النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة المدثر: الآيات ١ - ٤
ثِيابُ بَني عوفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد(١) غُرَّانُ(٢)
أي: أنفس بني عوف.
ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويلُ الآية: وجسمَك فطهِّر؛ أي: عن
المعاصي الظّاهرة. وممَّا جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قولُ ليلى
وذَگرت إیلًا :
رموها بأثيابٍ خِفافٍ فلا تَرَى لها شَبَهَا إِلَّ النَّعامَ المنُفَّرا
أي: ركبوها فرمَوها بأنفسهم (٣)
ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويلُ الآية: وأَهلكَ فطهّرهم من الخطايا
بالوعظ والتأديب؛ والعربُ تُسمِّي الأهلَ ثوباً ولباساً وإزاراً، قال الله تعالى: ﴿هُنَّ
لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الماورديُّ(٤): ولهم في تأويل الآية وجهان:
أحدهما: معناهُ: ونساءك فطهِّر، باختيار المؤمنات العفائف.
الثاني: الاستمتاعُ بهنَّ في القُبُل دون الدُّبر، في الطهر لا في الحيض. حكاه(٥)
ابن بحر.
ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية: وخُلُقَك فحسِّن. قاله الحسنُ
والقُرَظيّ(٦)؛ لأنَّ خُلُق الإنسان مشتملٌ على أحواله، اشتمالَ ثيابه على نفسه. وقال
الشاعر:
(١) في (م): بيض المسافر.
(٢) ديون امرئ القيس ص٨٣، وسلف الشطر الأول منه ٣٤٢/١٥.
(٣) تأويل مشكل القرآن ص١٠٧ ، ولفظ البيت فيه : رموها بأثواب. بدل: رموها بأثياب.
(٤) في النكت والعيون ٦/ ١٣٧.
(٥) في النكت والعيون: حكاهما .
(٦) تفسير البغوي ٤١٣/٤

٣٦٢
سورة المدثر: الآيات ١ - ٤
ويَحْيى طَاهِرُ الأثوابِ حُرُّ
ويَخِيَى لا يُلامُ بسوء خُلْقٍ
أي: حسن الأخلاق.
ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويلُ الآية: ودينَك فطهِّر.
وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام قال: ((ورأيتُ الناس وعليهم ثياب،
منها ما يبلغ الثُّدِيّ، ومنها ما دون ذلك، ورأيتُ عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرُّه)).
قالوا: يا رسول الله، فما أوَّلتَ ذلك؟ قال: ((الدِّين))(١).
وروى ابنُ وهبٍ عن مالك أنَّه قال: ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلَّا في الصلاة
والمساجد لا في الطريق، قال الله تعالى: ﴿وَتَ فَطَهِرْ﴾، يريد مالك أنَّه كَنَى عن
الدين بالثياب(٢). وقد رَوى عبدُ الله بن نافع عن أبي بكر بنِ عبد العزيز بن عبد الله بن
عمرَ بن الخطاب، عن مالك بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَلَكَ فَطَفِرْ﴾ أي: لا تَلْبسها
على غَذْرة، ومنه قول أبي كبشة(٣):
ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ
وَأَوْجُهُهُمْ عِندَ الْمَشَاهِدَ(٤) غُرَّانُ
يعني بطهارة ثيابهم: سلامَتَهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم: تنزيهَهم عن
المحرَّمات، أو جمالهم في الخِلقة، أو كليهما؛ قاله ابن العربي(٥).
وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابَك على كذبٍ ولا جَوْرٍ، ولا غَدْرٍ، ولا
إِثم(٦)، وقاله ◌ِكرمة (٧). ومنه قولُ الشاعر:
(١) صحيح البخاري (٢٣)، وصحيح مسلم (٢٣٩٠)، ومسند أحمد (١١٨١٤) عن أبي سعيد الخدري ـ
(٢) في النسخ: عن الثياب بالدين، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٧٥ . والكلام منه.
(٣) سلف البيت منسوباً لامرئ القيس قريباً. ونسبه المصنف هنا لأبي كبشة تبعاً لابن العربي في أحكام
القرآن ١٨٧٥/٤.
(٤) في (م) بيضُ المسافر، وفي أحكام القرآن: عند المشاعر. والمثبت من النسخ الخطية.
(٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٧٥ .
(٦) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٩٥ .
(٧) أخرجه بنحوه الطبريُّ ٤٠٥/٢٣-٤٠٦ .

٣٦٣
سورة المدثر: الآيات ١ - ٤
أوْذَمَ حَجّاً في ثيابٍ دُسْمِ (١)
أي: قد دنَّسها بالمعاصي.
وقال النابغة :
رِقَاقُ النِّعالِ طيِّبٌ حُجُزاتُهُمْ يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحَانِ يومَ السَّبَاسِبِ(٢)
ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إنَّ المرادَ بها الثيابُ الملبوسات، فلهم في
تأويله أربعة أوجه:
أحدهما: معناه: وثيابَك فأَنْقِ؛ ومنه قول امرئ القيس:
ثيابُ بني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ (٣)
الثاني: وثيابَك فشمِّرْ وقصِّرْ، فإنَّ تقصيرَ الثياب أبعدُ من النجاسة، فإذا انجرَّت
على الأرض لم يُؤْمَن أنْ يصيبها ما يُنجِّسها؛ قاله الزَّجَّاج وطاوس (٤) .
الثالث: ((وَثِیابَكَ فَطَهِّرْ)) من النجاسة بالماء؛ قاله محمدُ بن سیرین وابن زيد
والفقهاء.
الرابع: لا تلبس ثيابك إلَّا من كسبٍ حلال لتكون مطهرةً من الحرام(٥). وعن ابن
عباس: لا تكن ثيابك التي تَلبس من مكسبٍ غير طاهر.
ابنُ العربي(٦) - وذكر بعض ما ذكرناه -: ليس بممتنع أنْ تُحمَل الآيةُ على عموم
(١) سلف ص٣٥٩ من هذا الجزء.
(٢) ديوان النابغة ص١٢، قال البغدادي في الخزانة ٩/ ٤٩٠: أراد أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم، إنما
يخصفها من يمشي، والحُجْزة: الوسط. أراد أنهم يشدون أُزُرَهُم على عقَّة، والسباسب: يوم الشعانين.
اهـ. وقال ابن الأثير في النهاية (نعل): العرب تمدح برقة النِّعال، وتجعلها من لباس الملوك .
(٣) ديون امرئ القيس ص٨٣ ، وسلف قريباً.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٤٥/٥، وقول طاوس في النكت والعيون ٦/ ١٣٧.
(٥) النكت والعيون ٦/ ١٣٧ .
(٦) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٧٥ .

٣٦٤
سورة المدثر: الآيات ١ - ٤
المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الظاهرة (١)؛ فهي
تتناول معنيين :
أحدُهما: تقصيرُ الأذيال؛ فإنَّها(٢) إذا أُرسلت تدنَّست، ولهذا قال عمرُ بن
الخطاب ﴾ لغلام من الأنصار - وقد رأى ذيلَه مُسترخياً -: ارفع إزارك، فإنَّه أتقى
وأنقى وأبقى (٣).
وقد قال النبيُّ #: ((إِزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصاف ساقيه، لا جُناح عليه فيما بينه وبين
الكعبين، وما كان أسفلَ من ذلك ففي النَّار))(٤). فقد جعل النبيُّ# الغايةَ في لباس
الإِزار الكعبَ، وتوَّد ما تحتَه بالنَّار، فما بال رجالٍ يُرسلون أذيالهم، ويُطيلون
ثيابَهم، ثمَّ يتكلَّفون رفعها بأيديهم، وهذه حالةُ الكِبْر، وقائدةُ العُجْب، [وأشدُ ما في
الأمر أنَّهم يَعصُون ويحتجُون، ويُلْحِقون أنفسَهم] بمن لم يجعل الله معه غيره، ولا
أَلحق به سواه. قال النبيُّ﴾: ((لا يَنْظر اللـهُ إلى من جرَّ ثوبه خُيَلاء))(٥)، ولفظُ
الصحيح: ((من جرَّ إِزارَه خُيَلاءَ، لم ينظر اللهُ إليه يومَ القيامة)). قال أبو بكر: يا رسول
الله! إنَّ أحدَ شِقَّيْ إِزاري يسترخي إلَّا أنْ أتعاهدَ ذلك منه؟ قال رسول الله ﴾: ((لستَ
ممن يصنعُه خُيَلاء) (٦). فعمَّ رسول اللـه ﴿ بالنهي. واستثنى الصدِّيق، فأرادَ الأدنياءُ
إلحاق أنفسهم بالرفعاء(٧)، و ليس ذلك لهم.
والمعنى الثاني: غسلُها من النجاسة، وهو ظاهرٌ منها، صحيحٌ فيها (٨).
(١) في (د) و(م) و(ي): الطاهرة.
(٢) في (د) و(م): لأنها.
(٣) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٨٧/٨-٣٨٨.
(٤) أخرجه أحمد (١١٠١٠)، (١١٠٢٨)، وأبو داود (٤٠٩٣)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣٢)، وابن ماجه
(٣٥٧٣) عن أبي سعيد الخدري ﴾.
(٥) أخرجه البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٦) أخرجه البخاري (٣٦٦٥)، وهو عند أحمد (٥٣٥١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٧) في أحكام القرآن لابن العربي: بالأقصياء.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٧٥ -١٨٧٦، وما سلف بين حاصرتين منه.

٣٦٥
سورة المدثر: الآيات ١ - ٥
المهدويُّ: وبه استدلَّ بعضُ العلماء على وجوب طهارة الثوب. قال ابنُ سيرين
وابن زيد: لا تصلِّ إلَّا في ثوبٍ طاهر(١). واحتجَّ بها الشافعيُّ على وجوب طهارة
الثوب. وليست عند مالكِ وأهلِ المدينة بفرض، وكذلك طهارةُ البدن، ويدلُّ على
ذلك الإجماع على جوازٍ الصلاة بالاستجمار من غير غسل. وقد مضى هذا القول في
سورة براءة مستوفىَ(٢).
٥
قوله تعالى: ﴿وَاُلُّجْزَ فَاهْجُزْ
قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾ قال مجاهدٌ وعكرمة: يعني الأوثان؛ دليلُه قولُهُ
تعالى: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقاله ابنُ عباس وابنُ زيد.
وعن ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي: فاترك. وكذا رَوى مُغيرةُ عن إبراهيم
النَّخَعيِّ قال: الرُّجز: الإثم. وقال قتادة: الرُّجز: إساف ونائلة، صنمان كانا عند
البيت(٣). وقيل: الرُّجزُ: العذاب، على تقدير حذف المضاف؛ المعنى: وعَمَلَ الرجز
فاهجر، أو العمل المؤدِّي إلى العذاب، وأصلُ الرِّجز العذاب، قال الله تعالى:
﴿لَبِن كَثَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِجْزَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ١٦٢] فسُمِّيت الأوثانُ رِجزاً؛ لأنَّها تؤدّي إلى
العذاب (٤).
وقراءةُ العامة: ((الرِّجْزَ)) بكسر الراء. وقرأ الحسنُ، وعكرمةُ، ومجاهد، وابن
محيصن، وحفص عن عاصم: ((والرُّجْزَ)) بضمِّ الراء(٥).
(١) أخرج قولهما بنحوه الطبري ٤٠٩/٢٣ .
(٢) ٣٨٢/١٠-٣٨٣.
(٣) أخرج الأقوال السابقة الطبري ٤١١/٢٣-٤١٢، عدا قول ابن عباس الثاني فذكره البغوي في تفسيره
٤١٣/٤ .
(٤) الكلام بنحوه في تأويل مشكل القرآن ص٣٦١، والكشاف ٤/ ١٨١ .
(٥) رواية حفص عن عاصم في السبعة ص٦٥٩، والتيسير ص٢١٦ ، وهي عن الحسن ومجاهد وابن
محيصن في المحرر الوجيز ٣١٩/٥، وزاد المسير ٤٠١/٨ .

٣٦٦
سورة المدثر: الآيتان ٦.٥
وهما لغتان مثل الذِّكر والذُّكر. وقال أبو العالية والربيع والكسائيّ: الرُّجز
بالضم: الصنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية(١). وقال الكسائيُّ أيضاً: بالضمِّ:
الوثن، وبالكسر: العذاب(٢). وقال السّديّ: الرَّجْز بنصب الراء: الوعيد(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ فيه أحد عشر تأويلاً (٤)؛
الأوّل: لا تمنن على ربِّك بما تتحمَّلُه من أثقال النبوّة، كالذي يستكثرُ ما يتحمّله
بسبب الغیر.
الثاني: لا تعطِ عطيةً تلتمسُ بها أفضلَ منها؛ قاله ابنُ عباس وعِكرمة وقتادة. قال
الضَّحَّاك: هذا حرَّمه الله على رسول اللـه ﴾؛ لأنَّه مأمورٌ بأشرف الآداب، وأجلٌ
الأخلاق، وأباحَه لأمَّته؛ وقاله مجاهد(٥).
الثالثُ؛ عن مجاهدٍ أيضاً: لا تَضْعُفْ أنْ تستكثرَ من الخير؛ من قولك: حبلٌ
منين إذا كان ضعيفاً؛ ودليلُه قراءة ابن مسعود: ((وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرِ مِنَ الْخَيْرِ))(٦).
الرابع: عن مجاهد أيضاً والربيع: لا يعظم(٧) عملك في عينك أنْ تستكثرَ من
الخير، فإنَّه ممَّا أنعم الله علیك(٨). قال ابنُ کَیْسان: لا تستكثر عملك فتراه من
(١) تفسير البغوي ٤/ ٤١٣ عن أبي العالية والربيع.
(٢) مجمع البيان ١٠٦/٢٩ .
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٣٧.
(٤) في النسخ الخطية: عشر تأويلات، والمثبت من (م).
(٥) النكت والعيون ١٣٨/٧، وتفسير البغوي ٦٧/٤، وينظر الكشاف ١٨٠/٤، وزاد المسير ٤٠٢/٨ .
(٦) تفسير البغوي ٤١٤/٤، ولفظ قراءة ابن مسعود فيه: ولا تمنن أن تستكثر من الخير. وسيذكرها
المصنف عنه بلفظ: ولا تمنن أن تستكثر.
(٧) في (د) و(ظ) و(م): لا تعظم.
(٨) أخرجه الطبري عن الربيع ٤١٥/٢٣-٤١٦ .

٣٦٧
سورة المدثر: الآية ٦
نفسك، إنَّما عملُك مِنَّةٌ من الله عليك؛ إذْ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته.
الخامس: قال الحسن: لا تمننْ على الله بعملك؛ فتستكثره(١).
السادس: لا تمنن بالنبوَّةِ والقرآن على الناس؛ فتأخذَ منهم أجراً تستكثرُ به.
السابع: قال القُرَظيّ: لا تعطِ مالَك مصانعةٌ.
الثامن(٢): قال زيدُ بن أسلم: إذا أعطيتَ عطيةً فأعطها لربِّك.
التاسع: لا تقلْ: دعوت فلم يُستَجب لي.
العاشر: لا تعملْ طاعةً وتطلب ثوابها، ولكن اصبر حتى يكونَ الله هو الذي
یثیبك عليها.
الحادي عشر: لا تفعلْ الخيرَ لترائي به النَّاس(٣).
الثانية: هذه الأقوالُ وإنْ كانت مرادةً فأظهرُها قولُ ابن عباس: لا تعطِ لتأخذَ
أكثرَ ممَّا أُعطيتَ من المال؛ يقال: مننتُ فلاناً كذا، أي: أعطيتُه. ويقال للعطية
المِنّة؛ فكأنَّه أمر بأنْ تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثوابٍ من الخلق عليها؛ لأنَّه عليه
الصلاة والسلام ما كان يجمع الدنيا؛ ولهذا قال: ((مالي ممَّا أفاءَ الله عليكم إلَّا
الخُمس، والخُمس مردودٌ عليكم)) (٤). وكان ما يَفْضُل من نفقة عياله مصروفاً إلى
مصالح المسلمين؛ ولهذا لم يورث؛ لأنَّه كان لا يملكُ لنفسه الادخار والاقتناء، وقد
عصمَه اللهُ تعالى عن الرغبة في شيء من الدنيا؛ ولهذا(٥) حرمت عليه الصدقةُ،
وأُبيحت له الهديَّة، فكان يقبلُها، ويثيبُ عليها. وقال: ((لو دعيت إلى كُرَاع(٦)
(١) أخرجه الطبري ٤١٥/٢٣ .
(٢) لفظة: الثامن. من (م) .
(٣) القول الأخير في النكت والعيون ١٣٨/٦ .
(٤) أخرجه أحمد (٦٧٢٩) مطولاً، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وسلف ٩/ ٤٤٤ .
(٥) في (م): ولذلك.
(٦) في (ظ) و(ي): ذراع.

٣٦٨
سورة المدثر: الآية ٦
لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كُراع(١) لقبلت))(٢).
ابن العربيّ: وكانَ يَقبلُها سُنةً ولا يستكثرها شِرعة، وإذا كان لا يُعطي عطيةً
يستكثر بها، فالأغنياءُ أولى بالاجتناب؛ لأنَّها بابٌ من أبواب المذلّة، وذلك(٣) قول
من قال: إنَّ معناه(٤): لا تعطِ (٥) عطيةً تنتظرُ ثوابَها، فإنَّ الانتظار تعلُّق بالأطماع،
وذلك في حيِّزه بحكم الامتناع، وقد قال الله تعالى(٦): ﴿وَلَا تَمُذَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَنَّعْنَا
بِ= أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْمَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] وذلك جائزٌ
لسائر الخلق؛ لأنَّه من متاع الدنيا، وطلب الكسب [فيها]، والتكاثر بها. وأمَّا من
قال: أراد به العمل، أي: لا تمننْ بعملك على الله فتستكثرَه؛ فهو صحيح؛ فإنَّ ابنَ
آدم لو أطاعَ الله عمرَه من غير فتور، لَمَا بلغَ لنعم الله بعضَ الشكر(٧).
الثالثة: قوله تعالى: ((وَلَا تَمْنُنْ)) قراءةُ العامَّة بإظهار التضعيف. وقرأ أبو السَّمَّال
العدوي، وأشهب العُقيليّ، والحسن: ((وَلَا تَمُنَّ))؛ مدغمةً مفتوحة(٨).
(تَسْتَكْثِرُ)): قراءةُ العامة بالرفع، وهو (٩) في معنى الحال، تقول: جاء زيدٌ
يركض، أي: راكضاً، أي: لا تعطِ شيئاً مقدِّراً أن تأخذ بدلَه ما هو أكثرُ منه(١٠).
(١) في (م): ذراع.
(٢) أخرجه أحمد (٩٤٨٥)، و(١٠٦٥١)، والبخاري (٥١٧٨) عن أبي هريرة ﴾.
(٣) في (م): و كذلك.
(٤) في (د) و(م): معناها. والمثبت من (ز) و(ظ) و(ي) وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي.
(٥) في النسخ: لا تعطي. والمثبت من أحكام القرآن.
(٦) بعدها في (م): له.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧٧/٤ . وما بين حاصرتين منه.
(٨) قراءة أبي السمَّال والحسن في القراءات الشاذة ص١٦٤. وينظر المحرر الوجيز ٣٩٣/٥، والبحر
المحيط ٣٧١/٨-٣٧٢.
(٩) بعدها في (ظ): صحيح.
(١٠) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٧٧١/٢ .

٣٦٩
سورة المدثر: الآيتان ٦ - ٧
وقرأ الحسنُ(١) بالجزم على جواب النهي، وهو رديء؛ لأنَّه ليس بجواب.
ويجوز أنْ يكونَ بدلاً من («تَمْنُنْ)) كأنَّه قال: لا تستكثر. وأنكره أبو حاتم وقال: لأنَّ
المنَّ ليس بالاستكثار فيُبْدَل منه. ويَحتملُ أنْ يكونَ سُكِّن تخفيفاً كعَضْد (٢). أو أنْ يعتبر
حال الوقف.
وقرأ الأعمشُ ويحيى: (تَسْتَكْثِرَ)) بالنصب(٣)، تَوَهّمَ لام كي، كأنَّه قال: ولا
تَمننْ لتستكثر. وقيل: هو بإضمار ((أنْ)) كقوله:
أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرَ الوَغَى (٤)
ويُؤيِّده قراءةُ ابن مسعود: ((ولَا تَمْنُنْ أَن تَسْتَكْثِر))(٥). قال الكسائيّ: فإذا حذف
((أنْ)) رفع، وكان المعنى واحداً.
وقد يكون المَنُّ بمعنى التعداد على المُنْعَم عليه بالنِّعم، فيرجع إلى القول
[الثاني] (٦)، ويَعضُده قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنْ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]
وقد يكون مراداً في هذه الآية. والله أعلم.
٧
قوله تعالى: ﴿وَلِرَیَكَ فَاضِر
قوله تعالى: ﴿وَلِرَكَ فَأَصْبِرْ﴾ أي: ولسيِّدك ومالكك فاصبرْ على أداء فرائضه
وعبادته. وقال مجاهد: على ما أُوذيت. وقال ابنُ زيد: حُمِّلت أمراً عظيماً؛ محاربةً
العرب والعجم، فاصبر عليه لله(٧). وقيل: فاصبر تحتَ موارد القضاء لأجل
(١) القراءات الشاذة ص١٦٤، والمحتسب ٣٣٧/٢ .
(٢) الكلام بنحوه في المحتسب ٣٣٧/٢-٣٣٨ .
(٣) المحتسب ٣٣٧/٢، والكشاف ١٨١/٤، والمحرر الوجيز ٣٩٣/٥.
(٤) هو لطَرَفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٢٣، وسلف ٢٢٨/٢ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٠١/٣، وتفسير الطبري ٤١٧/٢٣، والقراءات الشاذة ص١٦٤، والمحرر الوجيز
٣٩٣/٥، والكشاف ١٨١/٤.
(٦) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، وهو موافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٧٧.
(٧) تفسير الطبري ٤١٧/٢٣ .

٣٧٠
سورة المدثر: الآيات ٧ - ١٠
الله تعالى(١). وقيل: فاصبر على البلوى؛ لأنَّه يمتحن أولياءه وأصفياءه. وقيل: على
أوامره ونواهيه. وقيل: على فراق الأهل والأوطان .
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّفُورِ ﴾ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُّ عَسِيرُ ) عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ
يَسِيرٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُرِ﴾: إذا نُفِخ في الصور. والناقور: فاعول من النقر؛
كأنَّه الذي من شأنه أنْ يُنْقَر فيه للتصويت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ ومنه
قول امرئ القيس :
أُخَفِّضُه بالنَّقْرِ لَمَّا عَلَوْتُهُ
وَيَرْفَعُ طَرْفاً غَيْرَ جَافٍ(٢) غَضِيضٍ (٣)
وهم يقولون: نَقَّر باسم الرجل: إذا دعاه مختصّاً له بدعائه. قال مجاهدٌ وغيره:
هو كهيئة البُوق(٤). ويعني به: النفخة الثانية. وقيل: الأولى؛ لأنَّها أوَّلُ الشدّةِ الهائلة
العامَّة. وقد مضى الكلام في هذا مستوفىّ في ((النمل)) و((الأنعام))(٥)، وفي كتاب
((التذكرة))(٦)، والحمد لله.
وعن أبي جَنَابٍ(٧) قال: أَمَّنَا زُرَارةُ بن أوفى، فلما بلغ: ((فَإِذَا نُقِرَ في النَّاقُورِ))،
خَرَّ ميتاً(٨).
(١) تفسير البغوي ٤/ ٤١٤ .
(٢) في (م): خافٍ.
(٣) ديوان امرئ القيس ص ٧٥. قال شارحه: يقول: لما نزلت إليه فركبته أبدى شدَّة الحركة والنشاط،
فجعلت أُخفّضه بالنقر، أي: أسكّنه، والنقر: صوت يسكَّن به الفرس. وقوله: ويرفع طرفاً غير جانٍ
غضيض، أي: لا يجفو نظره عن شخص، ولا يغضه عنه.
(٤) أخرجه الطبري ٤١٩/٢٣ .
(٥) عند تفسير الآية ٨٧ من سورة النمل، و٤٣٠/٨-٤٣٢.
(٦) ص١٧٧ - ١٧٨ .
(٧) في (د) و(ظ): أبي خباب، وفي (ز) و(ي): أبي حباب، وفي (م): أبي حبان، والصواب ما أثبتناه.
وهو أبو جناب القصاب، واسمه عون بن ذكوان، وهو بالكنية أعرف. قال الذهبي في ميزان الاعتدال
٣/ ٣٠٥ : وُثِّق، وقال ابن طاهر المقدسي: قال الدار قطني: متروك.
(٨) الثقات لابن حبان ٢٦٦/٤، وحلية الأولياء ٢٥٨/٢، وتهذيب الكمال ٣٤١/٩.

٣٧١
سورة المدثر: الآيات ٨ - ١٧
﴿فَلِكَ يَوْمَِذٍ يَوْمُّ عَبِيرٌ﴾ أي: فذلك اليومُ يومٌ شديد ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ أي: على من
كفر بالله وبأنبيائه صلى الله عليهم ﴿غَيْرُ بَيِيٍ﴾ أي: غير سهل ولا هيِّن؛ وذلك أنَّ
عُقَدَهم لا تَنحلُّ إلَّا إلى عُقدةٍ أشدَّ منها، بخلاف المؤمنين الموحّدين المذنبين، فإنَّها
تنحلُّ إلى ما هو أخفُّ منها حتى يدخلوا الجنَّة برحمة الله تعالى.
و ((يَوْمَئِذٍ)) نصب على تقدير: فذلك يومٌ عسيرٌ يومئذ. وقيل: بتقدير جر،
مجازه(١): فذلك في يومئذ. وقيل: يجوز أنْ يكون رفعاً، إلَّا أنَّه بُني على الفتح
لإضافته إلى غير متمكِّن(٢).
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّنْدُودًا (٨ وَبَنِينَ
قوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
شُهُودًا
وَمَهَّدتُ لَمُ تَمْهِيدًا () ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
كَّ إِنَّهُ كَانَ لَِّيَئِنَا عَنِيدًا
سَأُزْهِقُمُ صَعُودًا (12)﴾
قوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ((ذَرْنِي)) أي: دعني؛ وهي كلمةُ وعيدٍ
وتهديد. ((وَمَنْ خَلَقْتُ)) أي: دعني والذي خلقتُه وحيداً (٣)؛ فـ ((وحيداً)) على هذا حالٌ
من ضمير المفعول المحذوف، أي: خلقتُه وحدَه، لا مال له ولا ولد، ثمَّ أعطيتُه بعد
ذلك ما أعطيته.
والمفسرون على أنَّه الوليدُ بن المغيرة المخزوميّ، وإنْ كان الناسُ خُلِقُوا مثلَ
خَلْقه، وإنما خُصَّ بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة وإيذاءِ الرسول عليه الصلاة
والسلام(٤)، وكان يسمَّى الوحيد في قومه.
قال ابنُ عباس: كان الوليدُ يقول: أنا الوحيدُ بن الوحيد، ليس لي في العرب
(١) في (م): وقيل: جُرَّ بتقدير حرف جر، مجازه، وفي (ي): وقيل: جر بتقدير مجازه، وفي (ظ): وقيل
بتقدير في مجازه. والمثبت من (د) و(ز).
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٦/٥ .
(٣) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج٢٤٦/٥، ومشكل إعراب القرآن ٢٧١/٢.
(٤) النكت والعيون ١٣٩/٦.

٣٧٢
سورة المدثر: الآيات ١١ - ١٧
نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد؛ فقال الله تعالى: ((ذَرْنِي وَمَنْ
خَلَقْتُ) بزعمه ((وَحِيداً)) لا أنَّ الله تعالى صدَّقه بأنَّه وحيد (١). وقال قوم: إنَّ قوله
تعالى: ((وَحِيْداً)) يرجعُ إلى الرَّب تعالى على معنيين:
أحدُهما: ذرني وحدي معه، فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كلِّ منتقم.
والثاني: أنِّي انفردتُ بخلقه ولم يشركني فيه أحدٌ(٢)، فأنا أُهلِكه، ولا أحتاجُ إلى
ناصرٍ في إهلاكه؛ فـ ((وحِيداً)) على هذا حالٌ من ضمير الفاعل، وهو (٣) التاء في
(خَلَقْتُ))، والأوَّل قولُ مجاهد(٤)، أي: خلقته وحيداً في بطن أمِّه؛ لا مال له ولا
ولد، فأنعمتُ عليه فكفر؛ فقوله: ((وحيداً)) على هذا يرجع إلى الوليد، أي: لم يكن
له شيءٌ فملَّكْتُه.
وقيل: أرادَ بذلك ليدلَّه على أنَّه يُبعَثُ وحيداً كما خُلق وحيداً(٥).
وقيل: الوحيدُ الذي لا يُعرَف أبوه، وكان الوليدُ معروفاً بأنَّه دَعِيٍّ؛ كما ذكرنا في
قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيٍ﴾ [القلم: ١٣]؛ وهو في صفة الوليد أيضاً.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا مَّعْدُودًا﴾ أي: خَوَّلتُه وأعطيتُه مالاً ممدوداً، وهو ما
كان للوليد بين مكّة والطائف من الإبل والحُجُور(٦)، والنَّعَم والجِنان، والعبيد
والجواري، كذا كان ابنُ عباس يقول(٧). وقال مجاهد: غلَّة ألف دينار؛ قاله سعيد بنُ
(١) ينظر تفسير الرازي ١٩٨/٣٠.
(٢) الكشاف للزمخشري ١٨١/٤ .
(٣) في النسخ الخطية: وهي.
(٤) النكت والعيون ١٣٩/٦، وأخرجه الطبري ٤٢١/٢٣.
(٥) النكت والعيون ١٣٩/٦ .
(٦) جمع حِجْر؛ وهي الفرس الأنثى، لم يدخلوا فيه الهاء لأنه اسم لا يشركها فيه المذكر. اللسان (حجر).
(٧) ذكره بنحوه البغوي في تفسيره ٤/ ٤١٤ .

٣٧٣
سورة المدثر: الآيات ١١ - ١٧
جبير وابنُ عباس أيضاً (١). وقال قتادة: ستة آلاف دينار(٢). وقال سفيانُ الثوري
وقتادة: أربعةُ آلاف دينار(٣). الثوريُّ أيضاً: ألف ألف دينار. مقاتل: كان له بستانٌ لا
ينقطعُ خيره شتاءً ولا صيفاً (٤). وقال عمر ﴾: ((وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاَ مَمْدُوداً»: غلَّة شهرٍ
بشهر. النعمانُ بن سالم: أرضاً يزرع فيها(٥). القشيري: والأظهرُ أَنَّه إشارةٌ إلى مالا
ينقطع رزقُه، بل يتوالى كالزرع والضرع والتجارة.
قوله تعالى: ﴿وَبِيْنَ شُهُودًا﴾ أي: حضوراً لا يغيبون عنه في تصرُّف. قال مجاهد
وقتادة: كانوا عشرة(٦). وقيل: اثنا عشر؛ قاله السديّ(٧) والضَّحّاك. قال الضحَّاك:
سبعةٌ ولدوا بمكّة، وخمسةٌ ولدوا بالظَّائف(٨). وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثةَ عشر
ولدًا (٩).
مقاتل: كانوا سبعةً كلُّهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن
الوليد(١٠). قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نُقصانٍ من ماله وولده حتى
هلك.
(١) أخرجه عن مجاهد وسعيد بن جبير الطبريُّ ٤٢٢/٢٣، وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي في زاد
المسير ٨/ ٤٠٤ .
(٢) النكت والعيون ١٣٩/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٤/٥ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤١٤ .
(٥) تفسير الطبري ٤٢٣/٢٣ .
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٤١٤، والمحرر الوجيز ٣٩٤/٥ .
(٧) زاد المسير ٤٠٥/٨ .
(٨) النكت والعيون ٦/ ١٤٠.
(٩) المحرر الوجيز ٣٩٤/٥ .
(١٠) تفسير البغوي ٤١٤/٤، وفيه: عُمارة. بدل: الوليد. وذكر الخبر أيضاً الحافظ ابن حجر في الإصابة
في القسم الرابع ٢٤/٨، في ترجمة عمارة بن الوليد، ثم قال: والصواب: خالدٌّ، وهشام، والوليد،
فأمَّا عمارة فإنَّه مات كافراً.

٣٧٤
سورة المدثر: الآيات ١١ - ١٧
وقيل: شهوداً، أي: إذا ذُكر ذُكروا معه؛ قاله ابنُ عباس. وقيل: شهوداً، أي: قد
صاروا مِثله في شهود ما كان يَشهده، والقيام بما كان يباشره. والأوَّل قولُ السُّدِّيّ(١)،
أي: حاضرین مگّة لا يطعنون عنه في تجارةٍ ولا یغیبون.
قوله تعالى: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُمْ تَمْهِيدًا﴾ أي: بسطتُ له في العيش بسطاً، حتى أقامَ
بلدته مطمئناً مترفهاً يُرجَع إلى رأيه. والتمهيدُ عند العرب: التوطِئة والتهيئة؛ ومنه مَهْدُ
الصبيّ.
وقال ابن عباس: ((وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً)) أي: وسَّعتُ له بين اليمن والشام؛ وقاله
مجاهد(٢).
وعن مجاهدٍ أيضاً في ((وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً)): أنَّه المالُ بعضُه فوقَ بعض كما يُمهّد
الفراش.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ أي: ثم إنَّ الوليدَ يطمعُ بعد هذا كلِّه أنْ أزيده في
المال والولد.
﴾ أي: ليس يكونُ ذلك مع كفره بالنعم. وقال الحسن وغيره: أي: ثم
يطمعُ أنْ أُدخِله الجنَّةُ(٣) وكان الوليدُ يقول: إنْ كان محمدٌ صادقاً، فما خُلِقت الجنَّة
إلا لي؛ فقال الله تعالى ردًّا عليه وتكذيباً له: ((كَلَّا)) أي: لستُ أزيدهُ، فلم يزل يرى
النقصان في ماله وولده حتى هلك(٤).
و (ثُمَّ) في قوله تعالى: ((ثُمَّ يَظْمَعُ)) ليست بثم التي للَّسق، ولكنَّها تعجيب؛ وهي
كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورِّ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وذلك
كما تقول: أعطيتُك ثمَّ أنت تجفوني؛ كالمتعجِّب من ذلك(٥)
(١) النكت والعيون ٦/ ١٤٠.
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤١٤/٤ عن الكلبي.
(٣) زاد المسير ٤٠٥/٨ .
(٤) الكلام بنحوه في الكشاف للزمخشري ٤/ ١٨٢.
(٥) تفسير الرازي ١٩٩/٣٠ .

٣٧٥
سورة المدثر: الآيات ١١ - ١٧
وقيل: يطمعُ أنْ أترك ذلك في عقبه؛ وذلك أنَّه كان يقول: إنَّ محمداً مبتور،
أي: أبتر؛ وينقطعُ ذِكره بموته، وكان يظنُّ أنَّ ما رُزِق لا ينقطع بموته. وقيل: أي: ثمَّ
يَطمع أنْ أنصرَه على كفره.
و((كَلَّا)) قطعٌ للرجاء عما كان يطمعُ فيه من الزيادة؛ فيكونُ متصلاً بالكلام الأوّل.
وقيل: (كَلَّا)) بمعنى حقًّا؛ ويكون ابتداءً. ﴿إِنَّهُ﴾ يعني الوليد ﴿ كَانَ لِأَِنَا عَنِيْدًا﴾
أي: معانداً للنبيّ # وما جاء به - يقال: عَاند فهو عنيد، مثل: جالِس فهو جليس -
قاله مجاهد(١). وعَنَدَ يَعْنِد بالكسر، أي: خالف وردَّ الحقَّ وهو يعرفه، فهو عنيد
وعانِد. والعانِد: البعير الذي يجورُ عن الطريق، ويَعدِل عن القصد، والجمع عُنَّدٌ،
مثل: راكِع ورُبَّع، وأنشد أبو عبيدة قول الحارثيّ(٢):
إذا رَكِبتُ فاجْعَلَاني وَسَطًا إِنِّي كَبِيرٌ لا أطيقُ الْعُنَّدَا(٣)
وقال أبو صالح: ((عَنِيداً)) معناه: مُباعداً؛ قال الشاعر:
أُرَانا على حالٍ تُفَرِّقُ بَيْئَنَا نَوىّ غَرْبَةٌ (٤) إنَّ الفِراقَ عَنُودُ
قتادة: جاحداً. مقاتل: معرضاً (٥). ابن عباس: جَحوداً (٦). وقيل: إنَّه المُجَاهر
بعدوانه(٧).
وعن مجاهد أيضاً قال: مجانباً للحقِّ، معانداً له معرضاً عنه(٨). والمعنى كلُّه
متقارب. والعرب تقول: عَنَد الرجل: إذا عَتا وجاوز قدره. والعَنُود من الإبل: الذي
(١) أخرجه الطبري ٤٢٦/٢٣ بنحوه.
(٢) في مجاز القرآن ٢٧٥/٢، وفيه: الحادي. بدل: الحارثي.
(٣) الصحاح (عند)، والرجز سلف ١٤٧/١١، ١١٨/١٢.
(٤) نوى غربة، أي: بعيدة. الصحاح (غرب).
(٥) النكت والعيون ١٤١/٦.
(٦) أخرجه الطبري ٤٢٥/٢٣ .
(٧) النكت والعيون ٦/ ١٤١ .
(٨) أخرجه الطبري ٤٢٦/٢٣ .

٣٧٦
سورة المدثر: الآيات ١٦ - ١٧
لا يخالطُ الإبل، إنَّما هو في ناحية [أبداً]. ورجلٌ عَنُود: إذا كان يَحُلُّ وحده لا
يخالط الناس. والعنيد من التَجبُّر. وعِرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، كل هذا قياس
واحد. وقد مضى في سورة إبراهيم(١). وجمع العنيد عُنُد، مثل: رَغِيف ورغُفُ(٢).
قوله تعالى: ﴿سَأُرِّقُهُ﴾ أي: سأكلِّفه. وكان ابنُ عباس يقول: سأُلحِتُه؛ والإرهاق
في كلام العرب: أنْ يُحمل الإنسانُ على الشيء.
﴿صَعُودًا﴾ ((الصَّعُودُ: جبلٌ من نار يتصعَّد فيه [الكافر] سَبْعين خَرِيفاً، ثمَّ يَهْوي
كذلك فيه أبداً)). رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ ﴾، خَرَّجه الترمذيُّ وقال فيه:
حديثٌ غريب(٣).
ورَوى عطيةُ عن أبي سعيد قال: صخرةٌ في جهنم إذا وَضعوا عليها أيديهم ذابت،
فإذا رفعوها عادت (٤).
قال: فيبلُغ أعلاها في أربعين سنةً؛ يُجذب من أمامه بسلاسل، ويُضْرب من خلفه
بمقامع، حتى إذا بلغ أعلاها، رُمي به إلى أسفلها، فذلك دأبُه أبداً. وقد مضى هذا
المعنى في سورة ((قُلْ أوحِيَ))(٥)
وفي التفسير: أنّه صخرةٌ ملساء يكلّف صعودَها، فإذا صار في أعلاها حُدِر في
جهنم، فيقوم يهوِي ألف عام من قبل أنْ يبلُغ قرار جهنّم، يحترقُ في كل يومٍ سبعينَ
مرَّةً، ثُمَّ يُعاد خلقاً جديداً.
وقال ابن عباس: المعنى: سأكلِّفه مشقّةً من العذاب لا راحةً له فيه. ونحوه عن
(١) ١١٨/١٢، وينظر تهذيب اللغة ٢٢٢/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) الصحاح (عند).
(٣) سنن الترمذي (٢٥٧٦)، (٣٣٢٦)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (١١٧١٢).
(٤) أخرجه الطبري ٤٢٦/٢٣-٤٢٧ .
(٥) هو قول الكلبي كما سلف ص٢٩٧ من هذا الجزء، والذي ينزل به هذا العذاب هو المغيرة. وينظر
الوسيط للواحدي ٣٨٢/٤، وتفسير البغوي ٤١٥/٤ .

٣٧٧
سورة المدثر: الآيات ١٧ - ٢٥
الحسن وقتادة(١). وقيل: إنَّه تصاعدُ نفسه للنّزع وإنْ لم يتعقبه موتٌ؛ ليُعذّب من داخل
جسده كما يعذَّبُ من خارجه(٢).
ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٥ ثُمَّ نَظَرَ
فَقُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَرَ ()
ثُمَّ أَذْبَرَ وَأَسْتَكْبَرَ ﴿ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّ يِرٌ يُؤْثِّرُ (9) إِنْ هَذَا
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
٢٥
إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَذَرَ﴾ يعني الوليدَ؛ فَكَّر في شأنِ النبيِّ ﴾ والقرآن، و((قَدَّرَ))
أي: هيَّأَ الكلام في نفسه، والعربُ تقول: قدَّرتُ الشيءَ: إذا هيأته، وذلك أنَّه لما
نزل: ﴿حَمّ تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١-٣]
سمعَه الوليدُ يقرؤها فقال: والله لقد سمعتُ منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا
من كلام الجنِّ، وإنَّ له لَحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمُثمِر، وإنَّ أسفلَه
المُغدق، وإِنَّه لَيعلو ولا يُعْلَى عليه، وما يقولُ هذا بشر. فقالت قريش: صَبأَ الوليدُ
لتَصْبوَنَّ قريشٌ كلُّها. وكان يقال للوليد: ريحانةَ قريش؛ فقال أبو جهل: أنا أكفيكُموه.
فانطلق(٣) إليه حزيناً؟ فقال له: مالي أراكَ حزيناً. فقال له: ومالي لا أحزن وهذه
قريش يَجمعونَ لك نفقةً، يعينونك بها على كِبَر سنِّك، ويزعمون أنَّك زَيَّنْتَ كلام
محمد، وتدخلُ على ابن أبي كبشة، وابن أبي قُحافة، لتنال من فضل طعامهما؛
فغضب الوليدُ وتكبَّر، وقال: أنا أحتاجُ إلى كِسَر محمدٍ وصاحبه! فأنتم تعرفون قدر
مالي، واللَّاتِ والعُزَّى مابي حاجةٌ إلى ذلك، وإنّما أنتم تزعمون أنَّ محمداً مجنون،
فهل رأيتموه قطٌ يُخْتَقُ؟ قالوا: لا واللهِ. قال: فتزعُمون أنَّه كاهنٌ، فهل رأيتموه تكهَّن
قطّ؟ ولقد رأينا للكهنة أسجاعاً وتخالُجاً، فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. قال:
فتزعمون أنَّه شاعرٌ، فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا. قال: فتزعمون أنَّه
(١) أخرجه عن قتادة الطبريُّ ٤٢٧/١٩، وذكره عن الحسن الماوردي في النكت والعيون ١٤١/٦.
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٤١ .
(٣) في (م): فمضى.

٣٧٨
سورة المدثر: الآيات ١٨ - ٢٥
كذَّاب، فهل جرَّبتُم عليه كذباً قط؟ قالوا: لا(١) - وكان النبيُّلَ﴾ يُسَمَّى الصادقَ الأمين
من كثرة صدقه - فقالت قريشٌ للوليد: فما هو؟ ففكّر في نفسه، ثم نظر، ثم عبس،
فقال: ما هو إلَّا ساحر! أما رأيتموه يفرِّقُ بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! فذلك
قوله تعالى: ﴿إِنَُّ فَكَّرَ﴾ أي: في أمرٍ محمدٍ والقرآن، ((وَقَدَّرَ)) في نفسه ماذا يمكنُهُ أنْ
يقولَ فيهما. ﴿نَقُّلَ﴾ أي: لُعِن(٢)
وكان بعضُ أهل التاويل يقول: معناها: فقُهِر وغُلِب، وكلُّ مُذَلَّلٍ مُقتَّل؛ قال
الشاعر:
ومَا ذَرَفَتْ عيناكِ إلَّا لِتَقْدَحِي بِسَهْمَيْكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَثَّلٍ(٣)
وقال الزهريّ: عُذِّب؛ وهو من باب الدعاء(٤).
﴿گِفَ قَدَرَ﴾ قال ناسٌ: ((کَیْفَ)) تعجیب؛ كما يقال للرجل تتعجّبُ من صنیعه:
كيف فعلت هذا؟ وذلك كقوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَّبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨].
أُمَّ قُيِلَ﴾ أي: لُعن لعناً بعد لعن. وقيل: فقُتِل بضربٍ من العقوبة، ثمَّ قُتِلَ
بضربٍ آخر من العقوبة ﴿كَيْفَ فَذَّرَ﴾ أي: على أيِّ حالٍ قَدَّر.
ثُمَّ نَظَرَ﴾ بأي شيءٍ يردُ الحقَّ ويدفعه. ﴿ثُمَّ عَبَ﴾ أي: قَطَّب بين عينيه في وجوه
المؤمنين؛ وذلك أنَّه لمَّا حَمَل قريشاً على ما حَمَلَهم عليه من القول في محمد ﴿ بأنَّه
ساحر، مرَّ على جماعةٍ من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم.
وقيل: عَبَسَ وبَسَر على النبيِّ # حين دعاه(٥).
(١) في (م): لا والله في الموضعين الأخيرين. ووقع في النسخ تقديم وتأخير بين العبارات.
(٢) تفسير البغوي ٤١٦/٤ .
(٣) البيت من معلقة امرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٣ . قال شارحه: وأراد بالسهمين: العينين.
والأعشار: القطع والكسور، يقول: ما بكيتٍ إلَّا لتجرحي قلباً معشَّراً، أي: مكسّراً، ولم تبكي لأنك
مظلومة.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤١٦ .
(٥) النكت والعيون ٦/ ١٤٢.

٣٧٩
سورة المدثر: الآيات ١٨ - ٢٥
والعَبْسُ مخفَّفاً: مصدرُ عَبَسَ يَعْبِسُ عَبْساً وعُبُوساً: إذا قطَّبَ. والعَبَسُ: ما يتعلَّق
بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها؛ وقال أبو النَّجْم:
كأَنَّ في أَذْنابِهِنَّ الشُّوَّلِ مِن عَبَسِ الصَّيِفِ قُرونَ الْأَيَّلِّ(١)
﴿وَرَ﴾ أي: كَلَحَ وجهُه، وتغيَّر لونُه؛ قاله قتادةُ والسُّدِّيّ؛ ومنه قول بشر بن أبي
خازم:
صَبَحْنَا تَميِماً غَدَاةَ الجِفَارِ بِشَهْبَاءَ مَلْمُومَةٍ بَاسِرَةُ(٢)
وقال آخر(٣)
وقَدْ رَابِنِي مِنْها صُدودٌ رَأَيْتُهُ وإِغْراضُها عَنْ حاجتي وبُسُورُها
وقيل: إنَّ ظهورَ العُبوسِ في الوجه [يكون] بعد المحاورة ، وظهورَ البُسورِ في
الوجه قبل المحاورة (٤).
وقال قوم: ((بَسَرَ)): وَقَفَ لا يتقدَّمُ ولا يتأخر، قالوا: وكذلك يقولُ أهلُ اليمن إذا
وقف المركب فلم يجىء ولم يذهب: قد بَسَر المركبُ وأَبْسَر، أي: وقف، وقد
أبسرنا. والعربُ تقول: وجهٌ باسرٌ بَيِّن البُسُور: إذا تغيَّر واسوَدَّ.
﴿ثُمَّ أَبّرَ﴾ أي: ولَّى وأعرضَ ذاهباً إلى أهله. ﴿وَأَسْتَكْبَرَ﴾ أي: تعظّم عن أنْ
يؤمن. وقيل: أدبر عن الإيمان، واستكبرَ حين دُعيّ إليه(٥).
(١) ديوان أبي النجم العجلي ص١٩١. شالت الناقة بذنبها تشوله شولاً، أي: رفعته. والأُيَّل: الذكر من
الأوعال، وكذلك الإِيَّل، بكسر الهمزة. اللسان (شول)، (أول) والكلام في إصلاح المنطق ص ٩٥ - ٩٦.
(٢) جاء في حواشي بعض النسخ كما في (م) ما نصه: قوله: بشهباء، أراد بكتيبةٍ شهباءً؛ ومنه قول عنترة
[في ديوانه ص٧٤]:
شهباءً باسلةٍ يُخافُ رَدَاها
وكتيبةٍ لَبَّستُها بكتيبةٍ
ويقال: كتيبة ململمة وملمومة أيضاً، أي: مجتمعة مضموم بعضها إلى بعض. وصخرة ملمومة
وململمة، أي: مستديرة صلبة؛ قاله الجوهري [الصحاح (لمم)].
(٣) هو توبة بن الحُمَير. والبيت في ديوانه ص٣٤ .
(٤) النكت والعيون ٦/ ١٤٢.
(٥) تفسير البغوي ٤١٦/٤ .

٣٨٠
سورة المدثر: الآيات ١٨ - ٢٥
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا الذي أَتى به محمدٌ ﴾ ﴿إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: يأتُره عن
غيره.
والسِّحر: الخديعة. وقد تقدَّم بيانُه في سورة البقرة(١). وقال قوم: السحر: إظهارُ
الباطل في صورة الحق.
والأثرُ(٢): مصدرُ قولك: أثرت الحديثَ آثُرُهُ: إذا ذكرتَه عن غيرك؛ ومنه قيل:
:حديثٌ مأثور، أي: ينقله خلفٌ عن سلف(٣)؛ قال امرؤ القيس:
وُجُزْعُ اللِّسانِ كَجُرْح اليدِ
ولو عَنْ نَثَا غَيرِهِ جاءْنِي
لُ يُؤْثَرُ عِنِّي يَدَ الْمُسْنَدِ(٤)
لَقُلْتُ مِن القول مالًا يزَا
يريد: آخر الدهر.
وقال الأعشى(٥)
إنَّ الذي فيه تمارَيْتُمَا بُيِّنَ للسَّامِعِ والآثِرِ
ويروي: بَيَّنَ(٦).
﴿إِنْ هَذَآ إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أي: ما هذا إلَّا كلام المخلوقين، يَختدع به القلوبَ كما
تُختدع بالسحر. قال السُّدِّيّ: يعنون أنَّه من قول سيارٍ(٧) عبدٍ لبني الحضرميّ، كان
(١) ٢٧٢/٢-٢٧٣ .
(٢) في (م): والأثره.
(٣) الصحاح (أثر).
(٤) ديوان امرئ القيس ص ١٨٥-١٨٦. والنَّثا: ما أخبرتَ به عن الرجل من حسن أو سيئ. والمسند:
الدهر. القاموس (نثا، سند).
(٥) ديوانه ص١٩١، بلفظ: والناظر. بدل: والآثر، وسلف ١٨١/١٩.
(٦) الصحاح (أثر).
(٧) في (د): بشار، وفي (ظ): يسار، وفي النكت والعيون: أبي اليسر، وفي نسخة كما في حاشية (م):
. أبي اليسر سيار.