)» بكَسْرِ الباء، على خطابِ النَّفْسِ، و(لَيَرْكَبَن)) بالياءِ على: لِيَرْكَبَنَّ
الإنسان (٤).
و((عن طبقٍ)) في محلِّ نصبٍ على أنَّه صفةٌ لـ ((طبقًا))، أي: طبقاً مُجاوزاً لطبقٍ. أو
حالٌ من الضمير في ((لتَركَبُنَّ)) أي: لتركبُنَّ طبقاً مُجاوِزِينَ لطبَقٍ، أو مُجاوِزاً، أو
مُجَاوِزَةً، على حَسَبِ القراءة(٥).
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: أيُّ شيءٍ يمنعُهم من الإيمان بعد ما
وَضَحَتْ لهم الآياتُ، وقامتِ الدلالاتُ. وهذا استفهامُ إنكارٍ. وقيل: تعجيب، أي:
اعْجَبوا منهم في تَرْكِ الإيمانِ مع هذه الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَنُ لَا يَسْبُدُونَ﴾ أي: لا يُصَلُّون. وفي الصحيح: أنَّ
(١) الصحاح (طبق).
(٢) المعاني الكبير ٥٥٧/٢، واللسان (صلب)، وسلف ٨٧/١٤ . قال صاحب اللسان: أراد بالصالب:
الصُّلْب، وهو قليل الاستعمال. وقال ابن قتيبة: العالَم: القرن من الناس، وكذلك الطبق من الناس.
(٣) الصحاح (طبق).
(٤) الكشاف ٢٣٦/٤، وذكر الثانية ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧٠ عن عمر
(٥) الكشاف ٢٣٦/٤ .

١٧٦
سورة الإنشقاق: الآية ٢١
أبا هريرة قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ فسَجَدَ فيها، فلمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهم أنَّ رسول الله ﴾
سَجَدَ فيها(١). وقد قال مالكٌ: إنَّها ليستْ من عزائم السُّجود(٢)؛ لأنَّ المعنى: لا
يُذْعِنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. ابنُ العربيّ(٣): والصحيحُ أنَّها منه، وهي
روايةُ المَدَنيين عنه، وقد اعْتَضَد فيها القرآنُ والسنَّةُ.
قال ابنُ العربيّ: لمَّا أَمَمْتُ بالناسِ تَرَكْتُ قراءتها؛ لأنِّي إنْ سجدتُ أَنْكَروه، وإِنْ
تركتُها كان تقصيراً منِّي، فاجتنبتُها إلَّا إذا صلَّيتُ وحدي. وهذا تحقيقُ وَعْدِ الصَّادقِ
بأنْ يكونَ المعروفُ مُنْكَراً، والمنكَرُ معروفاً؛ وقد قال :﴿ لعائشةَ: «لولا حِدْثانُ قومِكِ
بالكفرِ لهَدَمْتُ البيتَ، ولَردَدْتُه على قواعِدِ إبراهيمَ» (٤). ولقد كان شيخُنا أبو بكرٍ
الفِهْريُّ يرفعُ يديه عند الركوعِ، وعند الرفعِ منه، وهو مذهبُ مالكِ والشافعيِّ، ويفعلُه
الشِّيعةُ، فحضر عندي يوماً في مَحْرَسِ ابنِ الشَّواء بالثغر - مَوْضع تَدْريسي - عند صلاةٍ
الظُّهْرِ، ودخل المسجدَ من المَحْرسِ المذكورِ، فتقدَّم إلى الصفِّ [الأولِ] وأنا في
مؤخّرِه قاعدٌ(٥) على طاقاتِ البحر، أتنسَّمُ الريح من شدَّة الحرِّ، ومعي في صفٍّ واحدٍ
أبو ثمنةَ رئيسُ البحرِ وقائدُه، مع نَفَرِ من أصحابه يَنتظِرُ الصلاة، ويتطلَّع على مراكب
تَحت المنار(٦)، فلمَّا رفع الشيخُ يديه في الركوعِ وفي رَفْعِ الرأس منه، قال أبو ثمنةً
وأصحابُه: أَلَا تَرَوْنَ إلى هذا المَشْرِقِيِّ كيف دخل مَسْجِدَنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارْمُوا
به إلى البحر، فلا يراكم أحدٌ. فطار قلبي من بين جَوَانحي وقلتُ: سبحان الله! هذا
الظُرُْوشيُّ فقيهُ الوقتِ. فقالوا لي: ولمَ يَرفعُ يديه؟ فقلت: كذلك كان النبيُّ ﴾ يفعلُ،
(١) صحيح البخاري (٧٦٦)، وصحيح مسلم (٥٧٨)، واللفظ له، وسلف ٩/ ٤٤٠ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٩ .
(٣) في أحكام القرآن ١٨٩٩/٤ - ١٩٠٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٩٧)، والبخاري (١٥٨٥)، ومسلم (١٣٣٣)، وسلف ٣٩٢/٢.
(٥) في النسخ: قاعداً، والمثبت من أحكام القرآن.
(٦) في (م) ومطبوع أحكام القرآن: الميناء، والمثبت من النسخ الخطية، وهو أيضاً نسخة في أحكام القرآن
ذكرت في الحاشية.

١٧٧
سورة الإنشقاق: الآيات ٢١ - ٢٥
وهذا مذهبُ مالكِ في روايةِ أهلِ المدينة عنه. وجعلتُ أُسَكِّنُهم وأُسْكِتُهم حتى فرغ
من صلاته، وقمتُ معه إلى المَسكَنِ من المحرس، ورأى تغيُّرَ وجهي، فَأَنْكَرِه،
وسألني فَأَعْلَمْتُه، فضحك وقال: ومِن أين لي أنْ أُقتلَ على سنَّةٍ؟ فقلتُ له: ولا يَحِلُّ
لك هذا، فإنَّك بين قوم إنْ قُمْتَ بها قاموا عليك، وربَّما ذهبَ دمُكَ. فقال: دَعْ هذا
الكلامَ، وخُذْ في غيره.
فَبَشِرْهُم
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ
بِعَذَابٍ أَلِمٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجُرُ غَيِّرُ مَمْنُونٍ
قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ
قوله تعالى: ﴿بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ محمداً ﴾﴿ وما جاء به. وقال مقاتلٌ: نزلتْ
في بني عمرو بنِ عُمَير وكانوا أربعةً، فَأَسْلَم اثنان منهم. وقيل: هي في جميع الكفار.
﴿وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ﴾ أي: بما يُضْمِرونه في أنفسهم من التكذيب. كذا رَوى
الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ(١). وقال مجاهدٌ: يكتُمون من أَفعالهم(٢). ابنُ زيدٍ: يَجْمعون
من الأعمال الصالحةِ والسيئةِ؛ مأخوذٌ من الوعاء الذي يَجْمع ما فيه؛ يقال: أَوْعَيْتُ
الزادَ والمتاعَ: إذا جَعَلْته في الوِعاء؛ قال الشاعر:
الخیرُ أَبْقَی وإِن طالَ الزمانُ بِه
والشرُّ أَخْبَثُ ما أَوْعَيتَ مِن زادٍ (٣)
وَوَعَاه، أي: حَفِظَه؛ تقول: وَعَيْتُ الحديثَ أَعِيْهِ وَغْيًّا، وأذُنٌ واعِيةٌ. وقد تقدَّم(٤).
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مُؤْجِعٍ في جهنّمَ على تكذيبهم. أي: اجْعَلْ ذلك
بمنزلةِ الْبِشَارةِ. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ استثناءٌ منقطعٌ، كأنه قال: لكنِ
الذين صَدَّقوا بشهادةٍ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ الله، وعَمِلوا الصالحات،
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٥٦/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر بلفظ: يُسِرُّون. الدر المنثور
٣٣١/٦.
(٢) النكت والعيون ٢٣٩/٦، وأخرجه الطبري ٢٥٧/٢٤ - ٢٥٨.
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٨/٥ .
(٤) ٢١ / ١٩٧ - ١٩٨ .

١٧٨
سورة الإنشقاق: الآية ٢٥
أي: أَدَّوا الفرائضَ المفروضةَ عليهم ﴿لَهُمْ أَجْرُ﴾ أي: ثوابٌ ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غيرُ
مَنْقوصٍ ولا مَقْطوعٍ؛ يقال: مَنَنْتُ الحبلَ: إذا قطعته. وقد تقدَّم(١).
وسأل نافع بنُ الأَزْرقِ ابنَ عباس عن قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فقال: غيرُ
مقطوعٍ. فقال: هل تَعْرِفُ ذلك العربُ؟ قال: نعم قد عَرَفَه أخو يشكرَ حيث يقول:
حِ مَنِيناً كأنَّه أَهْبَاءُ(٢)
فترى خَلْفَهُنَّ مِن سُرْعةِ الرَّجْـ
قال المبرِّدُ: المَنينُ: الغبارُ؛ لأنها تقطّعُه وراءها(٣). وكلُّ ضعيفٍ مَنِينٌ وممنونٌ.
وقيل: ((غيرُ ممنونٍ)»: لا يُمنُّ علیهم به.
وذكر ناسٌ من أهلِ العلم أنَّ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ ليس
استثناءً، وإنما هو بمعنى الواو، كأنَّه قال: والذين آمنوا. وقد مضى في ((البقرة)) القولُ
فيه(٤)، والحمدُ لله. تمت سورة الانشقاق.
(١) عند تفسير الآية (٨) من سورة فصلت.
(٢) ذكر هذا الخبر المبرد في الكامل ١١٥١/٣، والبيت من معلقة الحارث بن حِلَزةً اليشكري، كما في
شرح المعلقات للنحاس ٥٧/٢، وسلف ٣٩٦/١٥ .
(٣) في الكامل: تقطعه قطعاً وراءها.
(٤) ٢ /٤٥٥ .

سورة البروج
مكية باتفاق. وهي ثنتان وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
قَسَمٌ أَقْسَمَ الله به جلَّ وعزَّ. وفي ((البروج)) أقوالٌ أربعةٌ:
أحدُها : ذات النجوم؛ قاله الحسنُ وقتادةُ ومجاهدٌ والضخَّاكِ(١).
الثاني: القُصُور؛ قاله ابن عباس(٢) وعِكرمةُ ومجاهدٌ أيضاً. قال عكرمةُ: هي
قُصورٌ في السماء. مجاهدٌ: البُروج فيها الحرس.
الثالث: ذات الخَلْقِ الحَسَنِ؛ قاله المِنهالُ بنُ عمرو(٣).
الرابع: ذات المنازِلِ؛ قاله أبو عبيدةً ويحيى بنُ سلام. وهي اثْنَا عَشَرَ بُرْجاً،
وهي منازِلُ الكواكبِ والشمسِ والقمرِ، يسيرُ القمرُ في كلِّ بُرْجِ منها يومين وثُلُثِ يومٍ؛
فذلك ثمانيةٌ وعشرون يوماً، ثم يَسْتَسِرُّ ليلتين. وتَسيرُ الشمسُ في كلِّ بُرْجٍ منها
شهراً (٤). وهي: الحَمَل، والثَّورُ، والجَوزاءُ، والسَّرَطانُ، والأسدُ، والسُّنْبلةُ،
والمِيزانُ، والعَقْربُ، والقَوسُ، والجَدْي، والدَّلْوُ، والحُوتُ.
والبروجُ في كلام العرب: القصور؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُمْ فِىِ بُرُوجِ تُشَيِّدَةٍ ﴾
[النساء: ٧٨] وقد تقدّم(٥).
(١) النكت والعيون ٦/ ٢٤٠، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٦١/٢، والطبري ٢٦١/٢٤، وعن مجاهد
الطبري ٢٤/ ٢٦١ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٦٠، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٤٠/٦.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٢٤٠.
(٤) مجاز القرآن ٢٩٣/٢، وذكر القول عن يحيى بن سلام الماوردي في النكت والعيون ٢٤٠/٦.
(٥) ٦/ ٤٦٥، وينظر في الكلام عن البروج وعن منازل الشمس والقمر ١٨٦/١٢ و٤٤٩/١٧.

١٨٠
سورة البروج: الآيتان ٢ - ٣
وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
قوله تعالى: ﴿وَلْيَّوْمِ الْوْعُودِ
قوله تعالى: ﴿وَلْيَوْرِ اٌلْوَعُودِ﴾ أي: الموعود به. وهو قَسَمٌ آخَرُ، وهو يومُ القيامةِ،
من غيرِ اختلافٍ بين أهل التأويل. قال ابن عباس: وُعِدَ أهلُ السماءِ وأهلُ الأرضِ أنْ
يجتمعوا فيه.
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ﴾ اختُلِفَ فيهما؛ فقال عليٍّ وابْنُ عباسٍ وابنُ عمَرَ وأبو هريرة﴾:
الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ. وهو قولُ الحسن(١). ورواه أبو هريرةَ
مرفوعاً قال: قال رسول اللـه ﴾: ((اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ، واليومُ المشهودُ يومُ
عَرَفَةَ، والشاهدُ يومُ الجمعةِ ... )) خرَّجه أبو عيسى الترمذيُّ في جامِعِه، وقال: هذا
حديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حديثِ موسى بنِ عُبيدةً، وموسى بنُ عبيدةَ يُضَعَّفُ في
الحديث، ضَعَّفه يحيى بنُ سعيدٍ وغيرُه. وقد رَوَى شُعبةُ وسفيانُ الثوريُّ وغيرُ واحدٍ
من الأئمة عنه (٢). قال القشيريُّ: فيومُ الجمعةِ يَشْهِدُ على كلِّ عاملٍ بما عَمِلَ فيه.
قلت: وكذلك سائرُ الأيامِ والَّليالي؛ فكلُّ يومٍ شاهدٌ، وكذا كلُّ ليلةٍ؛ ودليلُه ما
رواه أبو نعيمِ الحافظُ عن معاويةً بنِ قُرَّةَ، عن مَعْقِل بنِ يسارٍ، عن النبيِّ # قال:
((ليس مِن يومٍ يأتي على العبدِ إلَّا يُنادَى فيه: يا ابنَ آدمَ، أنا خَلْقٌ جديدٌ، وأنا فيما
تَعْمَلُ عليك [غداً] شهيدٌ، فاعْمَلْ فِيَّ خيراً أَشْهَدْ لك به غداً، فإِنِّي لو قد مَضَيْتُ لم
تَرَنِي أبداً، ويقولُ الليلُ مثلَ ذلك)). حديثٌ غريبٌ من حديثٍ معاويةً، تفرَّد به عنه زيدٌ
العَمِّيُّ، ولا أَعْلَمُه مرفوعاً عن النبيِّ ﴾ إلَّا بهذا الإسناد(٣).
(١) أخرج قولهم الطبري ٢٤/ ٢٦٤- ٢٦٥ عدا ابن عمر رضي الله عنهما. وفي الوسيط ٤٥٨/٤، والمحرر
الوجيز ٤٦٠/٥، وتفسير البغوي ٤٦٦/٤-٤٦٧، وزاد المسير ٧١/٩ عن ابن عمر أن الشاهد يوم
الجمعة، والمشهود يوم النحر. وقول أبي هريرة أخرجه أيضاً أحمد (٧٩٧٣).
:
(٢) سنن الترمذي (٣٣٣٩)، ووقع في مطبوعه: حسن غريب. وفي تحفة الأحوذي ٢٥٨/٩: هذا حديث
لا نعرفه إلا من حديث موسى ... ، ونحوه في تحفة الأشراف ١٣٤/١٠. قال ابن كثير عند تفسير هذه
الآية: وقد روي موقوفاً على أبي هريرة، وهو أشبه. ١ هـ. وقد سلف الموقوف آنفاً.
(٣) الحلية ٣٠٣/٢ -٣٠٤، وما سلف بين حاصرتين منه.