النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة عبس: الآيات ٢١ - ٢٣
لو أسنَدَتْ مَيْتاً إلى نحرِها عاشَ ولم يُنقَلْ إلى قابِرٍ(١)
يقال: قبرتُ الميتَ: إذا دفنته، وأقْبره الله: أي: صيّره بحيث يُقْبَر، وجعل له
قبراً؛ تقول العرب: بترتُ ذَنَب البعير، وأبترَه الله، وعَضَبْتُ قَرِنَ الثورِ، وأعضَبه
الله، وطَرَدتُ فلاناً، والله أظْرَدَه، أي: صيَّره طَريداً(٢).
فِثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه بعدَ مَوْته. وقراءةُ العامَّة: ((أنشرهُ)) بالألف. وروى
أبو حَيوةً عن نافعٍ وشعيب بن أبي حمزة: «شاء نَشَرِه)) بغير ألفٍ(٣)، لغتان فصيحتان
بمعنى(٤)؛ يقال: أنَشَر الله الميتَ ونَشَره؛ قال الأعشى:
حتى يقولَ الناسُ ممَّا رأوْا يا عَجَباً للميِّتِ النَّاشِرِ(٥)
قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال مجاهدٌ وقتادةُ: ((لَمَّا يَقْضِ)): لا يقضي
أحدٌ ما أُمرِ به (٦). وكان ابن عباس يقول: ((لمَّا يَقْضِ ما أمَره)): لم يَفِ بالميثاق الذي
أُخِذَ عليه في صُلْبٍ آدم. ثم قيل: ((كَلَّا)) رَدْعٌ وَزَجرٌ، أي: ليس الأمرُ كما يقول
الكافر؛ فإنَّ الكافر إذا أخْبِرَ بالنُّشور وقال(٧): ﴿وَلَيِن تُرجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ
لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] ربَّما يقول: قد قَضَيتُ ما أَمِرْتُ به. فقال: كلَّا لم يَقْضِ شيئاً،
(١) مجاز القرآن ٢٨٦/٢، والبيت في ديوان الأعشى ١٨٩. وعمر بن هبيرة هو أبو المثنى الفزاري
الشامي، أمير العراقين، توفي سنة (١٠٧ هـ). السير ٥٦٢/٤. وصالح بن عبد الرحمن هو كاتب
الحجاج، وهو الذي نقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية، وكان يرى رأي الخوارج، ويقال: إن
الذي قتله هو الحجاج. ينظر ما سلف ٣٥١/١، وغريب الحديث لابن قتيبة ٢٨١/١، والكامل للمبرد
٧٢٩/٢، وجمهرة اللغة ٢٧١/١ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٣٧/٣.
(٣) المحتسب ٣٥٣/٢، والمحرر الوجيز ٤٣٩/٥، والبحر ٤٢٩/٨. وشعيب بن أبي حمزة هو أبو بشر
الأموي مولاهم الحمصي الكاتب، واسم أبيه دينار. توفي سنة (١٦٢هـ). السير ٧/ ١٨٧ .
(٤) وقال ابن جني في المحتسب ٣٥٣/٢: ((أنشر)) أقوى اللغتين.
(٥) ديوان الأعشى ص١٩١ .
(٦) أخرجه الطبري ١١٤/٢٤ عن مجاهد بلفظ: لا يقضي أحد أبداً ما افتُرِض عليه.
(٧) في (د) و(م): قال.

٨٢
سورة عبس: الآيات ٢٣ - ٣٢
بل هو كافرٌ بي وبرسولي.
وقال الحسن: أي: حَقّاً لم يَقْضِ(١)، أي: لم يَعمَلْ بما أُمِرَ به. و ((ما)) في قوله:
((لمَّا)) عمادٌ للكلام(٢)؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله:
﴿عَمَّا قَلِلٍ لَُّصْبِحُنَّ نَكِمِينَ﴾ [المؤمنون :.
وقال الإمامُ ابن فُورَك: أي: كلَّا لَمَّا يَقْضِ الله لهذا الكافرِ ما أمره به من
الإيمان، بل أمرَه بما لم يَقْضِ له [به](٣).
ابن الأنباريِّ: الوَقفُ على ((كلَّا)) قبيح، والوقفُ على ((أمره)) و((أنشره)) جيد (٤)؛
فـ(كلَّا)) على هذا بمعنى حقًّا.
قوله تعالى: ﴿فَلْظُرِ اَلْإِنسَانُ إِلَ طَعَامِهِ.
٥ ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبَّا
(٢٤)
٣٠
وَحَدَآَبِقَ غُلْبًا
﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلاَ (٣)
فَبَنَا فِيهَا حَبَّا (َ وَعِنْبًا وَقَضْبًا
شَقًا
وَفَكِهَةُ وَأَبََّ ﴿ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ
قوله: ﴿فَلْطُرِ الْإِسَنُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ لمَّا ذَكَر جلَّ ثناؤه ابتداءَ خَلْقِ الإنسانِ، ذَگر ما
يسَّر مِن رِزقه، أي: فَلينظرْ كيف خَلَق الله طعامَه. وهذا النظرُ نظرُ القلبِ بالفكر،
أي: ليتَدَبَّرْ كيف خَلَقِ الله طعامَه الذي هو قِوَامُ حياتِه، وكيف هَيَّأ له أسبابَ
المعاش، ليستعدَّ بها للمعاد. ورُوي عن الحسن ومجاهدٍ قالا: ((فَلينظرِ الإنسان إلى
طعامِهِ)) أي: إلى مدخله ومخرجه(٥).
وروى ابن أبي خيثمةَ عن الضخَّاك بن سفيان الكلابيِّ قال: قال لي النبيُّ ﴾: ((يا
ضحاكُ، ما طعامُك؟)) قلت: يا رسولَ الله! اللَّحمُ واللَّبن. قال: ((ثم يصيرُ إلى ماذا؟))
(١) تفسير البغوي ٤٤٨/٤، وزاد المسير ٣٢/٩.
(٢) يعني صلة.
(٣) تفسير الرازي ٦١/٣١، وما بين حاصرتين منه.
(٤) بنحوه في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٦٦ .
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٤٤٨ عن مجاهد، وأخرجه عنه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣١٦/٦ .

٨٣
سورة عبس: الآيات ٢٤ - ٣٢
قلتُ: إلى ما قد عَلِمتَه؛ قال: ((فإنَّ الله ضَرَبَ ما يَخرجُ من ابنٍ آدَمَ مثلاً للدنيا))(١).
وقال أبيّ بن كعب: قال النبيَُّ﴾: ((إنَّ مَظْعَم ابن آدمَ جُعِل مَثَلاً للدنيا، وإنْ قَزَحَه
ومَلَحه، فانظرْ إلى ما يصير))(٢).
وقال أبو الوليد: سألتُ ابنَ عمر عن الرجل يدخلُ الخَلاءَ فينظر ما يخرجُ منه؛
قال: يأتيه الملكُ فيقولُ: انْظُر ما بَخِلتَ به إلى ما صار(٣)؟
قوله تعالى: ﴿أَنَّ صَّنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ قراءةُ العامَّة: ((إنَّا)) بالكسر، على الاستئناف.
وقرأ الكوفيون ورُوَيس عن يعقوب: ((أَنَّا)) بفتح الهمزة (٤)، فـ((أنَّا)) في موضع خَفْضٍ
على الترجمة عن الطعام، فهو بدَلٌ منه، كأنه قال: فلينظُرِ الإنسانُ إلى طعامِهِ، إلى أنَّا
صَبَينا. فلا يَحسُنُ الوقفُ على ((طعامِهِ)) من(٥) هذه القراءة، وكذلك إنْ رَفَعتَ ((أنَّ)(٦)
بإضمارِ: هو أنَّا صيبنا؛ لأنَّها في حالِ رَفعِها مُتَرجمةٌ عن الطعام. وقيل: المعنى: لأنَّا
صَبينا الماءَ، فأخْرَجْنا به الطعامَ، أي: كذلك(٧) كان.
وقرأ الحسين بن علي: ((أنّى)) ممال، بمعنى كيف (٨)؟ فَمن أخذَ بهذه القراءة قال:
(١) أخرجه أحمد (١٥٧٤٧).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على مسند أحمد (٢١٢٣٩)، قال السندي كما في حاشية المسند:
فَزَحَه، أي: أصلحه بالأبزار (يعني حبوب التوابل)، و((إن)) وصلية، أي: انظروا إلى ما يصير إليه وإن
أصلحه. و((مَلَحه)) بالتخفيف، يقال: مَلحت القدر: إذا طرحت فيها من الملح بقدر، وأملحتها وملَّحتها
بالتشديد: إذا كثَّرت فيها الملح حتى فسدت.
(٣) ذكره بنحوه عن ابن عمر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٩/٥، وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبي حاتم عن أبي قلابة، كما في الدر المثنور ٣١٦/٦ .
(٤) السبعة ص٦٧٢، والتيسير ص ٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢.
(٥) في (ظ): على، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٦٧ ،
والكلام منه.
(٦) في (م): أنا، وليست في (ظ)، والمثبت من باقي النسخ وإيضاح الوقف والابتداء.
(٧) في (ظ): لذلك.
(٨) الكشاف ٢١٩/٤، والبحر ٤٢٩/٨، ووقع في النسخ الخطية: الحسن بن علي، وهو موافق لما في
الدر المصون ٦٩٢/١٠، وفتح القدير ٣٨٥/٥، وذكر القراءة ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء
٢/ ٩٦٧، وفيه: وقرأ بعض القراء ...

٨٤
سورة عبس: الآيات ٢٤ - ٣٢
الوقفُ على ((طعامه)) تامٌّ. ويقال: معنى ((أنّى)): أين، إلَّا أنَّ فيها كنايةً عن الوجوه،
وتأويلُها: من أيٍّ وجهٍ صببنا الماء؛ قال الكُميت:
أنَّى ومِن أين آبَكَ الطرَبُ مِن حيثُ لا صَبوةٌ ولا رِيبُ(١)
﴿َصَيِّنَا الْمَةَ صَبَّا﴾: يعني الغيثَ والأمطارَ ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾: أي: بالنبات
﴿فَبْقَا فِهَ ◌َّ﴾ أي: قمحاً وشعيراً وسُلْتاً، وسائرَ ما يُحصّدُ ويدَّخَر ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ وهو
القَتُّ والعَلَف؛ عن الحسن(٢). سمِّي بذلك لأنه يقضب، أي: يُقْطَعُ بعد ظهورِهِ مرَّةً
بعد مرةٍ. قاله القُتبيُّ وثعلب(٣). وأهلُ مكةَ يسمُّون القَتَّ: القَصْب(٤).
وقال ابن عباس: هو الرُّطَبُ؛ لأنه يُقضَبُ من النخل، ولأنه ذَكّر العِنَبَ قبلَه.
وعنه أيضاً: أنه الفِصفِصةُ(٥)، وهو القَتُّ الرَّظبُ.
وقال الخليل: القَضبُ: الفِصْفِصةُ الرَّطْبةُ - وقيل: بالسِّين - فإذا يبسَتْ فهو قَتِّ.
قال: والقَضْبُ اسمٌ يقع على ما يُقضَبُ من أغصان الشجرة، ليتَّخَذَ منها سِهامٌ أو
قِسيٌّ(٦).
ويقال: قَضْباً، يعني جميعَ ما يُقضَبُ، مثل القَتِّ والكُرَّاثِ وسائر البقول التي
تُقْطَع فينبتُ أصلُها.
(١) شرح هاشميات الكميت ص ١٠٠، وإيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٦٧، والكلام منه. قال أبو رياش
القيسي شارح الهاشميات: آبك: أتاك ليلاً، والطَّرَب: الخفّة من حزن ومن فرح جميعاً. يقول: إنما
طربُك إلى بني هاشم لا صبوةٌ في صبا، ولا رِيب، أي: لا ريبة.
(٢) أخرجه الطبري ١١٦/٢٤ دون قوله: القت. والقَتُّ: الفِصْفِصة، وهي نبات كالبرسيم. المعجم الوسيط
(قت) و(رطب). وفي النهاية (فصفص): الفِصْفِصة: هي الرَّطبةُ من علف الدوابّ، وتسمى: القت،
فإذا جفّ فهو قَضب. ويقال: فِسْفِسة بالسين.
(٣) تفسير الغريب لابن قتيبة ص٥١٤، وذكره عن ثعلب ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٩/٥، وهو
بنحوه في مجالس ثعلب ص٢٢٩، ووقع في النسخ: قال، بدل: قاله.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٣٨/٣، وتفسير الطبري ١١٦/٢٤.
(٥) أخرجه الطبري ١١٦/٢٤، ولم نقف على الذي قبله.
(٦) بنحوه في العين ٥٢/٥-٥٣ .

٨٥
سورة عبس: الآيات ٢٨ - ٣٢
وفي ((الصحاح)): والقَضبةُ والقَضبُ الرَّظْبةُ، وهي الإسْفِسْتُ بالفارسية،
والموضع الذي تَنْبُتُ فيه: مَقَضَبة(١).
﴿وَزَيُْونَ﴾ وهي شجرةُ الزيتونِ ﴿وَغْلًا﴾ يعني النخيل ﴿وَحَدَابِقَ﴾ أي: بساتين،
واحدُها حديقة. قال الكلبيُّ: وكلُّ شيءٍ أُحيطَ عليه من نخيلٍ أو شجرٍ فهو حديقةٌ،
وما لم يُحَظْ عليه فليس بحديقة (٢).
﴿قُلْبَ﴾ُ عِظَاماً شجرُها؛ يقال: شجرةٌ غَلباءُ، ويقال للأسد: الأغلَب؛ لأنه
مُصمَتُ العنقِ، لا يَلتفتُ إلَّا جميعاً؛ قال العجَّاج:
والرأسَ حتى صِرتُ مِثلَ الأغلَبِ(٣)
مازِلتُ يومُ البَينِ ألوِي صَلَبي
ورجلٌ أغلبُ بيِّنُ الغَلبِ: إذا كان غليظَ الرقبة. والأصلُ في الوصف بالغلب:
الرقاب، فاستغیر. قال عمرو بن معدي گرِب :
يَمشي بها غُلبُ الرقابِ كأنهم بُزُلٌ كُسِينَ من الكُحَيلِ جِلَالا(٤)
وحديقةٌ غَلبَاءُ: ملتقَّةٌ، وحدائقُ غُلبٌ. واغلَوْلَبَ العشبُ: بلغ والتَفَّ البعضُ
بالبعض. قال ابن عباس: الغُلْب: جمع أغلَبَ وغَلباءَ، وهي الغِلاظ(٥). وعنه أيضاً:
الطّوَال. قتادةُ وابنُ زيد: الغُلْبُ: النخلُ الكِرام. وعن ابن زيد أيضاً وعِكرمةُ: عِظَامُ
الأوساطِ والجُذوع. مجاهد: ملتقَّة (٦).
(١) الصحاح (قضب). والرَّطبة: الفِصْفِصة، وكلُّ ما أكل من البنات غضًّا طريًّا. المعجم الوسيط (رطب).
(٢) تفسير أبي الليث ٤٤٩/٣ .
(٣) ذكره ابن دريد في الجمهرة ٢٩٨/١ و٣١٨ عن الأغلب العجلي، وقال: الصَّلَب: الصُّلْب، لغة تميمية.
ولم نقف عليه في ديوان العجاج.
(٤) الكشاف ٢٢٠/٤ . البُزُل: جمع بَزول، وهو البعير طلع نابه وذلك في السنة الثامنة أو التاسعة. المعجم
الوسيط (بزل). والجِلال جمع جلّ (بضم الجيم وبفتحها) وهو ما تُلْبَسه الدابة لتصان به. والكُحيل
كزبير: النفط أو القطران تُطْلى به الإبل. القاموس (جلل) و(كحل).
(٥) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣١٦/٦، ولفظه: الغلب:
ما غلظ.
(٦) تنظر هذه الأخبار في تفسير الطبري ١١٧/٢٤-١١٩.

٨٦
سورة عبس: الآيات ٣١ - ٣٢
﴿وَفَكِهَةٍ﴾ أي: ما تأكلُه الناسُ من ثمار الأشجار، كالتين والخَوخِ وغيرِهما
﴿وَأَبَّ﴾ هو ما تأكلُه البهائم من العُشب؛ قال ابن عباس والحسن: الأبُّ: كلُّ ما
أنبتَت الأرضُ، ممَّا لا يأكلُه الناس(١)، وما يأكلُه الآدميون هو الحَصيدة، ومنه قولُ
الشاعر في مدح النبيِّ #:
له دَعوةٌ مَيمونةٌ رِيحُها الصَّبا
بها يُنبِتُ اللـه الحصِيدةَ والأبَّا(٢)
وقيل: إنَّما سمِّي أَبًّا؛ لأنَّ يُؤَبُّ، أي: يُؤْمُّ ويُنتجَعُ. والأبُّ والأمُّ أخوان؛ قال:
جِذمُنا قيسٌ ونَجْدٌ دارُنا ولنا الأبُّ به والمكْرَعُ(٣)
وقال الضخَّاك: الأبُّ: كلُّ شيءٍ يَنْبتُ على وَجْهِ الأرضُ (٤). وكذا قال أبو
رَزِين: هو النبات. يدلُّ عليه قولُ ابنِ عباس قال: الأبُّ: ما تُنبتُ الأرضُ ممّا يأكلُ
الناسُ والأنعام(٥).
وعن ابن عباسٍ أيضاً وابنٍ أبي طلحةَ: الأبُّ: الثمارُ الرَّطبة (٦).
وقال الضحاك: هو الثِّبنُ خاصةً. وهو مَحْكيٍّ عن ابن عباس أيضاً (٧)؛ قال
الشاعر :
فما لَهُمُ مَرْتَعٌ لِلسَّوَا
مِ والأبُّ عندَهُمُ يُقْدَرُ(٨)
(١) أخرجه عن ابن عباس ابن خزيمة (٢١٧٢) - (٢١٧٤)، والطبري ٢٤/ ١٢١.
(٢) النكت والعيون ٢٠٨/٦، ونسبه صاحب كتاب الوافي بالوفيات ٣٣٢/١١ لحرب بن رَيْطة.
(٣) جمهرة اللغة ١٣/١، وتهذيب اللغة ٥٩٩/١٥، والكشاف ٢٢٠/٤، والكلام منه. قوله: چِذْمنا،
الجذّم بالكسر: الأصل، القاموس (جذم). وقال ابن دريد: المكرع: الذي تكرع فيه الماشية، مثل ماء
السماء، ، يقال: كرع في الماء: إذا غابت فيه أكارعه.
(٤) النكت والعيون ٢٠٨/٦.
(٥) أخرج قول أبي رزين وقول ابن عباس الطبري ٢٤/ ١٢١ .
(٦) تفسير الطبري ١٢٣/٢٤، والنكت والعيون ٢٠٨/٦.
(٧) المحرر الوجيز ٤٣٩/٥ عن الضحاك، والنكت والعيون ٢٠٨/٦ عن ابن عباس، وأخرجه عن الضحاك
عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ٣١٧/٦ . ووقع في النسخ: التين، والمثبت عن المصادر.
(٨) النكت والعيون ٢٠٨/٦، والسَّوام: الإبل الراعية. القاموس (سوم).

٨٧
سورة عبس: الآيات ٣١ - ٣٢
الكلبيُّ: هو كلُّ نباتٍ سوى الفاكهةِ. وقيل: الفاكهةُ: رَظْبُ الثمارِ، والأبُّ
يابِسُها(١).
وقال إبراهيمُ الثَّميُّ: سُئل أبو بكرِ الصِّدِّيقُ ﴾ عن تفسير الفاكهةِ والأبِّ، فقال:
أيُّ سماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني، إذا قلتُ في كتابِ اللهِ ما لا أعلَم (٢).
وقال أنس: سمعتُ عمر بن الخطاب # قرأ هذه الآية ثم قال: كلُّ هذا قد
عَرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفع عصاً كانت بيده وقال: هذا لعَمرُ الله التكلُّفُ، وما عليك
يا ابنَ أمّ عمرَ ألَّا تَدري ما الأبُّ؟ ثم قال: اتَّبِعوا ما تَبَيَّن(٣) لكم من هذا الكتابِ،
وما لَا فَدَعوهُ(٤).
ورُوي عن النبيِّ:﴿ أنه قال: ((خُلِقْتُم من سَبْعٍ، ورزُقْتُم من سبعٍ، فاسْجُدوا لله
على سبع)). وإنَّما أراد بقوله: ((خُلقتُم من سبع)) يعني: ﴿مِن تُطْفَةٍ. ثُمَ مِنْ عَفَتْرِ.
ثُرَّ مِن مُضْغَتِ﴾ الآية [الحج: ٥]، والرزقُ من سَبعٍ، وهو قولُه تعالى: ﴿فَأَبَا فِيهَا حَبَّ
وَعِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَفَكِهَةُ﴾(٥)، ثم قال: ((وأبًّا))، وهو يدلُّ على أنه ليس برزقٍ لابنِ
آدم، وأنَّه مما تختصُّ به البهائم. والله أعلم.
﴿مَتَعًا لَّكُمْ﴾ نصب على المصدر المؤكِّد؛ لأنَّ إنباتَ هذه الأشياءِ إمتاعٌ لجميعِ
(١) النكت والعيون ٢٠٨/٦ .
(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٢٧ ، وهو منقطع بين إبراهيم التيمي وأبي بكر رضي الله
عنهما. وروي كذلك عن طريق إبراهيم النخعي عن أبي بكر، وهو أيضاً منقطع كما ذكر الحافظ في
الفتح ٢٦٥/١٣، وقال: لكن أحدهما يقوي الآخر.
(٣) في النسخ عدا (ظ): بين، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للكشاف ٢٢٠/٤، والكلام منه.
(٤) أخرجه ابن سعد ٣٢٧/٣، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٢٧، وسعيد بن منصور في سننه (٤٣ -
تفسير)، والطبري ١٢٠/٢٤ و١٢٣، ونقله المصنف عن الكشاف ٢٢٠/٤ . قال ابن كثير عند تفسير
هذه الآية: وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكلُّ مَن قرأ هذه الآية
یعلم أنه من نبات الأرض.
(٥) تفسير أبي الليث ٤٤٩/٣ ، ولم نقف عليه مسنداً.

٨٨
سورة عبس: الآيات ٣٢ - ٤٢
الحيوانات. وهذا ضربُ مَثَلٍ ؛ ضرَبَه الله تعالى لبَعْثِ الموتى من قبورهم، كنباتٍ
الزرع بعد دُثُوره (١)، كما تقدَّم بيانُه في غيرِ موضعٍ. ويتضمَّنُ امتناناً عليهم بما أنْعَم به
وقد مضى في غيرِ موضعٍ أيضاً.
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٤١
يَؤْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصََّنَّةُ (َ
٣٥
وَصَحِبَتِهِ، وَبَذِهِ (٣)
لِكُلِّ آْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغِهِ
(٧ وُجُوهٌ يَؤَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
١٣٨
(٣٠١ وَوُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (@)
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
تَرْهَقُّهَا قَتَرَةً (٨ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ
٤٢
اُلْفَجَرَةُ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَتِ الصََّنَّةُ﴾ لمَّا ذَكَر أمرَ المعاشِ أمرَ ذكَر المَعادِ، ليتزوَّدوا له
بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق ممَّا امتَنَّ به عليهم. والصَّائّةُ: الصيحةُ التي تكون عنها
القيامةُ، وهي النفخةُ الثانية، تَصُخُّ الأسماعَ: أي: تُصِمُّها فلا تَسْمَعُ إلَّ ما يُدعَى به
للإحياء.
وذكر ناسٌ من المفسرين قالوا: تُصِيخُ لها الأسماعُ، مِن قولك: أصاخَ إلى كذا،
أي: اسْتَمَعَ إليه، ومنه الحديثُ: ((ما من دابَّةٍ إلَّا وهي مُصيحةٌ يومَ الجمعةِ شَفَقًا من
الساعةِ، إلَّا الجنَّ والإنس))(٢). وقال الشاعر:
يُصِيغُ لِلنَّبْأةِ أسماعَهُ
إصاخةَ الناشِدِ للمُنْشِدِ(٣)
قال بعضُ العلماءِ: وهذا يؤخَذُ على جهةِ التسليم للقُدَماء، فأمَّا اللغةُ فمقتضاها
القولُ الأولُ؛ قال الخليل: الصاّة: صيحةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخَّا، أي: تُصِمُّها بشدةٍ
(١) النكت والعيون ٢٠٨/٦ .
(٢) قطعة من حديث طويل أخرجه مالك في الموطأ ١٠٨/١، وأحمد (١٠٣٠٣)، وأبو داود (١٠٤٦)،
والنسائي في المجتبى ١١٣/٣-١١٥ عن أبي هريرة ﴾. ووقع عند أحمد وأبي داود: مُسيخة، بدل:
مصيخة. قال الخطابي في معالم السنن ٢٤٢/١: يقال: أصاخ وأساخ، بمعنى واحد.
(٣) النكت والعيون ٢٠٩/٦، ووقع في (م): إصاخة المنشد للمنشد. والنَّْأة: الصوت الخفي. القاموس
(نبأ).

٨٩
سورة عبس: الآيات ٣٣ - ٤٢
وَقعَتِها (١). وأصلُ الكلمةِ في اللغة: الصَّكُّ الشديد. وقيل: هي مأخوذةٌ من صحَّه
بالحجر : إذا صگّه، قال الراجز:
يا جارتي هل لكِ أنْ تجالدي
جلادةٌ كالصَّكِّ بالجَلامِدِ(٢)
ومن هذا البابِ قولُ العربِ: صَخَّتْهم الصائَّةُ وباقَتْهم البائقة(٣)، وهي الداهية.
الطبريُّ: وأحسبُه من صَخَّ فلانٌ فلاناً: إذا أضماه(٤).
قال ابن العربيّ: الصائّة التي تُورِثُ الصمَمَ، وإنَّها لمُسمِعةٌ، وهذا من بديع
الفصاحة، حتى لقد قال بعضُ حَديثي الأسنان حديثي الأزمان:
أصَمَّ بِكَ الناعي وإنْ كان أسمَعا (٥)
وقال آخر :
فهل سمِعتُم بسِرِّ يُورِثُ الصَّمَما(٦)
أُصَمَّني سِرُّهم أيامَ فُرقتهم
لَعَمْرُ الله إنَّ صيحةَ القيامةِ لمسمِعةٌ تُصِمُّ عن الدنيا، وتُسمِعُ أمورَ الآخرة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ﴾ أي: يهربُ، أي: تَجيءُ الصاخّة في هذا
اليومِ الذي يهربُ فيه من أخيه، أي: من مُؤَالاةٍ أخيه ومُكالمَتهِ؛ لأنه لا يتفرَّغُ لذلك
الاشتغاله بنفسه، كما قال بعده: ﴿لِكُلِّ آحْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنِّ يُغْنِهِ﴾ أي: يَشْغَلُه عن غيره.
وقيل: إنَّما يفرُّ حذراً من مطالبتهم إياه بمَا(٧) بينهم من الشَّبِعات. وقيل: لئلا يَرَوْا
(١) العين ١٣٥/٤، ووقع في (ظ): بشدة وقعها.
(٢) لم نقف عليه. قوله: بالجلامد، جمع جَلْمد، وهو الصخر. والصك: الضرب الشديد بالشيء العريض.
اللسان (جلمد) و(صك).
(٣) في النسخ عدا (ظ): وبائتهم البائتة، والمثبت من (ظ). وفي البحر ٤٢٩/٨: ونابتهم النائبة.
(٤) كذا ذكر المصنف، والذي في تفسير الطيري ٢٤/ ١٢٤: وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان
لصوت فلان: إذا استمع له.
(٥) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه بشرح التبريزي ٩٩/٤ ، وعجزه: وأصبح مَغْنَى الجودِ بعدَكَ بَلقَعا.
(٦) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه بشرح التبريزي ١٦٦/٣ برواية ... هل كنت تعرف سرًّا يورث الصمما.
(٧) في (د) و (م): لما.

٩٠
سورة عبس: الآيات ٣٤ - ٤٢
ما هو فيه من الشدَّة. وقيل: لِعِلْمِه أنَّهم لا ينفعونه ولا يُغْنونَ عنه شيئاً، كما قال:
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِ مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١].
وقال عبد الله بنُ طاهِرِ الأَبهَريُّ: يَفِرُ منهم لِمَا تبيَّنَ له من عَجزِهم وقلَّةِ حيلتهم،
إلى مَن يملكُ كَشفَ تلك الكُروبِ والهمومِ عنه، ولو ظَهَر له ذلك في الدنيا لَمَا اعتَمَدَ
شيئاً سوى ربِّه تعالى.
﴿وَصَحِبَنِهِ ﴾ أي: زوجته. ﴿وَنِهِ﴾ أي: أولاده.
وذكر الضخَّاك عن ابن عباس قال: يفرُّ قابيلُ من أخيه هابيلَ، ويفرُّ النبيُّ :8# من
أمِّه، وإبراهيمُ عليه السلام من أبيه، ونوحٌ عليه السلام من ابنه، ولوطٌ من امرأته،
وآدمُ من سَوأةٍ بنيه(١).
وقال الحسن: أولُ مَن يفرُّ يومَ القيامةِ من أبيه: إبراهيمُ، وأولُ مَن يفرُّ من ابنه
نوحٌ، ، أولُ مَن يفرُّ من امرأته لوظٌ. قال: فيرَوْنَ أنَّ هذه الآيةَ نزلت فيهم (٢) وهذا فرارُ
التبُّؤ.
﴿لِكُلِّ آْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيْدٍ شَأْنٌ يُفِيهِ﴾. في ((صحيح)) مسلم عن عائشةَ رضي الله عنها
قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقولُ: ((يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ حُفاةً عُراةً غُرلاً)) قلتُ:
يا رسولَ الله! الرجال والنساءُ جميعاً ينظُر بعضُهم إلى بعضٍ؟ قال: ((يا عائشة، الأمر
أشدُّ مِن أن ينظرَ بعضُهم إلى بعضٍ))(٣).
خرَّجه التِّرمذيُّ عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((تُحشَرون حُفاةً عُراةً غُرْلاً))
فقالت امرأةٌ: أينْظُرُ بعضُنا - أو يرى بعضُنا - عورة بعض؟ قال: ((يا فلانة، لكلِّ امرِئ
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٤١ عن قتادة دون قوله: وآدم من سوأة بنيه. ولم نقف عليه عن ابن
عباس.
(٢) أخرجه ابن عساكر ٨/٦٤ .
(٣) صحيح مسلم (٢٨٥٩)، وسلف ٢٩٧/١٣. قوله: غرلاً، الغُرْل جمع الأَغْرل، وهو الأقلف. النهاية
(غرل).

٩١
سورة عبس: الآيات ٣٧ - ٤٢
مِنهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنِيهِ)). قال: حديثٌ حسنٌ صحيح (١).
وقراءةُ العامَّة بالغَيْنِ المعجَمة، أي: حالٌ يشغله عن الأقرباء. وقرأ ابنُ مُحيصٍ
وحُميدٌ: (يَعِنِيهِ)) بفتح الياءِ، وعين غير معجَمة (٢)، أي: يَعْنيه أمره.
وقال القُتَبِيُّ: يُغْنيه(٣): يَصْرِفُه ويصُدُّه عن قرابته، ومنه يقال: أغنِ عنِّي وجهك،
أي: اصرِفْه، وأغنِ عنِّي السَّفيه (٤)؛ قال خُفاف:
سَيُغْنِيك(٥) حربُ بني مالكِ عن الفُحْشِ والجهلِ في المحفلِ
قوله تعالى: ﴿رُجُوٌ يَمَيِدٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي: مُشرقةٌ مضيئة، قد عَلمتْ مالَها من الفوز
والنعيم، وهي وجوهُ المؤمنين. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ أي: مسرورة فَرِحة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: بما
آتاها الله من الكرامة.
وقال عطاءٌ الخُراسانيُّ: ((مُسْفِرة)) من طولِ ما اغبرَّتْ في سبيل الله جلَّ ثناؤه.
ذكره أبو نعيم(٦).
الضخَّاك: مِن آثارِ الوضوء. ابنُ عباس: من قيام الليلِ؛ لمَا رُوي في الحديث:
((مَن كَثُرَتْ صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار))(٧) يقال: أسْفَر الصُّبحُ: إذا أضاء.
(١) سنن الترمذي (٣٣٣٢).
(٢) المحتسب ٢/ ٣٥٣ عن ابن محيصن.
(٣) في (د) و(م) و(ي): يعنيه، والمثبت من (ظ)، وانظر التعليق الذي بعده.
(٤) في (ظ) و(م) و(ي): اعن عني وجهك ... واعن عن السفيه، وكذلك وقع في مطبوع تفسير الغريب
لابن قتيبة ص ٥١٥ ، والمثبت من (د)، وهو موافق لما نقله ابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ٣٥ عن ابن
قتيبة، وينظر تفسير الرازي ٦٤/٣١، واللباب ١٧١/٢٠، وفتح القدير ٣٨٥/٥، وتهذيب اللغة
٢٠٢/٨.
(٥) في (م) و(ي): سيعنيك، ولم تجود في (ظ)، والمثبت من (د) وتفسير الرازي ٦٤/٣١، والبيت فيه
دون نسبة.
(٦) في الحلية ٥/ ٢٠٠ .
(٧) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٣٪)، وابن الجوزي في الموضوعات (٧٩١-٧٩٦) عن جابر وأخرجه ابن
الجوزي أيضاً (٧٩٧) عن أنس ، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله #، وسلف ٢٩٣/١٦.
والكلام من الكشاف ٤/ ٢٢٠ .

٩٢
سورة عبس: الآيات ٤٠ - ٤٢
﴿وَرُجُوهٌ يَمَيِدٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: غبارٌ ودُخانٌ ﴿تَرْمَتُهَا﴾ أي: تَغشاها ﴿قَةُ﴾ أي:
كسوفٌ وسواد. كذا قال ابن عباس(١). وعنه أيضاً: ذِلَّهُ وشِدَّة(٢). والقتَر في كلام
العرب: الغبار، جمع القَتَرة، عن أبي عبيدة (٣)؛ وأنشد الفرزدقُ:
مُتَوَّجٌ بِرداءِ المُلْكِ يَتْبِعُهِ مَوجٌ ترى فوقَه الراياتِ والقَتَرا(٤)
وفي الخبر: إنَّ البهائم إذا صارت تراباً يومَ القيامة، حُوِّلَ ذلك الترابُ في وجوه
الكفار (٥).
وقال زيد بن أسلم: القَتَرةُ: ما ارتفعتْ إلى السماء، والغَبَرة: ما انحظّتْ إلى
الأرض، والغبارُ والغَبرَةُ واحدٌ (٦).
﴿أُوْلَ هُمُ الْكُفْرَةُ﴾ جمعُ كَافِرٍ ﴿ اَلْفَجَرَةُ﴾ جمعُ فاجِرٍ، وهو الكاذبُ المفتري على
الله تعالى. وقيل: الفاسق؛ فَجَر فُجوراً، أي: فَسَق. وفَجَر، أي: كذب. وأصلُه:
الميل، والفاجِرُ: المائل. وقد مضى بيانُه والكلامُ فيه(٧). والحمد لله وحده.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٠٧/٥، ولفظه: ((قترة))، قال: سواد الوجوه.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٢٧، دون قوله: وشدة.
(٣) في (د) و(م): عبيد، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الصحاح (قتر)، والكلام منه،
وكذا في اللسان (قتر).
(٤) الصحاح (قتر)، والبيت في ديوان الفرزدق ٢٣٤/١، برواية: مُعْتَصِبٌ برداء الملك ...
(٥) ذكره الطبري ٢٤/ ١٢٧ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٢٧ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٧) ٤٠٩/٢١ .

سورة التكوير
مكِّيةٌ في قول الجميع، وهي تسعٌ وعشرون آيةً
وفي الترمذيِّ: عن ابن عمر قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن سرَّه أن ينظر إليَّ يومَ
القيامةِ [كأنه رَأيُ عينٍ] فليقرأ: إذا الشمسُ كُوِّرتْ، وإذا السماءُ انفطَرَتْ، وإذا
السماء انشقَّتْ)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ [غريب](١).
بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَيَ
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
٢
قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴿﴿ وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ ﴿﴿ وَإِذَا الْوُجُوْشُ حُشِرَتْ ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ (@)
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُمِلَتْ جَ بِأَتِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ () وَإِذَا الضُّحُفُ
نُشِرَتْ ﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ ﴿ وَإِذَا الْجَّةُ أُزْلِفَتْ (
عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ
قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ قال ابن عباس: تكويرُها: إدخالُها في العرش.
الحسن: ذهابُ ضَوئِها. وقاله قتادةُ ومجاهدٌ، وروي عن ابن عباس أيضاً(٢). سعيد بن
جُبير: غُوِّرَتْ(٣). أبو عبيدة(٤): كوِّرتْ مثلَ تكويرِ العمامة، تُلفُّ فَتُمْحَى. وقال الربيع
ابن خثيم: ((كوِّرتْ)): رُميَ بها(٥)، ومنه: كوَّرتُه فتكوَّر، أي: سقط (٦).
(١) سنن الترمذي (٣٣٣٣)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٤٨٠٦).
(٢) أخرجه الطبري ١٢٦/٢٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.
(٣) في (د) و(م): عورت، ولم تجود في (ظ) و(ي)، والمثبت من تفسير الطبري ٢٤/ ١٣٠، والنكت
والعيون ٢١١/٦، وتفسير البغوي ٤٥١/٤، وزاد المسير ٣٨/٩، والدر المنثور ٣١٨/٦.
(٤) في مجاز القرآن ٢٨٧/٢ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٥٠- ٣٥١، والطبري ٢٤/ ١٣١.
(٦) الصحاح (كور).

٩٤
سورة التكوير: الآيات ١ - ١٤
قلت: وأصلُ التكوير: الجمع؛ مأخوذٌ مِن كارَ العمامةَ على رأسه يَكُورُها، أي:
لاثَها(١) وجَمَعها، فهي تُكَوَّر ويُمحَى ضَوءُها، ثم يُرمَى بها في البحر(٢). والله أعلم.
وعن أبي صالح: كوِّرَتْ: نكِست(٣).
﴿وَإِذَا النُّجُوُ أَنْكَدَرَتْ﴾ أي: تَهافَتتْ وتناثَرتْ. وقال أبو عبيدةَ: انصَبَّت كما تَنصَبُّ
العُقابُ إذا كَسَرت (٤). قال العجَّاج يصفُ صقراً:
أبْصَرَ خِرْبانَ قضاءٍ فانكّدرْ تقضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَرْ(٥)
ورَوى أبو صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله﴾: ((لا يَبْقى في السماء
يومئذٍ نجمٌ إلَّا سقط في الأرض، حتى يفزَعَ أهلُ الأرضِ السابعةِ ممَّا لَقِيتْ
وأصابَ العليا)) يعني الأرضَ. وروى الضحاكُ عن ابن عباس قال: تساقَطَتْ؛ وذلك
أنها قناديلُ معلّقةٌ بين السماء والأرض بسلاسلَ من نورٍ، وتلك السلاسلُ بأيدي
ملائكةٍ من نور، فإذا جاءت النفخةُ الأولى مات مَن في الأرض ومَن في السماوات،
فتناثَرْتَ تلك الكواكبُ وتَساقطت السلاسلُ من أيدي الملائكةِ؛ لأنَّه مات مَن كان
يُمسکھا(٦).
ويحتمل أن يكون انكدارُها طَمسُ آثارِها(٧). وسُميت النجومُ نجوماً لظهورها في
(١) لاث العمامة على رأسه يَلوثُها لَوثاً، أي: عصبها، الصحاح (لوث).
(٢) وقال الألوسي في روح المعاني ٣٠/ ٥٠ : جاء في الأخبار الصحيحة أن الشمس تدنو يوم القيامة من
الرؤوس في المحشر حتى تكون على قَدْر ميل، ويُلْجِم الناسَ العرقُ يومئذٍ، ولا بحرَ حينئذٍ لتُلقى فيه
بَعْدُ.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٣٠.
(٤) في النسخ عدا (د): انكسرت، والمثبت من (د)، والعبارة في مجاز القرآن ٢٨٧/٢: ((انكدرت))
يقال: انكدر فلان: انصبّ.
(٥) ديوان العجاج ص ٨٣ على اختلاف في الترتيب بين البيتين، ولم يذكر أبو عبيدة سوى الأول.
قوله: خربان، هو جمع خَرَب: وهو ذكر الحُبَارى. ويقال للطائر إذا ضم جناحيه: كسر. سمط اللآلي
٧٩١/٢ . وتقضَّى البازي: انقضَّ. القاموس (قضى).
(٦) ذكر الخبرين الواحدي في الوسيط ٢٢٨/٤ عن الكلبي وعطاء.
(٧) في (ظ): نارها.

٩٥
سورة التكوير: الآيات ٢ - ١٤
السماء بضوئها. وعن ابن عباس أيضاً: ((انكدرت)): تغيَّرتْ فلم يَبْقَ لها ضوء(١)؛
الزوالها عن أماكنها. والمعنى متقارِبٌ.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ يعني قُلِعَتْ من الأرض، وسيِّرتْ في الهواء؛ وهو مِثْلُ قوله
تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْحِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. وقيل: سَيرُها: تَحوّلُها عن
منزلة الحجارة، فتكونُ كثيباً مَهيلاً، أي: رملاً سائلاً، وتكونُ كالعِهْن، وتكونُ هَباءً
منثوراً(٢)، وتكون سَراباً، مثل السَّرابِ الذي ليس بشيء. وعادت الأرضُ قاعاً
صفصفاً لا ترى فيها عوَجاً ولا أمْتاً. وقد تقدَّم في غير موضعٍ والحمد لله.
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ أي: النُّوقُ الحَواملُ التي في بطونها أولادُها، الواحدةُ
عُشَراء، وهي التي(٣) أتى عليها في الحمل عشرةُ أشهرٍ، ثم لا يزالُ ذلك اسمها حتى
تَضعَ، وبعد ما تضعُ أيضاً. ومن عادة العرب أن يُسَمُّوا الشيءَ باسمه المتقدِّم وإن كان
قد جاوَزَ ذلك؛ يقول الرجل لفرسه وقد قَرح(٤): هاتوا مُهْري، وقرِّبوا مُهْري، يسمِّيه
بمتقدِّم اسمِه؛ قال عنترة :
لا تَذْكُرِي مُهْري وما أظْعَمْتُه فيكونَ جِلدُك مِثْلَ جِلدِ الأجرْبِ(٥)
وقال أيضاً :
وحَمَلْتُ مُهري وسطَها فمضاها(٦)
وإنَّما خصَّ العِشار بالذِّكر؛ لأنَّها أعزّ ما تكون على العرب، وليس يُعَظِّلها أهلُها
إلَّا حالَ القيامة. وهذا على وَجِهِ المَثَل؛ لأنَّ في القيامة لا تكونُ ناقةٌ عُشَرَاءُ، ولكنْ
(١) النكت والعيون ٢١١/٦، وأخرجه الطبري ١٣٣/٢٤ دون قوله: فلَم يَبْقَ لها ضوء.
(٢) في (ظ): منبثا.
(٣) في (م): أو التي، بدل: وهي التي.
(٤) قَرَح الفرس يقرح فروحاً، وقَرِح قَرَحاً: إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين. اللسان (قرح).
(٥) سلف ١٤/ ٢٠٣ .
(٦) وصدره: وضربتُ قرنَيْ كبشها فتجدَّلا، وهو في ديوان عنترة ص ٧٥، وسلف صدره ١٤/ ٤٠٠ .

٩٦
سورة التكوير: الآيات ٤ - ١٤
أراد به المثل، [يعني] أنَّ هَوْلَ يوم القيامةِ بحالٍ لو كان للرجل ناقةٌ عُشَراءُ، لعظَّلها
واشتغلَ بنفسه(١).
وقيل: إنَّهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضُهم بعضاً، ورَأوا الوحوشَ
والدوابَّ محشورةً، وفيها عِشارُهم التي كانت أنْفَسَ أموالهم، لم يعبؤوا بها، ولم
يهمَّهم أمرُها. وخُوطبت العربُ بأمر العِشار لأن مالَها وعيشَها أكثرُه من الإبل.
وروَى الضخَّاكُ عن ابن عباس: ((عُطِّلت)): عَظَّلها أهلُها لاشتغالهم بأنفسهم(٢).
وقال الأعشى :
هو الواهِبُ المئةَ المُصطَفا ◌َ إِمَّا مَخاضاً وإما عِشَارا(٣)
وقال آخرُ:
وبيتُ الغِنَى يُهدَى له ويُزارُ
ترى المرءَ مهجوراً إذا قلَّ مالهُ
إذا سَرَحَتْ شَولٌ له وعِشار (٤)
وما ينفعُ الزوارَ مالُ مَزُورِهم
يقال: ناقة عُشَراء، وناقتان عُشَراوان، ونوق عِشارٌ وعُشَراوات، يُبدِلون من همزة
التأنيث واواً. وقد عَشَّرت الناقةُ تعشيراً، أي: صارتْ عُشَراء(٥).
وقيل: العِشار: السحابُ يُعَظِّل مما يكونُ فيه - وهو الماء - فلا يُمِطِر؛ والعربُ
تشبِّه السحابَ بالحامل(٦).
(١) تفسير أبي الليث ٤٥١/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) ذكره بنحوه الرزاي في التفسير ٦٧/٣١ .
(٣) ديوان الأعشى ص١٠١ . وقال الشارح: مخاضاً: تتهيأ للنتاج.
(٤) لم نقف عليهما. والشَّوْل جمع شائلة، وهي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر
فجف لبنها. القاموس (شول).
(٥) الصحاح (عشر).
(٦) تفسير الرازي ٣١/ ٦٧ .

٩٧
سورة التكوير: الآيات ٤ - ١٤
وقيل: الديار تُعَظَّلُ فلا تُسكن. وقيل: الأرضُ التي يُعشَر زَرْعُها تعطّلُ فلا
تُزْرَع (١). والأولُ أشهرُ، وعليه من الناسِ الأكثرُ.
﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: جُمعت، والحَشرُ: الجمع. عن الحسن وقتادةَ
وغيرِهما(٢). وقال ابن عباس: حَشرُها: موتُها - رواه عنه عِكرمةُ - وحَشرُ كلِّ شيء:
الموتُ، غيرَ الجنِّ والإنس، فإنهما يُوافيان(٣) يومَ القيامة.
وعن ابن عباس أيضاً قال: يُحشَر كلُّ شيء حتى الذُّبابُ (٤). قال ابن عباس:
تُحشَر الوحوشُ غداً، أي: تُجمع حتى يُقتصَّ لبعضها من بعض، فيقتصُّ للجَمَّاء من
القَرناء، ثم يقال لها: كوني تراباً، فتموتُ. وهذا أصحُّ ممَّا رواه عنه ◌ِكرمة، وقد
بينَّاه في كتاب ((التذكرة)) مستوفى(٥)، ومضى في سورة الأنعام بعضُه(٦). أي: إنَّ
الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم.
وقيل: عُنيَ بهذا أنَّها مع نُفرتها اليومَ من الناس، وتبدُّدِها في الصحارَى، تنضمُ
غداً إلى الناس من أهوال ذلك اليوم(٧). قال معناه أبيُّ بن كعب(٨).
﴿وَإِذَا الْبِسَارُ سُجِرَتْ﴾ أي: مُلئتْ من الماء، والعربُ تقول: سَجَرْتُ الحوضَ
أسجُره سَجْراً: إذا ملأتَه، وهو مسجورٌ، والمسجورُ والسَّاجِر في اللغة: المَلآن. وروى
(١) النكت والعيون ٢١٢/٦. قوله: يعشَّر، أي: يؤخَذ منه العشر، في القاموس (عشر): عشَّرهم: أخذ
عُشر أموالهم.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٥٦/٥ عن قتادة، وأخرجه عنه الطبري بنحوه ٢٤/ ١٣٧.
(٣) في تفسير الطبري ١٣٩/٢٤: يوقفان، وكذا وقع في الدر المنثور ٣١٩/٦ عن الفريابي وسعيد بن
منصور وعبد بن حميد وغيرهم.
(٤) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣١٩/٦ .
(٥) ص ٢٧٣ .
(٦) ٨/ ٣٧٢.
(٧) تفسير الرازي ٦٨/٣١.
(٨) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢١٢/٦ بلفظ: اختلطت وصارت بين الناس.

٩٨
سورة التكوير: الآيات ٦ - ١٤
الربيع بن خثيم: ((سُجِّرتْ)): فاضَتْ ومُلئت. وقاله الكلبيُّ ومقاتلٌ والحسن
والضَّاك (١). قال ابن أبي زَمَنين(٢): ((سُجِّرتْ)) حقيقتُه: مُلئتْ، فيفضي(٣) بعضُها إلى
بعضٍ، فتصيرُ شيئاً واحداً. وهو معنى قولِ الحسن.
وقيل: أُرسل عَذبُها على مالحها، ومالحُها على عَذِبِها، حتى امتلأتْ. عن
الضحاك ومجاهد: أي: فُجِّرتْ، فصارت بحراً واحداً (٤). القُشيريُّ: وذلك بأن يرفع
الله الحاجزَ الذي ذكره في قوله تعالى: ﴿يَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَّانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، فإذا رُفع
ذلك البرزُ تفجَّرت مياهُ البحار، فعمَّتْ الأرضَ كلَّها، وصارت البحار بحراً
واحداً(٥). وقيل: صارتْ بحراً واحداً من الحميم لأهل النار.
وعن الحسن أيضاً وقتادةً وابنٍ حَيَّن: تَيْيَسُ فلا يبقى من مائها قطرة(٦).
القُشيريُّ: وهو من سَجَرتُ التنورَ أسجُره سَجراً: إذا أخْميته، وإذا سُلِّط عليه
الإيقادُ نَشِفَ ما فيه من الرطوبة، وتُسيَّر الجبال حينئذٍ، وتصيرُ البحار والأرضُ كلُّها
بساطاً واحداً، بأن يُملأَ مكانُ البحارِ بتراب الجبال.
وقال النحاس: وقد تكونُ الأقوالُ متفقةً؛ يكون: تيبسُ من الماء بعد أن يفيض
بعضُها إلى بعض، فتقلَبُ ناراً.
قلت: ثم تُسَيَّر الجبالُ حينئذٍ، كما ذكر القشيريُّ، والله أعلم.
وقال ابن زيد وشَمِر وعطية (٧) وسفيانُ ووهبٌ وأُبيٍّ وعليّ بنُ أبي طالب، وابنُ
(١) تفسير الطبري ١٣٩/٢٤ عن الربيع والكلبي والضحاك.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن عيسى المرِّي.
(٣) في (م): فيفيض.
(٤) النكت والعيون ٢١٣/٦، وتفسير البغوي ٤/ ٤٥١ .
(٥) ذكره الرازي ٦٨/٣١ عن الكلبي.
(٦) تفسير الطبري ٢٤/ ١٤٠ وتفسير البغوي ٤٥١/٤ عن الحسن وقتادة.
(٧) كذا في النسخ، وهو في تفسير الطبري ١٣٨/٢٤ والدر المنثور ٣١٩/٦ عن شّمِر بن عطية.

٩٩
سورة التكوير: الآيات ٦ - ١٤
عباسٍ في رواية الضخَّاك عنه: أُوقِدَتْ فصارتْ ناراً (١). قال ابن عباس: يُكوِّرُ الله
الشمسَ والقمرَ والنجومَ في البحر، ثم يبعثُ عليها ريحاً دَبُوراً، فتنفخُه حتى يصير
ناراً (٢). وكذا في بعض الحديث: يأمرُ الله جلَّ ثناؤه الشمسَ والقمرَ والنجومَ فَيَنَْثِرون
في البحر، ثم يبعثُ الله جلَّ ثناؤه الدَّبورَ فيسجِّرُها ناراً، فتلك نارُ الله الكبرى، التي
يعذّبُ بها الكفار(٣).
قال القشيريُّ: قيل(٤) في تفسير قولِ ابنِ عباس: ((سُجِّرتْ)): أُوقِدَتْ، يحتملُ أن
تكون جهنم في قُعورٍ من البحار، فهي الآنَ غيرُ مَسجورةٍ؛ لِقَوَام الدنيا، فإذا انقضت
الدنيا سُجّرت، فصارت كلُّها ناراً يدخِلُها الله أهلَها. ويحتملُ أن تكون تحت البحر
نارٌ، ثم يوقِدُ الله البحر كلَّه فيصير ناراً. وفي الخبر: البحرُ نارٌ في نارٍ(٥). وقال معاويةٌ
ابن سعيد: بحرُ الرومِ وَسْطَ الأرضِ، أسفلُه آبارٌ مُطبقةٌ بنُحاسٍ يُسجَّر ناراً يومَ
القيامة(٦). وقيل: تكون الشمس في البحر، فيصيرُ البحرُ ناراً بحرِّ الشمس.
ثم جميعُ ما في هذه الآياتِ يجوزُ أن يكون في الدنيا قبلَ يوم القيامة ويكون من
أشراطِها، ويجوزُ أن يكون يومَ القيامة، وما بعدَ هذه الآيات فيكونُ في يوم القيامة.
قلت: رُوِي عن عبد الله بن عمرو: لا يتوضَّأ بماء البحر لأنه طبقُ جَهنم(٧).
(١) أخرج قولهم الطبري ١٣٨/٢٤.
(٢) أخرجه هناد في الزهد (٣٣٤)، والطبري ١٣٨/٢٤.
(٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٣١) عن علي ﴾، أنه كان يقول عن يهودي: ما كان في اليهود أعلم
منه، قال: البحر نار الله الكبرى يَنْتَشِر فيها الشمس والقمر والنجوم، فيبعث الله عز وجل الدبور،
فيسجره ناراً.
(٤) في (ظ): قال المفسرون.
(٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٩/٥، وسلف ٢٦٦/٢١ .
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية. قال ابن كثير: هذا أثر غريب عجيب.
ومعاوية بن سعيد التُّجَيْبِيُّ الفَهميُّ مولاهم، مصريٍّ، من رجال التهذيب ١٠٦/٤ .
(٧) سلف ٤٤١/١٥ - ٤٤٢، وينظر الأوسط ٢٤٩/١.

١٠٠
سورة التكوير: الآيات ٦ - ١٤
وقال أُبيّ بنُ كعب: ستُّ آيَاتٍ من قبلِ يومِ القيامة: بينما الناسُ في أسواقهم
ذهب ضوءُ الشمس وبدت النجومُ فتحيَّروا ودُهِشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ
تناثرت النجومُ وتَساقطت، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبالُ على وجه الأرض،
فتحرَّكت واضطربت واحترقت، فصارت هباءً منثوراً، ففزعت الإنسُ إلى الجنِّ
والجنُّ إلى الإنس، واختلطت الدوابُّ والوحوشُ والهوامُ والطير، وماج بعضُها في
بعض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ خُشِرَتْ﴾ ثم قالت الجنُّ للإنس: نحن نأتيكم
بالخبر، فانطَلَقوا إلى البحار فإذا هي نارٌ تأجَّجُ، فبينما هم كذلك إذ تصدَّعتِ الأرضُ
صدعةً واحدةً إلى الأرض السابعة السُّفْلَى، وإلى السماء السابعة العليا. فبينما هم
كذلك إذ جاءتهم ريحٌ فأماتتهم(١).
وقيل: معنى ((سُجِّرت)): هو حُمرةُ مائها، حتى تصير كالدَّم؛ مأخوذٌ من قولهم:
عينٌ سَجراء، أي: حمراء(٢).
وقرأ ابن كثير: ((سُجِرَتْ)) وأبو عمرو أيضاً(٣)، إخباراً عن حالها مرةً واحدةً. وقرأ
الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرير ذلك منها مرةً بعد أخرى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال النعمان بن بشير: قال النبيُّ﴾: ﴿وَإِذَا
النُّفُوسُ زُوِجَتْ﴾ قال: ((يُقرَنُ كلُّ رجلٍ مع كلِّ قومٍ كانوا يعملون كعمله))(٤). وقال عمر
ابن الخطاب: يُقرَنُ الفاجر مع الفاجرِ، ويقرنُ الصالح مع الصالح(٥). وقال ابن
عباس: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة(٦)، السابقون زوجٌ - يعني صنفاً -
(١) أخرجه الطبري ١٢٨/٢٤.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢١٣ .
(٣) السبعة ص ٦٧٣، والتيسر ص ٢٢٠.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٤٢.
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٥١، والطبري ٢٤/ ١٤٢.
(٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٤٣.