النص المفهرس

صفحات 501-519

٥٠١
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٥
وقرأ أبو عمرو وحميد والحسن ونصر عن عاصم ومجاهد: ((وُقُتَتْ)) بالواو
وتشديد القاف على الأصل (١). وقال أبو عمرو: وإنما يقرأ ((أُقْتَتْ)) مَن قال في وُجُوه
أُجُوه. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج: ((وُقِتَت)) بالواو وتخفيف القاف(٢). وهو فُعِلَت
من الوقت، ومنه: ﴿كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وعن الحسن أيضاً: ((وُوقِتَتْ))
بواوين، وهو فُوعِلت(٣) من الوقت أيضاً، مثل: عُوهِدت. ولو قلبت الواو في هاتين
القراءتين ألفاً لجاز. وقرأ يحيى وأيوب وخالد بن إلياس وسلام: ((ُقِتَتْ)) بالهمزة
والتخفيف (٤)؛ لأنها مكتوبة في المصحف بالألف .
﴿لِأَِّّ يَوْمٍ أُبِلَتْ﴾ أي: أُخّرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو استفهام على
التعظيم(٥). أي: ﴿لِّوْمِ الْفَصْلِ﴾ أُجِّلَت. وروى سعيد عن قتادة قال: يفصل فيه بين
الناس بأعمالهم إلى الجنة أو إلى النار(٦). وفي الحديث: ((إذا حُشِرَ الناسُ يوم القيامة
قاموا أربعين عاماً على رؤوسهم الشمسُ، شاخصةً أبصارهم إلى السماء ينتظرون
الفصل))(٧).
﴿وَمَّآ أَدْرَئِكَ مَا يَوَمُ الْفَصْلِ﴾ أتبع التعظيم تعظيماً؛ أي: وما علمُك بيوم الفصل(٨)؟.
﴿وَيْلٌ يُؤَمِيدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: عذاب وخزي لمن كَذَّب بالله وبرسله وكتبه وبيوم
الفصل، فهو وعيد. وكرَّره في هذه السورة عند كلِّ آية لمن كذب؛ لأنه قسمه بينهم
(١) قراءة أبي عمرو في السبعة ص٦٦٦، والتيسير ص٢١٨، وقراءة الحسن في المحتسب ٣٤٥/٢.
(٢) قراءة أبي جعفر في النشر ٣٩٧/٢ وهي من العشرة .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٥/٥، والمحرر الوجيز ٤١٨/٥، والبحر المحيط ٤٠٥/٨ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٥/٥، والبحر المحيط ٤٠٥/٨ .
(٥) الكلام بنحوه في زاد المسير ٤٤٧/٨ .
(٦) أخرجه الطبري ٥٩٣/٢٣ .
(٧) سلف بنحوه ص١٧٨ من هذا الجزء عن عبد الله بن مسعود ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح
٤٤٨/١١: وسنده حسن.
(٨) في (د) و(م): وما أعلمك مايوم الفصل. والمثبت من باقي النسخ الخطية، وهو الموافق لما في تفسير
الرازي ٢٧٠/٣٠ ، والكلام منه.

٥٠٢
سورة المرسلات: الآيات ١ - ١٩
على قدر تكذيبهم، فإن لكل مَكذِّب بشيء عذاباً سوى تكذيبه بشيء آخر، ورُبَّ شيءٍ
كَذَّب به هو أعظم جُرْماً من تكذيبه بغيره، لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الردِّ على
الله، فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك، وعلى قدر وفاقه، وهو قوله: ﴿جَزَاءً
وِفَاقاً﴾ [النبأ: ٢٦]. وروي عن النعمان بن بشير أنه قال: وَيْلٌ: وادٍ في جهنم فيه
ألوان العذاب(١). وقاله ابن عباس وغيره. قال ابن عباس: إذا خَبَتْ جهنمُ أُخذ من
جمره فألقي عليها، فيأكل بعضُها بعضاً. وروي أيضاً عن النبيّ # أنه قال: ((عُرضت
عليَّ جهنم، فلم أرَ فيها وادياً أعظم من الويْل))(٢).
وروي أنه مَجْمَعُ ما يَسيل من قيحِ أهل النار وصديدِهم(٣)، وإنما يَسيل الشيء
فيما سفل من الأرض وانفطر، وقد علم العباد في الدنيا أن شرَّ المواضع في الدنيا ما
استنقع فيها مياه الأدناس والأقذارِ والغُسالات من الجيف وماءِ الحمامات، فذكر أن
ذلك الوادي مستنقعُ صديدِ أهل الكفر والشرك، ليعلم ذوو العقولِ أنه لاشيء أقذر منه
قذارةً، ولا أنتن منه نَتْنا، ولا أشد منه مرارةً، ولا أشدّ سواداً منه، ثم وصفه رسولُ الله ﴾
بما تضمن من العذاب، وأنه أعظم وادٍ في جهنم، فذكره الله تعالى في وعيده في هذه
السورة.
كَذَلِكَ نَفْعَلُ
ثُمَّ تُقْبِعُهُمُ الْآَخِينَ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
بِلْمُجْرِمِينَ ﴿٨ وَيٌِّ يَوَمَِدٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ )
قوله تعالى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدن
آدم إلى محمدٍ ﴾(٤). ﴿ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ﴾ أي: نُلحق الآخِرِين بالأولين.
(١) المحرر الوجيز ٤١٨/٥ وسلف الكلام فيه ٢٢١/٢.
(٢) لم نقف عليه
(٣) أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود كما في الدر المنثور ٣٠٣/٦، وذكره الطبري
٠٥٩٣/٢٣
(٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢٣/ ٥٩٤ .

٥٠٣
سورة المرسلات: الآيات ١٦ - ٢٤
كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: مثل ما فعلناه بمن تقدَّم نفعل بمشركي قريش، إما
بالسيف وإما بالهلاك(١).
وقرأ العامة: ((ثُمَّ نُتْبِعُهُم)) بالرفع على الاستئناف(٢)، وقرأ الأعرج: ((تُتْبِعْهُمْ))
بالجزم(٣) عطفاً على ((نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ)) كما تقول: ألم تزرني ثم أكرمك. والمراد أنه
أهلك قوماً بعد قوم على اختلاف أوقات المرسَلين. ثم استأنف بقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ
بِلْمُجْرِمِينَ﴾ يريد من يهلك فيما بعد. ويجوز أن يكون الإسكان تخفيفاً من ((نُتْبِعُهُم))
لتوالي الحركات(٤). وروي عنه الإسكان للتخفيف. وفي قراءة ابن مسعود: ((ثُمَّ
سَتْبِعُهُمُ))(٥) والكاف من ((كَذَلِكَ)) في موضع نصب، أي: مثل ذلك الهلاك نفعله بكلِ
مشرك(٦). ثم قيل: معناه التهويل لهلاكهم في الدنيا اعتباراً. وقيل: هو إخبار بعذابهم
في الآخرة(٧).
إِلَ قَدَرٍ
فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍ مَّکِیٍ @)
٢٥
قوله تعالى: ﴿أَرْ تَخْلُقُكُمْ مِنِ مَّآءٍ قَهِينٍ
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ (٣) وَلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ ﴾﴾
مَّعْلُومٍ ◌َ
قوله تعالى: ﴿أَلَّ غَخْلُفْكُمْ مِّن ◌َّآءٍ شَهِينٍ﴾ أي: ضعيف حقير، وهو النطفة، وقد
تقدَّم(٨). وهذه الآية أصلٌ لمن قال: إن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وحده.
وقد مضى القول فيه (٩).
(١) النكت والعيون ١٧٨/٦ .
(٢) الكشاف ٤/ ٢٠٣ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٧، والمحتسب ٣٤٦/٢.
(٤) المحتسب ٣٤٦/٢ بنحوه.
(٥) الكشاف ٢٠٣/٤، وتفسير الرازي ٢٧١/٣٠، والبحر المحيط ٤٠٥/٨، وجاء في معاني الفراء
٢٢٣/٣، وزاد المسير ٤٤٧/٨: وستتبعهم.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٢٦٧ بنحوه.
(٧) النكت والعيون ٦/ ١٧٨ .
(٨) ١٧ / ١٥ .
(٩) ٤١٣/١٩، وينظر ٣١٣/١٤.

٥٠٤
سورة المرسلات: الآيات ٢٠ - ٢٤
﴿فَجَعَلْتَهُ فِ قَارٍ مَّكِينٍ﴾ أي: في مكان حَريزٍ وهو الرَّحم(١). ﴿إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ قال
مجاهد: إلى أن نصوِّره. وقيل: إلى وقت الولادة(٢). ﴿فَقَدَرْنَا﴾ وقرأ نافع والكسائيُّ:
(فَقَدَّرْنَا)) بالتشديد، وخفّف الباقون(٣)، وهما لغتان بمعنىّ. قاله الكسائيُّ والفراء(٤)
والقُتَبِيُّ. قال القُتَبي(٥): قَدَرْنا بمعنى قدَّرنا مشدّدة: كما تقول: قَدَرْت كذا وقدَّرته،
ومنه قول النبيِّ # في الهلال: ((إذا غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له))(٦) أي: قدِّروا له المسيرَ
والمنازل.
وقال محمد بن الجهم عن الفراء: ((فَقَدَّرْنَا)) قال: وذُكر تشديدها عن عليٍّ﴾
وتخفيفها، قال: ولا يبعد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحداً؛ لأن العرب
تقول: قَدَر عليه الموت وقَدَّر، قال الله تعالى: ﴿فَحْنُ قَذَرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠]
قرئ بالتخفيف والتشديد، وقَدَر عليه رِزقه وقَدَّر. قال: واحتج الذين خفَّفوا فقالوا؛
لوكانت كذلك لكانت: فنعم المقدّرون. قال الفراء: وتجمع العرب بين اللغتين، قال
الله تعالى: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِنَ أَشْهِلَهُمْ رُوَبِذْ﴾ (٧) [الطارق: ١٧] قال الأعشى(٨):
وأنْكَرَتني وما كان الذي نَکِرَتْ
من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعَا
وروي عن عكرمة: ((فَقَدَرْنا)) مخففة من القدرة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم
والكسائيِّ لقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ﴾ ومن شدَّد فهو من التقدير، أي: فقدَّرنا الشقيَّ
(١) تفسير أبي الليث ٤٣٥/٣، والنكت والعيون ١٧٨/٦ بنحوه.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٣ .
(٣) السبعة ص٦٦٦، والتيسير ص٢١٨ .
(٤) في معاني القرآن له ٢٢٣/٣ .
(٥) في تفسير غريب القرآن ص٥٠٦ .
(٦) أخرجه الإمام أحمد (٤٤٨٨)، والبخاري (١٩٠٦)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما، وسلف ١٥٥/٣ .
(٧) معاني القرآن للفراء ٢٢٣/٣، ٢٢٤، ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٨/٨ -٤٤٩ بنحوه.
(٨) في ديوانه ص١٥١، وسلف ١١/ ١٦٢ - ١٦٣

٥٠٥
سورة المرسلات: الآيات ٢٤ - ٢٨
والسعيد، فنعم المقدِّرون. رواه ابن مسعود عن النبيِّ ﴾(١). وقيل: المعنى قدَّرنا
قصيراً أو طويلاً. ونحوه عن ابن عباس: قدرنا ملَكنا. المهدوي: وهذا التفسير أشبه
بقراءة التخفيف.
قلت: هو صحيح، فإن عكرمة هو الذي قرأ: ((فَقَدَرْنا)» مخفَّفاً قال: معناه:
فملكْنا فنعم المالكون(٢)، فأفادت الكلمتان معنيين متغايرين، أي: قدَّرنا وقتَ
الولادة وأحوالَ النطفة في التنقيل من حالة إلى حالة حتى صارت بشراً سويًّا، أو
الشقيَّ والسعيد، أو الطويل والقصير(٣)، كلُّه على قراءة التشديد. وقيل: هما بمعنىّ
کما ذکرنا.
:وَجَعَلْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ
قوله تعالى: ﴿أَلَزَ نَجْعَلِ اُلْأَرْضَ كِفَانًّا (٢٥) أَخْيَاءٍ وَأَمْوَاتًا
شَمِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَكُم مَّءٍ قُرَتًا (٨٧) وَيْلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
٢٨
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَرْ تَجَعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا﴾ أي: ضامَّة؛ تضمُّ الأحياءَ على
ظهرها (٤) والأمواتَ في بطنها. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن
شعَرِه وسائر مايزيله عنه(٥). وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((قُصُّوا أظافيركم(٦)
وادفنوا قُلاَماتِكم)). وقد مضى في ((البقرة)) بيانُه(٧). يقال: كَفَتُّ الشيء أَكْفِته: إذا
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٨/٥-٤١٩ بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري ٥٩٦/٢٣ عن الضحاك.
(٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٠٨/٤ عن الكلبي بنحوه.
(٤) في (د) و(م) و(ي): ظهورها. والمثبت من (ز) (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٤١٩/٥،
والكلام فيه بنحوه.
(٥) بنحوه في أحكام القرآن للكيا ٤٢٨/٤، ولابن العربي ١٨٨٨/٤.
(٦) في (ظ) و(م) أظافركم. والمثبت من (د) ونوادر الأصول ص ٤٥ .
(٧) ذكره الحكيم الترمذي في نوادره ص٤٥، من حديث عبدالله بن بسر المازني * مرفوعاً والخبر
ضعيف جداً، وسلف ٣٥٨/٢ - ٣٥٩، وينظر فتح الباري ٣٣٨/١٠ .

٥٠٦
سورة المرسلات: الآيات ٢٥ - ٢٨
جمعتَه وضممتَه، والكَفْت: الضمُّ والجمع(١)، وأنشد سيبويه.
كِرامٌ حينَ تَنْكَفِتُ الأَفَاعي إلى أحْجَارهنَّ من الصَّقِيعِ(٢)
وقال أبو عبيدة(٣): ((كِفَاتاً)): أوعية. ويقال للنّخي(٤): كِفْت وكَفِيت؛ لأنه يحوي
اللبن ويضمه قال :
فأنت اليومَ فوقَ الأرضِ حَيًّا وأنت غداً تَضُمُّك(٥) في كِفَاتِ
وخرج الشَّعبيُّ في جنازة، فنظر إلى الجَبَّان فقال: هذه كِفات الأموات، ثم نظر
إلى البيوت فقال: هذه كِفات الأحياء(٦).
و[الثانية]: روي عن ربيعة في النَّبَّاش قال: تقطع يده، فقيل له: لِم قلت ذلك؟
قال: إن الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿أَلَ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا. أَعْيَاءُ وَأَمْوَنًا﴾ فالأرضِ حِرْزٌ(٧).
وقد مضى هذا في سورة المائدة(٨). وكانوا يسمُّون بَقِيع الغَرْقد كَفْتَةً؛ لأنه مقبرة تضم
الموتى(٩)، فالأرض تضم الأحياءَ إلى منازلهم والأموات في قبورهم. وأيضاً استقرار
الناس على وجه الأرض، ثم اضطجاعهم عليها، انضمامٌ منهم إليها. وقيل: هي
كِفاتٌ للأحياء يعني دفن ما يخرج من الإنسان من الفضلات في الأرض؛ إذ لا ضَمَّ
(١) الوسيط ٤ /٤٠٨ بنحوه .
(٢) الكتاب ٣/ ٥٧٧، والبيت لابن مقبل، وهو في ديوانه ص ١٦٥ وروايته: مَقَارٍ، بدل: كرام. ومعناه كما
قال شارحه: إن هؤلاء الناس يَقْرُون الضيوف في زمن الشدة حين يعزُّ الطعام.
(٣) في (د) و(ز) و(م): أبو عبيد، والمثبت من (ظ) و(ي)، والكلام في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١٩٥ .
(٤) النِّحْيُ: جَرَّة فخار يُجعل فيها لبنٌ ليُمخض. القاموس (نحى).
(٥) في النسخ الخطية: تُضَمَّنُ، والمثبت من (م) والنكت والعيون ١٧٩/٦، ونسبه الماوردي فيه
للصمصامة بن الطّرِمَّاح.
(٦) المحرر الوجيز ٤١٩/٥، وأخرجه الطبري ٥٩٧/٢٣ بنحوه.
(٧) ذكره الرازي في تفسيره ٢٧٤/٣٠ عنه، والزمخشري في الكشاف ٤/ ٢٠٤ عن بعض أصحاب
الشافعي.
(٨). ٤٥٦/٧ .
(٩) تفسير غريب القرآن ص ٥٠٦، والمحرر الوجيز ٤١٩/٥ .

٥٠٧
سورة المرسلات: الآيات ٢٥ - ٢٨
في كون الناس عليها، والضَّمّ يشير إلى الاحتفاف من جميع الوجوه(١). وقال
الأخفش وأبو عبيدة ومجاهد في أحد قوليه: الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض،
أي: الأرض منقسمة إلى حيٍّ، وهو الذي ينبت، وإلى ميتٍ، وهو الذي لا ينبت(٢).
وقال الفراء(٣): انتصب ((أَحْيَاءً وَ أَمْوَاتاً)) بوقوعِ الكِفات عليه، أي: ألم نجعل
الأرضَ كِفاتَ أحياءٍ وأمواتٍ. فإذا نوّنت نصبت، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطِعَهُ فِ يَوْمٍ ذِى
مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ -١٥].
وقيل: نصب على الحال من الأرض(٤)، أي: منها كذا ومنها كذا. وقال
الأخفش: ((كِفَاتاً)) جمع كافتة، والأرض يراد بها الجمع، فنعتت بالجمع.
وقال الخليل: التكفيت: تقليب الشيء ظهراً لبطن أو بطناً لظهر. ويقال: انكفت
القومُ إلى منازلهم، أي: انقلبوا(٥). فمعنى الكفات أنهم يتصرفون على ظهرها،
وينقلبون إليها، ويدفنون فيها.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿رَوَسِىَ شَيِخَةٍ﴾ يعني الجبال، والرواسي
الثوابت، والشامخات الطوال، ومنه يقال: شمخ بأنفه: إذا رَفَعَه كِبْراً (٦).
﴿وَأَسْقَيْنَكُمْ مََّ فُرَاتًا﴾ أي: وجعلنا لكم سُقْياً. والفُرَات: الماء العذب يُشرب
ويُسقى منه الزرع. أي: خلقنا الجبال وأنزلنا الماء الفرات. وهذه الأمور أعجبُ من
البعث(٧). وفي بعض الحديث قال أبو هريرة: في الأرض من الجنة الفُرَاتُ
(١) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٢٧٤/٣٠ .
(٢) الكلام بنحوه في مجاز القرآن ٢٨١/٢، وتفسير مجاهد ٧١٦/٢، ونقله عنهما ابن الجوزي في
زاد المسير ٤٤٩/٨، وعن مجاهد نقله الماوردي في النكت والعيون ١٧٩/٦، وعن الأخفش نقله
أبو الليث السمر قندي ٤٣٦/٣ .
(٣) في معاني القرآن ٢٢٤/٣، ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٩/٨.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٨/٥، والكشاف ٤/ ٢٠٤
(٥) العين ٣٤١/٥ .
(٦) المحرر الوجيز ٤١٩/٥ بنحوه، وينظر مجمع البيان للطبرسي ١٥٩/٢٩.
(٧) ذكره البغوي في تفسيره ٤٣٤/٤ من قول مقاتل.

٥٠٨
سورة المرسلات: الآيات ٢٧ - ٣٤
والدِّجلة(١) ونهرُ الأردن. وفي صحيح مسلم (٢): سَيحان وَجَيْحان والنيل والفُرات كلٌّ
من أنهار الجنة.
قوله تعالى: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿٨ أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍ ذِى ثَثِ شُعَبٍ
كَأَنَّهُ جَمَلَهُ
إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
﴿َ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ (٣)
(٣٤)
وَلِّ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
صَفر [٣
قوله تعالى: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال للكفار: سيروا ((إِلَى مَا
كُنْتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)) من العذاب، يعني النار، فقد شاهدتموها عِياناً. ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلِ﴾
أي: دخان ﴿ذِى ثَثِ شُعَرٍ﴾ يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شُعب.
وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشغَّبَ (٣). ثم وصَف الظلَّ فقال: ﴿لَّا ظَلِلٍ﴾
أي: ليس كالظلِّ الذي يقي حَرَّ الشمس ﴿وَلَا يُغْنِ مِنَ الَّهَبِ﴾ أي: لا يدفع من لهب
جهنم شيئاً (٤).
واللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر.
وقيل : إن الشُّعَب الثلاث هي الضريع والزّقُّوم والغِسْلين، قاله الضحاك. وقيل:
اللهب ثم الشَّرر ثم الدخان، لأنها ثلاثة أحوال، هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت
واشتدَّت(٥).
وقيل: عُنُق يخرج من النار، فيتشعب ثلاث شعب [نورٌ ودخان ولهب]. فأما
النورفيقف على رؤوس المؤمنين، وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين، وأما
اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين(٦).
(١) في النسخ الخطية: العجوة. والمثبت من (م)، ولم نقف عليه.
(٢) برقم (٢٨٣٩)، وسلف ٢٩/١٦ .
(٣) الكلام بنحوه في الكشاف ٤/ ٢٠٤ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٦٨/٥ بنحوه.
(٥) النكت والعيون ١٧٩/٦.
(٦) تفسير البغوي ٤٣٤/٤، وما بين حاصرتين منه.

٥٠٩
سورة المرسلات: الآيات ٢٩ - ٣٤
وقيل: هو السُّرَادق، وهو لسان من النار يحيط بهم، ثم يتشعب منه ثلاث
شعب، فتظللهم حتى يُفْرَغ من حسابهم إلى النار(١). وقيل: هو الظلُّ من يَحْموم، كما
قال تعالى: ﴿فِي سَمُورٍ وَحَمِيرٍ. وَظِلٍ مِّنِ يَخْهُورِ. لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيرٍ﴾ [الواقعة: ٤٢-٤٤] على
ما تقدَّم(٢). وفي الحديث: إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ
لباس ولالهم أكنان، فتلفحُهم الشمس(٣) وتأخذ بأنفاسهم، ومُدَّ ذلك اليوم، ثم ينجِّي
الله برحمته من يشاء إلى ظلِّ من ظلِّه، فهنالك يقولون: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنْنَا عَذَابَ
السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]. ويقال للمكذبين: ﴿أَنْطَلِّقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ من عذاب
الله وعقابه ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَرٍ﴾. فيكون أولياء الله جلَّ ثناؤه في ظلِّ
عرشه، أو حيث شاء من الظلِّ، إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكلِّ فريق إلى
مستقرّه من الجنة والنار .
ثم وصف النار فقال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ الشرر: واحده شررة. والشَّرار:
واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شَرَرْتُ الثوبَ: إذا
بسطتَه للشمس ليجفّ(٤). والقصر: البناء العالي. وقراءة العامة: ((كَالْقَصرِ)) بإسكان
الصاد، أي: الحصون والمدائن في العظم، وهو واحد القصور، قاله ابن عباس وابن
مسعود(٥). وهو في معنى الجمع على طريق الجنس(٦). وقيل: القَصْر جمع قَصْرةٍ
ساكنة الصاد، مثل جَمْرَة وجَمْر، وتَمْرة وتَمْر. والقصرة: الواحدة من جزْل الحطب
الغليظ(٧).
(١) الكشاف ٢٠٤/٤ .
(٢) تفسير الرازي ٣٠/ ٢٧٥ بنحوه، وتقدم ٢٠١/٢٠ - ٢٠٢.
(٣) في النسخ: ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس، وهو خطأ، وينظر تأويل مشكل القرآن ص ٢٤٥ لابن
قتيبة، والكلام له. ونقله عنه أبو الليث السمر قندي ٤٣٦/٣ بنحوه.
(٤) بنحوه في تفسير الرازي ٢٧٦/٣٠ .
(٥) أخرجه الطبري ٦٠١/٢٣، والبيهقي في الشعب (٥٧١) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره
الماوردي في النكت والعيون ٦/ ١٨٠، والبغوي ٤/ ٤٣٤ عن ابن مسعود ﴾.
(٦) تفسير الرازي ٢٧٧/٣٠ بنحوه.
(٧) تفسير الطبري ٦٠٥/٢٣، وتهذيب اللغة ٣٦١/٨ من قول الحسن. وجَزْل الحطب: ما عَظُمَ منه
ويبس.

٥١٠
سورة المرسلات: الآيات ٢٩ - ٣٤
وفي البخاريِّ(١) عن ابن عباس أيضاً: ﴿تَرْبِى بِشَرَرٍ كَلَقَصْرٍ﴾ قال: كنَّا نَرفع
الخشَبَ بقَصَرٍ ثلاثةَ أذرعٍ أو أقلَّ، فنرفعه للشتاء، فنسميه القَصَر.
وقال سعيد بن جُبير والضحاك: هي أصول الشجر والنخل العظام (٢)إذا وقع
وقُطِع. وقيل: أعناقه.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وحُميد والسُّلَميُّ: ((كَالقَصَرِ)) بفتح الصاد(٣)، أراد
أعناق النخل. والقَصَرة العنق، جمعها: قَصَر وقَصَرات(٤). وقال قتادة: أعناق
الإبل(٥). وقرأ سعيد بن جُبير بكسر القاف وفتح الصاد(٦)، وهي أيضاً جمع قَصْرة مثل
بَدْرَة وبِدَر، وقَصْعة وقِصَع، وحَلْقَة وحِلَق، لِحلقِ الحديد. وقال: أبو حاتم: ولعله
لغة، كما قالوا حاجة وچِوَج(٧).
وقيل: القَصْر: الجبل، فشبَّه الشررَ بالقَصْر في مقاديره، ثم شبهه في لونه
بالجِمالات الصُّفْر، وهي الإبل السود، والعرب تسمي السُّود من الإبل صُفْراً (٨)، قال
الشاعر :
تِلْكَ خَيْلي منه وتلك رِكّابي هُنَّ صُفِرٌ أَوْلَادُها كِالزَّبِيبِ(٩)
أي: هنَّ سود. وإنما سُمِّيت السُّود من الإبل صُفراً لأنه يشوب سوادها شيءٌ من
(١) برقم (٤٩٣٢).
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٤ .
(٣) المحتسب ٣٤٦/٢، والقراءات الشاذة ص١٧٦ عن ابن عباس ومجاهد.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٤ .
(٥) النكت والعيون ٦/ ١٨٠.
(٦) المحتسب ٣٤٦/٢، والقراءات الشاذة ص١٦٧ .
(٧) الكلام بنحوه في المحتسب ٣٤٦/٢ .
(٨) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث ٤٣٦/٣-٤٣٧، وفي الصحاح (صفر)، والمحرر الوجيز ٤٢٠/٥ .
(٩) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٣٨٥، وسلف ١٨٥/٢، وجاءت روايته في (ي): تلك خيلي
وتلك هي رکابي .

٥١١
سورة المرسلات: الآيات ٢٩ - ٣٤
صُفرة، كما قيل لِبيض الظّباء: الأُدْم، لأن بياضها تعلوه كُدْرةٌ، والشررُ إذا تطاير
وسقط وفيه بقية من لون النار أشبهُ شيء بالإبل السود، لما يشوبُها من صُفْرة(١). وفي
شعر عمران بن حِطّان الخارجيّ:
دَعَتْهُمْ بِأعلى صَوْتِها وَرَمَتْهُمُ بِمثلِ الجِمالِ الصُّفْرِ نَزَّاعةُ الشَّوَى(٢)
وضعَّف الترمِذِيُّ(٣) هذا القول فقال: وهذا القول محال في اللغة، أن يكون شيء
يشوبه شيء قليل، فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قد قال هذا، وقد قال
الله تعالى: ﴿ِلَتُ صُفْرٌ﴾ فلا نعلم شيئاً من هذا في اللغة. ووجهه عندنا أن النار
خلقت من النور، فهي نار مضيئة، فلما خلق الله جهنم - وهي موضع النار - حشا
ذلك الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه وغضبه، فاسودَّت من سلطانه وازدادت
حِدَّةً، وصارت أشدَّ سواداً من النار ومن كلِّ شيء سواداً، فإذا كان يوم القيامة وجيء
بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف، غضباً لغضب الله، والشررُ هو
أسود؛ لأنه من نار سوداء، فإذا رمته(٤) النار بشررها فإنها ترمى الأعداء به، فهنَّ سود
من سواد النار، لا يصل ذلك إلى الموحِّدين؛ لأنهم في سرداق الرحمة قد أحاط بهم
في الموقف، وهو الغمام الذي يأتي فيه الربُّ تبارك وتعالى، ولکن یعاینون ذلك
الرميّ، فإذا عاينوه نزع اللهُ ذلك السلطان والغضبَ عنه في رأي العين منهم حتى
يروها صفراء؛ ليعلم الموحّدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه.
وكان ابن عباس يقول: الجِمالات الصُّفر: حِبال السفن يُجمع بعضُها إلى بعض
حتى تكون كأوساط الرجال. ذكره البخاريُّ(٥)، وكان يقرؤها: ((جُمَالاَتٌ)) بضم
(١) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤/ ٤٣٥ .
(٢) الكشاف ٤/ ٢٠٤، وذكره السمين في الدر ٦٤٢/١٠.
(٣) في (د): اليزيدي.
(٤) في (م) رمت.
(٥) برقم (٤٩٣٣) .

٥١٢
سورة المرسلات: الآيات ٢٩ - ٣٤
الجيم(١)، وكذلك قرأ مجاهد وحُميد(٢): ((جُمَالاَت)) بضم الجيم، وهي الحِبال
الغِلاظ، وهي قُلُوس السفينة، أي: حبالها، وواحد القُلُوس: قَلْس(٣). وعن ابن
عباس أيضاً على أنها قطع النحاس(٤). والمعروف في الحبل الغليظ: جُمَّل؛ بتشديد
الميم كما تقدم في ((الأعراف)»(٥).
و ((جُمَالاَت)) بضم الجيم: جمع جِمالة بكسر الجيم مُوَخَّداً، كأنه جمع جَمَل،
نحو حَجَر وحجارة، وذَكَر وذِكَارة(٦). وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق وعيسى
والجَحْدَريُّ: ((جُمَالة)) بضم الجيم موحداً وهي الشيء العظيم المجموع بعضُه إلى
بعض (٧). وقرأ حفص وحمزة والكسائي: ((جِمَالة)) وبقية السبعة: ((جِمَالَات))(٨)
قال الفراء(٩): يجوز أن تكون الجِمالات جمع جمال كما يقال: رجل ورِجال
ورِجالات.
وقيل: شبهها بِالجِمالات لسرعة سيرها. وقيل: لمتابعة بعضها بعضاً(١٠).
والقَصْر: واحدُ القصور. وقصْر الظلام: اختلاطُه. ويقال: أتيته قصراً، أي: عَشّاً،
فهو مشترك، قال:
(١) المحتسب ٣٤٧/٢ .
(٢) ذكر ابن الجوزي في زاد المسير ٨/ ٤٥١ عن حُميد قراءة ((جُمالة)) بالافراد.
(٣) الكلام بنحوه في الكشاف ٤/ ٢٠٤ .
(٤) أخرجه الطبري ٦٠٨/٢٣، والبيهقي في البعث (٥٧١).
(٥) ٢٢٠/٩.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٦٨/٥ .
(٧) كذا نقل المصنف من قراءة يعقوب عن البغوي في تفسيره ٤٣٥/٤ ، والذي ذكره ابن الجوزي في زاد
المسير ٤٥١/٨، وابن الجزري في النشر ٣٩٧/٢ من رواية رويس عنه: جُمالات، على الجمع وضم
الجیم.
(٨) السبعة ص٦٦٦، والتيسير ص٢١٨ .
(٩) في معاني القرآن ٢٢٥/٣ .
(١٠) النكت والعيون ٦/ ١٨٠.

٥١٣
سورة المرسلات: الآيات ٣٤ -٣٧
كَأَنَّهُمُ قَصْراً مَصابِيحُ راهِبٍ بِمَوْزَنَ رَوَّى بالسَّلِيِطِ ذُبالَها (١)
مسألة: في هذه الآية دليل على جواز ادِّخار الحطب والفحم وإن لم يكن من
القوت، فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقِرِهِ. وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في
غير وقت حاجته، ليكون أرخص، وحالة وجوده أمكن، كما كان النبيُّ# يدَّخر
القوت(٢) في وقت عموم وجوده من كسبه وماله، وكلُّ شيء محمول عليه(٣). وقد بين
ابن عباس هذا بقوله: كنا نعمَد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثَة أذرع وفوق ذلك ودونه
وندَّخره للشتاء، وكنا نسميه القَصَر(٤). وهذا أصحُ ما قيل في ذلك. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَؤُ لَا يَطِقُونَ (
لِلْمُكَذِّبِينَ
ويلٌ يومَّدٍ
! وَلَا يُؤْذَنُ لَّمْ فَيَغْنَذِرُونَ ()
٣٥
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوَّمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ أي: لا يتكلمون ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ أي:
إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها(٥)، ولا
يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل(٦). وعن عِكرمة عن ابن عباس قال: سأله ابن الأزرق
عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَّمُ لَا يَطِقُونَ﴾ و﴿فلا تَسْمَعِ إِلا هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] وقد قال
تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَ لُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فقال له: إن الله عز وجل يقول:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَلْفٍ سَنَّكْ مِّمَا تَعُدُونَ﴾ [الحج: ٤٧] فإن لكل مقدار من هذه الأيام
لوناً من هذه الألوان .
(١) البيت لكثيّر عزة، وهو في ديوانه ص٢٢٦، والصحاح (قصر)، وقوله: بمؤْزَن، هو بلد بالجزيرة ثم
ديار مضر، فتحه عياض بن غنم صلحاً كما ذكر ياقوت في معجم البلدان ٢٢١/٥-٢٢٢. والسَّليط:
الزيت. والذُّبال: الفتيل. القاموس المحيط (سلط - ذبل).
(٢) ينظر ما سلف ١٥٩/١٠ - ١٦٠.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٩٠ .
(٤) سلف ص ٥١٠ من هذا الجزء.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٦٨/٥ .
(٦) تفسير أبي الليث ٤٣٧/٣ بنحوه.

٥١٤
سورة المرسلات: الآيات ٣٥ - ٣٧
وقيل: لا ينطقون بحجة نافعة، ومَن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نَطَق. قال
الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون(١).
وقيل: إن هذا وقت جوابهم ﴿أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقد
تقدَّم(٢).
وقال أبو عثمان: أسكتتهم رؤيةُ الهيبة وحياءُ الذنوب. وقال الجُنيد: أيُّ عذر
لِمن أعرض عن مُنعِمِه، وجحده وكفر أياديه ونعمه(٣)؟
و((يوم)) بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر، أي: تقول الملائكة: ((هذا يوم
لا ينطقون)). ويجوز أن يكون قوله: ((انطلقوا)) من قول الملائكة، ثم يقول اللهُ
لأوليائه: هذا يوم لا ينطِق الكُفَّار. ومعنى اليوم: الساعة والوقت. وروى يحيى بن
سليمان(٤) عن أبي بكر عن عاصم: ((هذا يومَ لا ينطقون)) بالنصبِ، ورُوِيتْ عن ابن
هُرْمز وغيره(٥)، فجاز أن يكون مبنياً لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع. وهذا مذهب
الكوفيين. وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم. وهذا
مذهب البصريين؛ لأنه إنما بني عندهم إذا أضيف إلى مبنيٍّ، والفعل هاهنا معرب(٦).
وقال الفراء(٧) في قوله تعالى: ﴿وَلَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾: الفاء نَسْقٌ، أي عطف
على (يُؤْذَن))، وأجيز ذلك؛ لأن أواخر الكلام بالنون. ولو قال: فيعتذروا لم يوافق
(١) تفسير الرازي ٢٧٩/٣٠ بنحوه.
(٢) ٩٢/١٥ وما بعد.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٣٥ .
(٤) في(م): سلطان. والمثبت من باقي النسخ الخطية وهو الموافق لما في جامع البيان في القراءات السبع
٢/ ٤٧٢ .
(٥) ذكرها النحاس في إعراب القرآن ١٢١/٥، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٧ عن الأعرج
والأعمش.
(٦) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٩٣ .
(٧) في معاني القرآن له ٢٢٧/٣ .
أ

٥١٥
سورة المرسلات: الآيات ٣٨ - ٤٥
الآيات. وقد قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ [فاطر: ٣٦] بالنصب، وكلُّه صواب؛
ومثله: ﴿مَّن ذَا أَلَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] بالنصب والرفع.
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ اٌلْفَصْلِّ جَمَعْنَكُ وَالْأَوَّلِينَ
وَيَّلٌّ بَوَمَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾
فَإِن كَانَ لَكُمْ کَیْدٌ فَکِیدُونِ
٣٨
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ اُلْفَصْلِّ﴾ أي: ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي يُفْصل(١)
فيه بين الخلائق؛ فيتبين المُحِقُّ من المُبطل(٢). ﴿جَعْنَكُ وَالْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس:
جمع الذين كذّبوا محمداً والذين كذَّبوا النبيين من قبله، رواه عنه الضحاك. ﴿فَإِن كَانَ
لَكُرُ كَيْدٌ﴾ أي: حيلةٌ في الخلاص من الهلاك(٣) ﴿فَكِدُونِ﴾ أي: فاحتالوا لأنفسكم
وقاوُوْني، ولن تجدوا ذلك. وقيل: ((فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ» أي: قدرتم على
حربٍ (فَكِيدُوني)) أي: حاربوني. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. قال: يريد: كنتم
في الدنيا تحاربون محمداً # وتحاربونني، فاليوم حاربوني .
وقيل: أي: إنكم كنتم في الدنيا تعملون بالمعاصي وقد عجزتم الآن عنها وعن
الدَّفْع عن أنفسكم(٤). وقيل: إنه من قول النبيِّ ﴾، فيكون كقول هود: ﴿فَكِیدُونِي
جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥].
◌ُوا
٤٢
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ ظِلَالٍ وَعُونٍ
وَأَشْرَبُواْ هَنِيَكَأُ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِ لْمُحْسِنِينَ
لِلْمُكَذِّبِينَ ®﴾
وَفَوَّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
٤١
ويلٌ يَوَهدٍ
(٤٤
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ﴾ أخبر بما يصير إليه المتقون غداً،
(١) جاءت العبارة في (د) هذا يوم الذي يفصل، وفي (ز) و(م) و(ي) هذا اليوم الذي يفصل. والمثبت من
(ظ).
(٢) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٦١١/٢٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٦٨/٥.
(٣) في (ز) و(ظ): العذاب.
(٤) الكلام بنحوه في مجمع البيان للطبرسي ١٦٣/٢٩ .

٥١٦
سورة المرسلات: الآيات ٤١ - ٥٠
والمراد بالظّلال: ظِلال الأشجار وظِلال القصور(١) مكان الظُّلِّ في الشِّعَب الثلاث.
وفي سورة يس: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ◌ِلَلٍ عَلَى الْأَرَآبَكِ مُتَكِمُونَ﴾ [يس: ٥٦].
﴿وَفَوَكِهَ مِنَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يتمنَّون(٢). وقراءة العامة: ((ظِلاَلٍ)). وقرأ الأعرج
والزهريُّ وطلحة: ((ظُلَلٍ))(٣) جمع ظُلَّة يعني في الجنة. ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوا﴾ أي: يقال لهم
غداً هذا بدل ما يقال للمشركين: ((فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فکیدون». فـ «كُلُوا وَاشْرَبُوا)) في
موضع الحال من ضمير ((الْمُتَّقِين)) في الظرف الذي هو ((في ظِلاَلٍ)) أي: هم مستقرُّون
(في ظِلالٍ)) مقولاً لهم ذلك(٤).
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: نُثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمدٍ ﴾
وأعمالهم في الدنيا.
٤٧
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجْزِمُونَ (٤) وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِلًا﴾ هذا مردودٌ إلى ما تقدم قبلَ المتقين، وهو وعيد
وتهديد(٥) ، وهو حال من ((المُكَذِّبِيْنَ)) أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم:
(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً))(٦).
﴿إِنَّكُم تُرِّمُونَ﴾ أي: كافرون. وقيل: مكتسبون فعلاً يضرُّكم في الآخرة، من
الشرك والمعاصي.
٤٨
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرَّكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ
﴿ فَأَتِّ
) وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْتَكَذِّبِينَ
حَدِيثٍِ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ﴾ أي: إذا قيل لهؤلاء المشركين:
(١) الكلام بنحوه في الوسيط ٤/ ٤١٠ .
(٢) تفسير أبي الليث ٤٣٧/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٢١/٥، عن الأعرج والأعمش. ووقع في (ظ): ظل.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٠٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٢١/٥ بنحوه.
(٦) الكشاف ٢٠٥/٤ .

٥١٧
سورة المرسلات: الآيات ٤٨ - ٥٠
((ارْكَعُوا)) أي: صلُّوا ﴿لَا يَزَكَمُونَ﴾ أي: لا يُصَلُّون؛ قاله مجاهد(١).
وقال مقاتل: نزلت في ثقيف، امتنَعوا من الصلاة، فنزَل ذلك فيهم(٢). قال
مقاتل: قال لهم النبيُّ ﴿: ((أسلِموا))، وأمرَهم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني فإنها مَسبَّةٌ
علينا، فقال النبيُّ #: ((لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود))(٣).
يُذْكَر أن مالكاً رحمه الله دخل المسجد بعد صلاة العصر - وهو ممن لا يرى
الرکوع بعد العصر ۔ فجلس ولم یرکع، فقال له صبيٍّ: يا شيخ، قم فاركع. فقام وركع
ولم يحاجِّه بما يراه مذهباً، فقيل له في ذلك، فقال: خشيتُ أن أكون من الذين ((إذا
قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ)).
وقال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يُدْعون إلى السجود فلا
يستطيعون (٤). قتادة: هذا في الدنيا(٥). ابن العربيّ(٦): هذه الآية حجة على وجوب
الركوع وإنزاله ركناً في الصلاة، وقد انعقد الإجماعُ عليه، وظنَّ قومٌ أنَّ هذا إنما
يكون في القيامة، وليست بدار تكليف، فيتوجه فيها أمرٌ يكون عليه ويلٌ وعقاب،
وإنما يُدعون إلى السجود كَشْفاً لحالِ الناس في الدنيا، فمن كان يَسجد لله تمكَّن(٧)
من السجود، ومن كان يسجد رياءً لغيره صار ظهرُه طَبَقاً واحداً.
وقيل: أي: إذا قيل لهم اخضعوا للحقِّ لا يخضعون، فهو عامٌّ في الصلاة
(١) في تفسيره ٧١٨/٢، وذكره عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٨/ ٤٥٢.
(٢) النكت والعيون ١٨١/٦، والمحرر الوجيز ٤٢١/٥ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٢١/٥ بنحوه، وزاد المسير ٤٥٢/٨ وقوله منه: ((لا خير في دين ليس فيه ركوع)).
وقع في حديث عثمان بن أبي العاص في خبر وفد ثقيف بسياق آخر أخرجه الإمام أحمد (١٧٩١٣)،
وأبو داود (٣٠٢٦) .
(٤) تفسير البغوي ٤٣٦/٤، وأخرجه الطبري ٦١٣/٢٣ .
(٥) أخرجه الطبري ٦١٣/٢٣ بنحوه.
(٦) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٩٠ .
(٧) في (ظ): فمن كان يسجد له في الدنيا يمكن ....

٥١٨
سورة المرسلات: الآيات ٤٨ - ٥٠
وغيرها، وإنما ذَكر الصلاةَ؛ لأنها أصلُ الشرائع بعد التوحيد. وقيل: الأمر بالصلاة
أمرٌ بالإيمان؛ لأنها لا تصح من غير إيمان(١).
قوله تعالى: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَمُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنْ لم يصدِّقوا بالقرآن الذي هو
المعجز والدلالةُ على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فبأيِّ شيء يصدِّقون؟!(٢)
وكرَّرَ ((وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ للْمُكَذِّبِينَ)) لمعنى تكرير التخويف والوعيد. وقيل: ليس
بتكرار؛ لأنه أراد بكلِّ قول منه غيرَ الذي أراده بالآخر؛ كأنه ذكر شيئاً فقال: ويل لمن
يكذِّب بهذا، ثم ذكر شيئاً آخر فقال: ويل لمن يكذِّبُ بهذا، ثم ذكر شيئاً آخر فقال:
ويل لمن يكذِّب بهذا. ثم كذلك إلى آخرها(٣).
ختمت السورة ولله الحمد.
تم الجزء الحادي والعشرون من تفسير القرطبي
ويليه الجزء الثاني والعشرون ويبدأ بتفسير سورة النبأ
(١) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٢٨٤/٣٠ .
(٢) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٦١٤/٢٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٦٩/٥ .
(٣) زاد المسير ٤٤٨/٨ بنحوه.

٥١٩
فهرس الجزء الحادي والعشرين
فهرس الجزء الحادي والعشرين
- تفسير سورة التغابن
٥
- تفسير سورة الطلاق
٢٦
- تفسير سورة التحريم
٦٧
- تفسير سورة الملك
١٠٨
- تفسير سورة القلم
١٣٥
١٨٨
- تفسير سورة الحاقة
٢١٩
- تفسير سورة المعارج
٢٤٩
- تفسير سورة نوح
- تفسير سورة الجن
٢٧٢
٣١٣
- تفسير سورة المزمل
- تفسير سورة المدثر
- تفسير سورة القيامة
- تفسير سورة الإنسان
- تفسير سورة المرسلات
- الفهرس
.
٣٥٤
٤٠٤
٤٤٣
٤٩٤
٥١٩
: