النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ حصته من مال أبيه، يعطي الذي شَهِد له قَدْرَ (١) الذي يصيبه من المال الذي في يده. قال مالك: وتفسيرُ ذلك: أن يَهْلِك الرجل ويترك ابنين ويترك ستَّ مئةِ دينار، [فيأخذُ كلُّ واحد منهما ثلاثَ مئةٍ ديناراً، ثم يشهدُ أحدهما بأنَّ أباه الهالكَ أقرَّ أن فلانًا ابنُه، فيكونُ على الذي شَهِد للذي استُلْحِق (٢) مئةُ دينار، وذلك نصفُ ميراث المستلحَق لو لَحِقَ، وإن أقرَّ له الآخر أخذ المئة الأخرى، فاستكمل حقَّه وثَبَتَ نسبُهُ(٣). وهو أيضًا بمنزلة المرأة تُقِرُّ بالدَّين على أبيها أو على زوجها، وينكر ذلك الورثة، فعليها أن تدفع إلى الذي أقرَّت له قَدْرَ الذي يُصيبها من ذلك الدَّين لو ثبت على الورثة كلِّهم، إن كانت امرأةً فورِثت الثُّمن؛ دفعت إلى الغريم ثُمُن دَينه، وإن كانت ابنةٌ ورثت (٤) النصف؛ دفعت إلى الغريم نصف دَينه، على حسابٍ هذا يدفع إليه مَن أقرَّ له من النساء. الثالثة: لا يصح الإقرار إلا مِن مكلَّف، لكن بشرط ألا يكون محجورًا عليه؛ لأن الحجر يُسْقِط قولَه إن كان لحقِّ نفسه، فإن كان لحقِّ غيره، كالمريض، كان منه ساقط ومنه جائز. وبيانُه في مسائل الفقه(٥). وللعبد حالتان في الإقرار: إحداهما في ابتدائه، ولا خلاف فيه على الوجه المتقدِّم. والثانية في انتهائه، وذلك مثلُ إبهام الإقرار، وله صورٌ كثيرة، وأمهاتُها ستُّ: الصورة الأولى: أن يقول: له عندي شيء، قال الشافعي: لو فَسَّره بتمرة أو كِسْرة قُبِل منه. والذي تقتضيه أصولُنا أنه لا يُقبَل إلا فيما له قَدْر، فإذا فسَّره به قُبِل منه وحَلَف علیه. (١) بعدها في (د) و(م): الدَّين. (٢) في (م): استحقَّ. (٣) الاستذكار ١٩٦/٢٢ وما بين حاصرتين وما سيأتي إلى آخر المسألة منه. (٤) في (ظ): فورثت. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧٨/٤ - ١٨٨٠، وما سيأتي إلى آخر المسألة منه. ٤٢٢ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ الصورة الثانية: أن يفسِّر هذا بخمر أو خنزير، أو ما لا يكون مالًا في الشريعة، لم يُقْبل باتفاق ولو ساعده عليه المُقَرُّ له. الصورة الثالثة: أن يفسِّره بمختلف فيه مثل جلد الميتة أو سِرْقين(١) أو كلب، فإن الحاکم یحکم علیه في ذلك بما يراه من ردًّ وإمضاء، فإن ردّه لم يحكم علیه حاكم آخرُ غيره بشيء، لأن الحكم قد نفذ بإبطاله. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يلزم الخمر والخنزير، وهو قول باطل. وقال أبو حنيفة: إذا قال: له عليَّ شيءٌ، لم يُقبل تفسيره إلا بِمَكيل أو موزون، لأنه لا يَثْبُت في الذِّمة بنفسه إلا هما. وهذا ضعيف؛ فإنَّ غيرَهما يثبت في الذمة إذا وجب ذلك إجماعًا. الصورة الرابعة: إذا قال: له عندي مالٌ، قُبِل تفسيره بما يكون مالًا(٢) في العادة، كالدِّرهم والدِّرهمين، ما لم يَجِئ من قرينة الحال ما يحكم عليه بأكثر منه. الصورة الخامسة: أن يقول: له عندي مالٌ كثير أو عظيم، فقال الشافعيُّ: يُقبل في الحبَّة. وقال أبو حنيفة: لا يُقبَل إلا في نصاب الزكاة. وقال علماؤنا في ذلك أقوالاً مختلفة، منها نصابُ السَّرقة والزكاة والدِّية، وأقلُّه عندي نصابُ السَّرقة، لأنه لا يُبَان عُضوُ المسلم إلا في مال عظيم، وبه قال أكثر الحنفية. ومَن تعجب فليتعجَّب(٣) لقول اللَّيث بن سعد: إنه لا يُقبل في أقلّ من اثنين وسبعين درهمًا. فقيل له: ومن أين تقول ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةِ(٤)﴾ [التوبة: ٢٥]، وغزواتُه وسراياه كانت اثنتين وسبعين. وهذا لا يصحّ؛ لأنه أخرج حُنَيناً منها، وكان حقُّه أن يقول: يُقَبل في أَحَدٍ وسبعين، وقد قال الله تعالى: ﴿أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ﴾ (١) السِّرقين هو الزِّبل، معرب سَركين. القاموس (سرقن). (٢) في النسخ: بما لا يكون مالاً. والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧٩/٤، والكلام منه، وينظر البناية في شرح الهداية ٧/ ٥٤١، وعقد الجواهر الثمينة ٧٠١/٢، والمجموع ٥٤٦/١٨، والمغني ٣٠٥/٧. (٣) في النسخ عدا (ظ): ومن تعجب فيتعجب، والمثبت من (ظ). (٤) بعدها في (د) و(م): ویوم حنين. ٤٢٣ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ [النساء: ١١٤]، وقال: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعَنَّا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]. الصورة السادسة: إذا قال: له عندي عشرةٌ، أو مئةٌ، أو ألف، فإنه يُفَسِّرها بما شاء ويُقْبل منه، فإن قال: ألفُ درهم، أو مئةٌ وعبد، أو مئةٌ وخمسون درهمًا، فإنه يُفسِّر المبهَم ويُقبل منه، وبه قال الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: إنْ عَطَفَ على العدد المبهم مكيلاً أو موزوناً، كان تفسيرًا؛ كقوله: مئةٌ وخمسون درهمًا؛ لأن الدِّرهم تفسيرٌ للخمسين، والخمسينَ تفسيرٌ للمئة. وقال ابن خَيران الإصْطَخْري من أصحاب الشافعي(١): الدرهم لا يكون تفسيرًا في المئة والخمسين إلا للخمسين خاصة ويُفسِّر هو المئة بما شاء. المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ومعناه: لو اعتذر بعد الإقرار لم يُقبل منه. وقد اختلف العلماء فيمن رجع بعد ما أقرَّ في الحدود التي هي خالصُ حقِّ الله، فقال أكثرهم منهم الشافعيُّ وأبو حنيفة: يُقبلُ رجوعه بعد الإقرار. وقال به مالك في أحد قوليه، وقال في القول الآخر: لا يقبل إلا أن يذكر لرجوعه وجهًا صحيحًا. والصحيحُ جوازُ الرجوع مطلقًا؛ لِمَا روى الأئمة منهم البخاريُّ ومسلمٌ أن النبيَّ ﴾ ردَّ المُقرَّ بالزنى مرارًا أربعاً كلَّ مرَّة يُعرِض عنه، ولَمَّا شهد على نفسه أربع مرات، دعاه النبيُّ # وقال: ((أبكَ جنون؟)). قال: لا. قال: ((أُخْصِنْت؟)). قال: نعم(٢). وفي حديث البخاريِّ: (لعلَّكَ قَبَّلت، أو غمزت، أو نظرتَ))(٣). وفي النَّسائيِّ وأبي داود(٤): حتى قال له في الخامسة: ((أنِكتَها؟))(٥). قال: نعم. قال: ((حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟)). قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرود في (١) هو أبو علي الحسين بن صالح بن خَيْران، البغدادي الشافعي، شيخ الشافعية، توفي سنة عشرين وثلاث مئة. سير أعلام النبلاء ٥٨/١٥ . (٢) صحيح البخاري (٦٨٢٠)، و(٦٨٢٥)، وصحيح مسلم (١٦٩١): (١٦) من حديث جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما. وأخرجه عنهما أيضاً أحمد (٩٨٤٥) و(١٤٤٦٢). (٣) صحيح البخاري (٦٨٢٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو عند أحمد (٢٤٣٣). (٤) النسائي في السنن الكبرى (٧١٢٦)، وسنن أبي داود واللفظ له (٤٤٢٨) من حديث أبي هريرة ﴾. (٥) في (م): أجامعتها، وفي سنن النسائي: أنكحتها. ٤٢٤ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ المُكْحُلة والرِّشاء في البئر؟)). قال: نعم. ثم قال: ((هل تدري ما الزنى؟)) قال: نعم، أتيت منها حرامًا مثلَ ما يأتي الرجل من أهله حلالًا. قال: ((فما تريد مني بهذا القول؟(١)) قال: أريد أن تطهرني. قال: فأمر به فَرُجم. قال الترمذيُّ وأبو داود: فلمَّا وجد مَسَّ الحجارة، فَرَّ يشتدُّ، فضربه رجل بلخي جَمَل، وضربه الناس حتى مات. فقال النبيُّ ﴾: ((هَلَّا تركتموه))(٢). وقال أبو داود والنَّسائيُّ: ليتثبّت رسول الله ﴾، فأمَّا لترك حَدٍّ فلا(٣). وهذا كلُّه طريقٌ للرجوع وتصريحٌ بقَبوله. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ((لعلك قَبَّلْتَ أو غمزتَ)) إشارةٌ إلى قول مالك: إنه يُقبل رجوعه إذا ذكر وجهًا (٤). الخامسة: وهذا في الحرِّ المالكِ الأمر نفسه، فأمَّا العبدُ، فإنَّ إقراره لا يخلو من أحد قسمين: إمَّا أن يُقِرَّ على بدنه، أو على ما في يده وذمته؛ فإن أقرَّ على بدنه(٥) فيما فيه عقوبةٌ من القتل فما دونه، نَفَّذَ ذلك عليه. وقال محمد بن الحسن: لا يقبل ذلك منه؛ لأن بدنه مستغرَقٌ لحق السيد، وفي إقراره إتلاف حقوق السيد في بدنه، ودليلُنا قوله﴿: (مَن أصاب من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإِنَّ مَن يُبْد لنا صفحته، نُقِم عليه الحدّ))(٦). المعنى: أن محلَّ العقوبة أصلُ الخِلقة، وهي الدُّمْية(٧) في الآدمية، ولا حقَّ للسيِّد فيها، وإنما حقُّه في الوصف والتَّبَع، وهي (١) قوله: بهذا القول، ليست في (م)، وجاءت في (د) و(ظ): هذا القول. (٢) أخرجه الترمذي واللفظ له (١٤٢٨) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أبو داود (٤٤١٩) من حديث نُعَيم بن هزّال ﴾. وقوله: فرَّ يشتد، أي: يسعى. (٣) سنن أبي داود (٤٤٢٠)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٩) واللفظ له من حديث جابر ﴾. (٤) المسألة بتمامها في أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٨٨٠ - ١٨٨١ . (٥) في (د) و(م): فإن أقر على ما في بدنه. (٦) أخرجه مالك في الموطأ ٨٢٥/٢ عن زيد بن أسلم مرسلاً. وأخرجه الحاكم ٢٤٤/٤ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٧) في (د): الزينة، وفي (ظ) و(م) و(ي): الذِّمة، والمثبت من (ز) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٨٨١/٤ - ١٨٨٢ والمسألة بتمامها منه. ٤٢٥ سورة القيامة: الآيات ١٥ - ٢١ المالية الطارئةُ عليه، ألا ترى أنه لو أقرَّ بمال لم يُقبل، حتى قال أبو حنيفة: إنه لو قال: سرقت هذه السلعة إنه(١) تقطع يده ويأخذها المُقرُّ له. وقال علماؤنا: السِّلْعة للسيِّد ويُتْبَع العبدُ بقيمتها إذا عَتَق؛ لأن مال العبد للسيِّد إجماعًا، فلا يُقبل قولُه فيه ولا إقرارهُ عليه، لا سيما وأبو حنيفةَ يقول: إنَّ العبد لا مِلك له. ولا يصحُّ أن يَمْلِك ولا يُمَلَّك، ونحن وإن قلنا: إنه يصحُّ تملُّكه، ولكن جميع ما في يده لسيده بإجماع على القولين. والله أعلم. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ قوله تعالى: ﴿لَا تُحرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.( فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَعَ قُرْءَانَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴿ كَّ بَلْ تُنَ الْعَلِلَ هَ اْآَخِرَةَ وَتَّذَرُونَ قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.﴾ في الترمذي: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله # إذا نزل عليه القرآن يحرِّكُ به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُحرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾﴾ قال: فكان يحرِّك به شفتيه. وحرَّك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٢). ولفظ مسلم عن ابن جُبير عن ابن عباس قال: كان النبيُّ # يعالج من التنزيل شدَّة، كان يحرِّك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحرِّكهما كما كان رسول الله ﴾ یحرِّکهما، فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحرِّكهما، فحرَّك شفتيه، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرَْانَهُ﴾ قال: جَمْعَهُ في صدرك ثم تقرؤه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُزْءَانَهُ﴾ قال: فاسْتَمِع له وأنصت. ثم إنَّ علينا أن نقرأه، قال: فكان رسول الله ﴾(٣) إذا أتاه جبريلُ عليهما السلام استمع، وإذا انطلق (١) بعدها في (د) و(م): لم. ينظر بدائع الصنائع ٣٢٨/٩. (٢) سنن الترمذي (٣٣٢٩) وسفيان هو ابن عيينة أحد رجال الإسناد، وأخرجه أيضاً أحمد (١٩١٠)، والبخاري (٤٩٢٧) مختصراً. (٣) بعدها في (م): بعد ذلك. ٤٢٦ سورة القيامة: الآيات ١٦ - ٢١ جبريل عليه السلام قرأه النبيُّ# كما أقرأه. خرَّجه البخاريُّ أيضًا(١). ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾ [طه: ١١٤]، وقد تقدَّم (٢). وقال عامرٌ الشّعْبي: إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حُبِّه له، وحلاوته في لسانه، فنُهي عن ذلك حتى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض(٣). وقيل: كان عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي، حرَّك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه، فنزلت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ﴾ [طه: ١١٤]، ونزل: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ونزل: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾. قاله ابن عباس(٤). ((وقرآنه)) أي: وقراءتَه عليك. والقراءةُ والقرآن في قول الفراء(٥) مصدران. وقال قتادة: ((فَاتَّبِعْ قُرْآنَه)) أي: فاتبع شرائعه وأحكامه(٦). وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: تفسيرَ ما فيه من الحدود والحلال والحرام. قاله قتادة(٧). وقيل: ثم إنَّ علينا بيانَ ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقَهما. وقيل: أي: إن علينا أن نبيِّنه بلسانك(٨). قوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: أي: إنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه(٩). وقيل: أي: ((كَلّا)) لا يُصلُّون ولا يزكُون، يريد كفَّارَ مكة. (١) صحيح مسلم (٤٤٨): (١٤٨)، وصحيح البخاري (٥)، وهو عند أحمد أيضاً (٣١٩١). (٢) ١٤ / ١٤٤ - ١٤٥ . (٣) النكت والعيون ١٥٥/٦، وأخرجه الطبري ٤٩٨/٢٣ مختصراً. (٤) أخرجه الطبري ٤٩٩/٢٣ مختصراً. (٥) في معاني القرآن له ٢١١/٣ . (٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤، والطبري ٥٠٣/٢٣ بنحوه. (٧) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٠٤ بنحوه. (٨) أخرج هذا القول الطبري ٥٠٤/٢٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٩) نسب هذا القول الواحدي في الوسيط ٣٩٣/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٢٢/٨ لعطاء. ٤٢٧ سورة القيامة: الآيات ٢٠ - ٢٥ ﴿بَّ تُونَ﴾ أي: بل تحبُّون يا كفارَ أهل مكة ﴿اٌلْعَاجِلَةَ﴾ أي: الدارَ الدنيا والحياةَ فيها ﴿وَتَذَرُونَ﴾ أي: تَدَعُون ﴿اَلْآَخِرَةَ﴾ والعملَ لها. وفي بعض التفسير قال: الآخرة: الجنة. وقرأ أهل المدينة والكوفيون: (بَلْ تُحِبُّونَ))، ((وَتَذَرُونَ)) بالتاء فيهما على الخطاب(١)، واختاره أبو عبيد، قال: ولولا الكراهةُ لِخِلاف هؤلاء القراء، لقرأتُها بالياء، لِذِكر الإنسان قبل ذلك. الباقون بالياء على الخبر، وهو اختيار أبي حاتم. فَمَن قرأ بالياء فردًّا على قوله تعالى: ﴿يُّ الْإِنَنُّ﴾ وهو بمعنى الناس. ومَن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع؛ لأنَّ ذلك أبلغُ في المقصود؛ نظيره: ﴿إِنّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَفِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٧َ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ (١٧) وَوُجُوهُ يَوَمَيَذٍ بَاسِرَةٌ (٤) تَظُ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٥) قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَاَ نَاظِرَةٌ ﴾ الأوَّلُ من النَّضْرة التي هي الحُسْنِ والنَّعمة، والثاني من النظر، أي: وجوهُ المؤمنين مشرقةٌ حسنة ناعمة، يقال: نَضَرهم اللهُ يَنصُرُهم نَضْرة ونَضَارة، وهو الإشراق والعيش والغنى، ومنه الحديث: ((نَضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها))(٢). ((إِلَى رَبِّهَا)): إلى خالقها ومالكها ((نَاظِرَةٌ))، أي: تنظر إلى ربها، على هذا جمهور العلماء. وفي الباب حديث صُهَيب خرَّجه مسلم(٣) وقد مضى في ((يونس))(٤) عند قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْقَى وَزِيَادَةٌ﴾ [الآية: ٢٦]. وكان ابن عمر يقول: أكرمُ أهل (١) السبعة ص ٦٦١، والتيسير ص ٢١٧ . (٢) سلف ١٢٨/٢ . (٣) برقم (١٨١) وهو قوله﴿: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ ... إلى أن قال: فيكشف الحجاب، فما أُعْطُوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل. (٤) ٤٨٣/١٠ . ٤٢٨ سورة القيامة: الآيات ٢٢ - ٢٥ الجنة على الله مَن ينظر إلى وجهه غُدْوة وعَشية، ثم تلا هذه الآية: ﴿وُجُوهُ يَوَمَذٍ نَاضِرَةُ. إَِ رِهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١). وروى يزيدُ النَّخوي عن عِكْرمة قال: تنظر إلى ربها نظرًا(٢). وكان الحسن يقول: نَضَرت وجوههم ونظروا إلى ربِّهم(٣). وقيل: إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب. ورُوي عن ابن عمر ومجاهد(٤). وقال عكرمة: تنتظر أمر ربها. حكاه الماورديُّ عن ابن عمر وعِكرمة أيضًا(٥). وليس معروفًا إلا عن مجاهد وحده. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وهذا القول ضعيف جدًّا، خارجٌ عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار. وفي الترمذيِّ(٦) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﴾: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لَمَن ينظر إلى جِنانه وأزواجه وخَدمه وسُرره مسيرةَ ألفِ سنة، وأكرمُهم على الله مَن ينظر إلى وجهه غُذْوة وعَشَّة)). ثم قرأ رسول اللـه لَ﴾: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ. إِلَ بِّهَ نَاظِرَةٌ﴾ قال: هذا حديث غريب. وقد رُويَ عن ابن عمر ولم يرفعه. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، عن النبيِّ # قال: ((جنتان من فضة، آنيتُهما وما فيهما، وجنتانِ من ذهب، آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جلَّ وعزَّ إلا رِداءُ الكِبْرياء على وجهه في جَنَّة عدن))(٧). (١) أخرجه الترمذي (٢٥٥٣). (٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٥٣، والطبري ٢٣/ ٥٠٧ ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٨٠٣). (٣) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٠٧ بنحوه. (٤) أخرجه عن مجاهد الطبري ٢٣/ ٥٠٨ . (٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٥٦/٦ عن عكرمة فقط، وحكى عن ابن عمر ومجاهد: إلى ربها ناظرة: إلی ثواب ربها. (٦) برقم (٣٣٣٠). (٧) صحيح مسلم (١٨٠): (٢٩٦)، وهو عند أحمد (١٩٦٨٢)، والبخاري (٧٤٤٤)، وقوله: وما بين = ٤٢٩ سورة القيامة: الآيات ٢٢ - ٢٥ وروى جرير بن عبد الله قال: كثَّا عند رسول اللـه* جلوسًا، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: ((إنكم سترون ربكم عِيانًا كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُون في رؤيته؛ فإن استطعتم ألَّا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا)). ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] متَّفق عليه. وخرَّجه أيضًا أبو داود والترمذيُّ وقال: حديث حسن صحيح(١). وخرَّج أبو داود عن أبي رَزِين العُقَيليِّ قال: قلت: يا رسول الله، أكلُّنا یری ربه(٢) مُخْلِيًا به يوم القيامة؟ قال: ((نعم يا أبا رَزِين)) قال: وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال ((يا أبا رَزِين، أليس كلُّكم يَرَى القمر(٣) ليلة البدر مُخْلِيًا به؟)). قلنا: بلى. قال: «فالله أعظم (٤)، إنما (٥) هو خلق من خلق الله، يعني القمر، فالله أجلُّ وأعظم (٦)). وفي كتاب النَّسائيِّ(٧) عن صُهَيب قال: ((فيكشِفُ الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر، ولا أقرَّ لأعينهم)). وفي التفسير لأبي إسحاق الثَّعلبيِّ عن أبي الزُبير (٨) عن جابر قال: قال رسول الله ێ﴾. ((يتجلَّى ربُّنا عزَّ وجلَّ حتى ينظروا إلى وجهه، فيخرُّون له سُجَّدًا، فيقول: ارفعوا = القوم وبين أن ينظروا ... قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ١٦/٣: قال العلماء: كان النبي ﴾. يخاطب العرب بما يفهمونه، ويقرب الكلام إلى أفهامهم، ويستعمل الاستعارة وغيرها من أنواع المجاز ليقرب متناولها، فعبر # عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بإزالة الرداء. (١) صحيح البخاري (٥٥٤)، وصحيح مسلم (٦٣٣)، وسنن أبي داود (٤٧٢٩)، وسنن الترمذي (٢٥٥١)، وسلف ٤/ ١٨٠ . (٢) بعدها في (م) وسنن أبي داود: قال ابن معاذ. قلنا: وهو عبيد الله بن معاذ أحد رجال الإسناد. (٣) بعدها في (م) وسنن أبي داود: قال ابن معاذ. (٤) بعدها في سنن أبي داود: قال ابن معاذ، قال. (٥) في (م): فإنما. (٦) سنن أبي داود (٤٧٣١)، وهو عند أحمد (١٦١٨٦)، وابن ماجه (١٨٠). (٧) في السنن الكبرى (١١١٧٠)، وسلف ٤٨٣/١٠ . (٨) في (م): عن الزبير. ٤٣٠ سورة القيامة: الآيات ٢٢ - ٢٥ رؤوسكم، فليس هذا بيوم عبادة))(١). قال الثعلبيُّ: وقولُ مجاهد إنها بمعنى: تنتظر الثواب من ربِّها ولا يراه شيء من خَلقه، فتأويلٌ مدخول؛ لأن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار، قالوا: نَظْرتُه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦]، ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٣]، و﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلََّّ صَيْسَةٌ وَحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]، وإذا أرادتْ به التفكّر والتدبُّر قالوا: نظرتُ فيه. فأمَّا إذا كان النظر مقرونًا بذكر إلى، وذكرِ الوجه، فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان. وقال الأزهريُّ: إنَّ قول مجاهد: تنتظر ثواب رَبِّها، خطأً؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا، بمعنى الانتظار، وإنَّ قول القائل: نظرت إلى فلان، ليس إلا رؤيةً عين، كذلك تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار، قالوا: نَظَرْتُه(٢)، قال: فإِنَّكُما إِنْ تَنْظُرانيّ ساعةً مِن الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدَى أُمَّ جُنْدُبٍ (٣) لمَّا أراد الانتظار قال: تنظراني، ولم يقل: تنظران إليَّ، وإذا أرادوا نظر العين قالوا : نظرت إليه، قال: مَصابيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالٍ (٤) نظرتُ إليها والنُّجُومُ كأنَّهَا وقال آخر: وليْ نَظَرّ(٥) لولا التَّخَرُّجُ عَارِمُ نظرتُ إليها بالمُحصَّبِ مِنْ مِنّى (١) أخرجه الدارقطني في كتاب الرؤية (٥٢) وفيه أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليمامي، كذبه أبو حاتم وابن صاعد. وقال الدار قطني: ضعيف، وقال مرة: متروك. وقال ابن عدي: حدث عن الثقات بمناكير وكان ينسخ عجائب. ميزان الاعتدال ١٤٣/١ . (٢) ينظر تهذيب اللغة ٣٧١/١٤ . (٣) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٤١، وسلف ٢٩٨/٢ . (٤) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٣١، وقوله: تُشَبُّ، أي: توقد. والقُفَّال جمع قافل، وهو الراجع من السفر. ينظر اللسان (شبب) و(قفل). (٥) في النسخ عدا (ظ): نظرة، وسقط هذا الموضع من (ظ)، والمثبت من ديوان عمر بن أبي ربيعة ص١٨٢ . ٤٣١ سورة القيامة: الآيات ٢٢ - ٢٥ وقال آخر: إِنِّي إليكِ لِمَا وَعَدتِ لنَاظِرٌ نَظَرَ الفقيرِ إلى الغنيِّ المُوسِرِ (١) أي: إني أنظر إليك بِذُلِّ، لأنَّ نظر الذُّلِّ والخضوع أرقُّ لقلب المسؤول. فأمَّا ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصَارِ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإنما ذلك في الدنيا. وقد مضى القول فيه في موضعه مستوفّى(٢). وقال عطية العَوْفي: ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ونظرُه يحيط بهم(٣)، يدل عليه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ (٤) [الأنعام: ١٠٣]. قال القشيريُّ أبو نصر: وقيل: ((إلى)) واحد الآلاء، أي: نِعَمهُ منتظرة، وهذا أيضاً باطل؛ لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء، ثم الآلاء: نِعَمُه الدُّفَّع، وهم في الجنة لا ينتظرون دفعَ نِعمة(٥) عنهم، والمنتظرُ للشيء مُتنغِّصُ العيش، فلا يوصف أهل الجنة بذلك. وقيل: أضاف النظر إلى الوجه، لأن العين في الوجه (٦)، وهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ﴾ [البقرة: ٢٥] والماءُ يجري في النهر لا النهر. ثم قد يُذكر الوجه بمعنى العين، قال الله تعالى (٧): ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣]، أي: على عينيه. ثم لا يبعد قلب العادة غدًا، حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه، وهو كقوله تعالى: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، فقيل: يا رسول الله! (١) البيت لجميل، وهو في ديوانه ص ١٠٩، وفيه: بما، بدل: لما. والمكثر، بدل: الموسر. (٢) ٨/ ٤٨٢ وما بعدها. (٣) في (م): بها. (٤) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٠٧ . (٥) في (د) و(ز) و(م): نقمه، والمثبت من (ظ) و(ي). (٦) قوله: لأن العين في الوجه، ليس في (د) و(م). (٧) بعدها في (ظ): حكاية عن يوسف. ٤٣٢ سورة القيامة: الآيات ٢٢ - ٢٥ كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال: ((الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على(١) أن يُمشيَهم على وجوههم))(٢). ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَيِمٍ بَاِرَةٌ﴾ أي: وجوه الكفار يوم القيامة كالحةٌ كاسفةٌ عابسة. وفي الصحاح: وبَسَر الفحلُ الناقةَ وابتسرها: إذا ضربها من غير ضَبَعَة(٣). ويَسَر الرجلُ وجهَه بُسورًا، أي: كَلَح، يقال: عَبَسَ وبَسَر (٤). وقال السُّديّ: ((بَاسِرَةٌ) أي: متغيرة(٥)، والمعنى واحد. ﴿َتُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَافِرَةٌ﴾ أي: تُوقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والأمر العظيم؛ يقال: فَقَرَتْه الفاقرة، أي: كسرت فَقَار ظهره(٦). قال معناه مجاهد وغيره. وقال قتادة: الفاقرة: الشَّرّ(٧). السُّدِّيّ: الهلاك (٨). ابن عباس وابن زيد: دخول النار(٩). والمعنى متقارب. وأصلُها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يَخْلص إلى العظم. قاله الأصمعي(١٠). يقال: فَقَرتُ أنفَ البعير: إذا حززتَه بحديدة ثم جعلتَ على موضع الحزِّ الجَرِيرَ (١١). وعليه وَتَرٌ مَلْويٌّ؛ لِتُذلِّلَه بذلك وتَرُوضَه، ومنه قولهم: قد عَمِل به الفاقرة(١٢). وقال النابغة: (١) لفظة: على، من (د) و(ظ). (٢) أخرجه أحمد (٨٧٥٥)، والترمذي واللفظ له (٣١٤٢)، من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٧٠٨)، والبخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦) من حديث أنس ﴾. (٣) الضَبَعَة: هو شدة شهوة الناقة للفحل. الصحاح (ضبع). (٤) الصحاح (بسر). (٥) النكت والعيون ١٥٧/٦. (٦) الصحاح (فقر). (٧) أخرج قوله وقول مجاهد الطبري ٥١١/٢٣ - ٥١٢ . (٨) النكت والعيون ٦/ ١٥٧. (٩) أخرجه الطبري ٥١٢/٢٣ عن ابن زيد . (١٠) تهذيب اللغة ١١٦/٩. (١١) هو حبل من أَدَم يخطم به البعير. اللسان (جرر). (١٢) الصحاح (فقر). ٤٣٣ سورة القيامة: الآيات ٢٢ - ٣٠ وضَرْبَةُ فَأُسٍ فوقَ رَأْسِيَّ فَاقِرَهُ(١) أَبَى ليَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابِلِي أي: كاسرة. وَاَلْنَفَّتِ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَقِيلَ مَنَّ رَاقٍ قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَافِىَ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِذَا بَلَغَتِ الثََّفِ﴾ ((كَلَّا)) رَدْعٌ وَزَجْر، أي: بعيدٌ أن يؤمن الكافر بيوم القيامة؛ ثم استأنف فقال: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّابِ﴾ أي: بلغت النفس أو الروح التراقي، فأخبر عمَّا لم يجر له ذكر؛ لعلم المخاطب به (٢)، كقوله تعالى: ﴿حَّى تَوَارَتْ ◌ِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْخُلْقُوَمَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، وقد تقدَّم(٣). وقيل: ((كَلَّا)) معناه حقًّا(٤)، أي: حقًّا أنَّ المَساق إلى الله إِذَا بَلَغَتِ الثَّرَاقِيَ، أي: إذا ارتقت النفس إلى التراقي. وكان ابن عباس يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. والتراقي جمعُ تَرْقُوة: وهي العظامُ المكتنفة لنُقْرة النَّحر، وهو مقدَّم الحَلْق من أعلى الصدر، موضعِ الحَشْرجة، قال دُرَيد بن الصِّمَّة: ورُبَّ عَظِيمةٍ دافَعْتَ عَنْهُم وَقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّرَاقي(٥) وقد يُكْنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي(٦)، والمقصودُ تذكيرُهم (١) ديوان النابغة الذبياني ص ٧٠ . (٢) تفسير الرازي ٢٣٠/٣٠. (٣) ١٩٣/١٨، ٢٢٩/٢٠. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٥/ ٩٢، وتفسير أبي الليث ٤٢٧/٣ . (٥) كذا نسبه المصنف لدريد بن الصمَّة، ونسبه إليه أيضاً الرازي في تفسيره ٣٠/ ٢٣٠، ونسبه ابن هشام في السيرة النبوية ٤٥٤/٢، وياقوت الحموي في معجم البلدان ٢٥٨/٣، والصفدي في الوافي بالوفيات ١٢/١٤ لعمرة بنت دريد بن الصمة؛ قالته في قصيدة لها ترثي بها أباها. (٦) زاد المسير ٤٢٤/٨. : ٤٣٤ سورة القيامة: الآيات ٢٦ - ٣٠ شدَّةَ الحال عند نزول الموت. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَّنَّ رَاقٍ﴾ اختلف فيه، فقيل: هو من الرُّقية؛ عن ابن عباس وعكرمةَ وغيرهما(١). روى سِمَاك عن عكرمة قال: مَن راقٍ يَرْقي؟ أي: يَشْفي(٢). وروی میمون بن مهران عن ابن عباس: أي: هل من طبيب يَشْفِيه. وقاله أبو قلابة وقتادة(٣). وقال الشاعر: هَلْ لِلْفَتَى مِنْ بَنَاتِ الذَّهْرِ مِنْ وَاقٍ أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمَامِ المَوْتِ مِنْ رَاق(٤) وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس، أي: مَن يَقدِر أن يَرْقي من الموت. وعن ابن عباس أيضًا وأبي الجوزاء أنه من رَقِيَ يَرْقَى: إذا صَعِد، والمعنى: مَن يَرقَى بروحه إلى السماء؟ أملائكةُ الرَّحمة أم ملائكةُ العذاب (٥)؟ وقيل: إن مَلَك الموت يقول: مَن راقٍ؟ أي: مَن يَرْقَى بهذه النفس، وذلك أنَّ نفس الكافر تكره الملائكةُ قربها، فيقول مَلَك الموت: يا فلان اصعد بها (٦). وأظهر عاصم وقومُ النون في قوله تعالى: ((مَنْ رَاقٍ))، واللََّمَ في قوله: ((بَلْ رَانَ))(٧) لئلا يُشبِهِ مَرَّاق وهو بائع المَرَقة، وبَرَّان في تثنية البَرّ. والصحيحُ ترك الإظهار، وكسرةُ القاف في: ((مَنْ رَاق))، وفتحةُ النون في: (بَلْ رَانَ» تكفي في زوال اللَّبس. وأمثل ممَّا ذُكِر: قصدَ الوقف على ((مَنْ)) و(بَلْ))، فَأَظْهَرَهما. قاله القشيريّ(٨). (١) أورده بنحوه عن ابن عباس الماورديُّ في النكت والعيون ٦/ ١٥٧، وعن عكرمة ابن الجوزي في زاد المسير ٤٢٤/٨ . (٢) أخرجه الطبري ٥١٣/٢٣ . (٣) أخرج قول أبي قلابة الطبري ٥١٣/٢٣، وأخرج قول قتادة عبد الرزاق في تفسيره ٣٣٥/٢. (٤) أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار ٣٠٨/٢، وابن عبد ربه في العقد الفريد ٣/ ٢٤٤، وأبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ٣٥٩/٢ ونسبوه ليزيد بن خَذَّاق. (٥) أخرجه عنهما الطبري ٥١٤/٢٣ بنحوه. (٦) ينظر تفسير الرازي: ٢٣١/٣٠. (٧) السبعة ص٦٦١، ٦٧٥، والتيسير ص ١٤٢ . (٨) أورد الرازي في تفسيره ٢٣١/٣٠ نحو هذا القول عن الواحدي، قال: والوجه أن يقال: قَصدَ - يعني عاصماً - الوقف على (مَن) و(بل)، فأظهرهما ثم ابتدأ بما بعدهما. ٤٣٥ سورة القيامة: الآيات ٢٦ - ٣٠ قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ﴾ أي: أيقن الإنسان ﴿أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ أي: فراقُ الدنيا والأهل والمال والولد، وذلك حين عاين الملائكة. وقال الشاعر: فِرَاقٌ ليس يُشبهُهُ فِرَاقُ قد انقطع الرجاءُ عن الثَّلَاقِ ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ أي: فاتصلت الشدّة بالشدّة؛ شدَّةُ آخر الدنيا بشدة أوَّل الآخرة. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما(١). وقال الشعبي وغيره: المعنى: التفّت ساقا الإنسان عند الموت من شدّة الكرب(٢). وقال قتادة: أَمَا رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى(٣). وقال سعيد بن المسيِّب والحسن أيضاً: هما ساقا الإنسان إذا التفَّتا في الكفن(٤). وقال زيد بن أسلم: التفَّتْ ساق الكفن بساق الميت. وقال الحسن أيضاً: ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما جوَّالاً(٥). قال النحاس: القولُ الأوّل أحسنُها. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وَالْتَّقَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)) قال: آخر يوم من الدنيا وأوّل يوم من الآخرة، فتلتقي الشدَّة بالشدَّة إلا من رحمه الله (٦)، أي: شدَّةُ كرب الموت بشدّة هول المَظْلع، والدليل على هذا قولُه تعالى: ﴿إِلَى رَيْكَ يَوْمَيدٍ الْسَانُ﴾. وقال مجاهد: بلاء ببلاء(٧). يقول: تتابعت عليه الشدائد(٨). وقال الضحاك وابن زيد: اجتمع عليه أمران شديدان: الناسُ يُجهِّزون جسده، والملائكة يُجهِّزون رُوحه (٩)، والعرب لا تذكر الساق إلا في المِحن (١) أخرجه عنهما الطبري ٥١٦/٢٣. (٢) أخرجه الطبري ٥١٩/٢٣. (٣) تفسير الرازي ٢٣٢/٣٠. (٤) المصدر السابق، وأخرج قول الحسن الطبري ٥١٩/٢٣ . (٥) النكت والعيون ١٥٨/٦ . (٦) أخرجه الطبري ٥١٦/٢٣ . (٧) أخرجه الطبري ٢٣/ ٥٢١ . (٨) نسب هذا القول البغوي في تفسيره ٤/ ٤٢٤ لسعيد بن جبير. (٩) أورده عن الضحاك البغوي في تفسيره ٤٢٥/٤، وعن ابن زيد الماوردي في النكت والعيون ١٥٨/٦. ٤٣٦ سورة القيامة: الآيات ٣٠ - ٣٥ والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب على ساق. قال الشاعر: وقامتِ الحربُ بنا على ساق(١) وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة (ن وَالْقَلَم))(٢). وقال قوم: الكافر تُعَذَّب روحه عند خروج نفسه، فهذه الساق الأولى، ثم يكون بعدها(٣) ساقُ البعث وشدائده. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى خالقك ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿اَلْسَاقُ﴾ أي: المرجع. وفي بعض التفاسير قال: يسوقه مَلَكه الذي كان يحفظ عليه السيئات. والمَسَاق: المصدر مِن ساق يسوق، كالمَقالِ مِن قال يقول(٤). قوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَّى (٣) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَّ (٣٦) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، :أَوْلَ لَكَ فَأَوْلَى (١٨) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ يَتَطَّى إ قوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَّى﴾ أي: لم يصدِّق أبو جهل ولم يصلِّ(٥). وقيل: يرجع هذا إلى الإنسان في أوَّل السورة، وهو اسم جنس(٦). والأوَّل قولُ ابن عباس. أي: لم يصدِّق بالرسالة، ((وَلَا صلَّى)): دعا لربِّه(٧)، وصلَّى على رسوله. وقال قتادة: فلا صدَّق بكتاب الله، ولا صلَّى لله(٨). وقيل: ولا صدَّق بمال له ذُخرًا له عند (١) سلف ٢٥٣/١. (٢) ص١٧٥ وما بعدها من هذا الجزء. (٣) في النسخ: بعدهما. (٤) تفسير الرازي ٢٣٢/٣٠ . (٥) بنحوه في المحرر الوجيز ٤٠٦/٥ . (٦) ينظر الكشاف ١٩٣/٤ . (٧) في (م): ودعا لربه. (٨) أخرجه الطبري ٥٢٣/٢٣. ٤٣٧ سورة القيامة: الآيات ٣١ - ٣٥ الله(١)، ولا صلَّى الصلواتِ التي أمره الله بها. وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه(٢). قال الكسائي: ((لَا)) بمعنى لم، ولكنه يُقرن بغيره، تقول العرب: لا عبدُ اللـه خارج ولا فلان، ولا تقول: مررت برجل لا مُحْسِن، حتى يقال: ولا مُجْمِل، وقولُه تعالى: ﴿فَلَ أَقْتَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، ليس من هذا القبيل؛ لأن معناه: أفلا اقتحم، أي: فهلَّا اقتحم، فحذف ألف الاستفهام (٣) . وقال الأخفش: ((فَلَا صَدَّق)) أي: لم يصدِّق(٤)، كقوله: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ﴾ [البلد: ١١] أي: لم يقتحم، ولم يشترط أن يُعْقِبه بشيء آخر، والعرب تقول: لا ذَهَبَ، أي: لم يذهب، فحرفُ النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير: فَلَا هُوَ أَبْدَاهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمِ(٥) قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَ﴾ أي: كذَّب بالقرآن وتولَّى عن الإيمان ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يتمَّ﴾﴾ أي: يتبختر افتخارًا بذلك. قاله مجاهد وغيره. مجاهد: المراد به أبو جهل(٦). وقيل: ((يَتَمَظَى)) مِن المَطَا وهو الّهْر، والمعنى: يَلْوِي مَطَاه. وقيل: أصلُه يتمطَّط، وهو التمدُّد من التكسُّل والتثاقل(٧)، فهو يتثاقل عن الداعي إلى الحقّ، فأُبدل من الطاء ياءً كراهة التضعيف(٨)، والتمطي يدلُّ على قلَّة الاكتراث، وهو التمدُّد، كأنه يمدُّ ظهره ويلویه من التبختر. - (١) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٤٠٧ أن القول الذي قبله أصوب. (٢) أورد هذا القول الماوردي في النكت والعيون ١٥٨/٦ . (٣) ينظر قول الكسائي في تفسير الرازي ٢٣٣/٣٠. (٤) معاني القرآن للأخفش ٢/ ٧٢١ . (٥) ديوان زهير ص٢٢، وهذا عجز البيت، وصدره: وكان طوى كَشْحًا على مُسْتَكِنَّة. (٦) أخرج قولي مجاهد الطبري ٢٣/ ٥٢٤ . (٧) الكشاف ٤/ ١٩٣ . (٨) ينظر تفسير غريب القرآن ص٥٠١، ومشكل إعراب القرآن ٧٧٩/٢ . ٤٣٨ سورة القيامة: الآيات ٣١ - ٣٥ والمَطِيطة: الماء الخاثر في أسفل الحوض(١)؛ لأنه يتمطى، أي: يتمدَّد، وفي الخبر: ((إذا مشت أمَّتي المُطَيْطَاءَ، وخَدَمَتْهُم فارس والروم، كان بأسهم بينهم))(٢). والمُطَيْطاء: التبختُر ومدُّ اليدين في المشي. قوله تعالى: ﴿أَوْلَ لَكَ فَأَوْلَ. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَاوَ﴾: تهدیدٌ بعد تهدید، ووعید بعد وعيد، أي: فهو وعيد أربعة لأربعة، كما رُويَ أنها نزلت في أبي جهلِ الجاهلِ بربِّه فقال: ﴿فَلَ صَدَّقَ وَلَا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَ﴾ أي: لا صدَّق رسولَ الله، ولا وقف بين يديَّ فصلَّى، ولكنْ كذَّب رسولي، وتولَّى عن التصلية(٣) بين يديّ. فَتَرْكُ التصديق حَضْلٌ، والتكذيبُ خَصْلة، وتركُ الصلاة حَصْلة، والتولي عن الله تعالى خَصْلة، فجاء الوعيد أربعةٌ مقابِلةً لترك الخصال الأربعة. والله أعلم. لا يقال: فإن قوله: ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتََّ﴾ خَصْلةٌ خامسة، فإنَّا نقول: تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولِي، فأخبر عنها. وذلك بَيِّنٌ في قول قتادة على ما نذكره. وقيل: إنَّ رسول الله﴾ خرج من المسجد ذات يوم(٤)، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد، ممَّا يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله ﴿ بيده، فهزَّه مرَّةً أو مرتين، ثم قال: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) فقال له أبو جهل: أتهدِّدُني؟ فوالله إني لَأَعَزُّ أهل الوادي وأَكْرَمُه. ونزل على رسول اللـه ﴾ كما قال لأبي جهل(٥). وهي كلمة وعید. قال الشاعر : (١) الصحاح (مطط). (٢) صححه ابن حبان (٦٧١٦) من حديث خولة بنت قيس، وأخرجه الترمذي (٢٢٦١)، وابن عدي في الكامل ٢٣٣٥/٦، والعقيلي في الضعفاء ١٦٢/٤ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال الترمذي: حديث غريب. وينظر ميزان الاعتدال ٥٣٨/٣، وفيض القدير ٤٤٥/١. (٣) كذا. وفي القاموس: صلى صلاةٌ، لا تصلية. (٤) في (ز) و(ظ) و(ي): ذات ليلة. (٥) الوسيط للواحدي ٣٩٦/٤، وتفسير البغوي ٤٢٥/٤، والنكت والعيون للماوردي ١٥٩/٦، وسلف نحوه ١٣٥/١٩ - ١٣٦. ٤٣٩ سورة القيامة: الآيات ٣١ - ٣٥ فَأَوْلَى ثم أَوْلَى ثم أَوْلَى وَهَلْ لِلدَّرٌ يُخلَبُ مِن مَرَدِّ(١) قال قتادة: أقبل أبو جهل بنُ هشام يتبختر، فأخذ النبيُّ # بيده فقال: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)). فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئًا، إني لأعزُّ مَنْ بينَ جبليها. فلمَّا كان يوم بَدْر أشرف على المسلمين فقال: لا يُعْبَد الله بعد هذا اليوم أبدًا، فضرب الله عنقه، وقتله شرَّ قِتْلة(٢). وقيل: معناه: الويل لك، ومنه قول الخنساء: فَأَوْلَى لِنَفْسيَ أَوْلَى لَهَا هَمَمْتُ بنفسيّ كُلَّ الهُمُومِ فإِمَّا عليها وإِمَّا لَهَا(٣) سَأَحْمِلُ نفسي على آلةٍ الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضًا الذي يُحمل عليه الميت(٤)، وعلى هذا التأويل قيل: هو من المقلوب، كأنه قيل: أَوْيَل، ثم أُخِّر الحرف المعتل، والمعنى: الويل لك حيًّا، والويل لك ميتًا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار، وهذا التكرير كما قال: لَكَّ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلي(٥) أي: لك الويلُ، ثم الويلُ، ثم الويلُ، وضُعِّف هذا القول. وقيل: معناه الذُّ لك أَوْلى من تركه، إلا أنه كثير في الكلام فحذِف. وقيل: المعنى أنت أولى وأجدرُ بهذا العذاب(٦). (١) البيت لعبد الله بن الزبير، وهو في الأغاني ١٤/ ٢٣٧، وسلف ٢٧٠/١٩. (٢) أخرجه عن الرزاق في تفسيره ٣٣٤/٢-٣٣٥، الطبري ٥٢٥٠/٢٣ (٣) ديوان الخنساء ص١٢١ . (٤) النكت والعيون ١٥٩/٦ . (٥) قطعة من بيت لا مرئ القيس، وتمامه: ويومَ دخلتُ الخِدْرِ خِذْرَ عُنيزةٍ وهو في ديوانه ص١١، وسلف ٢/ ٢٢١ . (٦) ذكر هذا القول البغوي في تفسيره ٤/ ٤٢٥ . فقالت لك الويلاتُ إنك مُرْجِلي ٤٤٠ سورة القيامة: الآيات ٣١ - ٣٥ وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي: ((أَوْلَى)) في كلام العرب معناه: مُقَاربة الهلاك(١)، كأنه يقول: قد وَلِيتَ الهلاك، قد دَانَيْتَ الهلاكَ، وأصلُه من الوَلْي، وهو القُرْب، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ أَلَّذِينَ يُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢) [التوبة: ١٢٣]، أي: يَقرُبُون منكم، وأنشد الأصمعي: وَأَوْلَى أن يكون له الولاءٍ(٣) أي: قارب أن يكون له، وأنشد أيضًا: أَوْلَى لِمَنْ هاجَتْ لَهُ أَنْ يَكْمَدَا(٤) أي: قد دنا صاحبها [من](٥) الكمد. وكان أبو العباس ثعلبٌ يستحسن قول الأصمعيِّ ويقول: ليس أحد يفسِّر كتفسير الأصمعي. النحاس: العرب تقول: أَوْلى لكَ: كِدتَ تَهلِك ثم أَقْلَتَّ، وكأنَّ تقديره: أولى لك وأولی بك الهلكة(٦). المهدويُّ: قال: ولا تكون أَوْلى: أَفْعَل منك، وتكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: الوعيد أولى له من غيره؛ لأن أبا زيد قد حكى (٧): أَوْلَاةُ الآن: إذا أَوْعَدوا. فدخولُ علامة التأنيث دليلٌ على أنه ليس كذلك. و((لَكَ)) خبرٌ عن ((أَوْلَى)). ولم ينصرف ((أَوْلَى))؛ لأنه صار علمًا للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد(٨). (١) أورد قول الأصمعي الجوهري في الصحاح (ولي). (٢) ينظر تفسير البغوي ٤/ ٤٢٥ . (٣) لم نقف عليه، وأورده الألوسي في روح المعاني ١٤٩/٢٩. (٤) قائله ذو الرُّمة، وهو في ديوانه ١/ ٢٩١، وهو صدر بيت، وعجزه: أَوْلى وإن كانت خلاءُ بُيَّدا. (٥) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٦) بنحوه في معاني القرآن له ٦/ ٤٨٠ . (٧) في النوادر في اللغة ص ٢٦٠ . (٨) ينظر الإملاء للعكبري بهامش الفتوحات الإلهية ٤/ ٤٣٥