النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة التكوير: الآيات ٧ - ١٤ وأصحابُ اليمينِ زوجٌ، وأصحابُ الشمالِ زوجٌ. وعنه أيضاً قال: زُوِّجَتْ نفوسُ المؤمنين بالحُورِ العين، وقُرِنَ الكافر بالشياطين(١)، وكذلك المنافقون. وعنه أيضاً: قُرِن كلُّ شَكلٍ بِشَكلِه من أهلِ الجنة وأهلِ النار، فيُضَمُّ المبرِّزُ في الطاعة إلى مثله، والمتوسِّطُ إلى مِثْلِه، وأهل المعصيةِ إلى مِثلِه؛ فالتزويجُ: أنْ يُقْرنَ الشيءُ بمثله(٢)؛ والمعنى: وإذا النفوسُ قُرِنَت إلى أشكالها في الجنة والنار. وقيل: يُضَمُّ كلُّ رجلٍ إلى مَن كان يَلْزمُه من مَلِكِ وسلطان، كما قال تعالى: ﴿ أَخْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. وقال عبد الرحمن بن زيد: جُعِلوا أزواجاً على أشباهِ أعمالِهم، ليس بتزويجٍ، أصحابُ اليمين زوجٌ، وأصحابُ الشمالِ زوجٌ، والسابقون زوجٌ، وقد قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ◌َلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ﴾ أي: أشكالَهم. وقال عكرمةُ: ((وإذا النفوسُ زُوِّجتْ)): قُرِنَتْ الأرواحُ بالأجساد، أي: رُدَّتْ إليها(٣). وقال الحسن: أُلْحِقَ كلُّ امرئ بشيعته (٤)؛ اليهودُ باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوسُ بالمجوس، وكلُّ مَن كان يعبدُ شيئاً من دون الله يُلحَقُ بعضُهم ببعضٍ، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل: يُقرَنُ الغاوي بمَن أغواه من شيطانٍ أو إنسان، على جهةِ البغضِ والعداوة، ويُقرَنُ المطيعُ بمَن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين. (١) ذكره الرازي في التفسير ٦٩/٣١، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي، كما في الدر المنثور ٣١٩/٦. (٢) ذكره الرازي ٣١/ ٦٩ دون نسبة. (٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٤٤ . (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٤٣. ١٠٢ سورة التكوير: الآيات ٨ - ١٤ وقيل: قُرِنت النفوسُ بأعمالها، فصارت لاختصاصِها به كالتزويج(١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ. بِأَتِ ذَنٍْ قُئِلَتْ﴾ الموؤودة المقتولةُ، وهي الجاريةُ تُدفَنُ وهي حيةٌ، سمِّيتْ بذلك لمَا يطرحُ عليها من التراب، فيؤودها، أي: يُقِلُها حتى تموت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: لا يُثْقِلُه؛ وقال متمِّم ابنُ نُويرةَ: بآمَتِها مَوسودةٍ لم تُمهَّدٍ(٢) ومَوءودةٍ مَقبورةٍ في مَفازةٍ وكانوا يدفنون بناتهم أحياءً لخصلتين؛ إحداهما: كانوا يقولون: إنَّ الملائكة بناتُ اللـه، فألحقوا البناتِ به. الثانية: إمَّا مخافة الحاجةِ والإملاق، وإمَّا خوفاً من السَّبي والاسْتِرقاق. وقد مضى في سورة النحل هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُهُ فِي التَّابِ﴾ [الآية: ٥٩] مستوفی. وقد كان ذَوُو الشَّرفِ منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال : وأحيا الوئِيدَ فلم يُوأدٍ(٣) ومِنَّا الَّذي منعَ الوائِدات يعني جدَّه صَعْصَعة(٤)؛ كان يشتريهنَّ من آبائهن، فجاء الإسلامُ وقد أحيا سبعين موءودةً. (١) النكت والعيون ٢١٤/٦، وذكر هذا القول أيضاً الرازي ٦٩/٣١ وقال: واعلم أنك إذا تأمَّلتَ في الأقوال التي ذكرناها، أمكّنَك أن تزيد عليها ما شئت. (٢) في (ظ) و(ي): موسومة لم تمهد، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢١٤/٦، والكلام منه. والبيت في تهذيب اللغة ١٥/ ٦٤٥، واللسان (أوم) و(عوز) منسوب لحسان بن ثابت برواية : بآمتها مرسومة لم تُوَسَّدٍ وموءودةٍ مقرورة في مَعاوزٍ ولم نقف عليه في ديوانه. الآمة: ما يعلق بسرة المولود إذا سقط من بطن أمه، ويقال: ما لُفَّ فيه من خرقة وما خرج معه. والمعاوِز: خُلْقَانُ الثياب. اللسان (أوم) و(عوز). (٣) ديوان الفرزدق ١٧٣/١. (٤) ابن ناجية التميمي الدارمي، قال ابن السكن: له صحبة، وكان من أشراف بني مجاشع في الجاهلية والإسلام، وهو ابن عم الأقرع ابن حابس. الإصابة ١٤٢/٥ . ١٠٣ سورة التكوير: الآيات ٨ - ١٤ وقال ابن عباس: كانت المرأةُ في الجاهلية إذا حملتْ حَفَرت حفرةً، وتَمخَّضتْ على رأسها. فإنْ ولدت جاريةً رَمَتْ بها في الحفرة، وردّتِ الترابَ عليها، وإن ولدتْ غلاماً حَبسَته (١)، ومنه قولُ الراجزِ: سَمَّيتُها إذا وُلِدتْ تموتُ والقبرُ صِهِرٌ ضامِنٌ زِمِّيتُ (٢) الزِّميتُ: الوقور، والزميتُ مثالُ الفِسِّيقِ أوْقَر من الزَّمِيت، وفلانٌ أزْمتُ الناس، أي: أوْقَرُهم، وما أشدَّ تزمُّتَه؛ عن الفرَّاء(٣). وقال قتادةُ: كانت الجاهليةُ يقتلُ أحدهم ابنته، ويَغذُو كَلبَه، فعاتَبَهم الله على ذلك، وتَوَّدهم بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ﴾ (٤). قال عمر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ﴾ قال: جاء قيس بنُ عاصم إلى النبيِّ ﴾ فقال: يا رسولَ الله إنِّي وأدتُ ثمان بناتٍ كنَّ لي في الجاهلية، قال: ((فأعتِقْ عن كلِّ واحدةٍ منهنَّ رقبةً)) قال: يا رسولَ الله، إنِّي صاحب إبلٍ، قال: ((فأهْدِ عن كلِّ واحدةٍ منهنَّ بَدَنةً إنْ شِئْتَ))(٥). وقوله تعالى: ((سُئِلت)) سؤال الموؤودةِ توبيخٌ(٦) لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضُرِب: لم ضُرِبتَ؟ وما ذَنبُك؟ قال الحسن: أراد الله أن يُوبِّخ قاتلها؛ لأنها قُتلت بغير ذنب. وقال ابن أسلم: بأيِّ ذَنبٍ ضُربت، وكانوا يضربونها. (١) أخرجه الواحدي في الوسيط ٤٢٩/٤، وذكره البغوي ٤/ ٤٥٢، وابن الجوزي ٩/ ٤٠. (٢) الرجز في جمهرة اللغة ١٦/٢، واللسان (ربت). والثاني في العين ٣٥٩/٧، وتهذيب اللغة ١٨٦/١٣، والصحاح (زمت)، واللسان (زمت). (٣) الصحاح (زمت). (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٤٧، وفيه: فعاب الله عليهم ذلك، بدل: فعاتبهم الله على ذلك ... (٥) أخرجه البزار في مسنده (٢٣٧)، والطبراني في الكبير ١٨/ (٨٦٣)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن کثیر عند هذه الآية، ووقع عند البزار (فانحر عن کل واحدة ... )). (٦) في (د) و(م): سؤال الموؤودة سؤال توبيخ. ١٠٤ سورة التكوير: الآيات ٨ - ١٤ وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى: ((سُئلتْ)) قال: ظُلِبت؛ كأنه يريدُ كما يُطلب بدم القتيل، قال: وهو كقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] أي: مطلوباً. فكأنها طُلِبت منهم، فقيل: أين أولادُكم (١)؟ وقرأ الضحاك وأبو الضُّحا عن جابر بن زيد وأبي صالح: ((وإذا الموؤودة سألت))(٢) فتتعلَّق الجارية بأبيها، فتقول: بأيِّ ذنبٍ قَتلتني؟ فلا يكونُ له عذرٌ؛ قاله ابن عباس، وكان يقرأ: ((وإذا الموؤودة سألَتْ))(٣)، وكذلك هو في مصحف أُبيِّ(٤). وروى عكرمةُ عن ابن عباس عن النبيِّ ﴾ قال: ((إنَّ المرأة التي تقتلُ ولدَها تأتي يومَ القيامةِ مُتعلِّقاً ولدُها بثدييها، ملطّخاً بدمائه، فيقول: ياربِّ، هذه أمِّي، وهذه قَتَلْنِي))(٥). والقولُ الأولُ عليه الجمهور، وهو مثلُ قوله تعالى لعيسى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] على جهة التَّوبيخِ والتَّبكيتِ لهم، فكذلك سؤالُ الموؤودة توبيخٌ لوائدِها، وهو أبلغُ من سؤالها عن قَتلِها؛ لأنَّ هذا مما لا يصحُّ إلَّا بذنبٍ، فبأيِّ ذنبٍ كان ذلك. فإذا ظَهَر أنه لا ذنبَ لها، كان أعظمَ في البليةِ وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. وقرئ: ((قَتِّت)) بالتشديد. وفيه دليلٌ بَيِّنٌ على أنَّ أطفالَ المشركين لا يُعَذَّبون، وعلى أنَّ التعذيب لا يُستحقُّ إلَّا بذنبٍ(٦). (١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢٤١/٣. (٢) القراءات الشاذة ص١٦٩، والمحرر الوجيز ٤٤٢/٥، وذكر ابن عطية أن بعض مَن قرأ بهذه القراءة قرأ ايضاً: ((قُتِلْتُ)) بسكون اللام وضم التاء. (٣) النكت والعيون ٢١٤/٦، وأخرجه الفراء في معاني القرآن ٢٤٠/٣. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٥٨/٥. (٥) لم نقف عليه. (٦) الكشاف ٢٢٢/٤، وقراءة ((قَتِّلت)) في القراءات الشاذة ص١٦٩. ١٠٥ سورة التكوير: الآيات ١٠ - ١٤ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الضُّحُفُ نُثِرَتْ﴾ أي: فُتِحَتْ بعدَ أنْ كانت مَطوِيَّةً، والمرادُ صحفُ الأعمال التي كَتَبت الملائكةُ فيها ما فعلَ أهلُها من خيرٍ وشرّ، تُطوَى بالموت، وتُنشَر في القيامة، فيقفُ كلُّ إنسانٍ على صحيفته، فَيَعْلَم ما فيها، فيقول: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّ أَحْصَنِهَاً﴾ [الكهف: ٤٩](١). وروي عن مَرَثَد بن وَدَاعة قال: إذا كان يومُ القيامة تطايرت الصحفُ من تحتٍ العرش، فتقع صحيفةُ المؤمن في يده ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْأَيَامِ لََْلَةِ﴾ [الحاقة: ٢٢-٢٤] وتقع صحيفة الكافر في يده ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَ كَرِيرٍ﴾ [الواقعة: ٤٢-٤٤](٢). ورُوي عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها أنَّ رسول اللـه ◌ِ﴾ قال: ((يُحشَرُ الناسُ يوم القيامةِ حُفاةً عُراةً)) فقلتُ: يا رسولَ الله! كيف بالنساء؟ قال: ((شُغِلَ الناسُ يا أمَّ سَلَمة)). قلتُ: وما شَغَلَهم؟ قال: ((نَشرُ الصُّحُفِ، فيها مثاقيلُ الذرِّ ومثاقيل الخَرْدَلِ))(٣). وقد مضى في سورة سُبحان(٤) قولُ أبي السَّوَّار العدَوِيِّ: هما نَشرَتان وطَيَّةٌ، أما ما حَييتَ يا ابنَ آدم فصحيفتُكَ المنشورةُ، فَأَمْلِ فيها ما شِئتَ، فإذا مثَّ ◌ُطُوِيتْ، حتى إذا بُعثْتَ نُشِرَتْ ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. وقال مقاتل: إذا مات المرءُ طُوِيتْ صحيفةُ عمله، فإذا كان يومُ القيامةِ نُشِرتْ. وعن عمر أنه كان إذا قرأها قال: إليكَ يُساقُ الأمرُ يا ابنَ آدم(٥). (١) النكت والعيون ٢١٥/٦ . (٢) الكشاف ٢٢٣/٤، وزاد في آخره: أي مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف الأعمال . اهـ. ومرئَد بن وداعة هو أبو قتيلة الحمصي، قال البخاري: له صحبة. الإصابة ٩/ ١٦٣ . (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٧). ونقله المصنف عن الكشاف ٢٢٢/٤-٢٢٣. (٤) ١٣ / ٤١ . (٥) الكشاف ٤/ ٢٢٢ . ١٠٦ سورة التكوير: الآيات ١٠ - ١٤ وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ وعاصمٌ وأبو عمرو: ((نُشِرَت)) مخفّفةٌ(١)، على نَشرِها مرةً واحدةً، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد، على تكرار النَّشرِ؛ للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشيرِ المطيع. وقيل: لتكرارِ ذلك من الإنسان والملائكةِ الشُّهداءِ عليه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلتَمَاءُ كُتِطَتْ﴾: الكَشْطُ: قَلْعٌ عن شدَّةِ الْتِزاقٍ، فالسماءُ تُكشَطُ كما يكشَطُ الجلد عن الكبش وغيره. والقَشطُ لغةٌ فيه، وفي قراءةِ عبدِ الله: ((وإذا السماءُ قُشِطَت)). وكَشَطْتُ البعيرَ كَشْطاً: نزعت جِلدَه، ولا يقال: سَلخته؛ لأنَّ العرب لا تقولُ في البعير إلَّا كشَطْته أو جَلَّدته، وانكشط [رَوْعُه]، أي: ذهب(٢). فالسماءُ تُنزَع من مكانها كما ينزعُ الغِطاءُ عن الشيء. وقيل: تُطوَى، كما قال تعالى: ﴿يوم نطوِي السماء كطيّ السِّجِلّ لِلكتابِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. فكأنَّ المعنى: قُلِعَتْ فطُوِيتْ. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِمُ سُِرَتْ﴾ أي: أُوْقدَتْ فأضرمت للكفار وزِيدَ في إحمائها. يقال: سَعَّرتُ النار وأسعَرتها. وقراءةُ العامَّةِ بالتخفيف، من السعير. وقرأ نافعٌ وابنُ ذكوانَ ورُويْس بالتشديد(٣)؛ لأنَّها أوقدَتْ مرةً بعد مرةٍ. قال قتادة: سَعَّرها غضبُ الله، وخطايا بني آدم(٤). وفي الترمذيِّ(٥) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ◌َ # قال: ((أُوقِدَ على النار ألف سنةٍ حتى احْمَرَّتْ، ثم أُوْقِدَ عليها ألف سنةٍ حتى ابيضَّتْ، ثم أُوقِدَ عليها ألف سنةٍ حتى (١) السبعة ص ٦٧٣، والنشر ٣٩٨/٢ عن نافع وابن عامر وعاصم، أما أبو عمرو فقرأ: ((نشِّرت)) بتشديد الشين. (٢) الصحاح (كشط)، وما بين حاصرتين منه. وقراءة عبد الله ه ذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن ٢٤١/٣ . (٣) وقرأ بها أيضاً من العشرة حفص وأبو جعفر. السبعة ص ٦٧٣، والتيسير ص٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٥٠ . (٥) برقم (٢٥٩١). ١٠٧ سورة التكوير: الآيات ١٢ - ١٤ اسوَدَّتْ، فهي سوداءُ مُظلمة)). ورُوي موقوفاً (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا اَلَّْةُ أُزْلِفَتْ﴾ أي: دَنّتْ وقرِّبت من المثَّقين. قال الحسن: إنهم يُقرَّبون منها؛ لا أنَّها تَزولُ عن مَوضِعها. وكان عبدُ الرحمن بنُ زيد يقول: زُيِّنت(٢). والزُّلفَى في كلام العرب: الغُربة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَِّينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] وتزلَّف فلانٌ: تَقرَّبَ. قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّ أَحْضَرَتْ﴾ يعني ما عَمِلَتْ من خيرٍ وشرِّ. وهذا جوابُ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ وما بَعدَها. قال عمر ﴾: لهذا أُجْرِيَ الحديث(٣). ورُويَ عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنَّهما قرآها، فلمَّا بلغا ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ قالا: لهذا أُجرِيَت القصةُ. فالمعنى على هذا: إذا الشمسُ كُوِّرَتْ وكانت هذه الأشياء، عَلمتْ نفسٌ ما أَحْضرتْ من عملها. وفي الصحيحين عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله ﴾: ((ما منكم من أحدٍ إلَّا وسيُكلِّمه الله ما بينه وبينه تَرجُمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلَّ شيئاً قدَّمه، وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلَّا شيئاً قدَّمه، وينظر أمامه، فتستقبلُه النار، فَمَن استطاع منكم أن يَتَّقي النارَ ولو بشِقٌّ تمرةٍ فَلْيفعَلْ))(٤). وقال الحسن: ((إذ الشمسُ كوِّرتْ)) قسمٌ وقع على قوله: ((علمتْ نفسٌ ما أحضَرتْ))(٥) كما يقال: إذا نَفَر زيدٌ نفرَ عمرو. والقولُ الأولُ أصح. وقال ابن زيد عن ابن عباس في قوله تعالى: ((إذا الشمسُ كُوِّرتْ)) إلى قوله: (١) أخرجه الترمذي إثر المرفوع، ثم قال: حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح. (٢) في (ظ): تزينت. (٣) أخرجه بهذا اللفظ عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ١٥١-٠١٥٢ (٤) صحيح البخاري (١٤١٣)، وصحيح مسلم (١٠١٦)، وهو عند أحمد (١٨٢٤٦). (٥) النكت والعيون ٢١٥/٦. ١٠٨ سورة التكوير: الآيات ١٤ - ٢٢ ((وإذا الجنة أُزلِفت)) اثنتا عشرةَ خصلةً: ستَّةٌ في الدنيا، وستَّةٌ في الآخرة(١)، وقد بينًا السنَّةَ الأُولى بقولِ أبيّ بنِ كعب (٢). وَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ الْجَوَارِ الْكُنَسِ قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقِيمُ بِلُْنَّ وَلْضُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ ﴿٨ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ ◌َ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرشِّ مَكِينٍ ٢٠ ◌ُطَارِ ثَمَّ أَمِينِ ® وَمَا صَاحِبُّكُم بِمَجْنُونٍ قوله تعالى: ﴿فَلَ أُقِيمُ﴾ أي: أُقْسِمُ، و((لا)) زائدةٌ، كما تقدَّم (٣). ﴿بِلُْنَِّ الْجَارِ الْكُنَِّ﴾ هي الكواكبُ الخمسةُ الدَّرَارِيُّ: زُحَلُ والمُشتري وعُطارِدٌ والمُرِّيخُ والزُّهرةُ، فيما ذكر أهلُ التفسير. والله أعلم. وهو مَرْويٌّ عن عليٍّ كَرَّم الله وَجهَه (٤). وفي تخصيصها بالذِّكْر من بينٍ سائرِ النجوم وجهان: أحدُهما: لأنَّها تستقبلُ الشمس؛ قاله بكر بنُ عبد الله المُزَنيُّ. الثاني: لأنها تقطعُ المجرَّة؛ قاله ابن (٥) عباس(٥). وقال الحسن وقتادةُ: هي النجومُ التي تَخْنسُ بالنهار، وإذا غَرَبَت(٦)، وقاله عليٍّ ﴾، قال: هي النجومُ تَخنسُ بالنهار، وتَظهَرُ بالليل، وتَكنِسُ في وقتٍ غروبها(٧)، أي: تتأخّر عن البصر لخفائها، فلا تُرَى. (١) زاد المسير ٩/ ٤١ . (٢) سلف ص ١٠٠ من هذا الجزء. (٣) عند تفسير الآية (٧٥) من سورة الواقعة، والآية (٤٠) من سورة المعارج. (٤) النكت والعيون ٢١٦/٦، وزاد المسير ٤٢/٩، وأخرجه عن علي ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٢٠/٦، وفيه: بَهْرام، بدل: المريخ، وهما واحد، كما في زاد المسير، والأزمنة والأمكنة ٤٣٨/٢ . (٥) النكت والعيون ٢١٦/٦، وأخرجه عن ابن عباس أبو الشيخ في العظمة (٦٨٦). وعن بكر بن عبد الله الطبري ٢٤/ ١٥٣. (٦) في (د): إذا غربت، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢١٦/٦، والكلام منه. وأخرج القول بنحوه عن قتادة والحسن الطبري ٢٤/ ١٥٤ . (٧) أخرجه الطبري ١٥٢/٢٤-١٥٣ بلفظ: تخنس بالنهار، وتكنس بالليل، وفي رواية: تجري بالليل، وتخنس بالنهار. وفي رواية: تكنس بالنهار، وتبدو بالليل. ١٠٩ سورة التكوير: الآيات ١٥ - ٢٢ وفي ((الصحاح)): و(الخُنَّس)): الكواكب كلُّها؛ لأنها تَخنسُ في المغيب، أو لأنَّها تَخْفَى نهاراً(١). ويقال: هي الكواكبُ السيارةُ منها دون الثابتة. وقال الفرَّاء في قوله تعالى: ﴿فَلَ أُقِمُ بِْخُنَِّ. الْجَارِ الْكُنَسِ﴾: إنَّها النجومُ الخمسةُ؛ زُحلُ والمشتري والمرِّيخ والزُّهرةُ وعُطاردٌ؛ لأنها تُخنسُ في مجراها، وتَكنِسُ، أي: تَستَتِر كما تَكِنِسُ الظّباءُ في المَغَارِ، وهو الكِنَاس(٢). ويقال: سمِّيتْ خُنَّساً لتأخُّرها؛ لأنَّها الكواكبُ المتحيِّرةُ التي تَرجعُ وتستقيم؛ يقال: خَنَس عنه يَخُس - بالضَّم - خُنوساً: تأخّر، وأخْنَسه غيرُه: إذا خلَّفه ومَضى عنه(٣). والخَنَس: تَأخّر الأنفِ عن الوجه مع ارتفاعٍ قليلٍ في الأرنبة، والرجلُ أخنَسُ، والمرأةُ خَنساءُ، والبقرُ كلُّها خُنْسٌ. وقد روي عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ((فلا أُقْسِم بِالخُنس)»: هي بقرُ الوحش؛ روى هُشَيم عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةً عمرو بنِ شُرحبيل قال: قال لي عبد الله بنُ مسعود: إنكم قومٌ عربٌ، فما الخَّس؟ قلت: هي بقرُ الوَحشِ، قال: وأنا أرى ذلك(٤). وقاله إبراهيم وجابر بنُ عبد الله(٥). وروي عن ابن عباس: إنَّما أقسمَ الله ببقرِ الوحش(٦). وروى عنه ◌ِكرمة قال: ((الخُنَّسُ)): البقرُ، و ((الكُنَّس)): هي الظُّباء(٧)، فهي خُنَّسٌ؛ إذا رأينَ الإنسان خَنَسنَ وانقبضنَ وتأخّرنْ ودَخَلنَ كِناسَهنَّ. (١) في (م): تخنس نهاراً، وفي الصحاح (خنس): تختفي بالنهار، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في مختار الصحاح. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٤٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (خنس). (٣) في مختار الصحاح: وخنس يكون متعدياً ولازماً ... وبعضهم لا يجعله متعدياً إلا بالألف، فيقول: أخنسه. (٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٥١/٢، والطبري ١٥٤/٢٤ - ١٥٥. (٥) أخرجه عن إبراهيم الطبري ٢٤/ ١٥٦ -١٥٧، ولم نقف عليه عن جابر بن عبد الله. (٦) أخرجه أبو داود الطيالسي، كما في تفسير ابن كثير، بلفظ: ((الجواري الكنس)) قال: البقر الوحش تكنس إلى الظل. (٧) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٧٣/٤، وفيه: المعز، بدل: البقر. ١١٠ سورة التكوير: الآيات ١٥ -٢٢ القشيريُّ: وقيل على هذا: ((الخُنْس)) من الخنَس في الأنف، وهو تأخّر الأرنبةِ وقصَرُ القَصَبةِ، وأنوفُ البقرِ والطّباءِ خنسٌ، والأصلُ(١) الحملُ على النجوم، لِذِكرِ الليلِ والصُّبْحِ بعد هذا، فذِكرُ النجومِ أَلَيقُ بذلك. قلت: لله أن يقسمَ بما شاء مِن مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يُعلَم وَجهُ الحكمة في ذلك. وقد جاء عن ابن مسعود وجابر بنٍ عبد الله - وهما صحابيَّان - والنخعيّ: أنَّها بقرُ الوحش. وعن ابن عباس وسعيد بن جُبير: أنها الظّباء(٢). وعن الحجاج بن منذر قال: سألتُ جابر بن زيد عن الجواري الكتَّس، فقال: الظّباءُ والبقر(٣). فلا يَبْعُدُ أن يكون المرادُ النجوم. وقد قيل: إنَّها الملائكة؛ حكاه الماورديُّ(٤). والكنَّس الغُيَّب؛ مأخوذةٌ من الکناس، وهو کناس الوحش الذي يختفي فيه. قال أوس بن حَجَر : أَلَمْ تَر أنَّ الله أنزلَ مُزْنَةً وَعُفْرُ الظباءِ في الكِناسِ تَقَّمَّعُ(٥) وقال طَرَفة : كأنَّ كِناسَيْ ضالَةٍ یکنُفانِها وأَظْرَ قِسِيٍّ تحتَ صُلْبٍ مُؤْيَّدٍ(٦) (١) في (م): والأصح. (٢) أخرجه عنهما الطبري ٢٤/ ١٥٧ . (٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣٧٤/٢، والطبري ٢٤/ ١٥٥. (٤) في النكت والعيون ٢١٥/٦ و٢١٦ . : (٥) ديوان أوس بن حجر ص٥٧، والمعاني الكبير ٦٠٥/٢، وسلف ٢٩١/١٧ . قال ابن قتيبة: تَقَمَّع: تطرد عنها القمعة، وهو ذباب أزرق، يقول: خصَّه الله بهذه المزنة في غير وقت مطر، في الحر، والذباب لم يَخِفَّ ولم يذهب. (٦) ديوان طرفة ص٢٥، الكناس: بيت يتخذه الوحش في أصل شجرة. والضَّالُ: ضَرْبٌ من الشجر، وهو السِّدر البري، الواحدة ضالَة. كنفت الشيء: صرت في ناحيته، والكنف الناحية. والأطر: العَطْف، ومُنحنَى القوس. والمؤيَّد: المقوَّى. شبَّه إبطي الناقة في السَّعة ببيتين من بيوت الوحش في أصل شجرة، وشبَّه أضلاعها بقِسِيٍّ معطوفة وسعةُ الإبط أبْعَدُ لها من العِثَار؛ لذلك مَدحها بها. شرح المعلقات للزوزني في ص٥١ . ١١١ سورة التكوير: الآيات ١٦ - ٢٢ وقيل: الكُنوسُ: أنْ تأويَ إلى مَكانسها، وهي المواضعُ التي تأوي إليها الوحشُ والظّباء. قال الأعشى : فلمَّا أتينا الحيَّ أتلَعَ أُنَّسٌ كما أتلَعَتْ تحتَ المكانِسِ رَبْرَبُ(١) يقال: تَلَع النهار: ارتفع، وأَتْلَعتِ الّبيةُ من ◌ِناسها، أي: سَمَتْ بجيدِها. وقال امرؤ القيس : تَعَشَّى قليلاً ثم أنْحى ظُلُوفَه يثِيرُ الترابَ عن مَبيتٍ ومَكِنِسٍ (٢) والكُنَّس: جمعُ كانِس وكانِسةٍ، وكذا الخُنَّسُ جمعُ خانِسٍ وخانِسةٍ. والجواري: جمعُ جاريةٍ، مِن جرى يجري. ﴿وَلَِّلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال الفرَّاء: أجمعَ المفسِّرون على أنَّ معنى عَسْعَسَ: أدَبَر - حكاه الجوهريُّ - وقال بعضُ أصحابنا: إنه [إذا] دنا من أوَّله وأظْلَم، وكذلك السَّحابُ إذا دنا من الأرض(٣). المهدويُّ: ((والليل إذا عَسْعَسَ)): أذْبَرَ بظَلامِه؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما (٤). وروي عنهما أيضاً وعن الحسن وغيره: أقبلَ بظلامه(٥). زيد بن أسلم: ((عسعسَ)): ذهب(٦). (١) ديوان الأعشى ص١١ (طبعة دار صادر) برواية: فلما ادَّرَكْتُ. وهو في تفسير الطبري ١٥٨/٢٤ برواية: فلما لحقنا. قوله: أتلع، يقال: أتلع رأسه، أي: أطلعه فنظر. والربرب: القطيع من بقر الوحش، وقيل: من الظباء، ولا واحد له. اللسان (ربب) و(تلع). (٢) ديوان امرئ القيس ص١٠٢ . قال الشارح: قوله: تعشى، أي: دخل في العشاء، وهو أول الليل، كأنه قال: أمسى قليلاً ثم أنحى ظلوفه، أي: اعتمد بأظلافه يحفر مريضاً يبيت فيه ويكنس. (٣) الصحاح (عسس)، وما سلف بين حاصرتين منه وكلام الفراء في معاني القرآن ٢٤٢/٣ . (٤) تفسير الطبري ٢٤/ ١٥٩ - ١٦٠. (٥) تفسير الطبري ٢٤/ ١٦٠ و١٦١ عن مجاهد والحسن. وأخرجه عن ابن عباس عبد الرزاق ٣٥٢/٢، وابن الأنباري في الأضداد ص٣٣ . (٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٦١ . ١١٢ سورة التكوير: الآيات ١٧ - ٢٢ الفراء: العربُ تقول: عَسْعَسَ الليلُ وسَعْسَع: إذا لم يَبْقَ منه إلَّا اليسيرُ(١). الخليلُ وغيرُه: عَسْعَسَ الليلُ: إذا أقبلَ أو أَذْبَر. المبرِّد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيءٍ واحدٍ، وهو ابتداءُ الظلام في أوَّله، وإدبارُه في آخره(٢)؛ وقال علقمةُ بنُ قُرْطِ : وانْجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسا(٣) حتى إذا الصبحُ لها تَنفَّسا وقال رُؤبة : مِن بَعدٍ ما كان فَتّى سَرَ عرَعَا (٤) يا هندُ ما أَسْرعَ ما تَسَعْسَعا وهذه حجةُ الفرَّاء. وقال امرؤ القيس: عَسْعَسَ حتى لو يشاءُ اذَّنا كان لنا مِن نارِهِ مَقبِسُ(٥) فهذا يدلُّ على الدنوِّ. وقال الحسن ومجاهدٌ: عَسْعَسَ: أظلَم؛ قال الشاعر: حتى إذا ما ليلُهنَّ عَسْعَسَا رَكِبْنَ مِن حدِّ الظلامِ حِنْدِسَا (٦) (١) ذكره البغوي ٤/ ٤٥٣ دون نسبة، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٩٢/٥، وتهذيب اللغة ٧٩/١ . (٣) مجاز القرآن ٢٨٨/٢، وتفسير الطبري ٢٣٨/٢٤، والأضداد لابن السكيت ص١٦٧، والأضداد لابن الأنباري ص٣٣، والأزمنة والأمكنة ٣٢٥/١ . (٤) الأول في الديوان ص٨٨، والبيتان في العين ٧٥/١. قوله: سرعرعاً، أي: شابًا قويًّا، كما ذكر صاحب العين. وتسعسع الرجل، أي: كَبِر حتى هرم وولى. الصحاح (سعسع). (٥) كذا ذكره ابن الأنباري عن امرئ القيس ضمن خبر أخرجه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وقد ذُكر البيت في ملحقات ديوان امرئ القيس ص٤٦٣ عن ابن الأنباري. وذكر الفراء في معاني القرآن ٢٤٢/٣: أن أبا البلاد النحوي كان ينشد هذا البيت، قال: وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع، وذكر في شرحه: أن معناه: لو يشاء إذ دنا، فتركت همزة إذ، وأبدلوا من الذال دالاً، وأدغموها في الدال التي بعدها. (٦) النكت والعيون ٢١٧/٦، وأنشده ابن الأنباري في الأضداد ص ٣٤ برواية: وادَّرعت منه بهيماً حِنْدساً حتى إذا الليل عليها عسعسا قال ابن الأنباري: الحندس: الشديد السواد، والبهيم: الذي لا يخالط لونَه لونٌ آخر. ١١٣ سورة التكوير: الآيات ١٧ - ٢٢ الماورديُّ: وأصلُ العسِّ: الامتلاءُ، ومنه قيل للقدح الكبير: عُسِّ؛ لامتلائه بما فيه، فانْطَلَق على إقبال الليل لابتداءِ امتلائه، وانطلق على إدباره لانتهاءِ امتلائه، وانطلق على ظلامه لاستكمال امتلائه(١). وأمَّا قولُ امرئ القيس: ألِمَّا على الرَّبْعِ القديم بِعسْعَسَا(٢) فموضعٌ بالبادية، وعسعسٌ أيضاً اسمُ رجلٍ؛ قال الراجز: وعَسْعَسٌ نِعمَ الفتى تَبَيَّاهُ(٣) أي: تَعْتَمِدُه. ويقال للذئب: العَسْعَسُ والعَسعاسُ والعَسَّاس؛ لأنه يَعُسُّ بالليل ويَطلبُ. ويقال للقنادفذ: العَسَاعِسُ؛ لكَثْرةٍ تَردُّدِها بالليل. قال أبو عمرو: والتَّعَسْعُس: الشمُّ، وأنشد: كَمِنْخَرِ الذِّئبِ إذا تَعَسْعَسَا (٤) والتَّعَسْعُس أيضاً: طَلَبُ الصيدِ [بالليل]. قوله تعالى: ﴿وَلِسُبْحِ إِذَا نَفَسَ﴾ أي: امتدَّ حتى يصيرَ نهاراً واضحاً؛ يقال للنهار إذا زاد: تنفّس. وكذلك الموجُ إذا نَضحَ الماءَ. ومعنى التنفّسِ: خروجُ النسيمِ من الجَوْف. وقيل: ((إذا تنفّس))، أي: انشقَّ وانفَلَقَ، ومنه: تَنَفَّستِ القوسُ(٥)، أي: تَصَدَّعتْ. (١) في النكت والعيون ٢١٧/٦، وليس في مطبوعه: وانطلق على إدباره لانتهاء امتلائه. (٢) ديوان امرئ القيس ص ١٠٥، وعجزه: كأني أنادي أو أكلِّم أخرسا. قال شارح الديوان: يقول لصاحبيه: ألمًّا على الرَّبْع، أي: انزلا عليه مساعدة لي حتى أسأله عن أهله، ثم أخبر أنه ناداه فلم يُجبه. (٣) البيت لرويشد الأسدي كما في التاج (بيي)، وهو دون نسبة في أدب الكاتب ص ٤٥، والصحاح (عسس)، والاقتضاب ص٣٠٩ ، وذكر البطليوسي قبله: منَّا يزيد وأبو مُحيَّاهْ. (٤) الصحاح (عسس)، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٥) في النسخ: تنفست القوس والنفوس، والمثبت من تهذيب اللغة ١٠/١٣ والصحاح (نفس) واللباب ١٨٨/٢٠، وفتح القدير ٣٩١/٦ . واللسان (نفس). ١١٤ سورة التكوير: الآيات ١٩ - ٢٢ ﴿إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِمٍ﴾ هذا جوابُ القَسَم. والرسولُ الكريم: جبريل؛ قاله الحسنُ وقتادةُ والضحاك(١). والمعنى: ((إنه لقولُ رسولٍ)) عن الله، ((كريم)) على الله. وأضاف الكلام إلى جبريل عليه السلام، ثم عدَّاه عنه بقوله: ((تنزيلٌ مِن ربِّ العالَمِين)) ليعلم أهلُ التحقيق في التصديق، أنَّ الكلام للهِ عزَّ وجلَّ. وقيل: هو محمدٌ عليه الصلاة والسلام(٢) ﴿ذِى قُوَّةٍ﴾: مَن جَعَله جبريلَ فقوَّتُه ظاهرةٌ، فروى الضحاكُ عن ابن عباس قال: مِن قوَّته فَلْعُه مَدائنَ قومِ لُوطٍ بقوادمِ جناحه(٣). ﴿عِنْدَ ذِى اٌلْعَرشِ﴾ أي: عند الله جلَّ ثناؤه ﴿مَكِينٍ﴾ أي: ذي منزلةٍ ومكانةٍ، فرُوي عن أبي صالح قال: يدخلُ سبعين سُرادِقاً بغيرِ إذنٍ(٤). ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السماوات؛ قال ابن عباس: من طاعةِ الملائكةِ جبريلَ، أنه لمَّا أسرِيَ برسول اللـه ﴿ قال جبريل عليه السلام لرضوان خازِنِ الچِنَان: افتح له، ففتح، فدخل ورأى ما فيها، وقال لمالكِ خازِنِ النار: افتح له جهنّم حتى ينظر إليها، فأطاعه وفتح له(٥). ﴿أَمِينٍ﴾ أي: مؤتمن على الوحي الذي يجيءُ به. ومَن قال: إنَّ المرادَ محمدٌ ﴾، فالمعنى: ((ذي قوةٍ)) على تبليغ الرسالة(٦)، ((مُطاعٍ)) أي: يطيعُه مَن أطاع الله جلّ وعزّ. ﴿وَمَا صَاحِبُّكُم بِمَجْنُونٍ﴾ يعني محمداً ﴾، ليس بمجنون حتى يُتَّهم في قوله. وهو من (١) النكت والعيون ٢١٨/٦، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٢/ ٣٥٢، والطبري ١٦٣/٢٤. (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢١٨/٦ عن ابن عيسى. (٣) سلف ١٢/٢٠ عن الكلبي، ولم نقف عليه عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري ١٦٤/٢٤، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ٤٣، كلاهما في تفسير قوله تعالى: ﴿قُطَائِ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ولفظه: أمين على أن يدخل سبعين سرادقاً من نور بغير إذن. (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ٤٣ دون نسبة. (٦) في (د) و(ظ): الوحي. ١١٥ سورة التكوير: الآيات ٢٢ - ٢٩ جواب القَسَم. وقيل: أراد النبيُّ # أن يرى جبريلَ في الصورة التي يكونُ بها عند ربِّه جلَّ وعزَّ، فقال: ما ذاك إليَّ؛ فأذِنَ له الربُّ جلَّ ثناؤه، فأتاه وقد سَدَّ الأُفقَ، فلمَّا نظرَ إليه النبيُّ :﴿ خرَّ مَغشيًّا عليه، فقال المشركون: إنَّه مجنون، فنزلت: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَمَا صَاحِّكُم بِمَجْنُونٍ﴾(١) وإنَّما رأى جبريلَ على صورته فهابَه، وورد عليه ما لم تَحْتَمِلْ بِنيتُه، فخرَّ مَغشيًّا عليه. وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿ وَمَا هُوَ ٢٣ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاءُ بِالْأُمُقِّ المُِينِ لِمَنْ شَآءُ مِنكُمْ بِقَوَّلِ شَيْطَنِ زَّحِيمٍ (٥َ فَأَنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ (٢٩) أَنْ يَسْتَقِيَمَ ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفُنِّ الْبِينٍ﴾ أي: رأى جبريلَ في صورته، له ستُّ مِئة جناح (٢). ((بِالأفقِ المُبينِ)) أي: بمطلع الشمس من قِبَلِ المَشرِق؛ لأنَّ هذا الأفقَ إذا كان منه تطلعُ الشمسُ فهو مُبين. أي: من جهته تُرَى الأشياء. وقيل: الأفقُ المبينُ: أقطارُ السماءِ ونواحيها؛ قال الشاعر: لنا قَمراها والنجومُ الطَّوالِعُ(٣) أُخَذْنا بِآفاقِ السماءِ عليكُمُ الما ورديُّ: فَعلَى هذا فيه ثلاثةُ أقاويلَ؛ أحدُها: أنه رآه في أفقِ السماءِ الشرقيِّ؛ قاله سفيان. الثاني: في أفق السماء الغربيِّ، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه رآه نَحوَ أجياد، وهو مَشرقُ مكةً؛ قاله مجاهد (٤). وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس: قال النبيُّ﴾ لجبريلَ: ((إنِّي أحبُّ أن أراكَ في (١) لم نقف عليه بهذا السياق، وسيأتي خبر رؤية النبي # لجبريل في صورته التي يكون فيها في السماء. (٢) أخرجه الطبري ١٦٦/٢٤-١٦٧ عن أبي الأحوص، وأخرج عبد الرزاق ٣٥٢/٢ عن ابن مسعود ﴾ قال: رأى جبريل له خمس مئة جناح قد سدَّ الأفق. (٣) البيت للفرزدق، وهو في الكامل للمبرد ١٨٧/١، وطبقات فحول الشعراء ١/ ١٨٠، والخزانة ١١٤/٩ . قوله: قمراها، قال المبرد: يريد الشمس والقمر. (٤) النكت والعيون ٢١٨/٦-٢١٩، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٤/ ١٦٦. ١١٦ سورة التكوير: الآيات ٢٣ - ٢٩ صورتك التي تكونُ فيها في السماء)) قال: لن تقدرَ على ذلك. قال: ((بلى)) قال: فأين تشاءُ أن أتخيَّل لك؟ قال: (بالأبطح)) قال: لا يَسعُني. قال: ((فبمِنَّى)) قال: لا يسعني. قال: ((فبعرفات)) قال: ذلك بالحريِّ أن يَسعني. فَواعَدَه، فخرج النبيُّ # للوقت، فإذا هو قد أقبلَ بِخَشْخَشةٍ وكَلْكلةٍ من جبال عَرفات، قد ملأ ما بينَ المشرق والمغرب، ورأسُه في السماء ورجلاه في الأرض، فلمَّا رآه النبيُّ # خرَّ مغشيًّا عليه، فتحوَّل جبريلُ في صورته، وضمَّه إلى صدره. وقال: يا محمدُ لا تَخَفْ، فكيف لو رأيتَ إسرافيلَ، ورأسُه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإنَّ العرش على كاهله، وإنه ليتضاءلُ أحياناً من خشية الله، حتى يصير مثل الوَصَع - يعني العصفور - حتى ما يحملُ عرشَ ربِّك إلَّا عظمتُه(١). وقيل: إنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام رأى ربَّه عزَّ وجلَّ بالأفق المبين. وهو معنى قولِ ابنِ مسعود(٢). وقد مضى القولُ في هذا في ((والنَّجْم)) مستوفّى(٣)، فتأمَّلْه هناك. وفي ((المبين)) قولان: أحدُهما أنه صفةُ الأفقِ؛ قاله الربيع. الثاني: أنه صفةٌ لمن رآه؛ قاله مجاهد. ﴿وما هو على الغيب بِظَنِينٍ﴾ بالظاء، قراءةُ ابنٍ كثير وأبي عمرو والكسائيّ(٤)، أي: بمثَّهم، والظّنّة: التُّهمة؛ قال الشاعر: أَمَا وكتابِ اللهِ لا عن شناءةٍ هُجِرتُ ولكنَّ الظَّنِينَ ظَنِينُ(٥) (١) أخرجه البغوي في التفسير ٤/ ٤٥٤ . (٢) النكت والعيون ٢١٨/٦ . (٣) ٢١/٢٠ وما بعد، وقول ابن مسعود هناك هو أن الذي رآه رسول الله 8# هو جبريل، وقد ذكر المصنف ٨/ ٤٨٣-٤٨٤ عن ابن مسعود القولين؛ الأول: أنه إنما رأى جبريل. والثاني: ذكره عن بعض المتكلمين عن ابن مسعود أن محمداً # رأى ربه. ثم قال: والأول عنه أشهر. (٤) السبعة ص٦٧٣، والتيسير ص ٢٢٠ . (٥) البيت لعبد الرحمن بن حسان، كما في الكامل ٢٣/١، وتهذيب اللغة ١٤/ ٣٦٤ ، ونسبه ابن بري = ١١٧ سورة التكوير: الآيات ٢٤ - ٢٩ واختاره أبو عُبيد؛ لأنهم لم يُبَخِّلوه ولكن كذَّبوه؛ ولأنَّ الأكثر من كلام العرب: ما هو بكذا، ولا يقولون: ما هو على كذا، إنَّما يقولون: ما أنت على هذا بمتَّهم. وقرأ الباقون: ((بِضَنِينٍ)) بالضاد: أي: ببخيل؛ من ضَنِئْتُ بالشيء أضِنُّ ضِنَّا. فروى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: لا يَضنُّ عليكم بما يَعلَم (١)، بل يُعَلِّم الخَلقَ كلامَ اللهِ وأحكامَه. وقال الشاعر: أُجُودُ بمكنونِ الحديث وإنَّني بِسِرِّكِ عمَّن سالَني لضَنيِنَ(٢) والغَيْب: القرآنُ وخبرُ السماء. ثم هذا صفةُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام. وقيل: صفةُ جبريل عليه السلام. وقيل: بظَنين: بضعيف. حكاه الفرَّاء والمبرِّد؛ يقال: رجلٌ ظَنينٌ(٣)، أي: ضعيفٌ. وبئر ظَنونٌ: إذا كانت قليلةَ الماء؛ قال الأعشى: جُنِّبَ صَوبَ اللَّجِبِ الماطِرِ ما جُعِلِ الجُدُّ الظَّنونُ الذي يَقذِفُ بالبُوصِيِّ والماهِرِ(٤) مِثلَ الفُرَاتيّ إذا ما طمـا والّونُ: الدَّينُ الذي لا يُذْرَى أيقْضِيه آخِذُه أم لا؟ ومنه حديثُ عليٍّ عليه السلامُ في الرجل يكون له الدَّينُ الظَّنون، قال: يزكِّيه لِمَا مضى إذا قَبَضَه إن كان صادقاً (٥). = لنَّهار بن تَوسِعة، كما في اللسان (ظنن). ووقع في هذه المصادر: جناية، بدل: شناءة. والشناءة: أشدُّ البغض. المعجم الوسيط (شناً). (١) أخرجه الطبري ١٦٨/٢٤. (٢) البيت لقيس بن الخطيم، كما في أمالي القالي ٢/ ١٧٧، وفيه: أجود بمكنون التلاد .. ، وذكره أيضاً القالي في الأمالي ٢٠٢/٢، وابن عبد البر في بهجة المجالس ١/ ٤٦٠ برواية: أجود بمضنون التلاد. والتلاد: ما ولد عندك من مالك أو نتج. القاموس (تلد). (٣) في معاني القرآن للفراء: ظنون، وكذا نقل عنه الطبري ٢٤/ ١٧٠، والأزهري في تهذيب اللغة ٣٦٣/١٤ . (٤) ديوان الأعشى ص١٩١، واللسان (مهر)، وفيه: الجُدُّ: البئر، والفراتي: الماء المنسوب إلى الفرات. وطما: ارتفع. والبوصي: الملاح. والماهر: السابح. قال شارح الديوان: أي: ليس البئر القليل الماء قد جانّه السيل الزاخر، مثلَ الفرات إذا جاش بالماء يقذف بالسَّفين وبالسبَّاح. (٥) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤٦٤/٣، وأحمد كما في مسائل ابنه عبد الله ٥٣٢/٢ . ١١٨ سورة التكوير: الآيات ٢٤ - ٢٩ والّنون: الرجلُ السّيِّئُ الخُلُقِ(١)؛ فهو لفظٌ مُشتَركٌ. ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿يِقَوْلِ شَيْطَانِ نَّجِيمٍ﴾ أي: مرجوم ملعونٍ، كما قالت قريش. قال عطاءٌ: يريدُ بالشيطان الأبيضَ الذي كان يأتي النبيَّ :﴿ في صورةِ جبريلَ يريدُ أنْ يَفْتِنَه. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ قال قتادةُ: فإلى أين تَعدِلون عن هذا القول وعن طاعته؟ كذا روَى مَعمر عن قتادة(٢)، أي: أين تذهبون عن كتابي وطاعتي؟ وقال الزجَّاج(٣): فأيَّ طريقةٍ تَسلُكون أبينَ من هذه الطريقةِ التي بيّنت لكم؟ ويقال: أين تذهبُ؟ وإلى أين تذهبُ؟ وحَكَى الفرَّاء(٤) عن العرب: ذهبتُ الشامَ وخرجتُ العراقَ وانطلقتُ السوقَ، أي: إليها. قال: سمعناه في هذه الأحرفِ الثلاثة، وأنشدني بعضُ بني عقيل: تصِيحُ بنا حنيفةُ إِذْ رَأْتنْا وأيَّ الأرضِ تَذْهبُ بالصِّياح(٥) يريد: إلى أيِّ أرضٍ تذهبُ، فحذف إلى. وقال الجنيد: معنى الآيةِ مقرونٌ(٦) بآيةٍ أخرى، وهي قولُه تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِتُهُ﴾ [الحجر: ٢١] المعنى: أيَّ طريقٍ تسلُكون أبينَ من الطريق الذي بينه الله لكم. وهذا معنى قولِ الزجَّاج. (١) في المعاجم: الظنون: الرجل السيء الظن. زاد الأزهري عن الليث، والظنون: الرجل القليل الخير. تهذيب اللفظ ٤/ ٣٦٣ . (٢) أخرجه بنحوه الطبري ١٧١/٢٤ من طريق سعيد عن قتادة، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢١٩/٦ . (٣) في معاني القرآن ٢٩٣/٥. (٤) في معاني القرآن ٢٤٣/٣ . (٥) معاني القرآن للفراء ٢٤٣/٣، وإصلاح المنطق ص٩٩ ، وفيهما: تذهب للصياح. والبيت كما قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص٢٤٨ لعتي بن مالك العقيلي من قصيدة قالها في يوم الفَلَج، وهو يوم كان بينهم وبين بني حنيفة. ومعناه: أنهم شجعان لا يبرحون مكاناً، إذا صيح بهم في الحرب ثبتوا. (٦) في (د): معروف. ١١٩ سورة التكوير: الآيات ٢٧ - ٢٩ ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ أي: مَوعظةٌ وَزَجرٌ. و((إنْ)) بمعنى ((ما)). وقيل: ما محمدٌ إلاَّ ذِكر. ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي: يتّبع الحقَّ ويُقيم عليه. وقال أبو هريرةَ وسليمان بنُ موسى: لمَّا نزلتْ ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: الأمرُ إلينا، إنْ شئنا استَقَمْنا، وإنْ شئنا لم نَسْتَقِمْ - وهذا هو القَدَرُ، وهو رأسُ القَدَرية - فنزلت ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾(١)، فبيَّن بهذا أنه لا يعملُ العبدُ خيراً إلَّا بتوفيقِ الله، ولا شرًّا إلَّا بخذلانه. وقال الحسن: والله ما شاءت العربُ الإسلام حتی شاءه الله لها. وقال وهب بن مُنّبِّه: قرأتُ في سبعةٍ وثمانين كتاباً ممَّا أنزلَ الله على الأنبياء: مَن جعل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كَفَر (٢). وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ أَنَّ نَزَّْنَا إِلَهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَكَمَّهُمُ الْمَوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]. وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] والآيُ في هذا كثير، وكذلك الأخبارُ، وأنَّ الله سبحانه هَدَى بالإسلام، وأضلَّ بالكفر، كما تقدَّم في غيرِ موضعٍ. خُتمت السورة والحمد لله. (١) أخرجه الطبري ١٧٣/٢٤ عن سليمان بن موسى، وأخرجه عن أبي هريرة ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٢٢/٦ . (٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١١٧٠) و(١٢٥٨)، وأبو نعيم في الحلية ٢٤/٤، وفيه: قرأت نيِّقاً وتسعين كتاباً ... سورة الانفطار مكية عند الجميع، وهي تسعَ عشرةَ آية بِسْمِ اللّهِ الََّنِ الرَّحِيَةٌ قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَرَتْ وَإِذَا آلْبِحَارُ فُجِرَتْ ٢ وَإِذَا الْقُبُورُ بَعْثِرَتْ جَ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ أي: تَشقَّقتْ بأمر الله لنزول الملائكة، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَ المَلَكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تفطّرتْ لهيبةِ اللهِ تعالى. والفَظْر: الشَّقُّ؛ يقال: فَطَرَتُه فانْفِطَر، ومنه: فَطَر نابُ البعير: طَلَع، فهو بعيرٌ فاطِرٌ، وتَفَطَّر الشيءُ: تشقَّق، وسيفٌ فُطارٌ، أي: فيه شقوق؛ قال عنترة: سلاحي لا أفلَّ ولا فُطارا وسيفي كالعقيقةِ وهو كِمْعي وقد تقدَّم في غير موضع(١). ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَتْ﴾ أي: تَساقَطَتْ؛ نَثْرْتُ الشيءَ أَنثرُه نَثراً، فانتثر، والاسمُ: النِّثار(٢). والتُّثار بالضم: ما تَناثَر من الشيء، ودُرِّ مُثَر، شُدِّد للكَثْرة. ﴿وَإِذَا آلْبِسَارُ فُجِرَتْ﴾ أي: فُجِّر بعضُها في بعضٍ، فصارتْ بحراً واحداً، على ما تقدَّم(٣). قال الحسن: فُجِّرت: ذهب ماؤها ويبِسَت (٤)، وذلك أنها أوّلاً راكدةٌ (١) سلف الكلام مع البيت ١٧/ ٣٤٠ . (٢) بكسر النون كما في مختار الصحاح، والكلام من الصحاح (نثر). (٣) ص٩٨ من هذا الجزء. (٤) أخرجه الطبري ١٧٥/٢٤ بلفظ: فجرِّ بعضها في بعض فذهب ماؤها.