النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة المزمل: الآيات ١ - ٤
عبد الرحمن السُّلَمي: لمَّا نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّوِّلُ﴾ قاموا حتى وَرِمَت أقدامُهم وسُوقهم،
ثم نزل قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُوَأَ مَا تَرَ مِنْهٌ﴾(١).
قال بعض العلماء: وهو فرض نُسخ به فرض، كان على النبيِّ # خاصة لفضله،
كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ (٢)
قلت: القول الأوَّل يعمُّ جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾،
فدخل فيها قول من قال: إن الناسخ الصلواتُ الخمس.
وقد ذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على
قدر حَلْب شاةٍ(٣).
وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله؛ تطوّع بعد الفريضة (٤). وهو
الصحيح إن شاء الله تعالى، لِما جاء في قيامه من الترغيب والفضل في القرآن والسنة .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل للنبيِّ# حصيراً يصلي عليه من
الليل، فتسامع الناس به، فلما رأى جماعتهم(٥) كرة ذلك، وخشي أن يُكتب عليهم
قيام الليل، فدخل البيتَ كالمُغْضَب، فجعلوا يَتنحنحون ويَتفلون، فخرج إليهم فقال:
((أيها الناس اكْلَفوا من الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ من الثواب، حتى تَمَلُّوا
من العمل، وإن خيرَ العمل أدومُه وإن قَلَّ)). فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ﴾. فكتب عليهم،
فأنزل بمنزلة الفريضة، حتى إن كان أحدُهم ليَربط الحبلَ فيتعلقُ به، فمكثوا ثمانيةً
أشهر، فرحمهم اللهُ وأنزل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن تُلُّىَ الَّلِ﴾ فردَّهم اللهُ إلى
(١) أخرجه الطبري ٣٦٢/٢٣ .
(٢) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٨٧/٥، وزاد المسير ٣٨٩/٨، والناسخ المنسوخ للنحاس
١٣٠/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٠/٥-٣٩١، ورد هذا القول النووي رحمه الله بالإجماع والنصوص الصحيحة أنه
لا واجب إلا الصلوات الخمس. شرح صحيح مسلم ٦/ ٢٧ .
(٤) أخرجه الطبري ٣٦٢/٢٣ .
(٥) في (ظ): جماعاتهم.

٣٢٢
سورة المزمل: الآيات ١ - ٤
الفريضة، ووضع عنهم قيامَ الليل إلا ما تطوَّعوا(١).
قلت: حديث عائشة هذا ذكره الثعلبيُّ، ومعناه ثابت في الصحيح إلى قوله: ((وإن
قَلَّ))(٢)، وباقيه يدل على أن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ نَزَل بالمدينة وأنهم مكثوا
ثمانية أشهر يقومون. وقد تقدَّم عنها في صحيح مسلم: حولاً (٣). وحكى الماورديُّ
عنها قولاً ثالثاً، وهو ستة عشر شهراً، لم يذكر غيره عنها. وذكر عن ابن عباس أنه
كان بين أوَّل المزمِّل وآخرها سنة؛ قال: فأمَّا رسولُ الله # فقد كان فرضاً عليه .
وفي نسخه عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضَه عليه إلى أن قبضه الله تعالى.
الثاني: أنه نُسخ عنه كما نُسخ عن أمته .
وفي مدَّة فرضه إلى أن نُسخ قولان: أحدهما: المدَّةُ المفروضة على أمته في
القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً.
الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفّف عنه بالنسخ زيادةً في التكليف، ليميزه بفعل
الرسالة؛ قاله ابن جبير (٤).
قلت: هذا خلاف ما ذكره الثعلبيُّ عن سعيد بن جبير(٥) حَسْب ما تقدَّم فتأمله.
وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ تَّرِتِلًا﴾ أي: لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه
في مَهَل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك: اقرأه حرفاً حرفاً. وقال مجاهد:
(١) أخرجه الطبري ٣٥٩/٢٣- ٣٦٠ بنحوه.
(٢) هو عند الإمام أحمد (٢٤١٢٤)، والبخاري (٥٨٦١)، ومسلم (٧٨٢) يعني دون قوله: فنزلت ﴿يَأَيُّهَا
الْمُزَِّلُ﴾ .... الخ.
(٣) صحيح مسلم (٧٤٦)، وسلف ص٣١٧ من هذا الجزء.
(٤) النكت والعيون ١٢٥/٦، وينظر زاد المسير ٣٨٩/٨، وأخرج قول سعيد الطبري ٣٦١/٢٣ دون
قوله: زيادة في التكليف.
(٥) لعل صواب العبارة: ما ذكره الثعلبي عن عائشة.

٣٢٣
سورة المزمل: الآيات ١ - ٤
أحبُّ الناس في القراءة إلى الله أعقلُهم عنه (١).
والترتيل: التنضيدُ والتنسيق وحسن النظام؛ ومنه ثغر رَتِل ورَتَل، بكسر العين
وفتحها: إذا كان حسنَ التنضيد(٢). وتقدَّم بيانه في مقدِّمة الكتاب(٣).
وروى الحسن أن النبيَّ # مرَّ برجل يقرأ آيةً ويبكي، فقال: ((ألم تسمعوا إلى قول
الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَرَقَّلِ الْقُرْمَانَ تِّلًا﴾؟ هذا الترتيل)»(٤). وسمع عَلْقَمةُ رجلاً يقرأ قراءةً
حسنة فقال: لقد رتَّل القرآن، فِداه أبي وأمّي(٥).
وقال أبو بكر بن طاهر: تدبَّرْ في لطائف خطابه، وطالبْ نفسَك بالقيام بأحكامه،
وقلبَك بفهم معانيه، وسِرَّك بالإقبال عليه(٦).
وروى عبدُ الله بن عمرو قال: قال النبيُّ﴾: ((يؤتَى بقارئ القرآن يومَ القيامة،
فيُوقف في أوَّل درجِ الجنة، ويقال له: اقرأ وارتقٍ ورتِّل كما كنت ترتلُ في الدنيا، فإن
منزلكَ عند آخر آية تقرؤها)) خَرَّجه أبو داود وقد تقدَّم في أوّل الكتاب(٧).
وروى أنس أن النبيَّ ﴿ كان يمدُّ صوته بالقراءة مدًّا))(٨).
(١) تفسير أبي الليث ٤١٦/٣ .
(٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ١٢٦/٦، وتفسير الرازي ١٧٥/٣٠.
(٣) ٣٢/١.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩٩)، وابن أبي شيبة ١١/١٤ بلفظ: أن رجلاً من أصحاب النبي #
سمع رجلاً يقرأ ... .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٦٣/٤ .
(٦) ذكره العيني في عمدة القاري ١٨٩/٧، وأبو بكر بن طاهر، لعله الأبهري واسمه عبد الله بن طاهر،
كان عالماً ورعاً، وهو من أقران الشبلي، مات قرب ٣٣٠هـ. طبقات الصوفية للسلمي ص٣٩١،
والتدوين في أخبار قزوين ٢٢٨/٣ .
(٧) سنن أبي داود (١٤٦٤)، وهو عند الإمام أحمد (٦٧٩٩)، وسلف ١٦/١، ولفظه: ((يقال لصاحب
القرآن ... » بدل: يؤتى بقارئ القرآن ...
(٨) صحيح البخاري (٥٠٤٥)، وسلف ١٨/١-١٩ .

٣٢٤
سورة المزمل: الآية ٥
قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ هو متصل بما فُرض من قيام الليل، أي:
سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولاً ثقيلاً يثقل حملهُ؛ لأن الليل للمنام، فمن أُمر
بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بِحَمْلٍ شديد على النفس ومجاهدةٍ للشيطان، فهو أمر
يثقل على العبد. وقيل: إنا سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه.
قال قتادة: ثقيلٌ واللهِ فرائضه وحدوده(١). مجاهد: حلاله وحرامه. الحسن: العمل
به(٢). أبو العالية: ثقيلاً بالوعد والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلاً
على المنافقين. وقيل: على الكفار(٣)؛ لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان
بضلالتهم وسبِّ آلهتهم، والكشف عما حرَّفه أهل الكتاب. السُّديُّ: ثقيل بمعنى
كريم؛ مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي: كريم عليّ (٤). الفرَّاء: ((ثقِيلاً)): رزيناً
ليس بالخفيف السَّفْساف؛ لأنه كلام ربِّنا(٥). وقال الحسين بن الفضل: ثَقيلاً لا يحمله
إلا قلبٌ مؤيّد بالتوفيق، ونفس مزيَّنة بالتوحيد.
وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان
يوم القيامة(٦). وقيل (ثَقِيلاً)) أي: ثابتاً كثبوت الثقيل في محلِّه، ويكون معناه أنه
ثابت الإعجاز، لا يزول إعجازه أبداً (٧). وقيل: هو القرآن نفسُه؛ كما جاء في الخبر:
أن النبيَّ # كان إذا أوحيَ إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها - يعني صدرَها - على
(١) تفسير أبي الليث ٤١٦/٣، والوسيط ٣٧٢/٤.
(٢) أخرجه الطبري ٣٦٥/٢٣، والواحدي في الوسيط ٣٧٣/٤ .
(٣) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٨٧/٥ .
(٤) في (م) و(ي): يكرم، وفي (ظ) نكرم. والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٦/ ١٢٧،
وقول السدي منه.
(٥) في معاني القرآن ٣/ ١٩٧، ونقله عنه الرازي في تفسيره ١٧٤/٣٠.
(٦) أخرجه الطبري ٣٦٦/٢٣ .
(٧) النكت والعيون ٦/ ١٢٧ .

٣٢٥
سورة المزمل: الآيات ٥ - ٧
الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسرَّى عنه(١).
وفي الموطأ وغيره أنه عليه الصلاة والسلام سئل: كيف يأتيك الوحي؟ فقال:
((أحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلة الجرس، وهو أشدُّه عليَّ، فَيَقصِم عنّي وقد وعيتُ ما قال،
وأحياناً يتمثل لي المَلَك رجلاً، فيكلمني فأعي ما يقول)). قالت عائشة رضي الله
عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فَيَفْصِم عنه، وإن جبينَه
لِيَتَفضَّد عرقاً(٢).
قال ابن العربيّ(٣): وهذا أولى؛ لأنه الحقيقة، وقد جاء: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُتْ فِ
الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال عليه الصلاة والسلام: ((بُعِثتُ بالحنيفية السَّمْحة)) (٤).
وقيل: القول في هذه السورة: هو قول لا إله إلا اللهُ؛ إذ في الخبر: ((لا إله إلا الله
خفيفةٌ على اللسان، ثقيلة في الميزان»(٥)؛ ذكره القشيريُّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةً أَلََّلِ هِىَ أَشَدُّ وًَّا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ إِنَّ لَكَ فِ التَّهَارِ سَبْحًا
طويلاً @
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ آلَتْلِ﴾ قال العلماء: ناشئة الليل، أي: أوقاته
وساعاته؛ لان أوقاته تنشأ أوَّلاً فأولاً؛ يقال: نشأ الشيء ينشأ: إذا ابتدأ وأقبل شيئاً
بعد شيء، فهو ناشئ، وأنشأه اللهُ فنشأ، ومنه: نشأت السحابةُ: إذا بَدَتْ(٦)،
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٢٤، والطبري ٣٦٥/٢٣ عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي # .. ، وأخرجه
الإمام أحمد (٢٤٨٦٨) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
(٢) الموطأ ٢٠٢/١-٢٠٣، وهو عند الإمام أحمد (٢٥٢٥٢)، والبخاري (٢)، ومسلم (٢٣٣٣): (٨٧).
قوله: فيَفْصِمُ، أي: يُقْلُ وينجلي ما يغشاني. فتح الباري ٢٠/١.
(٣) في أحكام القرآن ١٨٦٤/٤ .
(٤) سلف ٨/ ١١٧-١١٨ من حديث أبي أمامة ﴾.
(٥) ذكره الذهبي في الميزان ٥١٣/٤ في ترجمة أبي حرب مولى الزُّهري، ونقل عن ابن حبان قوله فيه:
يروي عن مولاه المقلوبات والأوابد لا تحلَّ عنه الرواية بحال إلا على سبيل الاعتبار ... وذكر
الحدیث.
(٦) في (ظ) و(م): بدأت.

٣٢٦
سورة المزمل: الآيتان ٦ - ٧
وأنشأها اللهُ؛ فناشئة: فاعلة من نشأت تنشأ، فهي ناشئة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَن
يُنَشَّؤَا فِى الِْلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. والمراد: إن ساعات الليل
الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم(١)، فالتأنيث للفظ ساعة؛ لأن كلَّ ساعة تحدث.
وقيل: الناشئة مصدر بمعنى [قيام الليل](٢) كالخاطئة والكاذبة، أي: إن نشأة (٣)
الليل هي أشدُّ وطئاً.
وقيل: إن ناشئة الليل قيام الليل. قال ابن مسعود: الحبَشَة يقولون: نشأ، أي:
قام(٤). فلعله أراد أن الكلمة عربية(٥)، ولكنها شائعة في كلام الحبشة، غالبة عليهم،
وإلا فليس في القرآن ما ليس في لغة العرب. وقد تقدَّم بيان هذا في مقدمة الكتاب
مستوفی(٦).
الثانية: بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن
الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظمُ للأجر، وأجلبُ للثواب.
واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل؛ فقال ابن عُمر وأنس بن مالك: هو ما
بين المغرب والعشاء (٧)، تمسكاً بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء، فكان بالأولية أحقّ؛
ومنه قول الشاعر:
ولولا أَنْ يُقالَ صَبَا نُصَيبٌ
لَقلتُ بِنفسِيّ النَّشَأ الصَّغارُ(٨)
(١) بعدها في (ظ): الموصوف. والكلام بنحوه في تأويل مشكل القرآن ٢٨٣-٢٨٤ .
(٢) ما بين حاصرتين زيادة تقتضيها العبارة، ينظر تفسير البغوي ٤٠٨/٤، والكشاف ١٧٦/٤.
(٣) في (د): ناشئة.
(٤) الوسيط ٣٧٣/٤، وزاد المسير ٣٩٠/٨، وأخرجه الحاكم ٥٠٥/٢ .
(٥) في (د): غريبة.
(٦) ١١٠/١ وما بعد.
(٧) المحرر الوجيز ٣٨٧/٥ .
(٨) البيت لنصيب بن رباح، وهو في ديوانه ص٨٨ .

٣٢٧
سورة المزمل: الآيتان ٦ - ٧
وكان عليُّ بن الحسين يصلّي بين المغرب والعشاء ويقول: هذا ناشئة الليل(١).
وقال عطاء وعكرمة: إنه بدء الليل(٢). وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل
كلُّه؛ لأنه ينشأ بعد النهار(٣)، وهو الذي اختاره مالك بن أنس.
قال ابن العربيّ(٤): وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة.
وقالت عائشة وابن عباس أيضاً ومجاهد: إنما الناشئة القيامُ بالليل بعد النوم.
ومن قام أوّل الليل قبل النوم فما قام ناشئة(٥). وقال يَمان وابن كَيْسان: هو القيام من
آخر الليل(٦). وقال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام
لا يدري متى يستيقظ(٧).
وفي الصحاح(٨): وناشئة الليل: أولُ ساعاته. وقال القُتَبيُّ: إنه ساعات الليل؛
لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة. وعن الحسن ومجاهد: هي ما بعد العشاء الآخرة إلى
الصبح(٩). وعن الحسن أيضاً: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة (١٠). ويقال: ما ينشأ في
الليل من الطاعات؛ حكاه الجوهري(١١).
(١) تفسير البغوي ٤٠٨/٤، والكشاف ١٧٦/٤ .
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٢٧، وزاد المسير ٣٩١/٨.
(٣) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٨٦٥/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٩٠/٨ عن ابن عباس،
وقول مجاهد في تفسيره ٦٩٩/٢ - ٧٠٠ .
(٤) في أحكام القرآن ١٨٦٥/٤، وما قبله منه.
(٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٧/٥ عن عائشة رضي الله عنها ومجاهد، وأخرجه الطبري
٣٦٧/٢٣ عن مجاهد.
(٦) زاد المسير ٣٩١/٨.
(٧) المحرر الوجيز ٣٨٨/٥ .
(٨) مادة (نشأ).
(٩) النكت والعيون ١٢٧/٦.
(١٠) المحرر الوجيز ٣٨٨/٥.
(١١) في الصحاح (نشأ).

٣٢٨
سورة المزمل: الآيتان ٦ - ٧
الثالثة: قوله تعالى: ﴿هِىَ أَشَدُّ وَطَنًا﴾ قرأ أبو العالية وأبو عمرو وابن أبي إسحاق
ومجاهد وحُميد وابن محيصن وابن عامر والمغيرة وأبو حَيْوة: ((وِطَاءً)) بكسر الواو
وفتح الطاء والمدِّ، واختاره أبو عبيد. الباقون: ((وَظْئاً)) بفتح الواو وسكون الطاء
مقصورةً(١)، واختاره أبو حاتم؛ من قولك: اشتدت على القوم وطأة سلطانهم، أي:
ثقل عليهم ما حمَّلهم من المُؤَن(٢)، ومنه قول النبيِّ ﴾: ((اللهم اشدد وطأتك على
مُضَر))(٣)، فالمعنى أنها أثقل على المصلّي من ساعات النهار، وذلك أن الليل وقتُ
منامٍ وتودُّع وإجمام، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة.
ومن مدَّ فهو مصدر: واطأت وِطاءً ومواطأةً، أي: وافقتُه. أبو زيد: واطأتُه على
الأمر مواطأة: إذا وافقتَه من الوِفاق، وفلان يواطئ اسمُه اسمي، وتواطؤا عليه، أي:
توافقوا (٤)؛ فالمعنى أشدُّ موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان؛ لانقطاع
الأصوات والحركات؛ قاله مجاهد وابن أبي مُلَيكة وغيرهما. وقال ابن عباس
بمعناه(٥)، أي: يواطئ السمع القلب؛ قال الله تعالى: ﴿لَيُوَاِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ﴾
[التوبة: ٣٧] أي: ليوافقوا. وقيل: المعنى: أشد مِهاداً للتصرف في التفكّر والتدبّر.
والوِطاء خلاف الغِطاء(٦). وقيل: ((أَشَدُّ وَظْئاً)) بسكون الطاء وفتح الواو، أي: أشدّ
ثباتاً(٧) من النهار؛ فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل
(١) السبعة ص٦٥٨، والتيسير ص ٢١٦ عن أبي عمرو وابن عامر. وعن مجاهد في المحرر الوجيز
٣٨٨/٥، وعن ابن محيصن في القراءات الشاذة ص ١٦٤ .
(٢) الكلام بنحوه في تأويل مشكل القرآن ص ٢٨٤، وزاد المسير ٣٩١/٨.
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٧٢٦٠)، والبخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﴾ ، وسلف
٣٠٣/٤-٣٠٤.
(٤) الصحاح (وطأ).
(٥) ينظر الوسيط ٣٧٤/٤، وأخرجه الطبري ٣٧٢/٢٣ عن مجاهد بنحوه.
(٦) الصحاح (وطأ).
(٧) في (د): بياناً، وفي (ي): شأناً.

٣٢٩
سورة المزمل: الآيتان ٦ - ٧
وأتقى(١) لما يُلهي ويشغل القلب. والوطء الثبات، تقول: وطئت الأرض بقدَمي.
وقال الأخفش: أشد قياماً. الفراء: أثبت قراءةً وقياماً (٢). وعنه: ((أَشَدُّ وَظْئاً)) أي:
أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثارَ من العبادة، والليل وقت فراغ عن اشتغال
المعاش، فعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبيُّ: ((أَشَدُّ وَظْئاً)) أي: أشد نشاطاً
للمصلي؛ لأنه في زمان راحته. وقال عبادة: ((أَشَدُّ وَظْئاً)) أي: نشاطاً للمصلّي
وأخفُّ، وأثبت للقراءة(٣).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَقْوُ قِيلًا﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي:
أشد استقامة واستمراراً على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا
يضطرب على المصلّي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد: أي: أصوب للقراءة وأثبت
للقول؛ لأنه زمان التفهم(٤). وقال أبو علي(٥): ((أَقْوَمُ قِيلاً)) أي: أشد استقامة الفراغ
البال بالليل. وقيل: أي: أعجل إجابة للدعاء. حكاه ابن شجرة(٦). وقال عكرمة:
عبادة الليل أتم نشاطاً، وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة(٧). وعن زيد بن أسلم: أجدر أن
يتفقَّه في القرآن. وعن الأعمش قال: قرأ أنس بن مالك: ((إِنَ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَظْئاً وَأَضْوَبُ قِيلاً)). فقيل له: ﴿وَأَقْوُ قِيلًا﴾ فقال: أقوم وأصوب وأهياً: سواء(٨).
قال أبو بكر الأنباريّ: وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف
يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب، إذا لم يخالف معنىّ ولم يأتِ بغير ما أراد
اللهُ وقصَد له، واحتجوا بقول أنس هذا. وهو قول لا يُعرَّج عليه ولا يُلتفت إلى قائله؛
(١) في (د) و(ي) وأبقى.
(٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٩٧.
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٢٧ بنحوه.
(٤) المصدر السابق.
(٥) بنحوه في الحجة للقراء السبعة ٣٣٥/٦.
(٦) النكت والعيون ٦/ ١٢٧.
(٧) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٤٠٩ دون نسبة.
(٨) المحتسب ٣٣٦/٢، وأخرجه أبو يعلى (٤٠٢٢)، والطبري ٢٣/ ٣٧٣ منقطعاً.

٣٣٠
سورة المزمل: الآيتان ٦ - ٧
لأنه لو قرَأ بألفاظ تخالفُ ألفاظَ القرآن إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها،
لجاز أن يقرأ في موضع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾: الشكرُ للباري ملكِ
المخلوقين، ويتسع الأمرُ في هذا حتى يبطل لفظُ جميع القرآن، ويكون التالي له
مفترياً على الله عز وجل، كاذباً على رسولهِ ﴾، ولا حجة لهم في قول ابن مسعود:
نزل القرآنُ على سبعة أحرف، إنما هو كقول أحدِكم: هَلُمَّ وتعالَ وأقبل؛ لأن هذا
الحديث يوجب أن القراءات المأثورةَ المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبيِّ# إذا
اختلفت ألفاظُها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في ((هلمَّ وتعال،
وأقبل)). فأما ما لم يقرأ به النبيُّ # وأصحابه وتابعوهم ﴾، فإنه مَن أورد حرفاً منه
في القرآن بَهت ومال(١) وخَرَج من مذهب الصواب. قال أبو بكر: والحديث الذي
جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديثٌ لا يصح عن أحدٍ من أهل العلم(٢)؛ لأنه مبني
على رواية الأعمش عن أنس، فهو مقطوع ليس بمتصل فيؤخذ به، من قبل أن
الأعمش رأى أنساً ولم يسمع منه.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النََّارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قراءة العامة بالحاء غير
معجمة، أي: تصرُّفاً في حوائجك، وإقبالاً وإدباراً وذهاباً ومجيئاً(٣). والسَّبْح:
الجري والدوران، ومنه السابح في الماء؛ لتقلبه بيديه ورجليه. وفرس سابح: شديدُ
الجري(٤)؛ قال امرؤ القيس:
مِسَحِّ إِذا ما السَّابِحاتُ على الوَنَى
أَثَرْنَ غُباراً(٥) بِالكَدِيدِ المُرَكَّلِ(٦)
(١) بدلها في (ظ): فقد كذبه وخانه.
(٢) في (د) و(ظ): لا يصحح مذهب أهل العلم. وفي (ي): لا يصحح مذهبَه أهل العلم.
(٣) تأويل مشكل القرآن ص ٢٨٤ .
(٤) الكلام بنحوه في الصحاح (سبح)، والوسيط للواحدي ٤/ ٣٧٤ .
(٥) في (م): الغبار. والمثبت من (د) و(ي) والديوان.
(٦) ديوان امرئ القيس ص ٢٠، قال شارحه: قوله: مِسّحٌّ، أي: يسح العدوَ سخًا مثل سحِّ المطر، وهو
انصبابه. والسابحات: التي تبسط يديها إذا عَدَت فكأنها تسبح. والونى: الفتور. والكديد: ما غلظ من =

٣٣١
سورة المزمل: الآية ٧
وقيل: السَّبْحُ الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار(١). وقيل: ﴿إِنَّ لَكَ فِى
النَّارِ سَبْحًا﴾ أي: نوماً، والتسبّح التمدُّد؛ ذكره الخليل. وعن ابن عباس وعطاء:
﴿سَبْحًا طَوِيلاً﴾ يعني فراغاً طويلاً لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك(٢).
وقال الزجاج(٣): إن فاتك في الليل شيء ذلك في النهار فراغ للاستدراك.
وقرأ يحيى بن يَعْمَر وأبو وائل: ((سَبْخاً)) بالخاء المعجمة(٤). قال المهدويُّ:
ومعناه النوم؛ روي ذلك عن القارئين بهذه القراءة. وقيل: معناه الخفة والسَّعة
والاستراحة؛ ومنه قول النبيِّ# لعائشة وقد دعت على سارق ردائها: ((لا تُسبِّخِي
[عنه] بدعائك عليه))(٥) أي: لا تخفِّفي عليه إثمَه، قال الشاعر:
إذا قَدَّرَ الرحْمنُ شيئاً فَكَائِنُ
فَسَبِّخْ عليك الْهَمَّ واعلم بِأَنَّهُ
الأصمعيُّ: يقال: سَبَّخ اللهُ عنك الحُمَّى، أي: خفَّفها. وسَبَخ الحَرُّ: فتر وخَفَّ.
والتَّسبِيخ: النومُ الشديد(٦). والتَّسبيخ أيضاً: توسيع القطن والكُتَّان والصوف
وتنفيشها، يقال للمرأة: سبِّخي قطنَك(٧) والسَّبيخُ من القطن: ما يسبَّخ بعد النَّذْف،
أي: يُلفُّ لتغزله المرأة، والقطعة منه سَبِيخة، وكذلك من الصوف والوبر. ويقال لقطع
القطن: سبائخ، قال الأخطل(٨) يصف القُنَّاص والكلاب:
= الأرض. والمرتّل: الذي ركلته الخيل بحوافرها، فأثارت الغبار لصلابتها وشدة وقعها. والمعنى: أن
هذا المسحّ بمنزلة السابحات.
(١) بنحوه في تفسير البغوي ٤٠٩/٤ .
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٢٧ .
(٣) في معاني القرآن ٢٤٠/٥، وينظر تفسير الرازي ٣٠/ ١٧٧ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٦٤ .
(٥) أخرجه الإمام أحمد (٢٤١٨٣)، وأبو داود (١٤٩٧)، بلفظ: ((لا تُسَبِّخي عنه)) وسلف ٢٠١/٧ واللفظ
أعلاه في تفسير البغوي ٤٠٩/٤، والفائق للزمخشري والنهاية لابن الأثير (سبخ). وما بين حاصرتين
منها .
(٦) الصحاح (سبخ).
(٧) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٩٧ .
(٨) في ديوانه ص ١١٥ .

٣٣٢
سورة المزمل: الآيتان ٧ - ٨
فأرسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التّرابَ كما يُذْرِي سَبَائِخَ قُطْنٍ نَذْفُ أَوْتَارِ
وقال ثعلب: السَّبْخ - بالخاء - التردّدُ والاضطراب، والسَّبْخ أيضاً السكون، ومنه
قول النبيِّ﴾: ((الحُمّى من فيح جهنم، فسبِّخوها بالماء)) أي: سكنوها(١). وقال أبو
عمرو: السَّبْخ: النوم والفراغ(٢).
قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، وتكون بمعنى السبح، بالحاء غير المعجمة.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وََبَتَّلْ إِلَيْهِ تْنِيلًا
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرِ أَسْمَ رَّكَ﴾ أي: اُدعه بأسمائه الحسنى، ليحصل لك
مع الصلاة محمودُ العاقبة. وقيل: أي اقصد بعملك وجهَ ربِّك(٣). وقال سهل (٤): اقرأ
بسم الله الرحمنِ الرحيم في ابتداء صلاتك توصلك بركةُ قراءتها إلى ربك، وتقطعك
عمَّا سواه(٥).
وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده ووعيده، لتَوَفَّر على طاعته وتعدل عن معصيته(٦).
وقال الكلبيُّ: صلِّ لربِّك أي: بالنهار.
قلت: وهذا حسن، فإنه لمَّا ذكر الليل ذكّر النهار، إذ هو قَسيمُه، وقد قال
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وهو عند أحمد (٢٦٤٩)، والبخاري (٣٢٦١)، ومسلم (٢٢١٢) عن ابن
عباس رضي الله عنهما، وفيه: فأبردوها، بدل: فسبِّخوها. وفي الباب عن ابن عمر ورافع بن خديج
وأبي بشير وأبي أمامة وعائشة وأسماء، رضي الله عنهم.
(٢) الصحاح (سبخ).
(٣) النكت والعيون ١٢٨/٦.
(٤) في (د) و(ظ) سهيل. والمثبت من (م) و(ي) والمحرر الوجيز ٣٨٨/٥، وذكر هذا القول الطبرسي في
مجمع البيان ٩٦/٢٩ دون نسبة .
(٥) في (د) و(ظ) و(ي): تهواه
(٦) النكت والعيون ١٢٨/٦.

٣٣٣
سورة المزمل: الآية ٨
الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَتْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ﴾ [الفرقان: ٦٣] على
ما تقدَّم(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ التَّبَثُّل: الانقطاع إلى عبادة الله عزَّ
وجلَّ، أي: انقطع بعبادتك إليه، ولا تشرك به غيرَه. يقال: بتلت الشيء، أي:
قطعته، ومنه قولهم: طلقها بَثَّةً بتلة، وهذه صدقة بتة بتلة، أي: بائنة منقطعة عن
صاحبها، أي: قُطِع مِلكُه عنها بالكلية، ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله
تعالى(٢)، ويقال للراهب: متبتّل، لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة. قال:
تُضِيءُ الظّلامَ بالعِشَاءِ كأَنَّها مَنارةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَثِّلٍ (٣)
وفي الحديث النهي عن التبتُّل(٤)، وهو الانقطاع عن الناس والجماعات(٥).
وقيل: إن أصله عند العرب التفرد، قاله ابن عرفة. والأوَّل أقوى(٦) لِما ذكرنا. ويقال:
كيف قال: تَبْتِيلاً، ولم يقل: تَبَثُّلاً؟ قيل له: لأن معنى تَبثَّل: بَثَّل نفسَه، فجيء به على
معناه مراعاة لحقِّ الفواصل(٧).
الثالثة: قد مضى في ((المائدة)) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [الآية: ٨٧] كراهةٌ لمن تبثَّل وانقطع وسلكَ سبيلَ الرهبانية بما
فيه كفاية. قال ابن العربيّ(٨) وأما اليوم وقد مَرِجت عهودُ الناس، وخفَّت أماناتهم،
(١) ١٥/ ٤٦١ .
(٢) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤٠٩/٤، وزاد المسير ٣٩٢/٨ .
(٣) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٧، قال شارحه: قوله: مُمْسَى راهب، أي: المنارة التي
تضيء في وقت إمساء الراهب.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢٠١٩٢) عن سمرة بن جندب . وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص عند أحمد
(١٥٢٥)، والبخاري (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢).
(٥) النكت والعيون ١٢٨/٦ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٦٧/٤ .
(٧) الكشاف ٤/ ١٧٧ .
(٨) في أحكام القرآن ١٨٦٧/٤-١٨٦٨، وما قبله منه.

٣٣٤
سورة المزمل: الآيات ٨ - ١١
واستولى الحرام على الحُطام، فالعُزْلة خير من الخِلْطة، والعُزْبة أفضل من التأهُّل،
ولكن معنى الآية: انقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله. وكذلك قال
مجاهد: معناه: أخلص له العبادة. ولم يرد التبتُّلَ، فصار التبتل مأموراً به في القرآن،
منهيًّا عنه في السنة، ومتعلَّق الأمر غير متعلَّق النهي، فلا يتناقضان، وإنما بُعث ليبيِّن
للناس ما نُزِّل إليهم، فالتبتُّل المأمور به: الانقطاعُ إلى الله بإخلاص العبادة، كما قال
تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوّاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِذِينَ﴾ [البينة: ٥]. والتبتُّل المنهيُّ عنه: هو
سلوك مسلَك النصارى في ترك النكاح والترهُّب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان
يكون خيرُ مالِ المسلم غَنَماً يتبع بها شَعَف الجبال ومواقع القَظْر، يفرُّ بدينه من الفتن.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ اَلْنَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا
يَقُولُونَ وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ وَذَرْبِ وَالْكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قرأ أهلُ الحرمين وابن مُحَيْصن ومجاهد
وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحفص: ((رَبُّ)) بالرفع على الابتداء، والخبر: ﴿لَّ إَِهَ
إِلَّا هُوَ﴾(١). وقيل: على إضمار ((هو). الباقون: ((رَبِّ)) بالخفض(٢) على نعت الربِّ
تعالى في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرِ أَشْمَ رَبِّكَ﴾ ((رَبِّ الْمَشرقِ)). ومن علم أنه ربُّ المشارق
والمغارب انقطع بعمله وأملِه إليه.
﴿فَتَّخِذْهُ وَّكِيلًا﴾ أي: قائماً بأمورك(٣). وقيل: كفيلاً بما وعدَك(٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: من الأذى والسبِّ والاستهزاء، ولا
تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم . ﴿ واهجرهم هجْرًا چيلًا﴾ أي: لا تتعرض لهم،
ولا تشتغل بمكافأتهم، فإن في ذلك تركَ الدعاء إلى الله. وكان هذا قبل الأمر
(١) المحرر الوجيز ٣٨٨/٥.
(٢) السبعة ص٦٥٨، والتيسير ص٢١٦ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٨٨/٥ بنحوه.
(٤) الكشاف ٤/ ١٧٧ .

٣٣٥
سورة المزمل: الآيات ٩ - ١٤
بالقتال، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من التَّرْك، قاله
قتادة(١) وغيره. وقال أبو الدرداء: إنا لَنَكْشِرُ في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم، وإن
قلوبنا لتَقْليهم أو لتلعنهم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَذَرِّ وَالُكَذِّبِينَ﴾ أي: ارض بي لعقابهم. نزلت في صناديد قريش
ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المُطْعِمِين يوم بدر(٣) وهم عشرة.
وقد تقدَّم ذكرهم في ((الأنفال))(٤). وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد
ابن جُبير: أُخبرت أنهم اثنا عشر رجلاً(٥). ﴿أُوْلِ النَّعْمَةِ﴾ أي: أولي الغنى والترفُّه
واللذة في الدنيا. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا﴾ يعني إلى مدَّة آجالهم. قالت عائشة رضي الله عنها:
لمَّا نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعةُ بدر (٦). وقيل: ((وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً)»
يعني إلى مدة الدنيا(٧).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآَ أَنْكَالًا وَحِيمًا (١٧) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (٣) يَوْمَ
(12)
تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالِبَالُ وَكَانَتِ اَلِبَالُ كَتِبًا مَهِيلًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَاَ أَنْكَلًا وَحِيمًا﴾ الأنكال: القيودُ. عن الحسن ومجاهد
وغيرهما(٨). واحدها نِكْل، وهو ما منع الإنسان من الحركة. وقيل: سمِّي نِكلاً، لأنه
(١) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٣٠/٣-١٣١، وبنحوه الطبري ٣٨٠/٢٣.
(٢) علقه عنه البخاري بصيغة التضعيف قبل الحديث (٦١٣١)، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز
٣٨٨/٥، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٢٢/١، والبيهقي في شعب الإيمان (٨١٠٣). وما بين
حاصرتين من المصادر . قوله: نَكْثِرُ، أي: نتبسَّم. وتَقْلِيهم، أي: تُبغضهم.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤١٠، وزاد المسير ٣٩٢/٨.
(٤) ٨١/١٠ وما بعد
(٥) النكت والعيون ١٢٩/٦ .
(٦) أخرجه الطبري ٣٨١/٢٣، وأبو يعلى (٤٥٧٨).
(٧) تفسير الرازي ١٨٠/٣٠.
(٨) أخرجه الطبري ٣٨٣/٢٣ .

٣٣٦
سورة المزمل: الآيات ١٢ - ١٤
يُنَكَّل به(١). قال الشعبيُّ: أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشيةً
أن يهربوا؟ لا واللهِ! ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا اسْتَفَلت بهم (٢). وقال الكلبيُّ:
الأنكال: الأغلالُ، والأوّل أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء:
دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أَنْكَالَهُ وَقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ(٣)
وقيل: إنه أنواع العذاب الشديد، قاله مقاتل. وقد جاء أن النبيَّ# قال: ((إن الله
يحبُّ النَّكَل على النَّكل)) بالتحريك، قاله الجوهريّ(٤). قيل: وما النَّكَل؟ قال:
((الرجل القويُّ المجرَّب، على الفرس القويِّ المجرَّب)» ذكره الماورديُّ(٥)، قال:
ومن ذلك سمي القيد نِكْلاً؛ لقوته، وكذلك الغُلُّ، وكل عذاب قوي فاشتد.
والجحيم: النار المؤجّجة.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُضَّةٍ﴾ أي: غير سائغ، يأخذ بالحَلْق، لا هو نازل ولا هو خارج، وهو
الغِسلِين والزَّقُوم والضَّريع، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحَلْق، فلا
ينزل ولا يخرج(٦).
وقال الزجاج (٧): أي: طعامهم الضَّريع، كما قال: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِنْ ضَرِيحٍ﴾
[الغاشية: ٦]، وهو شوك كالعَوْسَج. وقال مجاهد: هو الزَّقُّوم(٨)، كما قال: ﴿إِنَّ
شَجَرَتَ الزَّقُومِ. طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٤]. والمعنى واحد.
(١) ينظر الصحاح (نكل).
(٢) ذكره عنه الزمخشري في الكشاف ١٧٧/٤ مختصراً.
(٣) ديوان الخنساء ص٩٢ ، وروايته فيه: فهتكت أغلاله، بدل: فقطعت أنكاله.
(٤) في الصحاح (نكل)، وذكره أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ١٠/ ٢٤٥ بنحوه.
(٥) في النكت والعيون ٦/ ١٣٠، والكلام منه.
(٦) المصدر السابق، وأخرجه الطبري ٢٨٤/٢٣ .
(٧) في معاني القرآن ٥/ ٢٤٢.
(٨) النكت والعيون ١٣٠/٦، وأخرجه الطبري ٣٨٤/٢٣.

٣٣٧
سورة المزمل: الآيات ١٢ - ١٤
وقال حُمْران بن أَعْيَن: قرأ النبيُّ ◌َ﴾: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُمَّةٍ﴾
فصعق(١) .
وقال خُلَيد بن حسان: أمسى الحسنُ عندنا صائماً، فأتيته بطعام، فعرضَتْ له
هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآَ أَنْكَالًا وَحِيمًا وَطَعَامًا﴾ فقال: ارفع طعامَك. فلمَّا كانت الثانية أتيته
بطعام، فعرضَتْ له هذه الآيةُ، فقال: ارفعوه. ومثله في الثالثة، فانطلق ابنه إلى ثابت
البُنَاني ويزيدَ الضَّبِّيّ ويحيى البكَّاء، فحدَّثهم، فجاؤوه، فلم يزالوا به حتى شرب شَرْبة
من سَوِيق(٢).
والغُّصَّة: الشَّجا - وهو ما يَنْشَب في الحلق من عَظْم أو غيره - وجمعها: غُصَصٌّ.
والغَصَصُ بالفتح مصدر قولك: غَصِصْتَ يا رجل تَغَصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام
وغصَّان، وأغصصته أنا، والمنزل غاصٌّ بالقوم، أي: ممتلئ بهم(٣).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْحِبَالُ﴾ أي: تتحرَّك وتضطرب بمن عليها.
وانتصب ((يوم)) على الظرف، أي: يُنَكَّل بهم ويعذَّبون ((يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ)).
وقيل: بنزع الحافض، يعني هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض والجبال. وقيل:
العامل ((ذَرني)) أي: وذرني والمكذبين يومَ ترجُف الأرض والجبال.
﴿وَكَانَتِ اَلِبَالُ كَئِبًا تَهِيلًا﴾ أي: وتكون، والكثيب: الرملُ المجتمع قال حسان:
كَخَطِّ الْوَحْي في الْوَرَقِ الْقِشِیبِ(٤)
عَرَفْتُ دِیار زَیْنَبَ بالْكَثِیبِ
والمَهِيل: الذي يمرُّ تحتَ الأرجل. قال الضحاك والكلبيُّ: المَهِيل: هو الذي
(١) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن ص٦٤، وهناد في الزهد(٢٦٧)، والطبري ٣٨٥/٢٣
عن حُمران مرسلاً، والذي عند أبي عبيد: سمع رسول الله # رجلاً يقرأ ... فصعق رسول الله : # وحمران
ابن أَعْين ضعيف رمي بالرفض، كما ذكر ابن حجر في التقريب .
(٢) الكشاف ١٧٧/٤ ، وأخرجه الواحدي في الوسيط ٣٧٦/٤ مطولاً.
(٣) الصحاح (غصص)، وينظر القاموس المحيط (شجي).
(٤) ديوان حسان ص١٢، وسلف ٩/ ٤٦٣.

٣٣٨
سورة المزمل: الآيات ١٢ - ١٩
إذا وطئتَه بالقدم زلَّ من تحتها، وإذا أخذتَ أسفله انهال. وقال ابن عباس: ((مَهِيلاً))
أي: رملاً سائلاً(١) متناثراً. وأصله: مهْيول(٢)، وهو مَفْعول؛ من قولك: هِلْت عليه
التراب أَهِيله هيلاً: إذا صببتَه. يقال: مَهِيل ومَهْيول، ومَكِيل ومَكْيول، ومَدِين
ومَدْيون(٣)، ومَعِين وَمَعْيون، قال الشاعر:
قد كان قَوْمُك يَحْسَبونَكَ سَيِّداً وإِخَالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونٌ (٤)
وفي حديث النبيِّ ﴿ أنهم شَكَوْا إليه الجُدُوبةَ، فقال: ((أتكِيلون أم تَهِيلون)) قالوا :
نَهِيل. قال: ((كِيلوا طعامَكم يُبَارَكْ لكم فيه)»(٥). وأَهَلْت الدقيق لغة في هِلتْ، فهو مُهال
ومَهِيل(٦). وإنما حذفت الواو، لأن الياء تثقل فيها الضمة، فحذفت فسكنت هي
والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين(٧).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولَا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا
١٥
فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِلًا ﴾ فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمَا يَجْعَلُ
اٌلْوِلْدَنَ شِيبًا ﴾ السَّمَاءُ منفَظِرٌ بِهِ، كَانَ وَعْدُمُ مَفْعُولًا ﴿ إِنَّ هَذِهِ نَذْكِرَةٌ فَمَنْ
شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُوْ رَسُولًا﴾ يريد النبيََّ ﴾؛ أرسله إلى قريش ﴿كَا أَرْسَلْنَاً
(١) النكت والعيون ٦/ ١٣٠.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٤٢/٥، والمحرر الوجيز ٣٨٩/٥.
(٣) زاد المسير ٣٩٣/٨، وتفسير الرازي ١٨٢/٣٠.
(٤) سلف ٢٥٥/١٨ .
(٥) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٤١٦/٦، وابن الأثير في النهاية (هيل)، ولفظه: أن قوماً شكوا إليه
سرعة فناء طعامهم، فقال: ((أتكيلون أم تهيلون))؟ قالوا: نهيل. قال ((فكيلوا ولا تهيلوا)). وقوله: ((كيلوا
طعامكم يبارك لكم فيه)) أخرجه الإمام أحمد (١٧١٧٧)، والبخاري (٢١٢٨) من حديث المقدام بن
معدي كرب ﴾، وأخرجه - أيضاً - الإمام أحمد (٢٣٥٠٨)، وابن ماجه (٢٢٣٢) من حديث أبي أيوب
الأنصاري ﴾.
(٦) الصحاح (هيل).
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٤٢/٥ .

٣٣٩
سورة المزمل: الآيات ١٥ - ١٩
إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ وهو موسى ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أي: کذَّب به ولم يؤمن. قال
مقاتل: ذكّر موسى وفرعون، لأن أهل مكة ازدرَوا محمداً # واستخفوابه، لأنه وُلِد
فيهم، كما أن فرعون ازدرى موسى، لأنَّه ربَّاه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى إخباراً
عنه(١): ﴿أَلَرَ ثُرَِّكَ فِنَا وَلِيدًا﴾ (٢) [الشعراء: ١٨]. قال المهدويُّ: ودخلت الألف واللام
في الرسول لتقدُّم ذكره(٣)، ولذلك اختير في أوّل الكتب: سلام عليكم، وفي آخرها:
السلام عليكم (٤) .
﴿وَيلًا﴾ أي: ثقيلاً شديداً. وضَرْبٌ وبيل وعذاب وبيل، أي: شديد، قاله ابن
عباس ومجاهد(٥). ومنه مطر وابل، أي: شديد، قاله الأخفش(٦). وقال الزجاج(٧):
أي: ثقيلاً غليظاً. ومنه قيل للمطر: وابل. وقيل: مُهلكاً قال:
أَكَلْتِ بَنِيكِ أَكْلَ الضَّبِّ حتى وجَدْتِ مَرَارةِ الْكَلَأِ الْوَبِيلِ(٨)
واستوبل فلان كذا، أي: لم يَحمَد عاقبته. وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء،
وكَلأْ مستَوْبَل وطعام وبيل ومُستَوبَلٌ: إذا لم يُمْرِئ ولم يُسْتَمْرأُ(٩) ، قال زهير:
فَقَضَّوْا منايا بَيْنَهُمْ ثم أَصْدَرُوا إِلَى كَلَاٍ مُسْتَوْبَلٍ مُتَوَخَّمِ (١٠)
وقالت الخنساء:
(١) قوله: إخباراً عنه، من (ظ).
(٢) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٣٨٦/٢٣، والرازي ١٨٣/٣٠ دون نسبة.
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٩/٥ بنحوه دون نسبة.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٦٠/٥.
(٥) النكت والعيون ١٣٠/٦، وأخرجه الطبري ٣٨٧/٢٣.
(٦) الصحاح (وبل).
(٧) في معاني القرآن له ٥/ ٢٤٢، ونقله عنه الماوردي في النكت ١٣٠/٦.
(٨) النكت والعيون ٦/ ١٣٠.
(٩) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٣٨٦/٢٣، وتهذيب اللغة ٣٨٦/١٥.
(١٠) شرح ديوان زهيرص ٢٤-٢٥، قال شارحه: فقضَّوا مناياهم، أي: أنفذوها، أي: قَتَلوا من قتلوا ثم
أصدروا بعد صلحهم، فصار آخر أمرهم إلى وخامةٍ وفساد.

٣٤٠
سورة المزمل: الآيات ١٥ - ١٩
فَوَارِسَ مَالك أَكْلاً وبِيلاً(١)
لَقَدْ أَكَلَتْ بَجِيلَةُ يومَ لاقَتْ
والوبيل أيضاً: العصا الضخمةُ، قال:
وفي كَفِّيَ الأخرى وَبيلٌ تُحاذِرُه
لَو اصْبَحَ في یُمْنی یَدَيَّ زِمامُها
وكذلك المَوْبِل بكسر الباء، والمَؤْبل(٢) أيضاً: الحُزْمة من الحطب، وكذلك
الوَبيل، قال طرفة:
عَقِيلَةُ شَيْخ كالوبِيلِ يَلَنْدَه(٣)
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَغَرْتُمْ يَوْمًا يَجْمَلُ الْوِلْدَانَ شِيًا﴾ هو توبيخ وتقريع،
أي: كيف تتقونَ العذاب إن كفرتم. وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل
الولدان شيباً إن كفرتم(٤). وكذا قراءة عبد الله (٥) وعطية. قال الحسن: أي: بأيِّ
صلاة تتقون العذاب؟ بأيِّ صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب
يوم.
وقال قتادة: واللهِ ما يتقي مَن كفَر بالله ذلك اليوم بشيءٍ(٦). و((يَوْماً)) مفعول
بـ (تَتَّقُونَ)) على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدِّر الكفر بمعنى الجحود كان
اليوم مفعول ((كَفَرْتُمْ))(٧). وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله: ((كَفَّرْتُمْ))،
والابتداء ((يَوْماً))، يذهب إلى أن اليوم مفعول ((يجعل)) والفعل لله عزَّ وجلَّ، وكأنه
(١) ذكره ابن عادل الحنبلي في اللباب ٤٧٤/١٩-٤٧٥ .
(٢) في (د) و(م): الموبلة. والمثبت من (خ) و(ي) وهو الموافق لما في الصحاح (وبل) وتهذيب اللغة
٣٨٧/١٥.
(٣) ديوان طرفة ص٣٨ ، وصدره: فمرت كهاةٌ ذاتُ خَيفٍ جُلالةٌ وسلف ٢٠٧/٨ ، والكلام في الصحاح
(وبل)، وفيه: أَلَنْدَدٍ، بدل: يَلَنْدَدٍ، وهو موافق لنسخة (د).
(٤) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٣/ ١٨٣.
(٥) معاني القرآن للفراء ١٩٨/٣ .
(٦) أخرجه عبد الرزاق ٣٢٥/٢، والطبري ٣٨٨/٢٣.
(٧) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٨٩/٥ .