النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة النازعات: الآيات ٣٠ - ٣٦
وطغِيَ يَظْغَى، ومحا يَمحو ويمْحى، ولحَى العود يَلْحَى ويَلْحو(١)، فَمَن قال: يدحو،
قال: دَحَوْتُ، ومَن قال: يَدحَى، قال: دَحَيْتُ.
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي: أخْرجَ من الأرض ﴿مَءَهَا﴾ أي: العيونَ المتفجِّرةَ بالماء
﴿وَمَرْعَنْهَا﴾ أي: النباتَ الذي يُرعَى. وقال القُتَبيُّ(٢): دلَّ بشيئين على جميع ما أخرجه
من الأرض قُوتاً ومتاعاً للأنام، من العُشْبِ والشَّجرِ والحَبِّ والثَّمرِ والعَصْفِ
والحَطَّبِ واللِّباسِ، والنارِ والملح؛ لأنَّ النار من العيدان، والمِلْحَ من الماء.
﴿وَالِبَالَ أَرْسَهَا﴾ قراءةُ العامَّةِ: ((والجبالَ)) بالنَّصْب، أي: وأرْسَى الجِبِالَ
أرساها، يعني: أثْبتَها فيها أوْتاداً لها. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون وعمرو بن عبيد
ونصر بن عاصم: ((والجِبالُ)) بالرفع على الابتداء(٣).
ويقال: هلاَّ أدْخَل حرفَ العطفِ على ((أخرج)). فيقال: إنه حالٌ بإضمارٍ قد،
كقوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠](٤).
﴿مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ أي: منفعةٌ لكم ﴿وَلِأَنْفَيِكُ﴾ من الإبل والبقر والغنم. و((متاعاً))
نصب على المصدر من غيرِ اللَّفْظ؛ لأنَّ معنى ((أَخْرجَ منها ماءَها ومَرْعاها)»: أمْتعَ
بذلك(٥). وقيل: نصب بإسقاطِ حرفِ الصِّفةِ، تقديرُه: لتتمتَّعوا به متاعاً.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَ
٣٤
وَبُرِّرَتِ
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ مَا سَعَى
الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَمَتِ الطََّّةُ الْكُتْرَ﴾ أي: الداهيةُ العُظْمَى، وهي النفخةُ الثانيةُ
(١) أي: قشره، في اللسان (لحا): لَحَوْتُ العود ألحوه وألحاه: إذا قشرته.
(٢) في تأويل مشكل القرآن ص٤ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٨، والمحتسب ٣٥٠/٢.
(٤) الكشاف ٤/ ٢١٥ .
(٥) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٨١/٥ .

٦٢
سورة النازعات: الآيات ٣٤ - ٣٦
التي يكونُ معها البعثُ؛ قاله ابن عباس في روايةِ الضخَّاكِ عنه، وهو قولُ الحسن(١).
وعن ابن عباسٍ أيضاً والضحاك: أنَّها القيامة(٢)، سمِّيتْ بذلك لأنها تَطمُّ على
كلِّ شيءٍ، فتعمُّ ما سواها لِعِظَم هَوْلها، أي: تَغْلبُهُ. وفي أمثالهم: جرى الوادي فطَمَّ
على القَرِيِّ(٣) .
المبرِّد: الطامَّةُ عند العرب: الداهيةُ التي لا تُستَطاع، وإنَّما أُخِذَتْ فيما أحْسبُ
من قولهم: طمَّ الفرسُ طميماً: إذا استَفْرَغَ جهدَه في الجَرْي، وطمَّ الماء: إذا ملأ
النهرَ كلَّه. غيره: مأخوذةٌ من ظَمَّ السيلُ الرَّكَّة، أي: دَفَنَها، والظّمُّ: الدَّفْنُ والعُلُوّ(٤).
وقال القاسم بن الوليد الهمْدانيُّ: الطامَّةُ الكبرى حين يُساقُ أهلُ الجنةِ إلى الجنة،
وأهلُ النار إلى النار. وهو معنى قولٍ مجاهد(٥) وقال سفيان: هي الساعةُ التي يُسْلَم
فيها أهلُ النارِ إلى الزَّبانية. أي: الداهيةُ التي طَمَّتْ وعَظُمَتْ؛ قال:
إِنَّ بعضَ الحبِّ يُعمِي ويُصِمّ.
وكذاك البغضُ أدهَى وأطَمّ (٦)
﴿يَوْمَ يَذَكَّرُ اْإِسَنُ مَا سَعَى﴾ أي: ما عَمِلَ من خيرٍ أو شرِّ. ﴿وَيُزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أي:
ظهرت ﴿لِمَنْ يَى﴾ قال ابن عباس: يُكشَفُ عنها فيراها تَتْلَظَى كلُّ ذي بَصرٍ. وقيل:
المرادُ الكافرُ؛ لأنه الذي يرى النارَ بما فيها من أصناف العذاب. وقيل: يراها المؤمنُ
ليعرف قَدْرَ النعمةِ ويَصْلَى الكافرُ بالنار. وجوابُ ((فإذا جاءتِ الطامَّةُ)) محذوفٌ، أي:
(١) النكت والعيون ٦/ ٢٠٠ عن الحسن، والمحرر الوجيز ٤٣٤/٥ عن ابن عباس والحسن.
(٢) المحرر الوجيز ٤٣٤/٥، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٢٤/ ٩٧ .
(٣) جمهرة الأمثال ١/ ٣٠٠، ومجمع الأمثال ١٥٩/١، والمستقصى ٥١/٢ . قال الزمخشري: القري:
هو مستجمَعُ الماء الكثير، يضرب مثلاً في غلبةِ الرجل قرنَه. وقال العسكري: يضرب مثلاً للأمر
العظيم، يجيءُ فيعم الصغير والكبير.
(٤) تفسير الرازي ٤٩/٣١، والرَّكِيَّة: البئر. القاموس (ركو).
(٥) النكت والعيون ٦/ ٢٠٠، وقول القاسم بن الوليد أخرجه ابن أبي شيبة ٥٥٨/١٣، والطبري ٢٤/ ٩٧ .
والقاسم بن الوليد هو أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، روى عن المنهال بن عمرو وقتادة ومجاهد
وغيرهم، توفي سنة (١٤١ هـ). التهذيب ٤٢٣/٣ .
(٦) لم نقف عليه.

٦٣
سورة النازعات: الآيات ٣٦ - ٤١
إذا جاءت الطامةُ، دخل أهلُ النارِ النارَ وأهلُ الجنةِ الجنةَ(١).
وقرأ مالك بن دينار: ((وَبَرَزَتِ الجحِيمُ)) (٢). ◌ِكرمةُ وغيرُه: ((لِمِن تَرى)) بالتاء،
أي: لمن تَراه الجحيم، أو لمن تَراه أنتَ يا محمد. والخطابُ له عليه الصلاة
والسلام، والمرادُ به الناس(٣).
قوله تعالى: ﴿فَأَمَا مَنْ طَغَى (٢٥) وَءَاثَّرَ اٌلْمَوَةَ الدُّنْيَاً !
ـ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَّ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى
(٤١)
قوله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ طَفَى وَءَاثَرَ الْمَوَةَ الُّنياً ﴾ أي: تَجاوزُ الحدَّ في العِصيان. قيل:
نزلت في النَّضر وأبيه (٤) الحارث، وهي عامةٌ في كلِّ كافرٍ أَثَرَ الحياةَ الدنيا على
الآخرة.
وروي عن يحيى بن أبي كثير قال: مَن اتَّخذ مِن طعام واحدٍ ثلاثةَ ألوانٍ فقد
طَغَی.
وروى جُوَيبر عن الضخَّاك قال: قال حذيفةُ: أخْوَفُ ما أخافُ على هذه الأمَّةِ أنْ
يُؤْثِروا ما يَرَوْن على ما يَعلَمون(٥).
ويُروَى أنه وُجِدَ في الكتب: إنَّ الله جلَّ ثناؤه قال: لا يُؤْثِرُ عبدٌ لي دنياهُ على
آخرته، إلاَّ بَثَنْتُ عليه همومَه وضَيَّعْتُه، ثم لا أُبالي في أيُّها هَلَك.
﴿فَإِنَّ الْجَحِمَ هِىَ الْمَأْوَ﴾ أي: مأواه. والألفُ واللَّامُ بَدَلٌ من الهاء. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ
(١) تفسير الرازي ٥١/٣١، وذكر الرازي وجهاً آخر، وهو أن يكون الجواب: ((فإن الجحيم هو المأوى))،
قال: وكأنه جزاء مركب على شرطين، أي: إذا جاءت الطامة الكبرى، فمن جاء طاغياً، فإن الجحيم
مأواه.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٨، والمحرر الوجيز ٤٣٤/٥.
(٣) المحتسب ٣٥١/٢ .
(٤) في النسخ: وابنه، والمثبت من تفسير الرازي ٥١/٣١ وفيه: ((طغى وأثر الحياة الدنيا)) النضر وأبوه
الحارث.
(٥) أخرجه هناد في الزهد (٩٣٥)، وأبو نعيم في الحلية ٢٧٨/١.

٦٤
سورة النازعات: الآيتان ٤٠ - ٤١
مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: حَذِر مقامَه بين يدي ربِّه. وقال الربيع: مقامه يومَ الحساب(١). وكان
قتادةُ يقول: إنَّ للهِ عزَّ وجلَّ مَقاماً قد خافه المؤمنون. وقال مجاهد: هو خوفُه في
الدنيا من الله عزَّ وجلَّ عند مُواقَعةِ الذَّنْبِ فيُقْلِعِ(٢). نظيرُه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِِّ جََّنِ﴾
[الرحمن: ٤٦].
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىِّ﴾ أي: زَجَرها عن المعاصي والمَحارِم. وقال سهل: تَرْكُ
الهوى مِفتاحُ الجنة؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ﴾.
قال عبد الله بن مسعود: أنتم في زمانٍ يقودُ الحقُّ الهوى، وسيأتي زمانٌ يقودُ الهَوَى
الحقَّ، فنعوذُ بالله من ذلك الزمان. ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ أي: المنزل.
والآيتان نزلتا في مصعب بن عُمير وأخيه عامر بنِ عمير، فروَى الضخَّاك عن ابن
عباسٍ قال: أمَّا مَن طَغَى، فهو أخٌ لمصعب بن عمير أُسِر يومَ بدر، فأخذته الأنصار
فقالوا: مَن أنت؟ قال: أنا أخو مُصعَب بنِ عُمير، فلم يشدُّوه في الوَثاق، وأكرموه
وبيَّتوه عندهم، فلمَّا أصبحوا حدَّثوا مصعب بنَ عُمير حديثَه، فقال: ما هو لي بأخٍ،
شُدُّوا أسيركم، فإنَّ أمَّه أكثرُ أهلِ البطحاءِ حُلِيّاً ومالاً. فأوثَقوه حتى بعثتْ أمُّه في
فِدائه. (وأما من خاف مقامَ ربِّه)) فمصعَب بنُ عمير، وَقَى رسول الله :﴿ بنفسه يومَ
أُحُدٍ حين تَفرَّقَ الناس عنه، حتى نفذت المشاقصُ في جَوْفه - وهي السهامُ - فلمَّا رآه
رسولُ الله ◌َ﴿ مُتشحِّطاً في دَمِه قال: ((عندَ الله أحْتَسِبُكَ))، وقال لأصحابه: ((لقد رأيتُه
وعليه بُردانِ ما تُعرَفُ قيمتُها، وإنَّ شِراكَ نَعْلَيْه من ذَهب)»(٣). وقيل: إنَّ مصعب بنَ
عمير قَتَل أخاه عامِراً يومَ بدر (٤).
(١) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٢٠٠/٦ .
(٢) أخرج قول قتادة وقول مجاهد الطبري ٢٣٦/٢٢-٢٣٧.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢١٩/٤ مختصراً دون نسبة، وسلف ٧٦/١٠ خبر مصعب بن عمير مع
أخیه عندما أُسر يوم بدر.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢١٩/٤ ، إلا أنه ذكر أبا عزيز بدل عامر، وقال الحافظ في تخريج
أحاديث الكشاف ص١٨١ عن هذا الخبر والذي قبله: لم أجده. اهـ وينظر ما سلف ٣٠٧/١٧-٣٠٨.

٦٥
سورة النازعات: الآيات ٤١ - ٤٦
وعن ابن عباس أيضاً قال: نزلتْ هذه الآيةُ في رجلين: أبي جهل بن هشام
المخزوميِّ، ومصعب بنِ عمير العَبدَريّ.
وقال السُّدِّيُّ: نزلتْ هذه الآيةُ ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾ في أبي بكرِ الصِّدیقِ
وذلك أنَّ أبا بكر كان له غلامٌ يأتيه بطعام، وكان يسأله: مِن أين أتيت بهذا؟ فأتاه يوماً
بطعامٍ فلم يسأله وأكلَه، فقال له غلامُه: لِمَ لا تسألُني اليوم؟ فقال: نسيتُ، فمِنْ أين
لك هذا الطعام؟ فقال: تَكَهَّنْتُ لقوم في الجاهلية فأعطَوْنيه. فتقاياه من ساعته وقال:
يا ربِّ، ما بقي في العروق فأنت حَبَسْتَه، فنزلت: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾(١).
وقال الكلبيُّ: نزلتْ في مَن همَّ بمعصية وقَدَر عليها في خلوة، ثم تركها مِن
خوفِ الله. ونحوه عن ابن عباس(٢). يعني مَن خاف عند المعصيةِ مَقامَه بين يدي
الله، فانتهى عنها. والله أعلم.
فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا ◌ْ إِلَى رَبِّكَ
قوله تعالى: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرْسَهَا (١٠)
مُنَ
كَنَّهُمْ يَّمَ بَرَّوْنَهَا لَ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ
﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنهَا
لهَآ
(٤٦)
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَنَهَا﴾ قال ابن عباس: سأل مُشركو مكةً
رسولَ اللهِ﴾: متى تكون الساعةُ استهزاءً، فأنزل الله عزَّ وجلَّ الآية(٣).
وقال عُروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا﴾ لم يَزَل النبيُّ : # يسأل
عن الساعة حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَا﴾(٤). ومعنى ((مُرْساها))، أي:
قيامُها. قال الفرَّاء: رُسُوُّها: قيامُها، كرسوِ السفينةِ(٥). وقال أبو عبيدة(٦): أي:
(١) الورع لأحمد ص٨٤، وحلية الأولياء ٣١/١، وليس فيهما ذكر نزول الآية.
(٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٥/٥ .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٣١٤/٦.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٧ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٣، وقال الفراء: وليس قيامها كقيام القائم على رجله ونحوه، إنما هو
كقولك: قام العدل، وقام الحق، أي: ظهر وثبت.
(٦) في مجاز القرآن ٢٨٥/٢ .

٦٦
سورة النازعات: الآيات ٤٤ - ٤٦
مُنْتَهاها، ومرسَى السفينةِ حيث تنتهي. وهو قولُ ابنِ عباس. الربيعُ بن أنس: متى
زمانُها(١). والمعنى متقارِبٌ. وقد مضى في ((الأعراف)) بيانُ ذلك(٢). وعن الحسن أنَّ
رسول الله ﴿ قال: ((لا تقومُ الساعةُ إلَّا بِغَضبَةٍ يغضَبُها ربُّك))(٣).
﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا﴾ أي: في أيِّ شيءٍ أنت يا محمدُ من ذِكرِ القيامةِ والسؤالِ
عنها؟ وليس لك السؤالُ عنها. وهذا معنى ما رواه الزُّهريُّ عن عُروةَ بنِ الزُّبير قال:
لم يزل النبيُّ ﴾ يسأل عن الساعة حتى نزلت ﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا؟ إِلَى رَيِّكَ مُنْتَنِهَا﴾ (٤)
أي: مُنتَهى عِلْمِها؛ فكأنه عليه الصلاة والسلامُ لمَّا أكثَروا عليه سأل الله أن يعرِّفه
ذلك. فقيل له: لا تَسأَلْ، فلستَ في شيءٍ من ذلك.
ويجوزُ أن يكون إنكاراً على المشركين في مسألتهم له، أي: فيم أنتَ من ذلك
حتى يسألوك بيانَه، ولستَ ممَّن يَعلَمُه. رُوِي معناه عن ابن عباس(٥). والذِّكرَى بمعنى
الذِّكْرِ.
﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَا﴾ أي: مُنتهى عِلْمِها، فلا يُوجَدُ عند غيرِهِ، وهو كقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
[لقمان: ٣٤].
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَلَهَا﴾ أي: مخوِّفُ، وخَصَّ الإنذارَ بمَن يَخشى؛ لأنَّهم
المنتفعون به، وإنْ كان مُنْذِراً لكلِّ مُكلَّفٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ
الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١٢]. وقراءةُ العامَّةِ: ((منذِرُ)) بالإضافةِ غيرَ منوَّنٍ؛
طَلَبَ التخفيفِ، وإلَّا فأصلُه التنوين لأنَّه للمستقبل، وإنَّما لا ينوَّنُ في الماضي. قال
(١) النكت والعيون ٦/ ٢٠٠ .
(٢) ٩ / ٤٠٥ .
(٣) أخرجه الداني في السنن الواردة في الفتن (٣٧٩)، وهو من مراسيل الحسن، ويرويه عنه الحسن بن
دينار، قال عنه ابن حبان: تركه وكيع وابن المبارك، فأما أحمد ويحيى فكانا يكذبانه. الميزان ٤٨٩/١ .
(٤) سلف في بداية تفسير هذه الآية.
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٠٠ .

٦٧
سورة النازعات: الآيات ٤٥ - ٤٦
الفرَّاء: يجوزُ التنوينُ وتَرْكُه، كقوله تعالى: ﴿بَلِغُ أَمْرِهٍ﴾ [الطلاق: ٣] و ((بالِغٌ أَمْرَه))
و﴿مُؤْمِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] و((موهِنٌ كيدَ الكافِرِين)»(١)، والتنوينُ هو
الأصلُ، وبه قرأ أبو جعفر وشَيبةُ والأعرجُ وابنُ مُحيصٍ وحُميدٌ، وعباسٌ عن أبي
عمرو: ((منذِرٌ)) منوناً(٢)، وتكون [مَن](٣) في موضع نصب. والمعنى (٤): إنَّما ينتفعُ
بإنذارِكَ مَن يخشَى الساعة.
وقال أبو عليٍّ(٥): يجوزُ أن تكون الإضافةُ للماضي، نحو: [هذا] ضاربُ زید
أمسٍ؛ لأنَّه قد فَعَل الإنذار.
والآيةُ ردٌّ على مَن قال: أحوالُ الآخرة غيرُ مَحْسوسةٍ، وإنَّما هي راحةُ الرُّوحِ أو
تألُّمها من غير حِسِّ.
﴿كَهُمْ يَّمَ يَرَوْنَهَ﴾ يعني الكفارَ يَرَوْنَ الساعةَ ﴿لَّنْ يَلْبَثُوا﴾ أي: في دُنْياهُم. ﴿إِلَّا
عَنِيَّةً﴾ أي: قَدْرَ عشيةٍ ﴿أَوْ شُحَهَا﴾ أي: أو قَدْرَ الضُّحا الذي يلي تلك العَشيَّةَ،
والمرادُ تقليلُ مدَّةِ الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لَ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]
ورَوَى الضحاك عن ابن عباس: كأنَّهم يومَ يَرَوْنَها لم يلبثوا إلَّا يوماً واحداً.
وقيل: ((لم يلبثوا)) في قبورهم ((إِلَّا عشِيةً أو ضُحاها))، وذلك أنَّهم استَقصَروا مدَّة
لَبثِهِم في القبور لِمَا عاينوا من الهول.
وقال الفرَّاء: يقولُ القائلُ: وهل للعشيةِ ضُحًا؟ وإنَّما الضُّحا لصَدرِ النَهارِ، ولكنْ
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٣، قال الزمخشري في الكشاف ٢١٩/٤: فإذا أريد الماضي فليس إلا
الإضافة، كقولك: هو منذرُ زيدٍ أمس.
(٢) النشر ٣٩٨/٢ عن أبي جعفر، ورواية عباس عن أبي عمرو في السبعة ص ٦٧١، والمشهور عن أبي
عمرو: ((منذرُ)) بالإضافة.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) بعدها في (م): نصب، ولا معنى لها.
(٥) في الحجة ٣٧٥/٦ ، وما سيأتي بين حاصرتين.

٦٨
سورة النازعات: الآية ٤٦
أضيفَ الضُّحا إلى العشية - وهو اليومُ الذي يكونُ فيه - على عادةِ العرب؛ يقولون:
آتيكَ الغَدَاة أو عشيَّتها، وآتيكَ العشيةَ أو غَدَاتَها، فتكونُ العشيةُ في معنى آخِرِ النهار،
والغداةُ في معنى أوّلِ النهار؛ قال: وأنشدني بعضُ بني عقيل:
نحنُ صَبَحنا عامِراً في دارِها
جُرِدًا تَعَادَى طَرَفَيْ نهارِها
عشِيةَ الهلالِ أو سِرَارِها (١)
أراد: عشية الهلالِ، أو عشية سِرارِ العشيةِ، فهذا أشدّ(٢) من: آتيكَ الغداةَ أو
عَشِيَّها.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٣، وتفسير الطبري ١٠١/٢٤، وزاد المسير ٢٥/٩، وليس عندهم إلا
البيتان الأول والثالث، والأبيات الثلاثة في تهذيب اللغة ٢٨٥/١٢، واللسان (سرر)، وذكر الأول
والثاني صاحب اللسان (صبح) وقال: يريد أتیناها صباحاً بخيلٍ مُرْدٍ.
(٢) في مطبوع معاني القرآن للفراء: أَسَدُّ.

سورة عَبَس
مكية في قول الجميع، وهي إحدى وأربعون آية
الرَّحِيَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَزِ
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ ﴿١) أَنْ بَهُ الْأَعْمَى ﴿ وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَُّ يَزََّ (ج) أَوْ
يَذَكَّرُ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَىَ
فيه ستُّ مسائلَ:
الأولى: قوله تعالى: ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَح بوَجْهِه؛ يقال: عَبَس وبَسَر. وقد
تقدَّمَ(١). ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرَضَ بوجهه ﴿أَن ◌ََّهُ﴾ ((أنْ)) في موضع نصبٍ لأنه مفعولٌ
له، المعنى: لأنْ جاءه الأعمى، أي: الذي لا يُبْصِرُ بعينيه. فروى أهلُ التفسيرِ
أجمع: أنَّ قوماً من أشراف قريشٍ كانوا عند النبيِّ ﴿ وقد طمع في إسلامهم، فأقْبَل
عبد الله ابنُ أمِّ مكتوم، فكره رسول الله ﴿ أن يَقطع عبدُ الله عليه كلامه، فأغْرَضَ
عنه، ففيه نزلت هذه الآية.
قال مالك: إنَّ هشام بنَ عُروة حدَّثه عن عروةَ أنه قال: نزلتْ ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ﴾ في
ابنِ أمِّ مكتوم، جاء إلى النبيِّ # فجعل يقول: يا محمد اسْتَدْنِني، وعند النبيِّ ◌َ﴾ رجلٌ
من عظماء المشركين، فجعل النبيُّ :﴿ يُعرِضُ عنه ويُقبِلُ على الآخَرِ، ويقول:
((يا فلان، هل ترى بما أقولُ بأساً؟» فيقول: لا والدُّمَى، ما أرى بما تقولُ بأساً،
فأنزل الله ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ﴾(٢).
(١) ٣٧٨/٢١ .
(٢) الموطأ ٢٠٣/١، وأحكام القرآن لابن العربي ١٨٩٣/٤. ووقع في الموطأ: لا والدِّماء، قال ابن
الأثير في النهاية (دما): لا والدماء، أي: دماء الذبائح. ويروى: لا والدُّمَى، جمع دمية وهي الصورة،
ويريد بها الأصنام.

٧٠
سورة عبس: الآيات ١ - ٤
وفي الترمذيِّ مُسنَداً قال: حدَّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأُمَويُّ، حدَّثني أبي،
قال: هذا ما عَرَضنا على هشام بنِ عُروةً عن أبيه عن عائشة، قالت: نَزلَتْ ﴿عَبَسَ
وَتٌَّ﴾، في ابنِ أمِّ مكتوم الأعمى، أتى رسولَ اللـه﴾ فجعل يقول: يا رسولَ الله
أرشِدْني، وعندَ رسولِ اللـه :﴾ رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل رسولُ الله ◌ِ﴾
يُعرِضُ عنه، ويُقبِلُ على الآخَرِ، ويقول: ((أتَرى بما أقولُ بأساً)) فيقول: لا، ففي هذا
نزلت. قال: هذا حديث غريب(١).
الثانية: الآيةُ عِتَابٌ من الله لنبيُّه ◌َ﴾ في إعراضه وتَولِّيه عن عبد الله ابن أمِّ مكتومٍ.
ويقال: عمرو بن أمِّ مكتومٍ، واسمُ أمِّ مكتومٍ عاتكةُ بنت [عبد الله بن عنكثة بن] عامر
ابن مخزوم، وعمرو هذا: هو ابنُ قيس بنِ زائدة بن الأصمِّ، وهو ابنُ خالٍ خديجةً
رضي الله عنها (٢). وكان قد تَشَاغَلَ عنه برجلٍ من عظماء المشركين؛ يقال: كان
الوليد بنَ المغيرة. ابن العربيّ(٣): قاله المالكيةُ من علمائنا، وهو يُكْنَى أبا عبد شمس.
وقال قتادةُ: هو أمية بن خلف. وعنه: أُبيّ بن خلف(٤). وقال مجاهدٌ: كانوا
ثلاثةً: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأُبيّ بن خلف(٥). وقال عطاء: عتبة بن ربيعة. سفيان
الثوريُّ: كان النبيُّ :﴿ مع عمِّه العباس(٦).
الزمخشريُّ(٧): كان عنده صناديدُ قريشٍ: عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وأبو جهل بنُ
هشام، والعباس بنُ عبد المطلَّب، وأميةُ بن خَلف، والوليدُ بن المغيرة، يدعوهم إلى
(١) سنن الترمذي (٣٣٣١).
(٢) الاستيعاب ٣٥١/٨، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٩٣ .
(٤) أخرج القولين الطبري ٢٤/ ١٠٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٠٧ فلم يذكر أبي بن خلف، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر
المنثور ٣١٥/٦ وفيه: عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف.
(٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٠٧ ..
(٧) في الكشاف ٤/ ٢١٧ .

٧١
سورة عبس: الآيات ١ - ٤
الإسلام. رَجاءَ أن يُسلم بإسلامهم غيرُهم.
قال ابن العربيّ: أمَّا قولُ علمائنا: إنَّه الوليد بنُ المغيرة، وقال آخرون: إنه أميةٌ
ابن خلفٍ والعباسُ، وهذا كلُّه باطلٌ وجهلٌ من المفسّرين الذين لم يتحقَّقوا الدِّينَ،
ذلك أنَّ أميةَ والوليدَ كانا بمكةَ وابن أمِّ مكتوم كان بالمدينة، ما حَضَر معهما ولا
حَضَرا معه، وكان موتُهما كافرين، أحدُهما قَبلَ الهجرةِ، والآخَرُ ببدرٍ، ولم يَقصِدْ
قٌ أميةُ المدينةَ، ولا حَضَر عندَه مُفرَداً، ولا مع أحدٍ(١).
الثالثة: أَقَبلَ ابنُ أمِّ مكتوم والنبيُّ ◌َ﴿ مُشتغلٌ بمَن حَضَره من وجوه قريشٍ يدعوهم
إلى الله تعالى، وقد قَوِيَ طَمَعُه في إسلامهم، وكان في إسلامهم إسلامُ مَن وراءَهم
مِن قومهم، فجاء ابنُ أمِّ مكتومٍ وهو أعمى فقال: يا رسولَ الله، علِّمْني ممَّا عَلَّمَكَ
الله، وجعل يناديه ويُكثِرُ النداءَ، ولا يدري أنه مشتغلٌ بغيره، حتى ظهرت الكراهةُ في
وجه رسولِ الله ﴿ لَقَطْعِه كلامَه، وقال في نفسه: يقولُ هؤلاء: إنَّما أتباعُه العُميانُ
والسِّفْلةُ والعبيد، فعَبَس وأعرَضَ عنه، فنزلت الآية(٢). قال الثَّوريُّ: فكان النبيُّ ﴾
بعد ذلك إذا رأى ابنَ مكتوم يبسُطُ له رداءَه ويقول: ((مرحباً بمَن عاتَبني فيه ربِّي)».
ويقولُ: ((هل مِن حاجةٍ))؟ واستخلفه على المدينة مرَّتين في غزوتين غَزَاهما(٣). قال
أنس: فرأيتُه يوَم القادسيةِ راكباً وعليه درعٌ ومعه رايةٌ سوداء(٤).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٩٣/٤-١٨٩٤. وذكر أبو حيان في البحر ٨/ ٤٢٧ هذا الكلام عن
القرطبي، ثم قال: والغلط من القرطبي كيف ينفي حضورَ ابن أمِّ مكتوم معهما (يعني أمية والوليد)،
وهو وهمٌ منه، وكلهم من قريش، والسورة كلها مكية بالإجماع ... وكانوا جميعهم بمكة حين نزول هذه
الآية.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٤٧٩، وتفسير البغوي ٤/ ٤٤٦، وأخرجه بنحوه عبد بن حميد عن
مجاهد، كما في الدر المنثور ٣١٥/٦ .
(٣) الكشاف ٢١٧/٤، وتفسير البغوي ٤٤٦/٤، وتفسير الرازي ٣٠/ ٥٤ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٨/٢، وأحمد (١٢٣٤٤)، والطبري ١٠٤/٢٤، وزاد أحمد في أوله: استخلف
رسول الله # ابن أم مكتوم مرتين على المدينة، ولقد رأيته ... ، وأخرجه أبو داود (٢٩٣١) بذكر
الاستخلاف فقط.

٧٢
سورة عبس: الآيات ١ - ٤
الرابعة: قال علماؤنا: ما فَعَله ابنُ أمِّ مكتومٍ كان من سوءِ الأدبِ لو كان عالماً
بأنَّ النبيَّ # مشغولٌ بغيره، وأنَّه يَرْجو إسلامَهم، ولكنَّ الله تبارك وتعالى عاتبه حتى
لا تَنكَسِرَ قلوبُ أهلِ الصُّفَّةِ، أو ليعلم أنَّ المؤمن الفقيرَ خيرٌ من الغنيِّ، وكان النظر
إلى المؤمن أوْلَى، وإنْ كان فقيراً أصلحُ وأوْلَى من الأمرِ الآخَرِ، وهو الإقبالُ على
الأغنياء طمعاً في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضاً نوعاً من المصلحة، وعلى هذا يخرج
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية [الأنفال: ٦٧] على ما تقدَّم.
وقيل: إنَّما قَصَدَ النبيُّ ﴾ تأليفَ الرجلِ، ثقةً بما كان في قلبِ ابنِ أمِّ مكتومٍ من
الإيمان؛ كما قال: ((إنِّي لأُعطي(١) الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه، مخافةَ أن يَكُبَّه الله
في النار على وجهه))(٢).
الخامسة: قال ابن زيد: إنَّما عبس النبيُّ ◌َ﴾ لابنِ أمِّ مكتوم وأَعرَضَ عنه؛ لأنه
أشار إلى الذي كان يقودُه أنْ يكفَّه، فدفعه ابنُ أمِّ مكتوم، وأبَى إلَّا أنْ يكلِّم النبيَّ ﴾
حتى يعلِّمه(٣). فكان في هذا نوعُ جفاءٍ منه، ومع هذا أنزل الله في حقٌّه على نبيِّه ◌ِ﴾:
﴿عَسَ وَتٌَ﴾ بلفظِ الإخبار عن الغائب؛ تعظيماً له (٤)، ولم يَقُلْ: عبَسْتَ وتَوَلَّيْتَ. ثم
أقبلَ عليه بمواجهةِ الخطاب تأنيساً له فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: يُعلِمُكَ ﴿لَعَلَّهُ﴾ يعني
ابنَ أمِّ مكتوم ﴿يَزًَّ﴾ بما استدعى منكَ تعليمَه إياه من القرآن والدِّين، بأنْ يزدادَ
طهارةً في دينه، وزوال ظلمةِ الجهلِ عنه.
وقيل: الضميرُ في ((لعله)) للكافر، يعني: إنَّك إذا طمعتَ في أنْ يتزَّى بالإسلام،
أو يذَّكَّرَ فتقرِّبه الذِّكرى إلى قبولِ الحقِّ، وما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعتَ فيه كائن(٥).
(١) في (م): لأصل.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٥٢٢)، والبخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠) عن سعد بن أبي وقاص ﴾.
والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٣ .
(٣) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ١٠٥ .
(٤) في (د): تعليماً.
(٥) تفسير الرزاي ٥٦/٣١ .

٧٣
سورة عبس: الآيات ٤ - ١٠
وقرأ الحسن: ((آن جاءه الأعمى)) بالمدِّ على الاستفهام، فـ((أنْ)) متعلِّقةٌ بفعلٍ
محذوفٍ دلّ عليه ﴿عَسَ وَنَوَلٌَّ﴾ التقدير: أأن جاءه أعرَضَ عنه وتَولَّى؟ فيوقَفُ على
هذه القراءةِ على ((وتولَّى))(١). ولا يوقفُ عليه على قراءة الخبر، وهي قراءةُ العامة.
السادسة: نظيرُ هذه الآيةِ في العتاب قولُه تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَظْرُرِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ﴾ [الآية: ٥٢] وكذلك قوله في سورة الكهف: ﴿وَلَا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيًّا﴾ [الآية: ٢٨] وما كان مثلَه، والله أعلم.
﴿أَوْ يَذْكَّرُ﴾ُ يَتَّعِظ بما تقولُ ﴿فَفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: العِظَةُ. وقراءةُ العامَّةِ: ((فتنفعُه))
بضمِّ العين، عَطفاً على ((يَزَّكَّى)). وقرأ عاصم وابنُ أبي إسحاقَ وعيسى: ((فتنَفَعَه))
نصباً(٢). وهي قراءةُ السُّلَميِّ وزِرّ بنِ حُبَيش، على جواب لعلَّ؛ لأنه غيرُ مُوجَبٍ،
كقوله تعالى: ﴿لَّعَلِّىَّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ﴾ ثم قال: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦ -٣٧].
ج فَنْتَ لَمُ تَصَدَّى
قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ أُسْتَغْفَى
ـ وَمَا عَلَيْكَ أَلَا يَزََّّى ﴿ وَأَمَّا مَنْ
٦
جَكَ يَسْعَىِِّ ﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿ فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَعَّى
قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْفَى﴾ أي: كان ذا ثروةٍ وغِنّى ﴿فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّى﴾ أي: تَعَرَّضُ
له، وتُصغِي لكلامه. والتَّصدِّي: الإصغاءُ؛ قال الراعي:
تَصَدَّى لوضاحٍ كأنَّ جبينَه
سِرَاجِ الدُّجَى تُجبَى إليه الأساورُ(٣)
وأصلُه: تَتَصدَّدُ من الصَّدَد(٤)، وهو ما استقبلك، وصار قُبَالَتَك؛ يقال: داري
(١) المحتسب ٣٥٢/٢، وقال ابن جني: فكأنه قال: أَلِأنْ جاءه الأعمى كان ذلك منه. والقراءة في
القراءات الشاذة ص١٦٨ .
(٢) السبعة ص٦٧٢ ، والتيسير ص٢٢٠ .
(٣) في (ي) و(م): يحني إليه الأساور، والمثبت من باقي النسخ. وروايته في ديوان الراعي ص١٠٩،
ومنتهى الطلب من أشعار العرب ٦ / ٩٢ :
سراجُ الدُّجى تُجْبَى إليه السوائر
تَصَدَّى لوضاح الجبين كأنه
(٤) في (م). الصد، وفي (ظ) و(ي): الصدود، والمثبت من (د)، وهو موافق لما في تفسير الرازي
٥٦/٣١، والبحر ٤٢٥/٨، والدر المصون ١٠/ ٦٨٧.

٧٤
سورة عبس: الآيات ٦ - ١٦
صَدَدَ دارِهِ، أي: قُبالتَها، نُصِبَ على الظرف(١). وقيل: من الصَّدَى وهو العطش.
أي: تتعرَّض له كما يتعرَّض العطشانُ للماء، والمصَاداةُ: المعارضة.
وقراءةُ العامَّةِ: (تَصَدَّى)) بالتخفيف، على طَرْح التاء الثانية تخفيفاً. وقرأ نافعٌ وابنُ
مُحيصنٍ بالتشديد على الإدغام(٢).
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّ يَزََّ﴾ أي: لا يهتدي هذا الكافر ولا يؤمن، إنَّما أنت رسولٌ، ما
عليك إلَّا البلاغ.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن ◌َكَ يَسْعَىٌ﴾ يطلبُ العلمَ لله ﴿وَهُوَ يَخْشَىْ﴾ أي: يخافُ اللهَ
﴿َنْتَ عَنْهُ نَلَغَى﴾ أي: تُعرِضُ عنه بوجهك وتَشْتَغْلُ بغيره. وأصلُه: تتلقَّى. يقال: لَهِيتُ
عن الشيء ألهَى، أي: تَشاغَلتُ عنه. والتلهِّي: التغافل. ولَهِتُ عنه وتَلَّيْتُ بمعنى.
قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ ﴾ فَنْ شَآءَ ذَّكَرُ ﴾ فِىِ مُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿ قَرْفُوعَةِ
١٦)
بِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴾ كِرَامٍ بَرَرَقٍ.
مُطَهََّةِ ®
قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ﴾ ((كلَّا)) كلمةُ رَدْع وزَجْرٍ، أي: ما الأمرُ كما تفعلُ
مع الفريقين، أي: لا تَفْعلْ بعدها مثلها: من إقبالك على الغنيِّ، وإعراضِكَ عن
المؤمن الفقير، والذي جرى من النبيِّ # كان تَرْكَ الأولَى كما تقدَّم، ولو حُمِلَ على
صغيرةٍ لم يَبْعُدْ؛ قاله القشيري.
والوقفُ على ((كلَّا)) على هذا الوجهِ جائزٌ. ويجوز أن تقفَ على ((تَلَهَّى))، ثم
تبتدئ: ((كَلَّا))، على معنى: حَقًّا.
﴿إِنَّهَا﴾ أي: السورةُ، أو آياتُ القرآن ﴿نَذْكِرَةٌ﴾ أي: مَوعظةٌ وتَبَصِرةٌ للخَلْقِ ﴿فَمَنْ
شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: اتَّعظ بالقرآن.
قال الجُرْجانيُّ: ((إنها)) أي: القرآن، والقرآنُ مذكَّر إلَّا أنه لمَّا جُعل القرآنُ
(١) الصحاح (صدد).
(٢) أي: ((تصَّدَّى))، وقرأ بها من السبعة أيضاً ابن كثير. السبعة ص ٦٧٢، والتيسير ص٢٢٠ ..

٧٥
سورة عبس: الآيات ١١ - ١٦
تذكرةً، أخرجه على لفظِ التَّذكِرة، ولو ذَكَّره لجاز، كما قال تعالى في موضعٍ آخَر:
وَكَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤]. ويدلُّ على أنَّه أرادَ القرآنَ قولُه: ﴿فَمَنْ شَآءُ
ذَكَرَهُ﴾(١) أي: كان حافظاً له غيرَ ناسٍ، وذكَّر الضمير. لأنَّ التذكرة في معنى الذِّكرٍ
والوَعِظِ. وروى الضخَّاكُ عن ابن عباس في قوله تعالى: ((فمن شاء ذَكَرِه)) قال: مَن
شاء الله تبارك وتعالى الْهَمه(٢).
ثم أَخبر عن جَلَالته فقال: ﴿فِ مُحُفٍ﴾ جمعُ صحيفةٍ ﴿مُكٍَّ﴾ أي: عند الله،
قاله السّدِّيّ. الطبريُّ: ((مُكَرَّمةٍ)) في الدِّين؛ لما فيها من العلم والحِكَم. وقيل:
((مُكَرمةٍ)) لأنها نزل بها كرامُ الحفظة (٣). أو لأنَّها نازلةٌ من اللوح المحفوظ.
وقيل: ((مكرمةٍ)) لأنَّها نزلت من كريم؛ لأنَّ كرامةَ الكتابِ من كرامة صاحبِه (٤).
وقيل: المرادُ كُتُبُ الأنبياءِ، دليلُه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِنْزَهِيَ
وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩](٥).
﴿َّرْتُوعَةِ﴾ رفيعة القَدرِ عند الله. وقيل: مرفوعة عنده تبارك وتعالى. وقيل:
مرفوعة في السماء السابعة؛ قاله يحيى بن سلام. الطبريُّ: مرفوعة الذِّكْرِ والقَدْر.
وقيل: مرفوعة عن الشُّبَه والتناقض(٦).
◌ِمُطَهَرَةٌ﴾ قال الحسن: من كلِّ دَنَس. وقيل: مُصَانة(٧) عن أنْ ينالَها الكفّار.
(١) تفسير الرازي ٥٩/٣١ .
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٢٣/٤ بلفظ: فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتَّعظ به.
(٣) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٠٣ ، ولم نقف على قول الطبري في تفسيره.
(٤) النكت والعيون ٦/ ٢٠٣ .
(٥) تفسير البغوي ٤ / ٤٤٧ .
(٦) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٠٣-٢٠٤، ولم نقف على قول الطبري في
تفسيره.
(٧) كذا في النسخ، والصواب: مصونة، يقال: صنت الشيء فهو مَصُون، ولا تقل: مُصَان. تهذيب اللغة
٢٤٢/١٢، والصحاح (صوت)، واللسان (صون).

٧٦
سورة عبس: الآيات ١٤ - ١٦
وهو معنى قولِ السُّدِّيّ. وعن الحسن أيضاً: مُطهّرة من أن تنزل على المشركين(١).
وقيل: أَي: القرآن أُثبت للملائكة في صحفٍ يقرؤونها، فهي مكرمةٌ مرفوعةٌ
مطهّرة.
﴿بَيْدِى سَفَرَةِ﴾ أي: الملائكة الذين جعلهم الله سُفراءَ بينه وبين رُسُله، فهم بَررةٌ
لم يتدنَّسوا بمعصيةٍ. ورَوى أبو صالحِ عن ابن عباس قال: هي مطهّرةٌ تجعلُ التطهيرَ
لمن حملها، ((بأيدي سَفَرةٍ)) قال: كَتَبَةٍ (٢). وقاله مجاهدٌ أيضاً (٣).
وهم الملائكةُ الكرامُ الكاتبون لأعمالِ العبادِ في الأسفار، التي هي الكتبُ،
واحدُهم: سافِرٌ، كقولك: كاتبٌ وكَتَبة. ويقال: سَفَرتُ، أي: كتبتُ، والكتاب: هو
السِّفْر، وجَمْعُه أسفار. قال الزجَّاج(٤): وإنَّما قيل للكِتَاب سِفرٌ - بكَسرِ السِّين -
وللكاتب سافِر؛ لأنَّ معناه أنه يبيِّنُ الشيءَ ويوضِّحُه. يقال: أسفَر الصبح: إذا أضاء،
وسفَرتِ المرأة: إنما كَشَفَت النقابَ عن وجهها. قال: ومنه سَفَرتُ بين القومِ أسْفِرُ
سِفارةً: أصلَحتُ بينهم. وقاله الفرَّاء، وأنشد:
فما أدَعُ السِّفارةَ بينَ قومي
ولا أمشي بغِشِّ إنْ مَشَيْتُ (٥)
والسَّفير: الرسولُ والمُصْلِحُ بين القوم، والجمع: سُفَراء، مثل: فقيهٍ وفقهاء.
ويقال للورَّاقين: سُفَراءُ، بلُغةِ العِبرانية.
وقال قتادة: السَّفَرة هنا هم القُرَّاء؛ لأنَّهم يقرؤون الأسفار، وعنه أيضاً كقولٍ
(١) النكت والعيون ٢٠٤/٦.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ١٠٨ مختصراً بلفظ: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةِ﴾ قال: كتبة.
(٣) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣١٥/٦ .
(٤) في معاني القرآن ٢٨٤/٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٣٦/٣، وتفسير الطبري ١٠٩/٢٤، ونسبه المرزباني في معجم الشعراء
ص٢٨٥ لموسى بن جابر الحنفي اليمامي، وهو شاعر نصراني جاهلي يلقب: أُزَيْرِق اليمامة، ويعرف
بابن لیلی.

٧٧
سورة عبس: الآيات ١٥ - ١٦
ابن عباس(١).
وقال وهب بن مُنبِّه: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَقِ كِرَامٍ بَرَوَ﴾ هم أصحابُ النبيِّ ﴾. قال ابن
العربي (٢): لقد كان أصحابُ رسولِ الله ﴾ سَفَرةً، كِراماً بَرَرَةً، ولكنْ ليسوا بمُرادِينَ
بهذه الآية، ولا قارَبوا المرادِينَ بها، بل هي لفظةٌ مخصوصةٌ بالملائكة عند الإطلاق،
ولا يشاركُهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في مُتناولها غيرُهم. ورُوي في الصَّحيح
عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسول الله {# قال: ((مَثَلُ] الذي يقرأ القرآنَ وهو
حافظٌ له، مع السَّفَرةِ الكرامِ البررة، ومثَلُ الذي يقرؤه وهو يتَعاهدُه، وهو عليه شديدٌ،
فله أجران)) متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاريّ(٣).
﴾ أي: كرامٍ على ربِّهم؛ قاله الكلبيُّ. الحسن: كرام عن المعاصي، فهم
يرفعون أنفسَهم عنها (٤). وروى الضحاك عن ابن عباس في ((كِرام)) قال: يتكرَّمون أن
يكونوا مع ابنِ آدمَ إذا خلا بزوجته، أو تَبرَّز لغائطه(٥). وقيل: أي: يُؤثِرون منافعَ
غيرهم على منافع أنفسهم.
﴿بَ﴾ جمعُ بارِّ، مثل: كافرٍ وكَفَرة، وساحِرٍ وسَحَرة، وفاچٍِ وفَجَرة؛ يقال: بَرِّ
وبارٍّ: إذا كان أهلاً للصّدق، ومنه بَرَّ فلانٌ في يمينه، أي: صَدَق، وفلانٌ يَبرُّ خالقَه
ويتبرَّرُه، أي: يطيعُه، فمعنى (بررةٍ)) مطيعون لله، صادقون لله في أعمالِهم(٦). وقد
مضى في سورة الواقعة قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرُمَانٌ كَرِيمٌ. فِى كِنَسٍ مَّكْنُونٍ . لَا يَمَشُّهُ إِلَّا
(١) أخرج القولين الطبري ١٠٨/٢٤-١٠٩ .
(٢) في أحكام القرآن ١٨٩٤/٤، وما قبله وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) صحيح البخاري (٤٩٣٧)، وصحيح مسلم (٧٩٨)، وسلف ١٤/١ .
(٤) النكت والعيون ٢٠٤/٦ .
(٥) ذكره الرازي ٥٨/٣١ عن عطاء قوله.
(٦) في (د): إيمانهم.

٧٨
سورة عبس: الآيات ١٦ - ٢٣
اُلْمُطَهَّرُونَ﴾ [الآيات: ٧٧-٧٩] أنَّهم الكرامُ البرَرَةُ في هذه السورة(١).
قوله تعالى: ﴿قُئِلَ اَلْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَمُ ٧ مِنْ أَقِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ (٨) مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
١٩
ثُمَّ السَِّلَ يَتَرَءُ ٤٥ ثُمَّ أَمَنَهُ فَقْبَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنَشَرَهُ
(١ كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَآَ
أَمَرَُ
(P)
قوله تعالى: ﴿قُئِلَ الْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾ (قتِل)) أي: لُعِن. وقيل: عُذِّب. والإنسانُ:
الكافر. روى الأعمشُ عن مجاهدٍ قال: ما كان في القرآن ((قُتِل الإنسان)» فإنَّما عُني به
الكافر(٢).
وروى الضخَّاكُ عن ابن عباس قال: نزلت في عُتبةَ بنِ أبي لَهَب، وكان قد آمن
فلمَّا نزلتْ ((والنجم)) ارتدَّ، وقال: آمنت بالقرآن كلِّ إلَّ النجم، فأنزل الله جلَّ ثناؤه
فيه ﴿قُئِلَ اَلْإِنسَرُ﴾ (٣) أي: لُعِنَ عُتبةُ، حيث كَفَر بالقرآن، ودعا عليه رسول الله ﴾
فقال: ((اللهُمَّ سَلِّظ عليه كَلْبكَ أسَدَ الغاضِرَة)) فخرج من فَورِه بتجارةٍ إلى الشام، فلمّا
انتهى إلى الغاضرة تذكَّر دعاءَ النبيِّ﴾، فجعل لمَن معه ألفَ دينارٍ إنْ هو أصبح حيًّا،
فجعلوه في وسط الرُّفقةِ، وجعلوا المتاعَ حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد،
فلمَّا دنا من الرِّحال وثب فإذا هو فوقه فمزَّقه، وقد كان أبوه نَدبه وبكى وقال: ما قال
محمدٌ شيئاً قَطْ إلَّا كان(٤).
(١) عند تفسير الآية (٧٩) في المسألة الخامسة.
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ١١٠.
(٣) أخرجه ابن المنذر عن عكرمة، كما في الدر المنثور ٣١٥/٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون
٦/ ٢٠٥ عن ابن جريج ومجاهد، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
(٤) سلف المرفوع منه في بداية تفسير سورة النجم بلفظ: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)). وكذا أخرجه
أبو الفرج في الأغاني ١٧٦/١٦ عن عكرمة، ثم قال: فقال ابن عباس: فخرج إلى الشام في ركب فيهم
هبار بن الأسود، حتى إذا كانوا بوادي الغاضرة، وهي مَسبَعة، نزلوا ليلاً ... ، وذكر الخبر.

٧٩
سورة عبس: الآيات ١٧ - ٢٣
وروى أبو صالح عن ابن عباس: ((ما أكْفَرِه)): أيُّ شيءٍ أكفَرَهُ (١)؟
وقيل: ((ما)) تعجّبٌ؛ وعادةُ العربِ إذا تعجَّبوا من شيءٍ قالوا: قاتَلَه الله ما
أحسَنه! وأخزاه الله ما أظْلَمَه! والمعنى: اعجَبوا مِن كُفرِ الإنسانِ، لجميع ما ذَكَرنا
بعد هذا (٢).
وقيل: ما أكْفَره بالله ونعمِه مع معرفتِهِ بكثرةِ إحسانِه إليه، على التعجُّب أيضاً؛
قال ابنُ جُرَيج: أي: ما أشدَّ كُفرَه(٣)!
وقيل: ((ما)) استفهامٌ، أي: أيُّ شيءٍ دعاه إلى الكُفْر (٤)؛ فهو استفهامُ توبيخٍ.
و((ما)) تَحَتَمِلُ التعُّبَ، وتحتملُ معنى ((أيّ)) فتكونُ استفهامَاً.
﴿مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَهُ﴾ أي: مِن أيِّ شيءٍ خَلَقَ الله هذا الكافرَ فيتكبَّر؟ أي: اعجَبوا
لخَلْقِه. ﴿مِن تُطْفَةٍ﴾ أي: من ماءٍ يَسيرِ مهين جَماد ﴿خَلَقَهُ﴾ فلمَ يَغْلُظُ(٥) في نفسه؟!
قال الحسن: كيف يتكبَّر مَن خرج من سبيل البولِ مرَّتين(٦).
﴿فَقَدَّرَهُ﴾ في بَظْنِ أمِّه؛ كذا روى الضخَّاك عن ابن عباس(٧)، أي: قدَّر يديه
ورجليه وعينيه وسائر آرابه(٨)، وحَسناً ودَميماً، وقصيراً وطويلاً، وشقيًّا وسعيداً.
وقيل: ((فقدَّره)) أي: فسؤَّاه، كما قال: ﴿أَكَفَرَتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةِ
(١) ذكره أبو الليث ٤٤٨/٣ عن الكلبي، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٠٥ عن السدي ويحيى
ابن سلام.
(٢) النكت والعيون ٢٠٥/٦ .
(٣) أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٣١٥/٦ .
(٤) تفسير البغوي ٤٤٨/٤، وقد سلف هذا القول قريباً من رواية أبي صالح عن ابن عباس.
(٥) في (م): يغلط.
(٦) ذكره عن الحسن الجصاص في أحكام القرآن ٣٥٢/٣، وأخرجه البيهقي في الشعب (٨٢١٠) عن
الأحنف بن قيس ﴾.
(٧) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة، كما في الدر المنثور ٣١٦/٦ .
(٨) جمع إرْب، وهو العضو. اللسان (أرب).

٨٠
سورة عبس: الآيات ١٩ - ٢٣
ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]. وقال: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّكَ﴾ [الانفطار: ٧].
وقيل: فقدَّره أطواراً، أي: من حالٍ إلى حالٍ؛ نطفةً ثم علقةً، إلى أنْ تَّ خَلقُه.
﴿ثُمَّ السَِّلَ يَتَرَؤُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاءٍ، وقتادةُ والسدِّيُّ ومقاتلٌ: يسَّره
للخروج من بَطْنِ أمِّه(١).
مجاهدٌ: يسَّره لطريقِ الخيرِ والشرِّ، أي: بيَّن له ذلك، دليلُه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ
السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَهُ التَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. وقاله الحسن وعطاء(٢)، وابنُ
عباسٍ أيضاً في رواية أبي صالح عنه.
وعن مجاهدٍ أيضاً قال: سبيل الشَّقاءِ والسعادة(٣). ابن زيد: سبيل الإسلام(٤).
وقال أبو بكر بن طاهِرٍ: يَسَّر على كلِّ أحدٍ ما خَلَقه له، وقدَّره(٥) عليه؛ دليلُه قولُه
عليه السلام: (اعْمَلوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له))(٦).
نُمَّ أَمَهُ فَقْبَهُ﴾ أي: جَعَل له قبراً يُؤَارَى فيه إكراماً له، ولم يَجعَله ممَّا يُلْقَى على
وَجْهِ الأرضِ تأكله الطيرُ والعَوافي، قاله الفرَّاءَ(٧).
وقال أبو عبيدةً: ((أقْبَره)): جَعل له قبراً، وأمَر أنْ يُقْبَر. قال أبو عبيدة: ولمَّا
قَتَّل عمرُ بن هُبيرةَ صالحَ بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم ودخلوا عليه: أَقْبِرنا
صالحاً، فقال: دونكُموه. وقال: ((أقْبَره)) ولم يَقُلْ: قَبَره؛ لأنَّ القابِرَ هو الدَّافِنُ بيده،
قال الأعشى :
(١) تفسير الطبري ١١١/٢٤- ١١٢.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ١١٢-١١٣ عن مجاهد والحسن.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٨/٢ .
(٤) أخرجه الطبري ١١٣/٢٤ .
(٥) في (د) و(ظ): وقدر.
(٦) أخرجه أحمد (٦٢١)، والبخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي ، وسلف ١٠/ ٤٢١ .
(٧) في معاني القرآن ٢٣٧/٣، والعوافي مفردها: العافية والعافي، وهو كل طالب رزق من إنسان أو
بهيمة أو طائر. النهاية (عفا).