النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة المدثر: الآيات ٤٩ - ٥٣ فارس: شير، وبلسان النَّبَط : أريا. وقال ابن الأعرابي: القَسْوَرَةُ: أوَّلُ الليل، أي: فرَّتْ من ظلمة الليل(١). وقاله عِكرمةُ أيضاً. وقيل: هو أوَّلُ سواد الليل، ولا يُقال لآخر سواد الليل: قَسْورة. وقال زيد بن أسلم: مِنْ رجالٍ أقوياء، وكلُّ شديدٍ عند العرب فهو قَسْوَرَة وقَسْوَر(٢). وقال لبيد بن ربيعة(٣): إذا ما هَتَفْنا هَتفةً في نَدِيِّنا أتانا الرجالُ العابدونَ(٤) القَسَاوِرُ قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْقَ صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أي: يُعطى كُتباً مفتوحة؛ وذلك أنَّ أبا جهل وجماعةً من قريش قالوا: يا محمد! ايتنا بكتبٍ من ربِّ العالمين مكتوبٍ فيها: إنِّي قد أرسلتُ إليكم محمداً، 8#. نظيره: ﴿وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُفِكَ حَّ تُقَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبَا نَّفْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. وقال ابن عباس: كانوا يقولونَ: إنْ كان محمدٌ صادقاً فليصبح عند كلِّ رجلٍ منَّا صحيفةٌ فيها براءته وأمنهُ من النار(٥). قال مطر الورَّاق: أرادوا أنْ يُعطّوا بغير عمل. وقال الكلبيّ: قال المشركون: بلغنا أنَّ الرجلَ من بني إسرائيل كان يُصبح عند رأسه مكتوباً ذنْبُه وكفارتُه، فأُتِنا بمثل ذلك(٦). (١) ذكره بنحوه الأزهري في تهذيب اللغة ٣٩٩/٨. (٢) تفسير البغوي ٤١٩/٤ . (٣) ديوانه ص٣٥١ . (٤) في (م): العائدون، وكذا في تفسير ابن عادل ٥٣٧/١٩، ووقع في الديوان بلفظ: الصائدون، وفي المحرر الوجيز ٣٩٩/٥، والدر المصون ٥٥٨/١٠: العاندون، والمثبت من النسخ الخطية وفتح القدير ٣٣٣/٥ . (٥) ذكره الزمخشري في الكشاف ١٨٨/٤ دون نسبة. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٠ . وذكره الزمخشري في الكشاف ١٨٨/٤ دون نسبة، وقال: وهذا من الصحف المنشَّرة بمعزل، إلَّا أن يراد بالصحف المنشرة الكتابات الظاهرة المكشوفة. ٤٠٢ سورة المدثر: الآيات ٤٩ - ٥٦ وقال مجاهد: أرادوا أن يَنزل على كلِّ واحدٍ منهم كتاب فيه: من الله عزَّ وجلَّ إلى فلان ابن فلان(١). وقيل: المعنى أنْ يُذكرَ بِذكرٍ جميل، فجُعِلَت الصحف موضعَ الذكرِ مجازاً. وقالوا: إذا كانت ذنوبُ الإنسان تكتبُ عليه، فما بالنا لا نرى ذلك؟ ﴿كَلَّ﴾ أي: ليس يكون ذلك. وقيل: حقًّا. والأوَّل أجود؛ لأنَّه ردِّ لقولهم. ﴿بَ لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: لا أُعطِيهم ما يتمثّون؛ لأنَّهم لا يخافون الآخرة، اغتراراً بالدنيا. وقرأ سعيد بن جبير: ((صُحْفاً مُنْشَرَةً)) بسكون الحاء والنون(٢)، فأمَّا تسكين الحاء فتخفيفٌ، وأمَّا تسكينُ(٣) النون فشاذ. إنما يُقَال: نشرتُ الثوبَ وشبهه، ولا يقال أنشَرت. ويجوزُ أنْ يكون شبَّه الصحيفةَ بالميت، كأنَّها ميتةٌ بطيِّها، فإذا نُشِرت حَییت، فجاء على أَنشر اللهُ الميت؛ كما شبَّه إِحياء الميت بنشر الثوب، فقيل فيه: نشر الله الميت. فهي لغةٌ فيه(٤). قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَنْ فَمَن شَآءُ ذَكَرَهُ @@ ٥٤ يَشَدَةَ اللَّهَ هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: حقًّا إنَّ القرآنَ عظةٌ. ﴿فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: إِنَّعَظَ به. ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ أي: وما يَتَعِظُون ﴿إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكُّر إلَّا بمشيئةِ اللهِ ذلك لهم. وقراءة العامة: ((يَذْكُرُونَ)) بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّ بَل لَّا (١) أخرجه الطبري ٢٣/ ٤٦١ مختصراً. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٥، والمحتسب ٣٤٠/٢. (٣) لفظة: تسكين. ليست في (م) (٤) الكلام بنحوه في المحتسب ٢/ ٣٤٠ . ٤٠٣ سورة المدثر: الآيات ٥٤ - ٥٦ يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ﴾. وقرأ نافعٌ ويعقوب بالتاءُ (١)، واختارَه أبو حاتم لأنَّه أعمّ، واتَّفقوا على تخفيفها. ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ في الترمذيّ وسنن ابن ماجه عن أنس بن مالك عن رسول اللـه ﴾ أنَّه قال في هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أهلٌ أنْ أُتَّقَى، فمن اتقاني(٢) فلم يجعلْ معي إلهًا؛ فأنا أهلٌ أنْ أغفر له)). لفظُ الترمذيّ، وقال فيه: حديثٌ حسنٌ غريب(٣). وفي بعض التفسير: هو أهلُ المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبار، وأهلُ المغفرة أيضًا للذنوب الصغار، باجتنابِ الذنوب الكبار. وقال محمدُ بن نصر: أنا أهلٌ أنْ يتَّقيّني عبدي، فإنْ لم يفعلْ، كنتُ أهلاً أنْ أغفرَ له وأرحمه، وأنا الغفور الرحيم (٤). ختمت السورة والحمد لله وحده (١) قراءة نافع في السبعة ص ٦٦٠، والتيسير ص٢١٦، وقراءة يعقوب في تفسير البغوي ٤/ ٤٢٠، والمحرر الوجيز ٤٠٠/٥، والبحر المحيط ٣٨١/٨، وهي غير القراءة المشهورة عنه. (٢) في النسخ الخطية: اتقى. والمثبت من (م) وسنن الترمذي. (٣) سنن الترمذي (٣٣٢٨)، دون لفظة حسن، والعبارة في تحفة الأشراف ١٣٩/١ موافقةٌ لعبارة المصنف. وتتمة كلام الترمذي: وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد بهذا الحديث عن ثابت. اهـ. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٩٩)، وهو أيضاً عند أحمد (١٢٤٤٢)، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٦). (٤) قوله: وأرحمه، وأنا الغفور الرحيم، من (م). سورة القيامة مَكِّيَّةٌ، وهي تسع وثلاثون آية(١) بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿لَآَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ ﴾ وَلَّ أُقِْمُ بِالنَّفْسِ الََّّامَةِ ﴿ أَحْسَبُ الإِسَنُ أَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿ بَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ نَُّّوِّىَ بَنَهُ ﴿ بَلْ يُرِبُ آلْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْتَلُ أَيََّنَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِ قوله تعالى: ﴿لَّ أُقْيِمُ بَِوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ قيل: إن ((لا)) صلة، وجاز وقوعها في أوَّل السورة؛ لأن القرآن متصلٌ بعضه ببعض، فهو في حکم کلام واحد، ولهذا قد يُذكر الشيء في سورة ويجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَتَّأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، وجوابُه في سورة أخرى: ﴿مَا أَنْتَ بِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢) [القلم: ٢]. ومعنى الكلام: أقسم بيوم القيامة. قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة(٣). ومثلُه قول الشاعر: تذكّرتُ ليلَى فاعترتني صَبابةٌ فكاد صميمُ القلبِ لا يَتَقَطَّعُ(٤) وحكى أبو الليث السَّمر قنديُّ(٥): أجمع المفسرون أن معنى ((لَا أُقْسِمُ)): أقسم. واختلفوا في تفسير ((لا)) قال بعضهم: ((لا)) زيادة في الكلام للزينة، ويجري في كلام (١) الكشاف للزمخشري ١٨٩/٤، وذكر غيره أنها أربعون آية. (٢) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٣٤٩/٢ - ٣٥٠. (٣) في مجاز القرآن ٢٧٧/٢، وأخرج قول ابن جبير الطبري ٤٦٦/٢٣، وأورد قول ابن عباس الماوردي في النكت والعيون ٦/ ١٥٠ . (٤) النكت والعيون ٦/ ١٥٠، وفيه: ضمير، بدل: صميم - وقوله: صبابة، أي: شوق. القاموس (صبب). (٥) في تفسيره ٤٢٥/٣ . ٤٠٥ سورة القيامة: الآيات ١ - ٦ العرب زيادةُ ((لا))، كما قال في آية أخرى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يعني أن تسجد. وقال بعضهم: ((لا)) ردٌّ لكلامهم حيث أنكروا البعث، فقال: ليس الأمر كما زعمتم. قلت: وهذا قول الفرَّاء؛ قال الفرَّاء(١): وكثير من النَحويين يقولون: ((لا)) صِلة، ولا يجوز أن يُبدأ بجحد ثم يُجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك لم يُعرف خبرٌ فيه جحدٌ مِن خبر لا جحدَ فيه، ولكنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم، وذلك كقولهم: لا والله لا أفعل، فـ((لا)) ردّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة لحقٍّ، كأنك أكذبت قومًا أنكروه. وأنشد غير الفرّاء لامرئ القيس: فلا وأبيكِ ابنةَ العامِريِّ لا يَدَّعي القومُ أَنِّي أَفِرّ (٢) وقال غُوَيَّة بن سُلْميّ : ألا نادتْ أمامةُ باحتمال لِتَحِزُّنَني فلا بِكِ ما أبالي(٣) وفائدتها توكيد القسم في الردّ. قال الفرّاء: وكانَ من لا يعرف هذه الجهة يقرأ: (لَأقسِمُ)) بغير ألف، كأنها لامُ تأكيد دخلت على أقسم، وهو صواب؛ لأن العرب تقول: لَأقسم بالله (٤) وهي قراءة الحسن وابنٍ كثير والزُّهريِّ وابن هُرْمز (٥). (١) في معاني القرآن ٢٠٧/٣ . (٢) ديوان امرئ القيس ص ١٥٤ . (٣) أورده المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ١٠٠١/٢، والزمخشري في الكشاف ١٨٩/٤. ومعنى البيت كما في شرح ديوان الحماسة: يقول الشاعر: أظهرت هذه المرأة من نفسها ارتحالاً عني لتجلب عليَّ حزناً وغماً، ونادت بالفراق وكثرته على ألسنة الناس. ثم انصرف عن الإخبار عنها وأقبل عليها يخاطبها فقال: لا بكِ ما أبالي. اهـ وغُوَيَّة - ويقال: عُويَّة، بالعين - هو ابن سُلْميّ بن ربيعة بن ذَبَّان ابن عامر بن ثعلبة الضبي، من بني ثعلبة بن ذؤيب، جاهلي. معجم الشعراء للمرزباني ص ١٧٥ . (٤) معاني القرآن للفراء ٢٠٧/٣ . (٥) قراءة ابن كثير في السبعة ص ٦٦١، والتيسير ص ٢١٦، وقراءة الحسن في المحتسب ٣٤١/٢، وقراءة ابن هرمز وهو الأعرج في تفسير الطبري ٤٦٥/٢٣، وإعراب القرآن للنحاس ٧٧/٥ . ٤٠٦ سورة القيامة: الآيات ١ - ٦ ﴿يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، ولله عز وجل أن يُقسم بما شاء. ﴿وَلَا أُقُِّ بِالنَّفْسِ الََّّامَةِ﴾ لا خلاف في هذا بين القراء، وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيمًا لشأنه. وعلى قراءة ابن كثير أقسم بالأولى ولم يُقسم بالثانية. وقيل: (ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّؤَّامةِ)) ردِّ آخرُ، وابتداءُ قسم بالنفس اللؤَّامة، قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا(١). ومعنى: ((بالنَّفْسِ اللوَّامَةِ)) أي: بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردتُ بكذا؟ فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: هي والله نفسُ المؤمن، ما يُرَى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلامي؟ ما أردتُ بأكلي؟ ما أردتُ بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه(٢). وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر: لِمَ فعلته؟ وعلى الخير: لِمَ لا تستكثر منه(٣)؟ وقيل: إنها ذاتُ اللَّوم. وقيل: إنها تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرَها؛ فعلى هذه الوجوه تكون اللَّوَّامة بمعنى اللائمة، وهو صفةُ مدح، وعلى هذا يجيء القسم بها سائغًا حسنًا (٤). وفي بعض التفسير: إنه آدمُ عليه السلام لم يَزَل لائمًا لنفسه على معصيته التي أُخرج بها من الجنة(٥). وقيل: اللَّوَّامة بمعنى المَلُومة المذمومة، عن ابن عباس أيضاً (٦). فهي صفة ذمِّ وهو قولُ مَن نفى أن يكون قسمًا، إذ ليس للعاصي خَطَرٌ يُقْسَم به، فهي كثيرةُ اللَّوم. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه، ويتحسَّر في الآخرة على ما فرَّط في جنب (١) تفسير البغوي ٤/ ٤٢١ دون نسبة، واختاره ابن جرير الطبري في تفسيره ٤٦٨/٢٣ . (٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس. (٣) النكت والعيون ١٥١/٦ . (٤) المصدر السابق. (٥) المحرر الوجيز ٤٠٢/٥ . (٦) النكت والعيون ٦/ ١٥١، وزاد المسير ٤١٦/٨. ٤٠٧ سورة القيامة: الآيات ١ - ٦ الله(١). وقال الفراء(٢): ليس مِن نفسٍ محسنةٍ أو مسيئةٍ إلا وهي تلوم نفسها؛ فالمحسنُ يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانًا، والمسيءُ يلوم نفسه ألا يكون ارعوى عن إساءته. قوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِسَنُّ أَّنْ أَجْمَعَ بِظَامَهُ﴾ فنعيدها خلقًا جديداً بعد أن صارت رُفاتًا؟(٣) قال الزجاج(٤): أقسمَ بيوم القيامة وبالنفس اللَّوَّامة: لَيَجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب القسم. وقال النحاس: جواب القسم محذوف، أي: لتُبْعثُنَّ، ودلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَحْسَبُ آلْإِنسَنُ أَلَّنْ أَنْمَعَ عِظَامَهُ﴾ لِلإِحياء والبعث؟ والإنسانُ هنا الكافر المكذِّب بالبعث(٥). والآيةُ نزلت في عديٍّ بن ربيعة قال للنبيّ ﴾: حدِّثْني عن يوم القيامة متى تكون، وكيف أمرُها وحالُها؟ فأخبره النبيُّ ﴾ بذلك، فقال: لو عاينتُ ذلك اليوم لَمْ أُصَدِّقك يا محمدُ ولم أؤمن بك، أوَيجمع الله العظام؟! ولهذا كان النبيُّ # يقول: ((اللهمَّ اكفني جارَيِ السُّوءِ عديَّ بنَ ربيعة، والأخنسَ بنَ شَرِيق)»(٦). وقيل: نزلت في عدوِّ الله أبي جهلٍ حين أنكر البعث بعد الموت(٧). وذَكَر العظام والمراد نفسُه كلُّها؛ لأن العظام قالَب الخَلْقِ(٨). (١) تفسير البغوي ٤٢١/٤، والكشاف ٤/ ١٩٠ . (٢) في معاني القرآن ٢٠٨/٣ . (٣) النكت والعيون ٦/ ١٥١ . (٤) في معاني القرآن ٥/ ٢٥١. (٥) في (م): للبعث. (٦) أسباب النزول ص ٤٧٧، وتفسير البغوي ٤٢١/٤، والكشاف ٤/ ١٩٠، وأخرجه الثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٠ . (٧) نسب هذا القول ابن الجوزي في زاد المسير ٤١٦/٨، والرازي في تفسيره ٢١٧/٣٠ لابن عباس. (٨) تفسير البغوي ٤٢١/٤ . ٤٠٨ سورة القيامة: الآيات ١ - ٦ ﴿بَلَ﴾ وقفٌ حَسَنٌ ثم تبتدئ: ﴿قَدِرِينَ﴾(١). قال سيبويه: على معنى: [بلى] نجمعها قادرين(٢)، فـ((قادرين)) حال من الفاعل المضمَر في الفعل المحذوف على ما ذكرناه من التقدير. وقيل: المعنى: بلى نقِدر قادرين. قال الفراء: ((قادرين)) نصب على الخروج من ((نَجْمَع))، أي: نقِدر ونَقْوى ((قادرين)) على أكثرَ من ذلك(٣). وقال أيضاً: يصلُح نصبه على التكرير، أي: (بَلَى)) فَلْيحسبْنا قادرين(٤). وقيل: المضمر (كنا)، أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون. وقرأ ابن أبي عَبْلة وابنُ السَّمَيْفَعِ: ((بَلَى قَادِرُونَ))(٥) بتأويل: نحن قادرون. ﴿عَلَى أَن ◌َُّوِىَ بَهُ﴾ البنان عند العرب: الأصابع، واحدُها بَنانة، قال النابغة: عَنَمٌ يَكادُ مِن اللَّطافة يُعْقَدُ(٦) بِمُخَضَّبٍ رَخْصٍ كأنَّ بَنَانَهُ وقال عنترة: وأَنَّ الموتَ طَوْعُ يدي إِذا ما وَصَلْتُ بَنانَها بِالْهِنْدُوانيْ(٧) فنّه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضاً فإنها أصغرُ العظام، فخصَّها بالذكر لذلك. قال القتبيُّ والزجاج: وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميَّات على صغرها، ونؤلِّفَ بينها حتى تستوي، ومَن قَدَر على هذا، فهو على جمع الكبار أقدر(٨). (١) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٥٧ . (٢) الكتاب ٣٤٦/١، وما بين حاصرتين منه. (٣) معاني القرآن للفراء ٢٠٨/٣ . (٤) ذكر هذا القول ابن الجوزي في زاد المسير ٤١٧/٨ ولم ينسبه. (٥) المحرر الوجيز ٤٠٢/٥، والبحر المحيط ٣٨٥/٨. (٦) ديوان النابغة الذبياني ص ٤٠، والعَنّم: شجر لين الأغصان لطيفها، يشبه به البنان. اللسان (عنم). (٧) ديوان عنترة ص ٧٢ ، وسلف ٣/ ٩٢ . (٨) تأويل مشكل القرآن للقتبي ص ٢٦٩، وذكر قول الزجاج الواحديُّ في الوسيط ٣٩١/٤، والبغوي في تفسيره ٤٢١/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٤١٨/٨، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٥. ٤٠٩ سورة القيامة: الآيات ١ - ٦ وقال ابن عباس وعامة المفسرين: المعنى ((عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ))، أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحداً كَخُفٌ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظِلْف الخنزير، ولا يمكنه أن يعمل به شيئًا، ولكنَّا فرَّقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء(١). وكان الحسن يقول: جعل لك أصابع فأنت تَبْسُطهنَّ، وتَقْبِضُهن(٢)، ولو شاء الله لجمعهنَّ؛ فلم تَتَّقِ الأرض إلا بكفيك(٣). وقيل: أي: نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْتَلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠-٦١]. قلت: والتأويل الأوَّل أشبه بمساق الآية. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِدُ آلْإِنَنُ لِيَغْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال ابن عباس: يعني الكافرَ يكذِّب بما أمامه من البعث والحساب. وقاله عبد الرحمن بن زيد(٤)؛ ودليله: ﴿يَتْثَلُّ أَانَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِ﴾ أي: يسأل متى يكون؟! على وجه الإنكار والتكذيب. فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب، ولكن يأثم(٥) لِمَا بين يديه. ومما يدلُّ على أن الفجور التكذيب ما ذكره القُتَبِيُّ وغيرُه: أن أعرابيًّا قصد عمر بن الخطاب ﴾ وشكا إليه نَقْب إبله ودَبَرها(٦)، وسَأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله، فقال الأعرابيّ: أَقْسمَ بالله أبو حفصٍ عُمَرْ ما مَسَّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغفِر له اللَّهِمَّ إن كان فَجَرْ (١) أخرج قول ابن عباس عبد الرزاق في التفسير ٣٣٣/٢، والطبري ٤٧١/٢٣، وينظر النكت والعيون ١٥٢/٦، والوسيط ٣٩١/٤، وتفسير البغوي ٤٢١/٤، والكشاف ١٩٠/٤، وزاد المسير ٤١٧/٨. (٢) في (ظ): وتقبض بهن، وفي (م): وتقبضهن بهن. (٣) أخرجه الطبري ٢٣/ ٤٧٢، وفيه: فأنقيت الأرض بفيك، بدل: فلم تتق الأرض إلا بكفيك. (٤) أخرج قولهما الطبري ٢٣/ ٤٧٧ . (٦) النَّقْب: قرحةٌ تخرج في الجنب، والجربُ. والدَّبَر: قرحة الدابة. القاموس (نقب) و(دبر). (٥) في (د): يأتمر. ٤١٠ سورة القيامة: الآيات ١ - ١٣ يعني إن كان كذَّبني فيما ذكرت(١). وعن ابن عباس أيضًا: يعجّل المعصية ويسوِّف التوبة(٢). وفي بعض الحديث قال: يقول: سوف أتوب ولا يتوب، فهو قد أخلف فكذب. وهذا قول مجاهد والحسنِ وعِكرمَة والسُّدِّيِّ وسعيدٍ بن جبير، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب، حتى يأتيه الموت على أشرِ أحواله(٣). وقال الضحاك: هو الأمل يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا ولا يذكر الموت (٤). وقيل: أي يعزِم على المعصية أبدًا وإن كان لا يعيش إلا مدَّة قليلة. فالهاء على هذه الأقوال للإنسان. وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحقِّ بين يدي يوم القيامة(٥). والفجورُ: أصلُه الميلُ عن الحقِّ. ﴿يَسْثَلُ أَنَ يَوْمُ الْقِيَةِ﴾ أي: متى يومُ القيامة. يَقُولُ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْصَرُّ ﴿ وَخَسَفَ اَلْقَمَرُ ﴾ وَيُّعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (١) يُبَّ الْإِنسَنُ يَوْمَيلِم اُلْإِسَنُ يَوْمَدٍ أَتْنَ الْغَرُّ ◌َ كَلَّا لَ وَزَرَ ١ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَِذٍ الْسُنَفَرُّ ١٣ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا يَقَ الْصَرُ﴾ قرأ نافع وأبان عن عاصم: ((بَرَقَ)) بفتح الراء (٦)، معناه: لَمَعَ بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يَظْرِف. قال مجاهد وغيره: هذا عند الموت. وقال الحسن: هذا يوم القيامة(٧). وقال: فيه معنى الجواب عما سأل عنه (١) تأويل مشكل القرآن للقتبي ص ٢٧٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٦ /١٥٢. (٢) أخرجه الطبري ٢٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٢١ - ٤٢٢، وأخرج قول سعيد بن جبير الفراء في معاني القرآن ٢٠٨/٣، والطبري ٤٧٦/٢٣ . (٤) أخرجه الطبري ٤٧٦/٢٣ . (٥) تفسير الطبري ٢٧٧/٢٣ . (٦) قراءة نافع في السبعة ص ٦٦١، والتيسير ص ٢١٦ ، ورواية أبان عن عاصم في السبعة. وقراءة عاصم المشهورة عنه: برِق، بکسر الراء. (٧) أخرج قول مجاهد والحسن الطبري ٢٣/ ٤٨٠ . ٤١١ سورة القيامة: الآيات ٧ - ١٣ الإنسان كأنه قال(١): يوم القيامة ((إِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وخَسَفَ القَمَرُ)). والباقون بالكسر: (بَرِقَ))، ومعناه: تحيّر فلم يَطرِف. قاله أبو عمرو والزجاج(٢) وغيرهما. قال ذو الرُّمَّة : ولو أنَّ لُقْمَانَ الحكيمَ تَعَرَّضتْ لِعينيه مَيٍّ سافِرًا كاد يَبْرَقُ(٣) الفرّاء والخليل: ((بَرِقَ)) بالكسر: فَزِع وبُهِت وتَحَيَّر(٤). والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد بَرِق فهو بَرِقٌ، وأنشد الفرَّاء: ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ(٥) فنَفْسَكَ فانْعَ وَلا تَنْعَني أي: لا تَفزَع من كثرة الكُلُوم التي بك. وقيل: بَرِقَ يَبرَقَ بالفتح: شقَّ عينيه وفتَحهما. قاله أبو عبيدة(٦)، وأنشد قول الكلابيّ: لمَّا أتاني ابنُ عُمَيرٍ راغِبًا أعطيتُه عِيسَاصِهابًا فبَرَقْ(٧) أي: فتح عينيه. وقيل: إنَّ كَسْرَ الراء وفتحَها لغتان بمعنّی. قوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ أي: ذهب ضوؤه(٨). والخسوفُ في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة، فإنه لا يعود ضوؤه. ويحتمل أن يكون بمعنى غاب؛ ومنه (١) لفظة: قال، ليست في (م). (٢) في معاني القرآن ٢٥٢/٥، وأخرج قول أبي عمرو الطبري ٤٧٨/٢٣ - ٤٧٩ بلفظ: (بَرِق) بالكسر، بمعنى: حار. (٣) ديوان ذي الرُّمَّة ١/ ٤٦١، وقوله: سافراً، قال شارح الديوان: يعني بارزة الوجه مسفرته. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٠٩/٣، وكتاب العين للخليل ١٥٦/٥. (٥) البيت لطَرَفَة وهو في ديوانه ص ٧٠، ومعاني القرآن للفراء ٢٠٩/٣ . (٦) في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٧ . (٧) أورده غير أبي عبيدة ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٥٢ ولم ينسبه، والطبري ٤٧٩/٢٣ ونسبه للكلابي . ووقع عند أبي عبيدة والطبري: ابن صبيح، بدل: ابن عمير. ووقع أيضاً عند ابن السكيت والطبري: عيساء منها، بدل: عيساً صهاباً. والعيس الصهاب: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة. القاموس (عیس)، وينظر (صهب). (٨) الوسيط ٣٩١/٤، وتفسير البغوي ٤٢٢/٤. ٤١٢ سورة القيامة: الآيات ٧ - ١٣ قوله تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والأعرج: ((وَخُسِفَ القَمَرُ)) بضمِّ الخاء وكسر السين؛ يدل عليه: ﴿وَيُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾(١). وقال أبو حاتم محمد بن إدريس: إذا ذهب بعضه فهو الكسوف، وإذا ذهب كلُّه فهو الخسوف. ﴿وَيُعَ الَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: جُمِع بينهما في ذهاب ضوئهما، فلا ضوءَ للشمس كما لا ضوءَ للقمر بعد خسوفه. قاله الفراء والزجاج(٢). قال الفراء(٣): ولم يقل: جُمِعتْ؛ لأن المعنى: جُمِع بينهما. وقال أبو عبيدة: هو على تغليب المذكر (٤). وقال الكسائيُّ: هو محمول على المعنى، كأنه قال: الضوءان. المبرد: التأنيث غيرُ (٥) حقيقي(٥). وقال ابن عباس وابن مسعود: جُمِع بينهما، أي: قُرِن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مُكوَّرين مظلِمين مُقْرَنَيْن، كأنهما ثوران عَقيران. وقد مضى الحديث بهذا المعنى في آخر سورة الأنعام(٦). وفي قراءة عبد الله: ((وُجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ))(٧). وقال عطاء بن يسار: يُجمَعُ بينهما يوم القيامة ثم يُقذفان في البحر، فیکونان نارَ الله الكبرى(٨). وقال علي وابن عباس: يُجعلان في [نور] الحُجُب(٩). (١) ذكر هذه القراءة الزمخشري في الكشاف ١٩١/٤ ولم ينسبها، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٣/٥ ونسبها لأبي حيوة. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٠٩/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٥٢/٥. (٣) في معاني القرآن ٢٠٩/٣. (٤) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٢٧٧ . (٥) ينظر قول الكسائي والمبرد في إعراب القرآن للنحاس ٨١/٥، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٧٧-٧٧٨ . (٦) ٩ /١٢٨ - ١٢٩ . (٧) معاني القرآن للفراء ٢٠٩/٣، والطبري ٤٨١/٢٣ . (٨) أخرجه الطبري ٢٣/ ٤٨٢ . (٩) أورده أبو الليث في تفسيره ٤٢٦/٣ عن علي ﴾ وما بين حاصرتين منه. ٤١٣ سورة القيامة: الآيات ٧ - ١٣ وقد يُجمعان في نار جهنم(١)؛ لأنهما قد عُبِدا من دون الله، ولا تكون النار عذابًا لهما لأنهما جماد، وإنما يُفعَل ذلك بهما زيادةً في تبكيت الكافرين وحسرَتِهم. وفي مسند أبي داود الطيالسيِّ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبيِّ# قال: قال رسول الله﴾: ((إن الشمس والقمر ثوران عَقيران في النار))(٢). وقيل: هذا الجمع أنهما يجتمعان ولا يفترقان، ويُقرَّبان من الناس، فيلحقُهم العرق لشدَّة الحر؛ فكأن المعنى: يجمع حَرُّهما عليهم. وقيل: يُجمع الشمس والقمر، فلا یکون ثَمَّ تعاقُب ليل ولا نهار. قوله تعالى: ﴿يَقُولُ آلْإِسَنُ بَوْمَيْدٍ أَيْنَ اٌلْغَرُّ﴾ أي: يقول ابن آدم - ويقال: أبو جهل - أي: أين المهرب؟ قال الشاعر: أين المفرُّ والكِباشُ تَنتطِخْ وأيُّ كَبْشٍ حاد عنها يَفْتَضِعْ(٣) الماورديُّ(٤): ويحتمل وجهين: أحدهما: أَيْنَ المَفَرُّ من الله استحياءً منه. الثاني: أَيْنَ المَفَرُّ من جهنم حذرًا منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين: أحدهما: أن يكون من الكافر خاصَّةً في عَرْصة (٥) القيامة دون المؤمن؛ لثقة المؤمن ببشرى ربه. الثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها. وقراءة العامة: ((المَفَرُّ)) بفتح الفاء واختاره أبو عبيد(٦) وأبو حاتم؛ لأنه مصدر. وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة بكسر الفاء مع فتح الميم(٧)؛ قال الكسائي: (١) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٢ . (٢) مسند أبي داود الطيالسي (٢١٠٣) وقد رواه عن درست بن زياد، عن يزيد بن أبان الرقاشي، به. ودرست ويزيد ضعيفان، كما في تقريب التهذيب. (٣) أورده الماوردي في النكت والعيون ١٥٣/٦ وفيه: أفرّ، بدل: المفرّ. (٤) في النكت والعيون ٦/ ١٥٣. (٥) في (خ) و(م): عرضة. (٦) في (م): أبو عبيدة. (٧) القراءات الشاذة ص ١٦٥، وفيه أن الحسن هو ابن يزيد، والمحتسب ٣٤١/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٣/٥. ٤١٤ سورة القيامة: الآيات ٧ - ١٣ هما لغتان؛ مثل: مَدَبّ ومَدِبّ، ومَصَحّ ومَصِحّ. وعن الزُّهريِّ بكسر الميم وفتح الفاء(١)؛ المهدويّ: مَن فتح الميم والفاء من ((المفرّ))؛ فهو مصدر بمعنى الفِرار، ومَن فتح الميم وكسر الفاء، فهو الموضع الذي يفرُّ إليه، ومَن كسر الميم وفتح الفاء؛ فهو الإنسان الجيِّد الفرار؛ فالمعنى: أين الإنسان الجيِّد الفِرار؟! ولن ينجو مع ذلك. قلت: ومنه قول امرئ القيس: مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِلٍ مُذْبِرٍ مَعًا (٢) يريد أنه حَسَن الكرِّ والفرِّ جَيِّدُه. ﴿كَلَّ﴾ أي: لا مفرَّ، فـ ((كَلَّا)) ردًّ، وهو من قول الله تعالى، ثم فسر هذا الردّ فقال: ﴿لَا وَزَرَ﴾ أي: لا ملجأ من النار. وكان ابن مسعود يقول: لا حِصن. وكان الحسن يقول: لا جبل. وابن عباس يقول: لا ملجأ. وابن جُبير: لا محيصَ ولا منعة (٣). والمعنى في ذلك كلِّه واحد. والوَزَر في اللغة: ما يُلجأ إليه من حِصن أو جبل أو غيرهما؛ قال الشاعر: لَعَمْريّ ما لِلفتى مِن وَزَرْ مِنَ الموتِ يُذْرِكُه والكِبَرْ(٤) قال السُّدِّيُّ: كانوا في الدنيا إذا فزِعوا، تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لَا وَزَرَ يعصمكم يومئذ منِّي(٥)، قال طَرَفة: وَلَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أَنَّنَا فاضِلُوا الرَّأَي وفي الرَّوْعِ وَزَرْ(٦) (١) المحتسب ٣٤١/٢، وجاء في القراءات الشاذة ص ١٦٥ أن الزهري قرأ: المَفِرّ، بكسر الفاء وفتح المیم. (٢) ديوان امرئ القيس ص ١٩، وهو صدر بيت، وعجزه: كجلمود صخر حطه السيل من علٍ. (٣) أخرج الأقوال السالفة عدا قول ابن جبير الطبري ٤٨٤/٢٣ - ٤٨٧، وقول ابن جبير في النكت والعيون ١٥٤/٦ . (٤) أورده أبو حيان في البحر المحيط ٣٨٢/٨، والسمين الحلبي في الدر المصون ١٠/ ٥٧٠ ، والألوسي في روح المعاني ١٤٠/٢٩ ولم ينسبوه، وجاء فيها: لعمرك، بدل: لعمري. (٥) أورده البغوي في تفسيره ٤/ ٤٢٢ . (٦) ديوان طرفة ص٥٦ ، وفيه: وُقُر، بدل: وَزَرْ. ٤١٥ سورة القيامة: الآيات ٧ - ١٣ أي: ملجأ للخائف. ویروی: وُقُرٌ. ﴿إَِ رَيِّكَ يَؤْمِذِ الُْنَّقَّرُ﴾ أي: المنتهى. قاله قتادة (١). نظيره: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَى﴾ [النجم: ٤٢]. وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع(٢). وقيل: أي: المستقرُّ في الآخرة حيث يُقرُّه الله تعالى، إذ هو الحاكم بينهم. وقيل: إن ((كَلَّا)) مِن قول الإنسان لنفسه، إذا علم أنه ليس له مفرٌّ قال لنفسه: ﴿كَّ لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمِذٍ الْمَغَرُ﴾. قوله تعالى: ﴿يُّ الْإِنسَنُ﴾ أي: يُخبر ابن آدم بَرًّا كان أو فاجرًا ﴿بِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل سَيِّئ أو صالح، أو أخّر من سنَّة سيِّئة أو صالحة يُعْمَل بها بعده. قاله ابن عباس وابن مسعود (٣). وروى منصور عن مجاهد قال: ينبّأُ بأوَّل عمله وآخره. وقاله النَّخَعيّ. وقال ابن عباس أيضاً: أي: بما قدَّم من المعصية، وأخّر من الطاعة(٤). وهو قول قتادة(٥). وقال ابن زيد: ((بِمَا قَدَّمَ)) من أمواله لنفسه، ((وَأَخَّرَ)): خلَّف للورثة(٦). وقال الضحاك: ينبّأُ بما قدَّم من فرضٍ، وأخّر من فرض(٧). قال القشيريُّ: وهذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال. ويجوز أن يكون عند الموت. قلت: والأوَّل أظهر؛ لما خرجه ابن ماجه في سننه(٨) من حديث الزُّهريِّ، حدثني أبو عبد الله الأغرّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((إنَّ مما يَلْحق (١) أخرجه عنه الطبري ٤٨٨/٢٣ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٢ . (٣) المصدر السابق، وأخرج قولهما الطبري ٤٨٩/٢٣ . (٤) أخرج الأقوال السالفة الطبري ٤٨٩/٢٣ - ٤٩٠. (٥) أورده الماوردي في النكت والعيون ١٥٤/٦ . (٦) الوسيط ٣٩٢/٤، وتفسير البغوي ٤٢٢/٤، والمحرر الوجيز ٤٠٤/٥، وزاد المسير ٤٢٠/٨ ونسبوه لزيد بن أسلم. (٧) النكت والعيون ٦/ ١٥٤، وزاد المسير ٤٢٠/٨. (٨) برقم (٢٤٢). ٤١٦ سورة القيامة: الآيات ٧ - ١٥ المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونَشَره، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته(١) تلحقه من بعد موته)). وخرَّجه أبو نُعيم الحافظ بمعناه(٢) من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: ((سبع يجري أجرُهنَّ للعبد بعد موته وهو في قبره: مَن علَّم علماً، أو أجرى(٣) نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو وَرَّثَ مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته)). فقوله: ((بعد موته وهو في قبره)) نصّ على أن ذلك لا يكون عند الموت، وإنما يُخبَر بجميع ذلك عند وزن عمله، وإن كان يُبشّر بذلك في قبره. ودلَّ على هذا أيضاً قولُه الحقُّ: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَنْقَالَمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلٍْ﴾ [النحل: ٢٥] وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد وزن الأعمال. والله أعلم. وفي الصحيح: ((مَن سنَّ في الإسلام سنَّة حسنةً؛ كان له أجرُها وأجر من عمل بها بعده مِن غير أن يَنقُص من أجورهم شيء. ومَن سنَّ في الإسلام سنة سيئةً؛ كان عليه وزرُها ووزرُ مَن عمل بها بعده، مِن غير أن يَنقُص من أوزارهم شيء))(٤). قوله تعالى: ﴿بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ﴿ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَمُ قوله تعالى: ﴿بَلِ آلْإِسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ﴾ قال الأخفش: جَعَلَه هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنت حجَّةٌ على نفسك(٥). وقال ابن عباس: ((بصيرَةٌ)) أي: شاهد، وهو شهودُ جوارحِه عليه: يداه بما بَطَش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر (١) لفظة: وحياته، من (م) وسنن ابن ماجه. (٢) في حلية الأولياء ٢/ ٣٤٤ . (٣) في النسخ الخطية: أو أكرى، والمثبت من (م) وحلية الأولياء. (٤) قطعة من حديث جرير بن عبد الله ﴾ أخرجه مسلم (١٠١٧): (٦٩)، وسلف ٣٣٦/٢. (٥) معاني القرآن للأخفش ٧٢١/٢ . ٤١٧ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ بهما(١). والبصيرة: الشاهد. وأنشد الفرَّاء: بِمَفْعَدِهِ أو مَنْظَرٍ هو ناظِرُهْ كأنَّ على ذي العقلِ عَيْنًا بصيرةً من الخوفِ لا تَخْفَى عليهم سَرائِرُ: (٢) یُحاذِرُ حتی یحسِبَ الناسَ کلَّھمْ ودليلُ هذا التأويل من التنزيل قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. وجاء تأنيث البصيرة لأن المراد بالإنسان ها هنا الجوارحُ، لأنها شاهدة على نفس الإنسان، فكأنه قال: بل الجوارحُ على نفس الإنسان بصيرة. قال معناه القتبيُّ(٣) وغيره. وناس يقولون: هذه الهاء في قوله: ((بَصِيرَةٌ)) هي التي يسمِّيها أهل الإعراب هاءَ المبالغة، كالهاء في قولهم: داهِية، وعلَّامة، وراوية. وهو قول أبي عبيدة(٤). وقيل: المراد بالبصيرة: الكاتبان اللَّذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شرٌّ، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرٌ﴾ فيمن جعل المعاذير السُّور. وهو قول السُّدِّيِّ والضحاك(٥). وقال بعض أهل التفسير: المعنى: بل على الإنسان من نفسه بصيرةٌ، أي: شاهد، فحذف حرف الجر(٦). ويجوز أن يكون ((بصيرة)) نعتًا لاسم مؤنث، فيكون تقديره: بل الإِنسان على نفسه عينٌ بصيرة(٧)، وأنشد الفراء: (١) أخرجه عنه الطبري ٤٩١/٢٣ - ٤٩٢ مختصراً. (٢) البيتان للفرزدق وهما في ديوانه ص ٢٠٩، ومعاني القرآن للفراء ٢١١/٣، ووقع في الديوان: الطُّنْء، بدل العقل. وفي معاني القرآن: الظَّن. والطُّنْء هو الريبة. القاموس (طناً). (٣) في تأويل مشكل القرآن ص ١٤٨ . (٤) في (د) و(م) و(ي): أبي عبيد، والمثبت من (خ) و(ظ) والكلام في مجاز القرآن له ٢/ ٢٧٧ . (٥) الوسيط ٣٩٢/٤، والمحرر الوجيز ٤٠٤/٥، وتفسير البغوي ٤٢٣/٤، وزاد المسير ٤٢٠/٨ . (٦) معاني القرآن للفراء ٢١١/٣ . (٧) تفسير البغوي ٤/ ٤٢٣ . ٤١٨ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ كأنَّ على ذِي العقل عينًا بصيرةً وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ﴾ أي: بصيرٌ بعيوب غيره، جاهلٌ بعيوب نفسه(١). ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ أي: ولو أَرْخَى سُتوره. والسِّتر بلغة أهل اليمن: مِعذار. قاله الضحاك. وقال الشاعر : ولكنها ضَنَّتْ بِمَنزلِ ساعةٍ علينا وأَظَّتْ فَوْقَهَا بالمَعَاذِرِ(٢) قال الزَّجَّاج: المعاذِر: السُّتور، والواحد مِعذار(٣)، أي: وإن أرخى ستره يريد أن يخفيَ عمله، فنفسُه شاهدة عليه. وقيل: أي: ولو اعتذر فقال: لم أفعل شيئاً، لكان عليه من نفسه مَن يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه، فعليه شاهدٌ يكذِّب عذره. قاله مجاهد، وقتادة، وسعيدُ بن جُبير، وعبدُ الرحمن بن زيد، وأبو العالية، وعطاء(٤)، والفرَّاء(٥) والسُّدِّيُّ أيضًا ومقاتل. قال مقاتل: أي: لو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعه ذلك. نظيرُه قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ﴾ [غافر: ٥٢]، وقولُه: يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، فالمعاذيرُ على هذا مأخوذٌ من العذر، قال الشاعر : مَوَارِدُهُ ضاقتْ عليكَ المصادِرُ وإِياكَ والأمرَ الذي إِنْ تَوسَّعَتْ وليس له مِن سائِرِ الناسِ عاذرُ(٦) فما حَسَنٌّ أن يَعْذِرَ المرءُ نفسَهُ (١) تفسير أبي الليث ٤٢٦/٣، وسلف الشعر قريباً. (٢) النكت والعيون ٦/ ١٥٥. (٣) معاني القرآن للزجاج ٢٥٣/٥ . (٤) أخرج قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد الطبري ٤٩٤/٢٣ - ٤٩٦، وأورد قول عطاء البغوي في تفسيره ٤/ ٤٢٣ . (٥) في معاني القرآن ٢١١/٣ . (٦) البيتان في شرح ديوان الحماسة ٨٩/٣، والبيت الأول في دُرَّة الغوَّاص ص٢٩ . ٤١٩ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ واعتذر رجل إلى إبراهيمَ النَّخَعيِّ فقال له: قد عذرتك غير مُعتذِر، إن المعاذير يَشُوبها الكذب(١). وقال ابن عباس: ((وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِیرَهُ)) أي: لو تجرَّد من ثيابه. حكاه ٤(٢) . الماوردي قلت: والأظهر أنه الإدلاء بالحجة والاعتذارُ من الذَّنب، ومنه قول النابغة: ها إِنَّ ذِي عِذْرَةٌ إِلَّا تكُنْ نَفَعتْ فإنَّ صاحِبَها مُشَارِكُ النَّكَدِ(٣) والدليل على هذا قولُه تعالى في الكفار: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقولُه تعالى في المنافقين: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُُّمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [المجادلة: ١٨]. وفي الصحيح أنه يقول: ((يا ربِّ آمنتُ بك وبكتابك وبرسولك، وصلَّيت وصمتُ وتصدَّقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع)) الحديث، وقد تقدَّم في ((حم السجدة)) وغيرِها (٤). والمعاذيرُ والمعاذِر: جمع مَعْذِرة، ويقال: عَذَرته فيما صنع أعذِره عُذْرًا وعُذُرًا، والاسم المَعْذِرة والعُذْرى، قال الشاعر: إِنِّي حُدِدْتُ ولا عُذْرِي لِمَحْدُودٍ(٥) (١) الصحاح (عذر)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٢٢٤/٤ عن ابن عون. (٢) في النكت والعيون ٦/ ١٥٥، وأخرجه الطبري ٤٩٥/٢٣ . (٣) ديوان النابغة الذبياني ص ٣٧ . (٤) هو قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه مسلم (٢٩٦٨)، وسلف ٣٤١/٨، وليس في سورة حم السجدة. (٥) الصحاح (عذر)، وأورده أيضاً أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ٢/ ٢١٠، دون نسبة، والبغدادي في الخزانة ٤٦٤/١ ونسبه للجموح الظّفَري، ووقع عندهما: لولا، بدل: إني. قال ابن منظور في اللسان (عذر): وصواب إنشاده: لولا حددت، هو على إرادة أن تقديره: لولا أن حددت؛ لأن لولا التي معناها امتناع الشيء لوجود غيره هي مخصوصة بالأسماء، وقد تقع بعدها الأفعال على تقدير أنْ. اهـ وهذا عجز البيت وصدره: لا درَّ دُرُّك إني قد رميتهمُ. وقوله: حُدِدت، أي: حرمت ومنعت، والمعنى؛ يقول: قد رميتُ واجتهدت في قتالهم، ولكني حرمت النصر عليهم، ولا يقبل عذر المحروم. خزانة الأدب. ٤٢٠ سورة القيامة: الآيتان ١٤ - ١٥ وكذلك العِذْرة وهي مثلُ الرِّكْبة والجِلْسَة؛ قال النابغة: فإنّ صاحِبَها قَدْتاه في الْبَلَدِ(١) ها إِنَّتَا عِذْرَةٌ إِلَّا تَكُنْ نَفَعَتْ وتضمَّنت هذه الآيةُ خمسَ مسائل: الأولى: قال القاضي أبو بكر بنُ العربيّ(٢): قوله تعالى: ﴿بَلِ آلْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ. بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: فيها دليلٌ على قَبول إقرار المرء على نفسه؛ لأنها شهادةٌ(٣) منه عليها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. ولا خلافَ فيه؛ لأنه إخبارٌ على وجهٍ تنتفي التُّهمة عنه؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه، وهي المسألة: الثانية: وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَاتَّيْتُكُم مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنَّهُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَأْ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، ثم قال تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] وهو في الآثار كثير، قال النبيُّ ◌َ﴾: ((واغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)»(٤). فأمَّا إقرارُ الغير على الغير بوارث أو دَين فقال مالك: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا في الرجل يَهْلِك وله بنون، فيقول أحدهم: إن أبي قد أقرَّ أنَّ فلانًا ابنُه، أنَّ ذلك النسب لا يثبت بشهادة إنسان واحد، ولا يجوز إقرارُ الذي أقرَّ إلا على نفسه في (١) الصحاح (عذر)، وأورده أيضاً ابن يعيش في شرح المفصل ١١٣/٨، والبغدادي في الخزانة ٤٥٩/٥ وفيهما: إن لم تكن، بدل: إلَّا تكن. وسلف قريباً بغير هذه الرواية. (٢) في أحكام القرآن ١٨٧٨/٤. (٣) في (م): بشهادة. (٤) أخرجه البخاري (٢٣١٤ - ٢٣١٥)، ومسلم (١٦٩٧ - ١٦٩٨) عن زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة رضي الله عنهما، وسلف ٦/ ١٤٤، الكلام في أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧٨/٤ .