النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة القيامة: الآيات ٣٥ - ٤٠
وقيل: التكرير فيه على معنى: الذَّمُ(١) لك على عملك السَّيِّئ الأوّل، ثم على
الثاني، والثالث، والرابع، كما تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِنِسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى ◌َ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّنْ تَِّيٍّ يُعْنَى (٦) ثُمّ
﴿﴿ أَتْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ
◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ
كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى
٤٠
يُحْيِىَ المُؤَنَى
قوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِسَنُ﴾ أي: يظنُّ ابن آدم ﴿أَنْ يُتْكَ سُدَى﴾ أي: أن يُخَلَّى
مُهمَلًا، فلا يُؤْمَرُ ولا يُنهَى. قاله ابن زيد ومجاهد(٢)، ومنه: إِيلٌ سُدّى: ترعى بلا
راع. وقيل: أيحسب أن يُترك في قبره كذلك أبدًا لا يُبْعَث. وقال الشاعر:
ـنِ ما تَرَك اللهُ شيئًا سُدَى (٣)
فأُقْسِمُ باللَّهِ جهدَ اليَمِيـ
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن ◌َّنِيّ يُعْنَى﴾ أي: من قطرةِ ماء تُمنَى في الرَّحِم، أي:
تُراق فيه؛ ولذلك سُمِّيت ((مِنَى)) لإراقة الدماء. وقد تقدَّم(٤). والنطفة: الماء القليل،
يقال: نَطَف الماء: إذا قطر. أي: ألم يكُ ماءً قليلًا في صُلْب الرجل وترائب المرأة.
وقرأ حفص: ((مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى)) بالياء، وهي قراءة ابن محيصن ومجاهدٍ ويعقوبَ(٥)
وعبَّاس عن أبي عمرو (٦)، واختاره أبو عبيد لأجل المنيّ. الباقون بالتاء لأجل النطفة،
واختاره أبو حاتم.
(١) في (د) و(م): الزم.
(٢) أخرج قولهما الطبري ٥٢٦/٢٣ .
(٣) أورده الماوردي في النكت والعيون ٦/ ١٦٠ ولم ينسبه.
(٤) ٦٠/٢٠، و٢٠٧ .
(٥) السبعة ص ٦٦٢، والتيسير ص٢١٧، والنشر ٣٩٤/٢. وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز ٥/ ٤٠٧.
(٦) كذا ذكر المصنف، وفي السبعة لابن مجاهد ص ٦٦٢ عن عباس - وهو ابن الفضل الواقفي - عن أبي
عمرو أنه قرأ بالتاء، وذكر عن أبي زيد عنه أنه قرأ بالتاء والياء، وذكر أبو عمرو الداني في جامع البيان
٤٦٥/٢ القراءة بالياء لأبي عمرو من رواية عبد الوارث وشجاع عنه، والقراءة المشهورة عن أبي عمرو
بالتاء، ووقع في (د) و(م): عياش، بدل: عباس، وهو خطأ.

٤٤٢
سورة القيامة: الآيات ٣٨ - ٤٠
كَانَ عَلَقَةٌ﴾ أي: دماً بعد النطفة، أي: قد نبَّه(١) تعالى بهذا كلِّه على خِسَّة
قدره. ثم قال: ﴿فَخَلَقَ﴾ أي: فقدَّر ﴿فَوَّى﴾ أي: فسؤَّاه تسويةً، وعدَّله تعديلًا، بجعل
الروح فيه ﴿فَعَلَ مِنْهُ﴾ أي: من الإنسان. وقيل: من المنيّ. ﴿اَلَّوْحَيْنِ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَى﴾
أي: الرجل والمرأة. وقد احتجَّ بهذا مَن رأى إسقاط الخُنثى. وقد مضى في سورة
الشورى(٢) أنَّ هذه الآية وقرينتَها إنما خرجتا مخرج الغالب(٣). وقد مضى في أول
سورة النساء أيضًا القولُ فيه، وذكرنا في آية المواريث حكْمَه(٤)، فلا معنى لإعادته.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ﴾ أي: أليس الذي قَدَرَ على خلق هذه النَّسَمة من قطرة من ماء
﴿ِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْيِىَ الْمَوْقَّ﴾ أي: على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البِلَى.
ورُويَ عن رسول الله ﴿ أنه كان إذا قرأها قال: ((سبحانك اللَّهم، بَلَى))(٥).
وقال ابن عباس: مَن قرأ: (سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] إمامًا كان أو غيرَه،
فليقل: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى. ومَن قرأ: ﴿لَا أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [القيامة: ١] إلى آخرها،
إمامًا كان أو غيرَه، فليقل: سبحانك اللَّهُمَّ، بَلَى. ذكره الثعلبيُّ من حديث أبي إسحاق
السَّبِيعيِّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس(٦).
ختمت السورة والحمدُ لله.
(١) في (ز): قدر، وفي (د) و(م) و(ي): رتبه. والمثبت من (ظ).
(٢) ٥٠٥/١٨ وما بعدها.
(٣) ٧/٦، ١٠٩ وما بعدها.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٨٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٥٢٨/٢٣ عن قتادة مرسلاً.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢١٠٠). وأخرج الشطر الأول منه أبو داود
(٨٨٣) من طريق وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس مرفوعاً. قال أبو داود: خولف وكيع في هذا الحديث، رواه أبو وكيع وشعبة، عن أبي إسحاق،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفاً.

سورة الإنسان
مَكِّيَّةٌ في قول ابنِ عباس ومقاتل والكلبي(١). وقال الجمهور: مدنيّة(٢). وقيل:
فيها مكيّ، من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّنَا عَلَيْكَ الْقُرْوَانَ تَنزِيلًا﴾ [الآية: ٢٣] إلى آخر
السورة، وما تقدَّمه مدنيّ (٣).
وهي إحدى وثلاثون آية
وذكر ابنُ وَهْب قال: وحدَّثنا ابن زيد قال: إنَّ رسول الله﴾ ليقرأ: ﴿هَلْ أَ عَلَى
اُلْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَهْرِ﴾ وقد أنزلت عليه، وعنده رجل أسود كان يسأل النبيَّ #، فقال
له عمر بن الخطاب: لا تُثْقِل على النبيِّ :﴿، قال: ((دَعْه يا ابن الخطاب)) قال: فنزلت
عليه هذه السورةُ وهو عنده، فلمَّا قرأها عليه وبلغ صفة الجِنان، زَفَر زَقْرَةً فخرجت
نَفْسُه. فقال رسول اللـه ﴾: ((أَخْرَج نَفْسَ صاحبكم - أو أخيكم - الشَّوْقُ إلى الجنة))
وروي عن ابن عمر بخلاف هذا اللفظ، وسيأتي (٤).
وقال القُشَيريّ: إنَّ هذه السورةَ نزلت في عليٍّ بن أبي طالب﴾. والمقصود من
السورة عامّ. وهكذا القولُ في كلِّ ما يقال: إنه نزل بسبب كذا وكذا.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴿ إِنَّا
خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ
٣
إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ ((هَلْ)) بمعنى:
(١) النكت والعيون ٦/ ١٦١.
(٢) زاد المسير ٤٢٧/٨ .
(٣) المصدران السابقان.
(٤) ص ٤٨٦ من هذا الجزء.

٤٤٤
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٣
قد؛ قاله الكسائيُّ والفرَّاء وأبو عبيدة(١). وقد حُكي عن سيبويه: ((هَلْ)) بمعنى قد (٢).
قال الفراء(٣): ((هل)) تكون جَحْدًا، وتكون خبرًا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل
أعطيتك؟ تقرِّره بأنك أعطيته. والجحد أن تقول: هل يَقْدر أحدٌ على مثل هذا؟ وقيل:
هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى: أتى(٤).
والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثَّوريُّ وحِكرمة والسُّدِّي(٥). وروي
عن ابن عباس.
﴿مِنٌّ مِنَ الذَّهْرِ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أربعون سنةً مرَّت به قبل
أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقّى بين مكة والطائف. وعن ابن عباس - أيضاً - في رواية
الضحاك: أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حَمأ مسنون أربعين سنة، ثم
من صَلْصال أربعين سنة، فتَمَّ خلقُه بعد مئة وعشرين سنة. وزاد ابن مسعود فقال:
أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتمَّ خلقه بعد مئة وستين سنة. ثم نُفخ فيه الروح.
وقيل: الحين المذكور هاهنا لا يُعْرف مقدارُه؛ عن ابن عباس أيضًا، حكاه
الماورديّ(٦).
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُرًا﴾ قال الضخَّاك عن ابن عباس: لا في السماء ولا في
الأرض(٧). وقيل: أي: كان جسدًا مصوَّرًا ترابًا وطينًا، لا يُذكَّر ولا يعرف، ولا
يُدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نُفخ فيه الرُّوح، فصار مذكورًا؛ قاله الفرَّاء وقُطرب
(١) كلام الفراء في معاني القرآن له ٢١٣/٣، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢٧٩/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٠٨/٥ .
(٣) في معاني القرآن ٢١٣/٣.
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ١٦١ عن ابن عيسى.
(٥) النكت والعيون ١٦١/٦ دون ذكر الثوري، وأخرجه الطبري ٥٢٩/٢٣ - ٥٣٠ عن قتادة وسفيان.
(٦) في النكت والعيون ٦/ ١٦٢.
(٧) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٩٨/٤ دون نسبة.

٤٤٥
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٣
وثعلب. وقال يحيى بن سلَّام: لم يكن شيئًا مذكورًا في الخَلْق وإن كان عند الله شيئاً
مذکورًا(١).
وقيل: ليس هذا الذِّكرُ بمعنى الإخبار، فإنَّ إخبار الربِّ عن الكائنات قديم، بل
هذا الذِّكر بمعنى الخطر والشرف والقَدْر؛ تقول: فلان مذکور، أي: له شرف وقدر.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: قد أتى على الإنسان
حين لم يكن له قَدْر عند الخليقة. ثم لمَّا عَرَّف اللهُ الملائكة أنه جعل آدم خليفة،
وحمّله الأمانةَ التي عَجزَ عنها السماواتُ والأرض والجبال، ظهر فضله على الكلّ،
فصار مذكورًا. قال القُشيريّ: وعلى الجملة؛ ما كان مذكورًا للخلق، وإن كان مذکورًا
لله. وحكى محمد بن الجهم عن الفرَّاء(٢): ((لَمْ يَكُنْ شَيْئًا)) قال: كان شيئًا ولم يكن
مذکورًا.
وقال قوم: النفي يرجع إلى الشيء، أي: قد مضى مُدَدٌ من الدهر وآدمُ لم يكن
شيئًا يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء
حتى يأتيَ عليه حين. والمعنى: قد مضت عليه أزمنةٌ وما كان آدم شيئًا، ولا مخلوقًا،
ولا مذكورًا لأحد من الخليقة. وهذا معنى قولٍ قتادة ومقاتل؛ قال قتادة: إنما خُلق
الإنسان حديثًا، ما يُعلم من خليقة الله جلَّ ثناؤه خليقةٌ كانت بعد الإنسان(٣).
وقال مقاتل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، وتقديره: هل أتى حينٌ من الدهر لم يكن
الإنسان شيئًا مذكورًا؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كلِّه، ولم يخلق بعده حيوانًا (٤).
وقد قيل: ((الإنسان)) في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ﴾ عُنيَ به الجنسُ من
ذرِّيَّة آدم(٥)، وأنَّ الحين تسعة أشهر، مدَّة حمل الإنسانِ في بطن أمه («لم يكنْ شيئًا
(١) النكت والعيون ١٦٢/٦، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢١٣/٣ بنحوه.
(٢) الكلام في معاني القرآن له ٢١٣/٣ .
(٣) أخرجه الطبري ٥٢٩/٢٣.
(٤) النكت والعيون ١٦٢/٦.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٩٥/٥، والكشاف ١٩٤/٤، والمحرر الوجيز ٤٠٨/٥ .

٤٤٦
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٣
مذكورًا))؛ إذ كان علقةً ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جمادٌ لا خطر له.
وقال أبو بكر لمَّا قرأ هذه الآية: ليتها تمَّت فلا نُبتلى(١). أي: ليت المدَّةَ التي
أتت على آدم لم تكن شيئًا مَذْكُورًا تَمَّت على ذلك، فلا يلد ولا يُبْتلى أولادُه.
وسمع عمر بن الخطاب ﴾ رجلًا يقرأ: ﴿هَلْ أَقَ عَلَى الْإِنسَنِ مِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ
شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ فقال: ليتها تمَّت(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا أَلْإِنسَنَ﴾ أي: ابن آدم، من غير خلاف(٣) ﴿مِن تُطْفَةٍ﴾
أي: من ماء يقطُر، وهو المَنِيّ، وكلُّ ماءٍ قليل في وعاء فهو نطفة(٤)؛ كقول عبد الله
ابن رواحة يعاتب نفسه:
مالي أراكِ تَكرهين الجَنَّهْ هل أنتٍ إِلَّا نطفةٌ في شَنَّهْ(٥)
وجمعها : نُطف ونِطاف.
﴿أَمْشَاجٍ﴾: أخلاط. واحدها: مِشْج ومَشِيج، مثل: خِذْن وخَدِين(٦)؛ قال رؤية:
يَظْرَحْنَ كلَّ مُعْجَلٍ نَشَاجٍ لم يُكْسَ جِلْداً في دمٍ أَمشاجٍ (٧)
ويقال: مَشَجْتُ هذا بهذا، أي خلطتُه، فهو مَمْشوج ومَشِيج؛ مثل: مَخْلوط
وخليط.
وقال المبرِّد: واحد الأمشاج: مَشِيج؛ يقال: مَشَجَ يَمْشِجُ: إذا خلط، وهو هنا
(١) مجاز القرآن ٢٧٩/٢، وينظر الكشاف ١٩٤/٤.
(٢) الوسيط للواحدي ٣٩٨/٤، وتفسير البغوي ٤٢٦/٤.
(٣) النكت والعيون ١٦٢/٦، والمحرر الوجيز ٤٠٨/٥ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٩٥/٥ .
(٥) سيرة ابن هشام ٣٧٩/٢ .
(٦) تفسير البغوي ٤٢٦٠/٤ وقال الفيروز أبادي في القاموس (مشج): شيء مشيج، كقتيل، وسَبّب،
وكَتَف ... ج: أمشاج .
(٧) ديوان رؤبة ص٣٢، وقوله: نشَّاج؛ قال في القاموس (نشج): نَشَجَ الباكي يَنْشِجُ نشيجاً: غُصَّ بالبكاء
في حلقه من غير انتحاب.

٤٤٧
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٣
اختلاط النطفة بالدم؛ قال الشَّمَّاخ:
طوت أَحشاءَ مُرْتِجَةً لِوقتٍ على مَشِجِ سُلالتُه مَهِينٍ (١)
وقال الفرَّاء(٢): أمشاج: أخلاط ماءِ الرجل وماءِ المرأة، والدم والعَلَقة. ويقال
للشيء من هذا إذا خُلط: مَشِيج، كقولك خَلِيط، ومَمْشوج، كقولك: مَخْلوط.
وروي عن ابن عباس # قال: الأمشاج: الحُمرة في البياض، والبياض في
الحُمرة. وهذا قولٌ يختاره كثيرٌ من أهل اللغة؛ قال الهُذَليّ:
كأَنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ منه
خِلافَ النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ(٣)
وعن ابن عباس أيضًا قال: يختلط ماءُ الرجل - وهو أبيض غليظ - بماء المرأة
- وهو أصفر رقيق - فيُخلق منهما الولد، فما كان من عَصَب وعظم وقوَّة، فهو من ماء
الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فهو من ماء المرأة (٤). وقد روي هذا مرفوعًا؛
ذكره البزَّار(٥).
وروي عن ابن مسعود: أمشاجها: عروق المضغة. وعنه: ماء الرجل وماء
المرأة، وهما لونان. وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء
(١) الديوان ص٣٢٨، والكامل للمبرد ١٠١٧/٢، والخزانة ٣٤٩/٤. قال البغدادي: أي: هذه الأتان
ضمت أحشاء مرتجة، أراد رحمها، أي: أغلقت رحمها على ماء الفحل. والمشج، بفتح الميم وكسر
الشين: ماء الفحل مع الدم، وقيل: ماء الفحل والأتان جميعاً يختلطان. وسلالته، أي: ماؤه، وهو فاعل
مشج، ويقال: السلالة الولد، وهو الرقيق. ومهين ضعيف، وهو صفة مشج.
(٢) في معاني القرآن ٢١٤/٣ .
(٣) البيت لعمرو بن الداخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٠٤/٣، والكامل ١٠١٦/٢، وفيه:
الشرخين، بدل: الفُوقين . الفُوْق: موضع الوتر من السهم. منه، أي: من السهم. خلافَ النصل: بعدَ
الفصل. سيط : خُلط.
(٤) تفسير البغوي ٤٢٦/٤ - ٤٢٧ .
(٥) في مسنده (٢٣٧٥ كشف الأستار) بنحوه، وقال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وقد
روي نحوه عن غيره من وجوه. اهـ. وأخرجه (٢٣٧٦)، (٢٣٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود.
والحديثان عند أحمد (٢٥١٤)، (٤٤٣٨) .

٤٤٨
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٣
وصفراء. وقال ابن عباس: خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفَرْج
والرَّحِم، وهي نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظم، ثم لحم .
ونحوَه قال قتادة: هي أطوار الخلق: طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا مضغة،
وطوراً عظام، ثم يكسو العظام لحمًا (١)؛ كما قال في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ الآية [١٢].
وقال ابن السِّكِّيت: الأمشاج: الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع، فخلق
الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. وقال أهل المعاني: الأمشاج ما جمع وهو في معنى
الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال: بُرْمَةٌ أَعشَار، وثوبٌ أخلاقٌ (٢).
وروي عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: جاء حبر من اليهود إلى النبيِّ# فقال:
أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة. فقال: ((ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة
أصفر رقيق، فإذا عَلَا ماءُ المرأة آنثَتْ، وإذا عَلَا ماءُ الرجل أَذْكَرَتْ)) فقال الحبر:
أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله(٣). وقد مضى هذا القولُ مستوفى في سورة
البقرة(٤).
﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أي: نختبره. وقيل: نقدِّر فيه الابتلاء، وهو الاختبار. وفيما يختبر به
وجهان: أحدهما: نختبره بالخير والشر؛ قاله الكلبي. الثاني: نختبر شكره في السرَّاء
وصبرَه في الضَّرَّاء؛ قاله الحسن.
وقيل: (نَبْتَلِيهِ)): نُكلِّفه. وفيه أيضًا وجهان: أحدهما: بالعمل بعد الخلق؛ قاله
(١) أخرج هذه الآثار الطبري ٥٣٣/٢٣ - ٥٣٥ .
(٢) البُرْمَة: قِدْرٌ، من حجارة. وقُدْرٌ أعشار: مكسَّرة على عشر قطع. وثوبٌ أخلاق: إذا كانت الخُلُوقة
(أي: الپِلَی) فيه كلِّه. القاموس (برم، قدر، خلق).
(٣) لم نقف عليه عن أبي أيوب الأنصاري، وأخرج نحوه البخاري (٣٣٢٩) عن أنس، ومسلم (٣١٥) عن
ثوبان. وسلف حديث ثوبان ٥/ ١٤.
(٤) استوفاه المؤلف في سورة الشوری ١٨/ ٥٠٢ وما بعدها.

٤٤٩
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٣
مقاتل. الثاني: بالدِّين؛ ليكون مأمورًا بالطاعة ومنهيًّا عن المعاصي(١).
وروي عن ابن عباس: ((نَبْتَلِيهِ)): نصرِّفه خلقًا بعد خلق؛ لنبتليَه بالخير والشرّ(٢).
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: المعنى والله أعلم: ((فَجَعْلَناهُ سَمِيعًا
بَصِيرًا)) لنبتليَه، وهي مُقَدَّمةٌ معناها التأخير(٣).
قلت(٤): لأن الابتلاء لا يقع إلَّا بعد تمام الخِلْقة .
وقيل: ((جَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)): يعني: جعلنا له سمعًا يسمع به الهدى، وبصرًا
يُبصر به الهدى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيَّنَّا له وعَرَّفناه طريقَ الهدى والضلال،
والخيرِ والشرِّ ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾
[البلد: ١٠]. وقال مجاهد: أي: بيَّنَّا له السبيل إلى الشَّقاء والسَّعادة. وقال الضحَّاك
وأبو صالح والسُّدِّيّ: السبيل هنا خروجُه من الرَّحِم. وقيل: منافعه ومضارُّه التي
يهتدي إليها بطبعه وكمالٍ عقله(٥).
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ أي: أيَّهما فعل فقد بيَّنًّا له. قال الكوفيون: ((إِنْ)) ها هنا
تكون جزاءً، و((ما)) زائدة. أي: بيًّّا له الطريق إن شَكّر أو كَفَر. واختاره الفرَّاء(٦)، ولم
يُجِزْه البصريُّون؛ إذ لا تدخل ((إِنْ)) للجزاء على الأسماء، إلَّا أن يُضمَرَ بعدها فعل(٧).
وقيل: أي: هديناه الرُّشد، أي: بيَّنَّا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إنْ
(١) النكت والعيون ١٦٣/٦.
(٢) الكشاف ٤/ ١٩٥ .
(٣) معاني القرآن للفراء ٢١٤/٣. وقد رده النحاس في إعراب القرآن ٩٥/٥ - ٩٦، والزمخشري في
الكشاف ٤ / ١٩٥ .
(٤) لفظة: قلت، ليست في (ز) و(ظ) و(ي).
(٥) النكت والعيون ١٦٤/٦، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٥٣٧/٢٣ - ٥٣٨.
(٦) في معاني القرآن ٢١٤/٣ .
(٧) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٨٢، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٩٦/٥ .

٤٥٠
سورة الإنسان: الآيات ١ - ٤
خلقنا له الهدايةَ اهتدى وآمن، وإن خذلناه كَفَر. وهو كما تقول: قد نصحت لك، إن
شئت فاقبل، وإن شئت فاترك، أي: فإن شئت، فتحذف الفاء. وكذا ((إِمَّا شاكرًا))،
والله أعلم.
ويقال: هديته السبيلَ وللسبيل وإلى السبيل(١). وقد تقدَّم في ((الفاتحة)) وغيرها(٢).
وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في
معنى المبالغة؛ نفيًا للمبالغة في الشكر، وإثباتًا لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا
يُؤْدَّى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتفِ عن الكفر المبالغة، فقَلَّ شكره لكثرة النِّعم
عليه، وكَثرة كفره(٣) وإن قَلَّ مع الإحسان إليه. حكاه الماوردي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَغْتَدْنَا لِلْكَفِينَ سَلَسِلَاً وَأَغْلَلًا وَسَعِيرًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَاً وَأَغَْلًا وَسَعِيرًا﴾ بيَّن حال الفريقين، وأنه
تَعبَّد العقلاءَ وكَلَّفهم ومَكَّنهم مما أمرهم، فمن كَفَر فله العقاب، ومن وَخَّد وشكرَ فله
الثواب. والسلاسل: القيود في جهنم، طول كلِّ سلسلةٍ سبعون ذراعًا، كما مضى في
((الحاقة)) (٤).
وقرأ نافع والكسائيُّ وأبو بكر عن عاصم وهشامٌ عن ابن عامر: ((سَلَاسِلًا)) منوَّنًا.
الباقون بغير تنوين. ووقف قُنْبُل عن ابن كثير(٥) وحمزةُ بغير ألف. الباقون بالألف. فأما
((قوارير)) الأوَّل، فنوَّنه نافع وابن كثير والكسائيُّ وأبو بكر عن عاصم، ولم ينوِّن
الباقون. ووقف يعقوب وحمزة بغير ألف. والباقون بالألف. وأما ((قَوَارِير» الثانية،
فنوَّنه أيضًا نافع والكسائيُّ وأبو بكر، ولم ينوِّن الباقون. فمَن نوَّن قرأها بالألف، ومن
(١) معاني القرآن للفراء ٢١٤/٣.
(٢) ٢٢٦/١ - ٢٢٧، ٢٤٧ فما بعد.
(٣) في النكت والعيون ١٦٤/٦ (والكلام منه): وكثر كفره.
(٤) ص ٢١٠ من هذا الجزء.
(٥) في (د) و(م): وابن كثير. وهو خطأ.

٤٥١
سورة الإنسان: الآية ٤
لم ينوِّن أسقط منها الألف(١)، واختار أبو عُبيد التنوينَ في الثلاثة، والوقفَ بالألف
اتّباعًا لخطّ المصحف؛ قال: رأيت في مصحف عثمان ((سَلَاسِلًا)) بالألف،
و(قَوَارِيرًا)) الأوَّل بالألف، وكان الثاني مكتوبًا بالألف، فَحُكَّت، فرأيت أثرَها هناك
بَيِّنًا.
فمن صَرَفَ فلہ أربع حُجج:
أحدها: أنَّ الجموع أشبهت الآحاد، فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم
الآحاد، فصرفت.
الثانية: أنَّ الأخفش حكى عن العرب صَرْفَ جميع ما لا ينصرف، إلَّا: أَفْعَل
منك، وكذا قال الكسائيُّ والفرَّاء: هو على لغة من يُجرِي الأسماءَ كلَّها، إلَّا قولهم:
هو أظرف منك، فإنهم لا يُجْرُونه؛ وأنشد ابن الأنباريِّ(٢) في ذلك قولَ عمرو بنِ
گُلْثوم:
كأَنَّ سيوفنا فينا وفيهِمْ .
مَخَارِيقٌ بأيدي لاعبينا(٣)
وقال لَبِید:
بمَغالِقٍ مُتشابهٍ أَجسامُها (٤)
وجَزُورِ أَيْسارٍ دَعوتُ لِحَتْفها
(١) الكلام بنحوه في الوقف والابتداء لابن الأنباري ٣٦٨/١، والمقنع للداني ص ١٥، وينظر النشر
٣٩٥/٢.
(٢) في الوقف والابتداء ٣٦٩/١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٩٧/٥، والحجة لأبي علي ٣٤٩/٦،
ومشكل إعراب القرآن ٧٨٣/٢، والكشف عن وجوه القراءات ٣٥٢/٢ ومعاني القرآن للفراء
٢١٤/٣، وللزجاج ٢٦٠/٥. قوله: لا يُجرونه، أي: يمنعونه من الصرف، والإجراء يعني الصرف.
ينظر تعليق الشيخ محمود شاكر رحمه الله على تفسير الطبري ٣٤٧/٦.
(٣) شرح القصائد المشهورات لابن النحاس ص١٠٤ . المخاريق: ما مُثِّل بالشيء وليس به، نحو ما يلعب
به الصبیان، یشبهونه بالحدید ولیس به.
(٤) شرح ديوان لبيد ص٣١٨. الأيسار: المضاربون بالقداح. لحتفها: لنحرها. المغالق: القِداح؛ لأنه يغلق
بها الرهن. متشابه أجسامها: يشبه بعضها بعضاً؛ لأنها على نسق واحد.
:.

٤٥٢
سورة الإنسان: الآية ٤
وقال لبيد أيضاً :
سَمْحُ كَسُوبُ رغائبٍ غَنَّامُها (١)
فَضلًا وذو كرم يُعِينُ على النَّدَی
فصَرَفَ مَخَارِيقٍ ومَغَالق وَرَغَائب، وسبيلُها ألَّ تُصرَف.
والحجَّة الثالثة: أن يقول: نونت ((قوارِیر)) الأوَّل؛ لأنه رأس آية، ورؤوس الآي
جاءت بالنون، كقوله جلَّ وعزَّ: ((مَذْكُورًا)) ((سَمِيعًا بَصِيرًا)) فنوَّنَّا الأوَّل ليوافَقَ(٢) بين
رؤوس الآي، ونوَّنًّا الثاني على الجِوار للأوَّل.
والحجة الرابعة: اتِّباع المصاحف، وذلك أنهما جميعًا في مصاحف مكة
والمدينةِ والكوفةِ بالألف.
وقد احتجَّ مَن لم يصرفهنَّ بأن قال: إنَّ كلَّ جمع بعد الألف منه ثلاثةُ أحرف أو
حرفان أو حرف مشدَّد؛ لا يُصرَف في معرفة ولا نكرة؛ فالذي بعد الألف منه ثلاثة
أحرف قولُك: قناديل، ودنانير، ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قولُ الله عزَّ
وجلَّ: ﴿لَِّمَتْ صَوَمِعُ﴾ [الحج: ٤٠] لأنَّ بعد الألف حرفين، وكذلك قوله: ﴿وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾ [الحج: ٤٠] والذي بعد الألف منه حرف مُشَدَّد: شَوَابٌ
ودَوَابٌ.
وقال خلف: سمعت يحيى بنَ آدم يحدِّث عن ابن إدريس قال: في المصاحف
الأُوَل الحرفُ الأوَّل(٣) والثاني بغير ألف؛ فهذا حُجَّةٌ لمذهب حمزة. وقال خلف:
رأيت في مصحفٍ ينسب إلى قراءة ابنٍ مسعود الأولَ بالألف، والثانيَ بغير ألف.
وأما أَفْعَل مِنْك، فلا يقول أحدٌ من العرب في شِعره ولا في غيره: هو أفعل
منك، منوَّنًا؛ لأنَّ ((مِن)) تقوم مَقامَ الإضافة، فلا يُجمعُ بين تنوين وإضافةٍ في حرف؛
(١) شرح ديوان لبيد ص ٣٢٠. فضلاً: رغبة في الفضل. وذو كرم: أي: ومنا ذو كرم.
(٢) في (د): لتوقف، وفي (م): ليوقف، وفي (ي): ليوفق، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في
المطبوع من الوقف والابتداء لابن الأنباري ٣٦٩/١ ، والكلام منه.
(٣) بعدها في (د) و(م): بالألف، وهو خطأ.

٤٥٣
سورة الإنسان: الآيات ٤ - ٦
لأنهما دليلان من دلائل الأسماء، ولا يجمع بين دليلين؛ قاله الفرَّاء وغيره(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَغْذَلَا﴾ جمع غُلّ، تُغَلُّ بها أيديهم إلى أعناقهم. وعن جُبَير بن
نُفَير، عن أبي الدرداء كان يقول: إِرفعوا هذه الأيديَ إلى الله جلَّ ثناؤه قبل أن تُغلَّ
بالأغلال. قال الحسن: إنَّ الأغلال لم تُجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا
الربَّ سبحانه، ولكن إذا طغى [بهم اللهب، أرسبتهم في النار](٢). ﴿وَسَعِيرًا﴾ تقدَّم
القولُ فيه(٣) .
(@ عَيْنَا يَشْرَبُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
◌ِهَا عِبَادُ اَللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ الأبرار: أهل الصِّدق، واحدهم برٍّ،
وهو مَن امتثال أمرَ الله تعالى. وقيل: البَرّ: الموحّد، والأبرار: جمع بارّ، مثل:
شاهد وأشهاد، وقيل: هو جمع بَرّ، مثل: نَهْر وأنهار؛ وفي الصحاح(٤): وجمع
البَرّ: الأبرار، وجمع البارّ: الْبَرَرة، وفلان يَبَرُّ خالقَه وَيَتَبيرَّرُه، أي يُطِيعه، والأمُ بَرَّةٌ
بولدها.
وروى ابن عمر عن رسول الله :﴿ قال: ((إنما سمَّاهم اللهُ جلَّ ثناؤه الأبرار؛
لأنهم بَرُّوا الآباء والأبناء، كما أنَّ لوالدك عليك حقًّا، كذلك لولدك عليك حقًّا))(٥).
(١) نقله المصنف عن الوقف والابتداء ١/ ٣٧٠ . والكلام بتمامه فيه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٠، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٤٤/٤، وما بين حاصرتين منهما.
ووقع في (ظ) و(م) : ... ولكن إذلالاً.
(٣) ١٧٩/١٣ - ١٨٠.
(٤) مادة (برر)، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٥/ ٩٧، وتفسير البغوي ٤/ ٤٢٧ .
(٥) أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/ ١٦٣٠ من طريق عبيد الله بن الوليد الوصَّافي وقال: لا يتابع عليه.
وأخرجه من هذا الطريق البخاري في الأدب المفرد (٩٤)، وابن أبي حاتم ٨٤٦/٣ (٤٦٨٠) موقوفاً.
قال ابن كثير عند تفسير الآية (١٩٨) من سورة آل عمران: والموقوف أشبه، والله أعلم. وقال السيوطي
في الدر المنثور ١١٣/٢: والموقوف أصح.

٤٥٤
سورة الإنسان: الآيتان ٥ - ٦
وقال الحسن: البَرّ: الذي لا يؤذي الذَّرّ (١). وقال قتادة: الأبرار: الذين يؤدُّون حقَّ
الله ويوفون بالنَّذْر(٢). وفي الحديث: ((الأبرار الذين لا يؤذون أحدًا))(٣).
﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ أي: من إناء فيه الشراب. قال ابن عباس: يريد الخمر.
والكأس في اللغة: الإناء فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يُسمَّ كأسًا(٤). قال
عمرو بن كلثوم:
وكان الكأسُ مَجْراها اليمينا
صَبَنْتٍ(٥) الكأسَ عنَّا أُمَّ عَمْرٍو
وقال الأصمعيّ: يقال: صَبَنْتَ عنّا الهديةَ أو ما كان من معروف تَصْبِنُ صَبْئًا:
بمعنى كَفَفْتَ؛ قاله الجوهري.
﴿ كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: شَوْبُها وخِلْطُها؛ قال حسَّان:
كأَنَّ سَبيئةً من بيتٍ رأسٍ يكون مِزاجُها عسلٌ ومَاءُ(٦)
ومنه مِزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء، والحرارة والبرودة.
﴿كَافُورًا﴾ قال ابن عباس: هو اسم عينٍ ماءٍ في الجنة، يقال له: عين الكافور.
أي: يمازجه ماءُ هذه العينِ التي تسمَّى كافورًا. وقال سعيد عن قتادة: تُمزَج لهم
بالكافور وتُختَم بالمسك. وقاله مجاهد. وقال عكرمة: مِزَاجها طعمها(٧). وقيل: إنما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨٤٦/٣ (٤٦٨١).
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٦٥ .
(٣) لم نقف عليه.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٥٨/٥ .
(٥) في (ظ): صددت، وهو موافق لما في شرح القصائد المشهورات لابن النحاس ص٩١ ، وشرح
التبريزي ص٢٥٦ . والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في شرح الزوزني ١١٩، والصحاح
(صبن).
(٦) الديوان ص٨، والخزانة ٢٢٤/٩ . قال البغدادي: السبيئة: الخمر التي تُسبأ، أي: تشترى. وبيت
رأس: موضع. وقيل: بيت: موضع الخمر، ورأس: اسم للخمَّار. وقيل: الرأس هنا بمعنى الرئيس،
أي: من بيت رئيس. قال اللخمي: وهذا أحسن الأقوال.
(٧) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٧، وقول قتادة أخرجه الطبري ٥٣٩/٢٣.

٤٥٥
سورة الإنسان: الآيتان ٥ - ٦
الكافور في ريحها لا في طعمها(١). وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيبٍ رائحته
وبَرْده؛ لأن الكافور لا يشرب؛ كقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي:
كنارٍ. وقال ابن كَيْسان: طُيِّب بالمسك والكافور والزَّنجبيل(٢). وقال مقاتل: ليس
بكافور الدنيا. ولكن سمَّى اللهُ ما عنده بما عندكم حتى تهتديّ لها القلوب(٣). وقوله:
﴿ كَانَ مِزَّاجُهَا﴾ ((كان)) زائدة، أي: مِن كأسٍ مِزاجُها كافورٌ.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الَهِ﴾ قال الفرَّاء(٤): إنَّ الكافور اسمٌ لعين ماءٍ في الجنة؛
فـ(عَيْنًا)) بدل من ((كافور)) على هذا. وقيل: بدل من ((كأس)) على الموضع. وقيل: هي
حال من المضمَر في ((مِزاجها)). وقيل: نصب على المدح؛ كما يُذكّر الرَّجلُ فتقول:
العاقلَ اللبيبَ، أي: ذكرتم العاقلَ اللبيبَ؛ فهو نصب بإضمار: أعني. وقيل: يشربون
عينًا(٥). وقال الزجَّاج(٦): المعنى: مِن عين.
ويقال: كافور وقافور. والكافور أيضًا: وعاء طلع النخل، وكذلك الكُفُرَّى؛ قاله
الأصمعيّ.
وأما قولُ الراعي:
مِن قُصْبٍ مُعْتَلِف الكافورِ دَرَّاجِ
تَكسو المغارِقَ واللَّبَّاتِ ذا أُرَجِ
فإنَّ الّبي الذي يكون منه المسك إنما يرعى سُنبل الطّيب، فجعله كافورًا(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٥/ ٩٧.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٧ .
(٣) ذكر قوله مختصراً الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٠٠، وينظر تفسير أبي الليث ٤٣٠/٣.
(٤) في معاني القرآن ٣/ ٢١٥، وينظر المحرر الوجيز ٤٠٩/٥.
(٥) هذه الأقوال في معاني القرآن للأخفش ٧٢٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٩٧/٥ - ٩٨، والكشاف
٠١٩٦/٤
(٦) في معاني القرآن ٢٥٨/٥ .
(٧) الصحاح (كفر)، وبيت الراعي في ديوانه ص ٣٢ . اللَّبَّات: جمع لَّة: وهو المنحر. القُصْب: المِعَى.
الأرَج: الطيّب الرائحة. دَرَّاج: يذهب ويجيء. قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٤١٧/١: أراد
المسك، فجعله من قُصب ظبي المسك.

٤٥٦
سورة الإنسان: الآيتان ٥ -٦
﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ قال الفرَّاء(١): يشرب بها ويشربها سواءٌ في المعنى، وكأنَّ ((يشرب
بها)) يَرْوَى بها ويَنْقَع (٢)؛ وأنشد:
شَرِبْنَ بماء البحرِ ثم تَرفَّعتْ متى لُجَجِ خُضْرٍ لَهُنَّ نَحْيجُ(٣)
قال: ومثله: فلان يتكلّم بكلام حسن، ويتكلَّم كلامًا حسنًا. وقيل: المعنى:
يشربها، والباء زائدة (٤). وقيل: الباء بدل ((مِن))، تقديره: يشرب منها؛ قاله القُتَبِيّ(٥).
﴿يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ فيقال: إنَّ الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره،
وبيده قضيبٌ يشير به إلى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض
في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره؛ وذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ
◌ِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ أي: يُشقِّقونها شَقًّا، كما يفجِّر الرجلُ النهرَ هاهنا وهاهنا
إلی حیث یرید.
وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٦): ((يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا)): يقودونها حيث
شاؤوا، وتتبعهم؛ حيثما مالوا مالت معهم.
وروى أبو مقاتل عن صالح بن سعيد، عن أبي سهل، عن الحسن قال: قال
رسول الله: ((أربع عيون في الجنة: عينان تجريان من تحت العرش، إحداهما التي
ذكر اللهُ: ((يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا))، والأخرى [الزنجبيل]، والأخريان نَضَّاختان من فوق
العرش، إحداهما التي ذَكَرَ الله: ((سَلْسَبِيلًا))، والأخرى التَّسْنيم)). ذكره الترمذيُّ
(١) في معاني القرآن ٢١٥/٣ .
(٢) في مختار الصحاح: نقع بالماء: رَوِيَ، وشَرِبَ حتى نقع، أي: شفى غليله.
(٣) قائله أبو ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٥٢/١، والخزانة ١٩٣/٣ (دار صادر). قال
البغدادي: متى لجج، أي: من لجج، أو في لجج، أو وسط لجج. ونتيج: مرِّ سريع.
(٤) تفسير البغوي ٤٢٨/٤، والمحرر الوجيز ٤١٠/٥.
(٥) في تأويل مشكل القرآن ص ٤٣٠ .
(٦) أخرج قوله الطبري ٢٣/ ٥٤٠ بنحوه.

٤٥٧
سورة الإنسان: الآيات ٦ - ٩
الحكيم في ((نوادر الأصول))(١)؛ وقال: فالتسنيم للمقرَّبين خاصَّةً شربًا لهم، والكافور
للأبرار شرباً لهم؛ يُمزج للأبرار من التسنيم شرابُهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل
فللأبرار منها مِزاج. هكذا ذكره في التنزيل، وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شِرْب،
فما كان للأبرار مزاج، فهو للمقرَّبين صِرف، وما كان للأبرار صِرف، فهو لسائر أهل
الجنة مِزاج. والأبرار هم الصادقون، والمقرَّبون هم الصِّدِّيقون.
وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى
٧
قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّْرِ وَيُخَفُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُ مُسْتَطِيرًا (
حُبِّهِ مِسْكِينًا وَتِيمً وَأَسِيرًا ﴿ إِنَّ نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءٍ وَلَا شَكُورًا (٦)﴾
قوله تعالى: ﴿يُقُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي: لا يُخلِفون إذا نَذَروا. وقال مَعْمَر عن قتادة: بما
فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحجِّ والعُمْرة وغيره من الواجبات(٢).
وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حقِّ الله جلَّ ثناؤه(٣). وقال الفرَّاء(٤)
والجرجاني: وفي الكلام إضمار، أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. والعرب قد تزيد
مرة (كان)» وتحذف أخرى.
والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلّف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في
حَدِّه: النذر: هو إيجاب المكلّف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يَلْزمه.
وقال الكَلْبيّ: ((يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)) أي: يتمِّمون العهود(٥). والمعنى واحد؛ وقد قال
الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُونُواْ تُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أي: أعمال نسكهم
التي ألزموها أَنفسَهم بإحرامهم بالحجّ. وهذا يقوِّي قولَ قتادة، وأنَّ النذر يندرج فيه ما
(١) لم نقف عليه في المطبوع منه، وقد ذكره المصنف في التذكرة ص ٥٠٧ ونسبه أيضاً للحكيم الترمذي
في نوادر الأصول في الأصل التاسع والثمانين، ونقل كلامه الآتي. وأورده السيوطي في الدر المنثور
٣٠١/٦ وعزاه لنوادر الأصول أيضاً، وما بين حاصرتين منه.
(٢) أخرجه الطبري ٥٤١/٢٣ - ٥٤٢، وذكره البغوي ٤/ ٤٢٨ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٨ .
(٤) في معاني القرآن ٢١٦/٣ .
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٦٦/٦ بنحوه.

٤٥٨
سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩
التزمه المرءُ بإيمانه مِن امتثال أمر الله؛ قاله القُشيري.
وروى أشهب عن مالك أنه قال: ((يوفُون بالنَّذْرِ)): هو نذر العتق والصيام
والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال: قال مالك: ((يوفُون بالنَّذْر)) قال:
النذر هو اليمين (١).
قوله تعالى: ﴿وَغَافُونَ﴾ أي: يحذرون ﴿يَوْمًا﴾ أي: يوم القيامة. ﴿كَانَ شَرُّهُ
مُسْتَطِيرًا﴾ أي: عاليًا داهيًا فاشيًا، وهو في اللغة: ممتدًّا، والعرب تقول: استطار
الصَّدع في القارورة والزُّجاجة واستطال: إذا امتدّ(٢)؛ قال الأعشى:
وبانتْ وقد أَسأَرتْ(٣) في الفؤا دصَدْعًا على نأيها مستطيرا
ويقال: استطار الحريق: إذا انتشر. واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء(٤).
وقال حسان :
وهانَ على سَرَاة بني لُؤَيِّ
حريقٌ بالبُوَيرة مستطيرُ(٥)
وكان قتادة يقول: استطار واللهِ شُّ ذلك اليوم حتى ملأ السماواتِ والأرض (٦).
وقال مقاتل: كان شرُّه فاشيًا في السماوات فانشقّت، وتناثرت الكواكب، وفزعت
الملائكة، وفي الأرض نُسِفت الجبالُ وغارت المياه(٧).
قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: على قِلَّته وحبِّهم
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٨٨٥.
(٢) الكلام في معاني القرآن للفراء ٢١٦/٣ بنحوه.
(٣) في (د) وتفسير الطبري ٥٤٣/٢٣: أثارت، وفي الديوان ص١٤٣: أورثت، والمثبت من (ظ) و(م)
وهو موافق لما في المحرر الوجيز ٤١٠/٥، وأَسْأَرَتْ، أي: أَبْقَتْ .
(٤) تفسير غريب القرآن ص ٥٠٢ ، وينظر الصحاح (طير).
(٥) الديوان ص١١٠. وسلف ٣٤١/٢٠.
(٦) أخرجه الطبري ٥٤٢/٢٣ .
(٧) الوسيط للواحدي ٤/ ٤٠٠، وتفسير البغوي ٤٢٨/٤ .
.

٤٥٩
سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩
إِيَّاه وشهوتِهم له. وقال الداراني: على حبِّ اللـه(١). وقال الفُضَيل بن عياض: على
حبِّ إطعام الطعام. وكان الربيع بن خُثَيم إذا جاءه السائل قال: أطعموه سُكَّرًا، فإنَّ
الربيع يحبُّ السُّكَّر(٢).
﴿مِسْكِيناً﴾ أي: ذا مسكنة. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو الطوَّاف
يسألك مالَك.
﴿وَيَنِسًا﴾ أي: من يتامى المسلمين. وروى منصور عن الحسن: أنَّ يتيمًا كان
يحضر طعامً ابن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب الیتیم فلم يجده، وجاءه بعد ما
فرغ ابن عمر من طعامه، فلم يجد الطعام، فدعا له بسَوِيق وعسل؛ فقال: دونَك
هذا، فوالله ما غُبِنتَ؛ قال الحسن وابن عمر: والله ما غُبِن.
﴿وَأَسِيرًا﴾ أي: الذي يؤسر فيحبس. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الأسير
من أهل الشّرك يكون في أيديهم. وقاله قتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:
الأسيرُ هو المحبوس(٣). وكذا قال سعيد بن جُبير وعطاء: هو المسلم يُحبس بحقّ(٤).
وعن سعيد بن جبير مثل قول قتادة وابنٍ عباس. قال قتادة: لقد أَمَرَ الله بالأسرى أن
يُحسَنَ إليهم، وإنَّ أَسراهم يومئذ لَأَهلُ الشِّرك، وأخوك المسلم أحقُّ أن تطعمه(٥).
وقال عِكرمة: الأسير العبد(٦). وقال أبو حمزة الثُّمَالي: الأسير المرأة، يدلُّ عليه قولُه
عليه الصلاة والسلام: ((استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهنَّ عَوَانٍ عندكم))(٧) أي: أسيرات.
(١) المحرر الوجيز ٤١٠/٥، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٥٤٣/٢٣.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٠١/١٣ - ٤٠٢، وأبو نعيم في الحلية ١١٥/٢.
(٣) أخرجه الطبري ٥٤٤/٢٣ - ٥٤٥ .
(٤) تفسير البغوي ٤٢٨/٤ بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري ٥٤٤/٢٣ .
(٦) النكت والعيون ١٦٦/٦ .
(٧) المحرر الوجيز ٤١١/٥، والحديث أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن
الأحوص ﴾. وقوله منه: ((استوصوا بالنساء خيراً) أخرجه البخاري (٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨) من
حديث أبي هريرة ﴾. وسلف ٣/ ٩٤ .

٤٦٠
سورة الإنسان: الآيات ٧ - ٩
وقال أبو سعيد الخُدري: قرأ رسول الله :﴿: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبُّه مِسْكِيناً
وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)) فقال: ((المسكين: الفقير، واليتيم: الذي لا أب له، والأسير:
المملوك والمسجون» ذكره الثعلبي.
وقيل: نَسَخَ إطعامَ المسكين آيةُ الصَّدقات؛ وإطعامَ الأسير السيفُ؛ قاله سعيد بن
جُبير(١). وقال غيره: بل هو ثابتُ الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوّع،
وإطعام الأسير لحفظ نفسه، إلّا أن يتخيَّرَ فيه الإمام.
الماورديُّ(٢): ويحتمل أن يريد بالأسير الناقصَ العقل؛ لأنه في أَسْر خَبْله
وجنونه، وأسرُ المشرك انتقام يقف على رأي الإمام؛ وهذا بِرٍّ وإحسان.
وعن عطاء قال: الأسير من أهل القِبلة وغيرهم(٣).
قلت: وكأنَّ هذا القولَ عامٌّ يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك
قُربةً إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضةُ فلا. والله أعلم.
ومضى القولُ في المسكين واليتيم والأسير واشتقاقٍ ذلك من اللغة في ((البقرة)»
مستوفّى، والحمد لله (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنّا تُطِمَّكُمْ لِوَجْهِ الَّهِ﴾ أي: يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم
والأسير: ((إِنَّمَا نُطْعمكم)) في الله جلَّ ثناؤه فزعًا من عذابه وطمعًا في ثوابه ﴿لَا تُبِدُ
١﴾ أي: ولا أن تُثْنُوا علينا بذلك؛ قال ابن عباس:
مِنگز جزاء﴾ أي: مكافأة ﴿وَلا
كذلك كانت نيّاتهم في الدنيا حين أَطعموا. وعن سالم، عن مجاهد قال: أما إنهم ما
تكلَّموا به، ولكن عَلِمه الله جلَّ ثناؤه منهم، فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب.
وقاله سعيد بن جُبير(٥)، حكاه عنه القُشيريّ.
(١) النكت والعيون ١٦٦/٦، وينظر المحرر الوجيز ٤١٠/٥ .
(٢) في النكت والعيون ٦/ ١٦٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٥٤٥/٢٣ .
(٤) ٢٢٩/٢، ٢٣٢، ٢٣٩.
(٥) أخرج قولهما الطبري ٢٣/ ٥٤٦ .