النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة النبأ: الآيات ٢٤ - ٣٠ فلا الظلَّ مِن بردِ الضُّحى تَستطيعُه ولا الفَيءَ أوقاتَ العَشِيِّ تَذوقُ(١) ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرّدًا وَلَا شَرَابًا﴾ جملةٌ في موضع الحال من ((الطاغين)) أو نعتٌ للأحقاب، والأحقابُ ظرفُ زمانٍ، والعاملُ فيه ((لا بِئِين))، أو (لِبِئِين)) على تعديةِ فَعِل. ﴿إِلَّا حَيْمًا وَغَسَاقًا﴾ استثناءٌ منقِطِعٌ في قولِ مَن جَعَل البردَ النومَ، ومَن جَعلَه من البرودة كان بدلاً منه(٢). والحميم: الماءُ الحارُّ؛ قاله أبو عبيدة(٣). وقال ابن زيد: الحميم: دموعُ أعيُنِهم، تُجمعُ في حياضٍ ثم يُسقَونه(٤). قال النحاس: أصلُ الحميم: الماءُ الحارُّ، ومنه اشتُقَّ الحَمَّام، ومنه الحُمَّى، ومنه ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَخْهُورٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]: إنَّما يرادُ به النهايةُ في الحرِّ. والغَسَّاقُ: صديدُ أهلِ النار وقَيحُهم. وقيل: الزَّمهرير (٥). وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بتشديدِ السين(٦)، وقد مضى في ((ص)) القولُ فيه(٧). ﴿جَزَآءَ وِفَاقًا﴾ أي: مُوافِقاً لأعمالهم. عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما (٨)، فالوِفاقُ بمعنى الموافقة، كالقِتال بمعنى المقاتلة. و((جزاءً)) نصبٌ على المصدر، أي: (١) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ص٤٠، وتهذيب اللغة ٣٥٨/٤، والصحاح (فيأ)، ومنتهى الطلب من أشعار العرب ٧/ ٣٨٦ ، ووقع في المصادر عدا الديوان: ولا الفيء من برد العشي تذوق، ورواية الديوان : ولا الفَيءَ منها بالعشي تذوق فلا الظلَّ منها بالضحى تستطيعُه (٢) مشكل إعراب القرآن ٧٩٦/٢ . (٣) في مجاز القرآن ٢/ ٢٨٢ . (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٠ . (٥) أخرج هذا القول الطبري ٢٤/ ٣٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) وهي قراءة حفص أيضاً. السبعة ص٦٦٨، والتيسير ص١٨٨. (٧) عند تفسير الآية (٥٧) منها. (٨) تفسير الطبري ٣١/٢٤ . ٢٢ سورة النبأ: الآيات ٢٦ - ٣٠ جازَيناهم جزاءً وافَقَ أعمالَهم؛ قاله الفَرَّاء والأخفش(١). وقال الفرَّاء أيضاً: هو جمعُ الوقْقِ، والوفقُ واللّفق(٢) واحد. وقال مقاتل: وافَقَ العذابُ الذنبَ، فلا ذنبَ أعظَمُ من الشرك، ولا عذابَ أعظمُ من النار(٣). وقال الحسن وعكرمةُ: كانت أعمالُهم سيئةً، فأتاهم الله بما يَسُوءُهم. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرَجُونَ﴾ أي: لا يخافون ﴿حِسَابًا﴾ أي: مُحاسبةً على أعمالهم. وقيل: معناه: لا يرجون ثوابَ حسابٍ(٤). الزَجَّاج: أي: إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فیرجون حسابهم(٥). ﴿وَكَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا كِذَّابًا﴾ أي: بما جاءتْ به الأنبياءُ. وقيل: بما أنزلنا من الكتب. وقراءةُ العامَة: ﴿كِذَّابًا﴾ بتشديدِ الذَّالِ وكَسْرِ الكاف، على كَذَّب، أي: كَذَّبوا تكذيباً كبيراً. قال الفرَّاء(٦): هي لغةٌ يمانيةٌ فصيحةٌ؛ يقولون: كَذَّبت [به] ◌ِذَّاباً، وخرَّقتُ القميصَ خِرَّاقاً؛ وكلُّ فِعلٍ في وزنِ ((فَعَّلَ))، فمصدرُه فِعَال مشدَّدٌ في لغتهم، وأنشد بعضُ الكلابيين : وعن حِوَجِ قِضَّاؤُهُا مِن شِفائِيا (٧) لقد طالَ ما تَبَّطتَني عن صَحابتي (١) معاني القرآن للفراء ٢٢٩/٣، وللأخفش ٧٢٧/٢ . (٢) اللَّفْقُ: القرين الملائم، يقال للرجلين لا يفترقان: هما لِفْقان. معجم متن اللفظ (لفق)، ولم نقف على هذا القول في معاني القرآن للفراء. (٣) تفسير البغوي ٤٣٩/٤. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٣٢/٥. (٥) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٧٤/٥ . (٦) في معاني القرآن ٢٢٩/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٧) معاني القرآن للفراء ٢٢٩/٣، والبيت للأعور بن براء الكلابي، كما في تهذيب الألفاظ لابن السكيت ٥٦٦/٢، والأضداد لأبي حاتم السجستاني ص٧٩، وهو دون نسبة في العين ٢٥٩/٣، والأضداد لابن الأنباري ص٢١ . ٢٣ سورة النبأ: الآيات ٢٨ - ٣٠ وقرأ عليٍّ ﴾ه: ((كِذَاباً)) بالتخفيف، وهو مصدرٌ أيضاً (١). وقال أبو عليٍّ: التخفيفُ والتشديدُ جميعاً مصدرُ المكاذَبة، كقول الأعشى : فصَدَقْتُها وكَذَبتُها والمرءُ ينفعُه كِذَابُهْ(٢) أبو الفتح: جاءا جميعاً مصدرَ: كَذَبَ وكَذَّب جميعاً (٣). الزمخشري(٤): ((كِذَاباً)) بالتخفيف مصدرُ: كَذَب، بدليلٍ قوله : فصَدَقتُها وكَذَبتُها والمرءُ ينفعُه كِذَابُهْ وهو مثلُ قوله: ﴿أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧] يعني: وكذَّبوا بآياتنا فكذَبوا كِذَابا. أو تنصِبُه بـ«كَذَّبوا))؛ لأنه يتضمَّن معنى كَذَبوا؛ لأنَّ كلَّ مُكَذِّب بالحقِّ كاذِبٌ. [وإنْ جَعَلتَه بمعنى المُكَاذَبة فمعناه: وكذَّبوا بآياتنا فكاذَبوا مُكاذَبةً، أو: وكذَّبوا بها مُكاذِبين] لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبین، فبينهم مُكاذبة. وقرأ ابن عمر: (كُذَّابا)) بضمِّ الكاف والتشديد، جمع كاذب؛ قاله أبو حاتم. ونصْبُه على الحال(٥). الزَّمخشريُّ: وقد يكونُ الكُذَّاب بمعنى الواحدِ البليغ في الكَذِب، يقال: رجلٌ كُذَّاب، كقولك: حُسَّان وبُخَّال، فيُجعَل صفةً لمصدرِ ((كَذَّبوا))، أي : (١) المحتسب ٣٤٨/٢. (٢) الحجة للفارسي ٦/ ٣٦٩، والكلام فيه مفصَّل، وهذا القول مع البيت ذكره أيضاً أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٨٣، ونقله عنه ابن الجوزي ٩/٩ . وقال المبرد في الكامل ٢/ ٧٤٧: وأنشدني المازني للأعشى، وليس مما روت الرواة متصلاً بقصيدة، ثم ذكره برواية: فصدقتهم وكَذَبتهم ... ، ولم نقف عليه في ديوان الأعشى. (٣) بنحوه في المحتسب ٣٤٨/٢ . (٤) في الكشاف ٢٠٩/٤ ، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٥) المحتسب ٣٤٨/٢، والمحرر الوجيز ٤٢٧/٤ وفيه أن الذي قرأ بها هو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكذا ذكر أبو حيان في البحر ٤١٥/٨، وهي في القراءات الشاذة ص١٦٨ عن عمر بن عبد العزيز والماجشون. ٢٤ سورة النبأ: الآيات ٢٨ - ٣٠ تكذيباً كُذَّاباً مُفْرِطاً كَذِبهُ(١). وفي ((الصِّحَاح)): وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا كِذَابًا﴾ وهو أحدُ مصادرِ المشدَّد؛ لأنَّ مصدرَه قد يجيءُ على ((تفعيل)) مثل التكليم، وعلى ((فِعَّال)) مثل كِذَّابٍ، وعلى (تَفْعِلة)) مثل تَوصِية، وعلى ((مُفعَّلٍ)) مثل: ﴿وَمَزَّقْتَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩](٢). ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا﴾ ((كلَّ)) نصب بإضمارٍ فعلٍ يَدُلُّ عليه ((أحصينا))، أي: وأحصينا كلَّ شيءٍ أحصيناه(٣). وقرأ أبو السَّمَّال: ((وكلُّ شيءٍ)) بالرفع على الابتداء(٤). ((كِتابا)) نصب على المصدر؛ لأنَّ معنى أحصينا: كتبنا، أي: كتبناه كتاباً(٥). ثم قيل: أراد به العلمَ، فإنَّ ما كُتِب كان أَبْعَد من النسيان. وقيل: أي: كتبناه في اللوح المحفوظِ لتَعْرِفَه الملائكة. وقيل: أراد ما كُتب على العباد من أعمالهم. فهذه كتابةٌ صَدَرَتْ عن الملائكة المؤكَّلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة؛ دليلهُ قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ كِرَامًا كَنِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١]. ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ قال أبو بَرْزةَ: سألتُ النبيَّ﴾ عن أشدِّ آيةٍ في القرآن؟ فقال: ((قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾))(٦). أي: ﴿كُلَّا نَضِيَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] و﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. (١) الكشاف ٢٠٩/٤ -٢١٠ . (٢) الصحاح (كذب). (٣) معاني القرآن للزجاج ٢٧٤/٥ . (٤) القراءات الشاذة ص١٦٨ . (٥) معاني القرآن للزجاج ٢٧٤/٥، وإعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٥. وقال النحاس: من النحويين مّن يقول: العامل فيه مضمر، أي: كتبناه كتاباً. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم والثعلبي، كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وتخريج أحاديث الكشاف ص١٨١، وهو من طريق جَسر بن فرقد، عن الحسن، عن أبي برزة، عن النبي *. وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ١٥٩/٣ من طريق جَسْر، عن الحسن، عن أبي برزة موقوفاً. قال ابن كثير: جَسْر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية. قلنا: والحسن لم يسمع من أبي برزة. المراسيل لابن أبي حاتم ص ٤٢ . ٢٥ سورة النبأ: الآيات ٣١ - ٣٦ وَكَأْسًا دِهَاقًا وَكَوَاعِبَ أَقْرَابًا حَدَآَيِقَ وَأَعْنَبًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَازًا ـ لَّا يَسَّمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا وَلَا كِذَّبًا ٣٥ جَزَآءُ مِّن رَّيِّكَ عَطَآءَ حِسَابًا (٣٦)﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَارًا﴾ ذَكَر جزاءَ مَن اتَّقى مَخالفةَ أمرِ الله، («مَفازاً)» مَوْضعَ فوزٍ ونجاةٍ وخَلاص ممّا فيه أهلُ النار. ولذلك قيل للفَلاة إذا قلَّ ماؤها: مَفازة، تفاؤلاً بالخلاص منها. ﴿حَابِقَ وَأَعْنَبًا﴾ هذا تفسيرُ الفوزِ. وقيل: ((إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا)): إنَّ للمتقين حدائقَ؛ جمع حديقة، وهي البستانُ المُحَوَّطُ عليه؛ يقالُ: أحْدَقَ به، أي: أحاط. والأعناب: جمع عنب، أي: کرومَ أعنابٍ، فحذف. ﴿وَكَوَعِبَ أَزَابًا﴾ كواعِب: جمع كاعِب، وهي النَّاهِد؛ يقال: كَعَبَت الجاريةُ تَكَعُبُ كُعوباً، وكَعَّبت تُكَعِّب تكعِيباً، ونَهَدت تَنهَد نهُوداً. وقال الضحَّاك: الكواعبُ: العَذَارى؛ ومنه قول قيس بن عاصم : وكم مِن حَصَانٍ قد حَوَيْنا كريمةٍ ومِن كاعبٍ لم تَدْرِ ما البؤسُ مُعصِرٍ (١) والأتراب: الأقرانُ في السنِّ. وقد مضى في سُورة الواقعة (٢)، الواحد: تِرْب. ﴿وَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال الحسن وقتادةُ وابن زيد وابن عباس: مُتْرَعة مملوءة(٣)؛ يقال: أدْهَقْتُ الكأسَ، أي: ملأتها، وكأسٌ دِهَاقٌ، أي: ممتلئة؛ قال: مِن مائِها بِكأسك الدِّهاقِ (٤) ألَا فاسقِني صِرفاً سقانِي الساقي وقال خداش بن زُهَير : أتانا عامِرٌ يَبْغي قِرَانَا فأَترغنا له كأساً دِهاقًا (٥) (١) النكت والعيون ١٨٨/٦. (٢) عند الآية (٣٧) منها. (٣) تفسير الطبري ٣٩/٢٤-٤١، وتفسير البغوي ٤٣٩/٤. (٤) في (د): بكأسه الدهاق، ولم نقف على البيت. (٥) الصحاح (دهق)، والنكت والعيون ١٨٩/٦. ووقع في الصحاح: يرجو، بدل: يبغي. ٢٦ سورة النبأ: الآيات ٣٤ - ٣٦ وقال سعيد بن جُبير وعكرمةُ ومجاهدٌ وابن عباس أيضاً: متتابعة (١)، يَتْبعُ بعضُها بعضاً، ومنه: ادَّهَقتِ الحِجارة ادِّهاقاً، وهو شدّة تَلازُمِها(٢) ودخول بعضِها في بعض؛ فالمتتابعُ كالمُتَدَاخِل. وعن عِكرمة أيضاً وزيد بن أسْلَم: صافية(٣)؛ قال الشاعر: لأَنتِ إلى الفؤادِ أحبُّ قُرْباً مِن الصَّادي إلى كأسٍ دِهاقٍ(٤) وهو جمعُ دَهَقٍ، وهو خشبتان يُعْصَرُ بهما(٥). والمرادُ بالكأس: الخمرُ، فالتقدير: خمراً ذات دِهَاق، أي: عُصِرتْ وصُفِّيتْ؛ قاله القُشيريّ(٦). وفي ((الصحاح)): وأدْهَقْتُ الماء، أي: أفْرَغته إفراغاً شديداً، قال أبو عمرو: الدَّهَقُ - بالتحريك -: ضَرْبٌ من العذاب. وهو بالفارسية أشكَنْجَه. المبرِّد: والمَدهوق: المعذَّبُ بجميع العذابِ الذي لا فُرجةَ فيه. ابن الأعرابيّ: دَهَقْتُ الشيء: كسرته وقطعته؛ وكذلك دَهْدَقته، وأنشَدَ لحُجْر بن خالد: نُدَهْدِقُ بَضْعَ اللحمِ للباعِ والنَّدَى وبعضهُمُ تغلي بذَمِّ مَرَاجِلُهْ (٧) (١) تفسير الطبري ٤٢/٢٤، وأخرجه عن عكرمة البخاري (٣٨٣٩) بلفظ: ملأى متتابعة. (٢) في (م): تلازبها. والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في العين ٣٦٤/٣، وتهذيب اللغة ٣٩٤/٥. (٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤١ . (٤) النكت والعيون ١٨٩/٦. (٥) في العين ٣٦٤/٣، وتهذيب اللغة ٣٩٤/٥، والقاموس (دهق): الدَّهَق: خشبتان يُغمز بهما الساق. وفي المعجم الوسيط (دهق): الدهق: خشبتان يُعصَر بهما الساق للتعذيب، وينظر ما سينقله المصنف عن الصحاح. (٦) وقاله أيضاً الرازي في التفسير ٢٠/٣١ . (٧) الصحاح (دهق)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥١٥، وأساس البلاغة (نقع)، واللسان (بضع). ووقع في المصادر: مناقعه، بدل: مراجله. قوله: بَضْع، البَضْع جمع بَضْعة وهي القطعة من اللحم. القاموس (بضع). وقال المرزوقي: المناقع جمع المِنْفَع والمِنْفَعة، وهو القدور الصغار. وذِكْرُ الباع مَثَل، والمراد الكرم. وقوله: بذمٌّ، في موضع الحال، تقديره: تغلي مذمومة. ٢٧ سورة النبأ: الآيات ٣٤ - ٣٦ ودَهْمَقْتُه بزيادة الميم: مثلُه. وقال الأصعمعيُّ: الدَّهْمِقَةَ: لِينُ الطعام وطِيبُه ورِقَّته، وكذلك كلُّ شيءٍ ليٍِّ، ومنه حديث عمر: لو شئتُ أن يدُهمَقَ لي لفَعلْتُ، ولكنَّ الله عاب قوماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَنِيَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠](١). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْوَا وَلَا كِذَّبًا﴾ اللغو: الباطل، وهو ما يُلْغَى من الكلام ويُطَّرَح، ومنه الحديثُ: ((إذا قلتَ لصاحبكَ: أَنْصِتْ، يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطُبُ، فقد لَغَوت))(٢) وذلك أنَّ أهل الجنةِ إذا شربوا لم تتغيَّر عقولُهم، ولم يتكلَّموا بلغوِ، بخلافِ أهلِ الدنيا. ((ولا كِذَّابا)): تقدَّم، أي: لا يُكذِّبُ بعضُهم بعضاً، ولا يسمعون كذباً، وقرأ الكسائيُّ: ((كِذَاباً)) بالتخفيف(٣)، من كَذَبت كِذَاباً، أي: لا يتكاذبون في الجنة. وقيل: هما مصدران للتكذيب، وإنَّما خفَّفها هاهنا لأنَّها ليست مقيّدة بفعلٍ يصيرُ مصدراً له، وشدَّد قولَه: ﴿وَكَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا كِذَّابً﴾ لأنَّ ((كذَّبوا)) يقيِّدُ المصدرَ بالكِذَّاب. ﴿َجَزَآءُ مِّن رَّيِّكَ﴾ نصب على المصدر؛ لأنَّ المعنى: جزاهم بما تقدَّم ذكرُه جَزاءً، وكذلك ﴿عَطَاءُ﴾ لأنَّ معنى أعطاهم وجزاهم واحد. أي: أعطاهم عطاء. ﴿حِسَابًا﴾ أي: كثيراً؛ قاله قتادة(٤)؛ يقال: أحسَبْتُ فلاناً، أي: كَثَّرتُ له العطاءَ حتى قال: حَسْبي؛ قال: ونُقفي ولِيدَ الحيِّ إنْ كان جائِعاً ونُحِبُهُ إنْ كانَ ليس بجائِعِ(٥) (١) الصحاح (دهق)، وخبر عمره أخرجه ابن أبي شيبة ٢٧٣/١٣، وذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٢٦٥/٣. (٢) سلف ٤ / ١٧ . (٣) السبعة ص٦٦٩، والتيسير ص٢١٩ . (٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٣/٢، والطبري ٢٤ / ٤٤ . (٥) البيت لامرأة من بني نمير، أو هو لغيئةً أمِّ الهيثم، كما ذكر ابن دريد في الاشتقاق ص٧٤ ، ونسبه = ٢٨ سورة النبأ: الآية ٣٦ وقال القُتَبيُّ (١): ونرى أصلَ هذا: أنْ يُعطيَه حتى يقولَ حَسْبِي. وقال الزجَّاج(٢): ((حِسابا))، أي: ما يكفيهم. وقاله الأخفش. يقال: أحْسَبني كذا : أي: كَفَاني. وقال الكلبيُّ: حاسَبهم فأعطاهم بالحسنة عَشراً. مجاهد: حساباً لمَا عملوا. فالحسابُ بمعنى العدِّ(٣). أي: بقَدْرِ ما وَجْبَ له في وَعد الرَّبِّ؛ فإنَّه وَعَدَ للحسنة عَشراً، ووَعدَ لقومٍ بسبعٍ مئةٍ ضِعْفٍ، وقد وعد لقوم جزاءً لا نهايةً له ولا مِقدار، كما قال تعالى: ﴿إِنََّا يُؤَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠](٤). وقرأ أبو هاشم: ((عَطَاء حَسَّاباً)) بفتح الحاءِ وتشديدِ السين(٥)، على وزن فَعَّال، أي: كَفافاً؛ قال الأصمعيُّ: تقول العرب: حَسَّبْت الرجلَ بالتشديد: إذا أكرمته، وأنشد قولَ الشاعر : إذا أتاهُ ضيفُه يُحسِّبة(٦) وقرأ ابن عباس: ((حساناً)) بالنون(٧). = صاحب اللسان (حسب) لامرأة من بني قشير، وهو دون نسبة في إصلاح المنطق ص٢٦٣ ، وأمالي القالي ٢٥٤/٢ و٢٦٢، وتفسير الغريب لابن قتيبة ص ٥١٠ . قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص٤١٦: نُقفي من القَفِيَّة، وهو المدَّخر في البيت من المأكول، يقول: إن جاء صبي من صبيان الحي جائعاً أطعمناه من القفية. وقوله: ونُحسِبه، قال ابن السكيت: أي نكثر له ونعطيه حتى يقول: حَسْبُ. (١) في تفسير الغريب ص ٥١٠ . (٢) في معاني القرآن ٢٧٥/٥ . (٣) النكت والعيون ١٨٩/٦، وأخرجه عن مجاهد الطبري ٢٤/ ٤٤. (٤) تفسير الرازي ٢٢/٣١. (٥) المحتسب ٣٤٩/٢، والكشاف ٢١٠/٤ عن يزيد بن قطيب. (٦) لم نقف عليه. (٧) القراءات الشاذة ص١٦٩، والمحرر الوجيز ٤٢٨/٥، والبحر ٤١٥/٨، وعندهم جميعاً: ((عطاء حَسَناً). ٢٩ سورة النبأ: الآيات ٣٧ - ٤٠ يَوْمَ قوله تعالى: ﴿رَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا تَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابً (9) يَقُومُ الزُّعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٢٨) ذَلِكَ اَلْيَوْمُ الْحَقِّ فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، مَثَابًا ﴿ إِنَّا أَنَذَرْنَّكُمْ عَذَابًا فَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ اُلْمَرْهُ مَا قَدَمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿رَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ﴾: قرأ ابن مسعود ونافعٌ وأبو عمر وابنُ كثير، وزيدٌ عن يعقوب، والمفضَّلُ عن عاصم: ((رَبُّ)) بالرفع على الاستئناف، ((الرحمنُ)) خبرُهُ(١). أو بمعنى: هو ربُّ السَّماواتِ، ويكون ((الرحمن)) مبتدأً ثانياً. وقرأ ابن عامرٍ ويعقوبُ وابنُ مُحيصِنٍ كلاهما بالخفض، نعتاً لقوله: ﴿جَزَّاءُ مِّن زَّيِّكَ﴾ أي: جزاءً من ربِّك ربِّ السَّماوات الرحمنِ(٢). وقرأ ابن عباسٍ وعاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ((رَبِّ السَّماوات)) خفضاً على النعت، ((الرحمنُ)) رفعاً على الابتداء(٣)، أي: هو الرحمنُ. واختاره أبو عُبيد وقال: هذا أعْدَلُها، خفض ((رَبِّ)) لقُرْبِه من قوله: ((مِن رَبِّك)) فيكون نعتاً له، ورفع ((الرحمن)) لُعْدِهِ منه - على الاستئناف - وخبرُه ﴿لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابً﴾ أي: لا يملكون أنْ يسألوه إلَّا فيما أذِن لهم فيه. وقال الكسائيُّ: ((لا يملكون منه خطابًا)) بالشفاعة إلَّا بإذنه. وقيل: الخطابُ: الكلام، أي: لا يملكون أنْ يُخاطبوا الربَّ سبحانه إلَّا بإذْنه، دليلُه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]. وقيل: أراد الكفار، أي(٤): ((لا يملِكُون منه خطابً))، فأمَّا المؤمنون فَيَشْفَعُون. (١) وهي أيضاً قراءة أبي جعفر من العشرة، والمشهور عن عاصم ويعقوب بالخفض في كليهما، على ما يأتي. (٢) وهي قراءة عاصم أيضاً. (٣) السبعة ص٦٦٩، والتيسير ص٢١٩، والنشر ٣٩٧/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، وسلف المشهور عن عاصم. (٤) قوله: أي، ليس في (م). ٣٠ سورة النبأ: الآيات ٣٧ - ٤٠ قلت: بعد أن يُؤذَنَ لهم؛ لقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًا﴾ ((يومَ)) نصب على الظّرف، أي: لا يملِكون منه خطاباً يومَ يقومُ الروح، واختلف في الروح على أقوالٍ ثمانيةٍ: الأول: أنَّه مَلَكٌ من الملائكة. قال ابن عباس: ما خَلَق الله مخلوقاً بعدَ العرشِ أعظَمَ منه، فإذا كان يومُ القيامة قام هو وحده صفًّا، وقامت الملائكةُ كلُّهم صفًّا، فيكونُ عِظَمُ خَلقه مثلَ صفوفهم(١). ونحوّ منه عن ابن مسعود؛ قال: الروحُ ملكٌ أعظَمُ من السَّماوات السبع، ومن الأرضينَ السبع، ومن الجبال. وهو حِيَال السماءِ الرابعة، يُسبِّحُ الله كلَّ يوم اثنتي عشرةَ ألفَ تسبيحةٍ، يخلُق الله من كلِّ تسبيحةٍ مَلَكاً، فيجيءُ يومَ القيامةِ وحدَه صفًّا، وسائر الملائكة صَفًّا(٢). الثاني: أنه جبريلُ عليه السلام. قاله الشَّعبيُّ والضخَّاك وسعيد بن جبير (٣). وعن ابن عباس: إنَّ عن يمين العرشِ نَهراً من نورٍ، مثلَ السماواتِ السبعِ، والأرضينَ السبعِ، والبحارِ السبع، يَدْخل جبريلُ كلَّ يومٍ فيه سَحراً فيغتسلُ، فيزدادُ نوراً على نوره، وجمالاً على جماله، وعظماً على عظمه، ثم ينتفضُ فيخلقُ الله من كلِّ قطرةٍ تقعُ من ريشه سبعين ألفَ مَلكِ، يدخل منهم كلَّ يوم سبعون ألفاً البيتَ المعمور، والكعبةَ سبعون ألفاً، لا يعودُون إليهما إلى يوم القيامة(٤). وقال وَهْبٌ: إنَّ جبريل عليه السلام واقفٌ بين يدي الله تعالى ترعد فرائصُه، يخلقُ الله تعالى من كلِّ رَعدةٍ مئةَ ألفِ مَلَك، فالملائكةُ صفوفٌ بين يدي الله تعالى (١) الوسيط ٤١٧/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٤٠، وزاد المسير ٩/ ١٢، وأخرجه مختصراً الطبري ٤٧/٢٤. (٢) أخرجه الطبري ٤٦/٢٤-٤٧. وقال ابن كثير عن تفسير هذه الآية: هذا قول غريب جدًّا. (٣) تفسير الطبري ٤٧/٢٤، والنكت والعيون ٦/ ١٩٠. (٤) سلف ١٢/ ٢٨٨-٢٨٩ . ووقع في النسخ الخطية: لا يعودون إليه إلى ... ٣١ سورة النبأ: الآيات ٣٨ - ٤٠ منكَّسةٌ رؤوسُهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا أنت، وهو قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّحْمَنُ﴾ في الكلام ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ يعني قولَ: لا إلهَ إلَّا الله. الثالث: روى ابن عباس عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((الرُّوحُ في هذه الآيةِ جندٌ من جنود الله تعالى، ليسوا ملائكةً، لهم رُؤوسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ، يأكلون الطعام)). ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُمُ الْرُجُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفًا﴾، فإنَّ هؤلاء جُند، وهؤلاء جُند (١). وهذا قولُ أبي صالح ومجاهد(٢). وعلى هذا هم خَلْقٌ على صورة بني آدمَ، كالناس وليسوا بناس. الرابع: أنَّهم أشرافُ الملائكة؛ قاله مقاتل بن حَيَّان(٣). الخامس: أنهم حَفَظَةٌ على الملائكة؛ قاله ابن أبي نجيح(٤). السادس: أنهم بنو آدم؛ قاله الحسن وقتادة(٥). فالمعنى: ذَوو الروح. وقال العَوْفيُّ والقُرَظيُّ: هذا ممّا كان يكتُمه ابن عباس(٦)؛ قال: الرُّوحِ: خَلْقٌ من خَلْقِ الله على صُوَرِ بني آدمَ، وما نزَلَ مَلَكٌ من السماء إلَّا ومعه واحدٌ من الرُّوح(٧). السابع: أرواحُ بني آدمَ تقومُ صَفًّا، وتقومُ الملائكةُ صفًّا، وذلك بين النفختين، قبل أن تُردَّ إلى الأجساد؛ قاله عَطية (٨). (١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤١٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٣٠٩/٦ لابن أبي حاتم وابن مردويه. وذكره ابن كثير عن تفسير هذه الآية عن ابن عباس بنحوه موقوفاً. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٤٤، وتفسير الطبري ٤٨/٢٤. (٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤١٨). (٤) النكت والعيون ٦/ ١٩٠ . (٥) تفسير الطبري ٤٩/٢٤، وأخرجه عن قتادة أيضاً عبد الرزاق ٣٤٣/٢. (٦) أخرجه الطبري ٤٩/٢٤ عن قتادة. (٧) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٠٦). (٨) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٩ من طريق عطية عن ابن عباس. ٣٢ سورة النبأ: الآيات ٣٨ - ٤٠ : الثامن: أنه القرآن؛ قاله زيد بن أسلم، وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى : ٥٢](١). و((صفًّا)»: مصدر: أي: يقومون صُفوفاً. والمصدرُ يُنْبئُ عن (٢) الواحدِ والجمع، كالعدل والصوم. ويقال ليوم العيد: يومُ الصَّفِّ. وقال في موضع آخر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] هذا يدلُّ على الصفوف، وهذا حينَ العرضِ والحساب. قال معناه القُتَبيُّ(٣) وغيره. وقيل: يقومُ الروحُ صفًّا، والملائكةُ صفًّا، فهم صفَّان. وقيل: يقوم الكلُّ صفًّا واحداً. ﴿لَّا يَتَكَّمُونَ﴾ أي: لا يشفَعون ﴿إِلَّا مَنْ أَذِّنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الشفاعة ﴿وَقَالَ صَوَابً﴾ يعني: حقاً؛ قاله الضخَّاك ومجاهد. وقال أبو صالح: لا إله إلا الله (٤). وروى الضخَّاك عن ابن عباس قال: يَشفعون لمَن قال: لا إله إلا الله. وأصلُ الصَّواب: السَّدَادُ من القول والفعل، وهو مِن أصاب يصيبُ إصابةً، كالجواب من أجاب يجيب إجابة. وقيل: ((لا يتكلَّمون)) يعني الملائكة والرُّوح الذين قاموا صفًّا، لا يتكلَّمون هيبةً وإجلالاً ((إلَّا مَن أذِنَ له الرحمنُ)) في الشفاعة، وهم قد قالوا صواباً، وأنهم يوحّدون الله ویسبّحونه. وقال الحسن: إنَّ الرُّوح يقول يومَ القيامة: لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إلَّا بالرحمة، ولا النار إلَّا بالعمل. فهو معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾(٥). (١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٠ . (٢) في (ظ) و(ي): يبنى على. (٣) في تفسير غريب القرآن ص ٥١١ . (٤) تفسير الطبري ٥١/٢٤-٥٢، والنكت والعيون ١٩٠/٦. (٥) النكت والعيون ٦/ ١٩٠. ٣٣ سورة النبأ: الآيات ٣٩ - ٤٠ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقّ﴾ أي: الكائنُ الواقع ﴿فَمَن شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، مَثَابًا﴾ أي: مَرجِعاً بالعمل الصالح، كأنه إذا عَمِل خيراً ردَّه إلى الله عزَّ وجلَّ، وإذا عمل شرًّا عدَّه منه. ويَنْظُر إلى هذا المعنى قولُه عليه السلام: ((والخيرُ كلُّه بيديك، والشرُّ ليس إليك)»(١). وقال قتادةُ: (مآباً)): سبيلاً(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنَذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾: يخاطِبُ كفارَ قريش ومشركي العربِ؛ لأنَّهم قالوا: لا نُبْعَثُ. والعذابُ عذابُ الآخرة، وكلُّ ما هو آتٍ فهو قريبٌ، وقد قال تعالى: ﴿كَهُمْ يَّمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ مُحَهَا﴾ [النازعات: ٤٦] قال معناه الكلبيُّ وغيره. وقال قتادةُ: عقوبةُ الدنيا؛ لأنَّها أقربُ العذَابين. قال مقاتل: هي قَتْلُ قريشٍ بیدر(٣). والأَظْهَرُ أنه عذابُ الآخرة، وهو الموتُ والقيامة؛ لأنَّ مَن مات فقد قامتْ قيامتُه، فإن كان من أهل الجنةِ رأى مقعده من الجنة، وإن كان من أهل النار رأى الخِزْيَ والهَوَانَ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا فَذَمَتْ يَدَاهُ﴾ بَيَّن وقتَ ذلك العذاب، أي: أنذرناكم عذاباً قريباً في ذلك اليوم، وهو يومَ ينْظُرُ المرء ما قدمتْ يداه، أي: يراه. وقيل: ينظر إلى ما قدَّمت، فحذف إلى. والمرءُ هاهنا: المؤمنُ في قول الحسن(٤)، أي: يجدُ لنفسه عملاً، فأمَّا الكافرُ فلا يجد لنفسه عملاً، فيتمنَّى أن يكون تراباً، ولمَّا قال: ﴿وَيَقُولُ اَلْكَافُِ﴾ عُلم أنه أرادَ بالمرءِ المؤمن. وقيل: المرءُ هاهنا: أبيّ بنُ خلف وعُقْبةُ بنُ أبي مُعَيط. ((ويقول الكافِر)): أبو جهل. (١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٧٧١) عن علي ﴾، وسلف ٩/ ١٤٠. (٢) أخرجه عبد الرزاق ٣٤٤/٢، والطبري ٥٣/٢٤. (٣) النكت والعيون ١٩١/٦. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٥٤ . ٣٤ سورة النبأ: الآية ٤٠ وقيل: هو عامٌّ في كلِّ أحدٍ وإنسانٍ يَرَى في ذلك اليوم جزاءً ما كَسَب. وقال مُقاتل: نزلت قولُه: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرَُّ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ في أبي سَلَمةَ بنِ عبد الأسَد المخزوميِّ، ﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَنِى كُتُّ تُرَبًا﴾ في أخيه الأسود بن عبد الأسد(١). وقال الثعلبيُّ: سمعتُ أبا القاسم بن حبيب يقول: الكافرُ هاهنا إبليس، وذلك أنَّه عاب أدمَ بأنه خُلِق من تراب، وافْتخَر بأنه خُلق من نار، فإذا عايَنَ يومَ القيامةِ ما فيه آدمُ وبنوه من الثواب والراحة والرحمة، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب، تمنَّى أنه يكونُ بمكانٍ آدَمَ، فيقول: ((يا ليتني كنت ترابا)) قال: ورأيتُه في بعض التفاسير للقُشَيريِّ أبي نصر، وقيل: أي يقول إبليسُ: يا ليتني خُلِقتُ من التراب ولم أَقُلْ: أنا خيرٌ من آدم. وعن ابن عمر: إذا كان يومُ القيامة مُدَّتِ الأرضُ مَدَّ الأدِيم، وحُشِر الذَّوابُّ والبهائمُ والوحوش، ثم يوضعُ القِصاصُ بين البهائم، حتى يُقتَصّ للشاة الجمَّاء من الشاة القَرناء نَطَحتْها، فإذا فُرغ من القِصاص بينها قيل لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ((يا ليتني كنتُ تراباً)). ونحوه عن أبي هريرةَ وعبدِ الله بن عمرو بن العاص ﴾(٢). وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة))، مُجوَّداً(٣)، والحمد لله. ذكر أبو جعفر النَّحاس: حدَّثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال: حدَّثنا سَلَمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا مَعْمر، قال: أخبرني جعفر بن بُرقان الجَزَريُّ، عن يزيد بن الأصمِّ، عن أبي هريرة، قال: إنَّ الله تعالى يحشُر الخلقَ كلَّهم (١) النكت والعيون ٦/ ١٩١ . (٢) أخرجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الطبري ٥٤/٢٤ -٥٥، والحاكم ٥٧٥/٤، وذكره البغوي ٤/ ٤٤٠، وذكره عن ابن عمر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٩/٥ . وأخرجه عن أبي هريرة الطبري ٥٥/٢٤، وسيأتي نحوه عن أبي هريرة أيضاً. وينظر ما سلف ٣٧٢/٨ . (٣) ص ٢٧٣ . ٣٥ سورة النبأ: الآية ٤٠ من دابة وطائرٍ وإنسان، ثم يقال للبهائم والطير: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنتُ تُراباً(١). وقال قومٌ: (يا ليتني كنتُ تراباً)) أي: لم أُبعَثْ، كما قال: ﴿يَنِ لَ أُوْتَ كِنِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]. وقال أبو الزِّناد: إذا قُضِي بين الناسِ، وأُمِر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهلِ النار إلى النار، قيل لسائر الأمم [سوى ولدِ آدمَ] ولمؤمني الجنّ: عودوا تراباً، فيعودون تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم: ((يا ليتني كنتُ تراباً)»(٢). وقال ليث بن أبي سليم: مؤمنو الجنِّ يعودون تراباً(٣). وقال عمر بنُ عبد العزيز والزهريُّ والكلبيُّ ومجاهدٌ: مؤمنو الجِنَّةِ حولَ الجَنةِ في رَبَضٍ ورِحاب، وليسوا فيها. وهذا أصح، وقد مضى في سورة الرحمن بيانُ هذا، وأنَّهم مكلَّفون: يُثابُونَ ويُعاقَبون، فهم كبني آدمَ(٤)، واللهُ أعلمُ بالصواب. (١) تفسير عبد الرزاق ٣٤٤/٢، وتفسير الطبري ٥٥/٢٤ . (٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٥٦، وما سلف بين حاصرتين منه، وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٤١ . (٤) ينظر ١٣٨/٢٠. سورة النازعات مَكِّية بإِجماع. وهي خمسٌ أو ستٍّ وأربعون آية. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَاَلنَّزِعَتِ غَرْقًا ﴿﴿ وَالنَّشِطَتِ نَشْطَأَ ﴿ وَالسَّبِحَتِ سَبْعًا ٣ ٧ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ فَالسَِّقَتِ سَبْقًا ﴿ فَالْمُدَتِرَتِ أَمْرَّا جَ يَزَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِفَةٌ ﴿ أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ ﴿ يَقُولُونَ أَِنَا لَمَرْدُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ ١٠ فَإَِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ ﴾ أَِذَا كُنَا ◌ِظَامًا تَخِرَةً فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ١٣٠ قوله تعالى: ﴿وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا﴾: أَقْسمَ سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها على أنَّ القيامة حقٌّ. و ((النازعاتِ)): الملائكةُ التي تَنزِعُ أرواح الكفار؛ قاله عليٍّ ◌َ﴾(١)، وكذا قال ابن مسعود وابن عباس ومسروقٌ ومجاهدٌ: هي الملائكةُ تَنزِعُ نفوسَ بني آدم (٢). قال ابن مسعود: يريدُ أنفُسَ الكُفار يَنزِعُها ملكُ الموتِ من أجسادهم، مِن تحت كلِّ شعرةٍ، ومن تحت الأظافير وأصولِ القدمين، نَزْعاً كالسَّقُّود يُنزَعُ من الصُّوف الرَّطب، ثم يُغرِقُها، أي: يُرْجِعُها في أجسادهم، ثم ينزِعُها، فهذا عملُه بالكفار(٣). وقاله ابن (٤) عباس (٤). وقال سعيد بن جبير: نُزِعتْ أرواحُهم، ثم غُرِّقتْ، ثم حُرِقت؛ ثم قُذِفَ بها في النار. وقيل: يرى الكافر نفسَه في وقت النَّرْعِ كأنَّها تغرق. (١) زاد المسير ١٤/٩، وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر، كما في الدر المنثور ٣١٠/٦. (٢) تفسير الطبري ٥٧/٢٤ والنكت والعيون ١٩٢/٦، والمحرر الوجيز ٤٣٠/٥. (٣) ذكره بنحوه البغوي ٤/ ٤٤١ . (٤) أخرجه ابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية، والسيوطي في الدر المنثور ٣١٠/٦. ٣٧ سورة النازعات: الآيات ١ - ١٤ وقال السُّدِّيُّ: و((النازِعاتِ)): هي النفوسُ حين تَغْرَق في الصدور. مجاهد: هي الموتُ ينزعُ النفوس. الحسن وقتادة: هي النجومُ تَنْزِع من أُفقِ إلى أفق(١)، أي: تذهب، مِن قولهم: نَزَع إليه، أي: ذهب، أو من قولهم: نَزَعَت الخيل، أي: جرت. ((غَرْقاً)) أي: أنَّها تَغْرَقُ وتَغيبُ وتطلعُ من أفقٍ إلى أفقٍ آخرَ. وقاله أبو عُبيدةً وابنُ كَيسان والأخفش(٢). وقيل: النازعات القِسِيُّ تنزعُ بالسِّهام؛ قاله عطاءٌ وعِكرمة(٣). و((غَرْقاً)) بمعنى: إغراقاً، وإغراقُ النازع في القوس أنْ يبلغ غايةَ المدِّ، حتى ينتهيَ إلى النَّصْل. يقال: أغرقَ في القوس، أي: استَوْفَى مدَّها، وذلك بأنْ تنتهي إلى العَقَب الذي عند النَّصلِ الملفوفِ عليه. والاستغراقُ: الاستيعاب. ويقال لقِشْرةِ البيضةِ الداخلةِ: ((غِرقِئ)) (٤). وقيل: هم الغُزاة الرُّماة(٥). قلت: هو والذي قَبلَه سواءٌ؛ لأنَّه إذا أقسمَ بالقِسِيِّ فالمرادُ النَّازِعون بها تعظيماً لها، وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْعًا﴾ والله أعلم. وأراد بالإغراق: المبالغةً في النَّزع، وهو سائغٌ في جميع وجوهِ تأويلها. وقيل: هي الوحشُ تَنزِعُ إلى الكلا(٦) وتَنْفِرُ. حكاه يحيى بنُ سلام. ومعنى ((غرقاً)) أي: إبعاداً في النزع. قوله تعالى: ﴿وَاَلنَّشِطَتِ نَشْطًا﴾ قال ابن عباس: يعني الملائكةَ تَنْشِطُ نفسَ المؤمنِ (١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٤/ ٥٨-٥٩ . (٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤٣٠، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢٨٤/٢ . (٣) المحرر الوجيز ٤٣٠/٥، وتفسير البغوي ٤٤١/٤، وأخرجه الطبري ٥٩/٢٤ عن عطاء. (٤) وهي القشرة الرقيقة الملتزقة ببياض البيض. المعجم الوسيط (غرق). (٥) تفسير البغوي ٤ / ٤٤١ . (٦) في (د) و(م) و(ي): من الكلأ، وكذا وقع في النكت والعيون ٦/ ١٩٢ والكلام منه، وفي (ظ): بين الكلأ، والمثبت من البحر ٤١٩/٨، وروح المعاني ٢٥/٣٠. ٣٨ سورة النازعات: الآيات ٢ - ١٤ فتقبضُها، كما يُنشَط العِقالُ من يد البعير إذا حُلَّ عنه. وحكى هذا القولَ الفرَّاءُ ثم قال: والذي سمعتُ من العرب أنْ يقولوا: أنْشَظْتُ، وكأنَّما أُنشِطَ من عِقال. ورَبَطها: نَشَطها، والرابط: الناشِط، وإذا رَبَظْتَ الحبلَ في يد البعير فقد نشَطْتَه، فأنت ناشطٌ، وإذا حَلَلْته فقد أَنْشَطْتَه، وأنت مُنشِط(١). وعن ابن عباس أيضاً: هي أنفُسُ المؤمنين عند الموتِ تَنْشِطُ للخروج، وذلك أنَّه ما مِن مؤمنٍ إلاَّ وتُعرَضُ عليه الجنةُ قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعدَّ الله له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يَدْعونه إليها، فنفْسُه إليهم نشِطَةٌ أن تخرج (٢) فتأتيهم(٢). وعنه أيضاً قال: يعني أنفسَ الكفارِ والمنافقين تُنْشَطُ كما يُنشَط العقَبُ الذي يُعْقَبُ به السهم. والعقَبُ بالتحريك: العَصَبُ الذي تُعمل منه الأوتار، الواحدةُ عَقَّبة؛ تقول منه: عَقَبَ السهمَ والقدحَ والقوسَ عَقْباً: إذا لوى شيئاً منه عليه (٣). والنَّشْطُ: الجَذْبُ بسرعة، ومنه الأنشوطةُ: عقدةٌ يسَهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبتْ مثل عُقدة التكّة. وقال أبو زيد: نَشَطْتُ الحبلَ أنشُطُه نَشطاً: عَقَدتُه بأُنشوطةٍ. وأنشَطْتُه، أي: حَلَلْه، وأنشطتُ الحبل(٤)، أي: مَدَدْتُه حتى يَنحلَّ. وقال الفرَّاء: أُنشِطَ العقالُ، أي: حُلَّ، ونُشِط أي: رُبِطَ الحبلُ في يديه(٥). وقال الليث(٦): أنشطتُه بأُنشوطة وأُنشوطتين، أي: أوثقته، وأنشطتُ العِقال: أي: مددتُ أُنشوطَته فانحلَّتْ. قال: ويقال: نَشَطَ بمعنى أنشط، لغتان بمعنى. وعليه (١) معاني القرآن للفراء ٢٣٠/٣، وتفسير الطبري ٥٩/٢٤ -٦٠. (٢) ذكره البغوي ٤/ ٤٤١، والطبرسي في مجمع البيان ٢١/٣٠. (٣) الصحاح (عقب). (٤) في الصحاح (نشط) والكلام منه: وانتشطت الحبل، وكلاهما صواب كما في كتاب العين ٢٣٣/٦ . (٥) سلف قول الفراء قريباً. (٦) بنحوه في العين ٢٣٢/٦. ٣٩ سورة النازعات: الآيات ٢ - ١٤ يصحُّ قولُ ابنِ عباس المذكورُ أوَّلاً. وعنه أيضاً: الناشطاتُ: الملائكةُ؛ لنشاطها، تذهبُ وتَجيءُ بأمرِ الله حيثُما كان. وعنه أيضاً وعن عليٍّ رضي الله عنهما: هي الملائكةُ تَنْشِطُ أرواحَ الكفار، ما بين الجِلْدِ والأظفارِ، حتى تُخْرِجَها من أجوافهم، نشطاً بالكَرْب والغم(١)، كما يُنشَط الصوفُ من سَقُود الحديد. وهي من النَّشط بمعنى الجَذْبِ، يقال: نَشَطْتُ الدَّلْوَ، أنشِطُها بالكسر، وأنشُطها بالضم: أي: نزعتها. قال الأصمعيُّ: بئرٌ أنشاطٌ: أي: قريبةُ القَعْرِ، تخرجُ الدَّلوُ منها بجذبةٍ واحدة. وبئرٌ نشوٌ، قال: وهي التي لا يخرجُ منها الدلوُ حتى تُنشَطَ كثيراً(٢). وقال مجاهد: هو الموتُ يَنشِطُ نفسَ الإنسان. السُّدِّيُّ: هي النفوسُ حين تُنشَطُ من القدمين(٣). وقيل: النازعاتُ: أَيْدي الغُزاةِ أو أنفسُهم، تنزع القِسِيَّ بإغراق السهام، والتي تَنشِطُ الأوهاق (٤). عِكرمةُ وعطاءٌ: هي الأوهاقُ تَنشِط البهائم(٥). وعن عطاء أيضاً وقتادةُ والحسنُ والأخفشُ: هي النجومُ تَنشِطُ من أُفقٍ إلى أُفق، (١) ذكره عن علي * البغوي ٤/ ٤٤٢، وأخرجه عنه سعيد بن منصور وابن المنذر كما في الدر المنثور ٣١٠/٦. (٢) الصحاح (نشط). (٣) تفسير الطبري ٢٤/ ٦٠، والنكت والعيون ١٩٣/٦. (٤) في (م): وهي التي تنشط الأوهاق، والمثبت من النسخ الخطية، والكشاف ٢١٢/٤ والكلام منه. وقد سلف نحو هذا القول قريباً. والأوهاق جمع وَهَق، وهو الحبل في أحد طرفيه أنشوطة يُطرح في عنق الدابة والإنسان حتى يؤخذ. المعجم الوسيط (وهق). (٥) في النسخ عدا (ظ): السهام، والمثبت من (ظ). وأخرج هذا القول عن عطاء الطبري ٢٤/ ٦١ دون قوله: تنشط البهائم. وكذا أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ٦/ ٣١١ . ٤٠ سورة النازعات: الآيات ٢ - ١٤ أي: تذهبُ(١). وكذا في ((الصِّحَاح)): ((وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا)) يعني النجومَ [تَنْشِطُ] من بُرْجٍ إلى برج، كالثورِ الناشطِ من بلدٍ إلى بلدٍ. والهمومُ تَنشِطُ بصاحبها؛ قال هِمْيان ابنُ قُحافةً : أمْسَتْ همومي تَنْشِطُ المَنَاشِطَا الشامَ بي طَوراً وطَوْراً واسِطًا(٢) أبو عبيدَة وعطاءٌ أيضاً: الناشطاتُ: هي الوحشُ حين تنشِطُ من بلد إلى بلد، كما أنَّ الهمومَ تنشِطُ الإنسانَ من بلد إلى بلد؛ وأنشد قول هِميان: أمْسَتْ هُمومي، البيت(٣). وقيل: ((والنازِعاتٍ)) للكافرين ((والناشِطاتِ)) للمؤمنين، فالملائكةُ يجذبون رُوح المؤمنِ برِفْقٍ، والنزعُ: جذبٌ بشدةٍ، والنَّشطُ: جذبٌ بِرفْقٍ. وقيل: هما جميعاً للكفار، والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا . قوله تعالى: ﴿وَالسَِّحَتِ سَبْعًا﴾ قال عليٍّ ﴾: هي الملائكةُ تَسْبَحُ بأرواح المؤمنين (٤) ٠ الكلبيُّ: هي الملائكةُ تقبضُ أرواحَ المؤمنين، كالذي يسبحُ في الماء، فأحياناً يَنْغَمِسُ، وأحياناً يرتفع، يَسلَّونها سَلَّا رفيقاً بسهولة، ثم يَدَعونها حتى تَسْتَريح(٥). وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكةُ ينزلون من السماء مُسْرِعين لأمر الله، (١) تفسير الطبري ٦١/٢٤، والمحرر الوجيز ٤٣٠/٥، وتفسير البغوي ٤٤٢/٤، وزاد المسير ١٦/٩. (٢) الصحاح (نشط)، وما سلف بين حاصرتين منه، والبيت في مجاز القرآن ٢٨٤/٢، وتفسير الطبري ٦٢/٢٤، وتهذيب اللغة ٣١٤/١١، والنكت والعيون ١٩٣/٦، والمحرر الوجيز ٤٣٠/٥. وهميان ابن قحافة هو أحد بني عُوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ويقال: أحد بني عامر بن عبيد بن الحارث، راجز مُحْسِن إسلامي، وكان في الدولة الأموية. المؤتلف والمختلف للآمدي ص٣٠٤ . (٣) النكت والعيون ٦/ ١٩٣ عن أبي عبيدة، وهو بنحوه في مجاز القرآن ٢٨٤/٢، وذكره عن عطاء ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٠/٥. وذكر الطبري ٦١/٢٤ -٦٢ جميع هذه الأقوال ثم قال: فكلُّ ناشطٍ فداخِلٌ فيما أقسم به، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بأن المعنيَّ بالقَسم من ذلك بعضٌ دون بعض. (٤) أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر كما في الدر المنثور ٣١٠/٦. (٥) زاد المسير ١٦/٩ .