النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة الجن: الآيات ١٨ - ٢١ المسجد فقولوا: لا ردَّها الله عليك، فإنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا). وقد مضى في سورة النور ما فيه كفايةٌ من أحكام المساجد، والحمدُ لله. السادسة: روى الضحَّاك عن ابن عباس أنَّ النبيَّ :﴿ كان إذا دخل المسجد قدَّم رِجِلَه اليمنى، وقال: ((وأَنَّ المساجدَ للهِ فلا تَدْعُوا مع الله أَحَداً» اللهمَّ أنا عبدك وزائرك، وعلى كل مزور حقّ، وأنت خيرُ مزور، فأسألك برحمتك أن تَفُكَّ رقبتي من النار)) فإذا خرج من المسجد قدَّم رجله اليسرى، وقال: ((اللهم صُبَّ عليَّ الخيرَ صبًّا، ولا تَنزِع عني صالحَ ما أعطيتني أبداً، ولا تجعل معيشتي كَدًّا، واجعل لي في الأرض جَدًّا))(١) أي: غنىّ. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّ وَلاَ أَثْرِكُ بِهِ- أَحَدًّا (٥ قُلْ إِّ لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَ رَشَدًا (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَتَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوُ﴾ يجوز الفتح، أي: أَوحى اللهُ أنه. ويجوز الكسر على الاستئناف. و((عبد الله)) هنا محمدٌ ﴾ حين كان يصلِّي ببطن نخلة ويقرأ القرآن، حسب ما تقدَّم أَوَّلَ السورة ﴿يَدْعُوهُ﴾ أي: يعبده. وقال ابن جُريج: ((يَدْعُوهُ)) أي: قام إليهم داعياً لهم إلى الله تعالى(٢). ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِيَدًا﴾ قال الزبير بن العوَّام: هم الجنُّ حين استمعوا القرآن من النبيِّ ﴾(٣). أي: كاد يركب بعضُهم بعضاً ازدحاماً ويسقطون حرصاً على سماع القرآن. وقيل: كادوا يركبونه حرصاً، قاله الضحَّاك (٤). ابن عباس: رغبةً في سماع الذِّكر. وروى بُرد عن مكحول(٥): أنَّ الجنَّ بايعوا رسول الله ﴾ في هذه الليلة، (١) النكت والعيون ١٢٠/٦. (٢) النكت والعيون ٦/ ١٢٠ بنحوه . (٣) المصدر السابق. (٤) أخرجه الطبري ٣٤٣/٢٣ . (٥) في النكت والعيون ١٢١/٦ : روى مكحول عن ابن مسعود، ثم ذكر الخبر. ٣٠٢ سورة الجن: الآيات ١٩ - ٢١ وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر. وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ هذا من قول الجنِّ، لمَّا رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبيِّ﴾ وائتمامِهم به في الركوع والسجود(١). وقيل: المعنى: كاد المشركون يركب بعضهم بعضاً حَرَدًا (٢) على النبيِّ﴾. وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني ((لمَّا قام عبد الله)) محمدٌ بالدعوة، تَلَبَّدت الإنس والجنُّ على هذا الأمر ليطفئوه، فأَبَى اللهُ إلَّا أن ينصره ويُتُمَّ نوره. واختار الطبريٌ(٣) أن يكون المعنى: كادت العرب يجتمعون على النبيِّ ﴾، ويتظاهرون على إطفاء النورِ الذي جاء به. وقال مجاهد(٤): قوله: ((لِيَداً)): جماعات، وهو مِن: تَلَبَّد الشيءُ على الشيء، أي: تجمّع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه. وكلُّ شيءٍ ألصقته إلصاقاً شديداً فقد لبَّدته(٥)، وجمع اللِّبدة: لِيَد، مثل: قِرْبة وقِرَب. ويقال للشَّعر الذي على ظهر الأسد: لِيْدة، وجمعها لِيَد(٦)، قال زهير: له لِبَدٌ أَظفارُه لم تُقَلَّم (٧) لدى أَسَدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ويقال للجراد الكثير: لِيَد. وفيه أربع لغات وقراءات: فتح الباء وكسر اللام، وهي قراءة العامَّة. وضمُّ اللام وفتح الباء، وهي قراءة مجاهدٍ وابنٍ مُحَيْصن وهشام عن أهل الشام(٨)، واحدتها لُبْدة. ويضمِّ اللام والباء، وهي قراءة أبي حَيْوة ومحمد بنِ السَّمَيْفَع وأبي الأشهب (١) أخرجه الترمذي (٣٣٢٣) وقال: حديث حسن صحيح، والطبري ٣٤٤/٢٣. (٢) الحَرّد: الغضب. الصحاح(حرد). (٣) في تفسيره ٣٤٥/٢٣، وفيه قول الحسن وقتادة وابن زيد. (٤) ذكر قوله النحاس في إعراب القرآن ٥٢/٥، والماوردي في النكت والعيون ١٢٠/٦. (٥) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٢٣٧ . (٦) الصحاح (لبد) بنحوه. (٧) شرح ديوان زهير ص٢٣ . شاكي السلاح: أي: سلاحه ذو شوكة. المقذف: الغليظ اللحم. (٨) السبعة ص٦٥٦، والتيسيرص ٢١٥، وعن مجاهد وابن محيصن في القراءات الشاذة ص١٦٣. ٣٠٣ سورة الجن: الآيات ١٩ - ٢١ العُقَيلي والجَحْدري(١). واحدها لَيْد، مثل: سَقْف وسُقُفٍ، ورَهْن ورُهُن. وبضَّم اللام وشدِّ الباء وفتحها، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجَحْدريِّ أيضاً (٢). واحدها لا بد، مثل: راکع ورُگّع، وساچِد وسُجَّد. وقيل: اللُّبَد، بضم اللام وفتح الباء: الشيء الدائم، ومنه قيل لنَسر لقمان: لُبَد، لدوامه وبقائه، قال النابغة: أَخْنَى عليها الذي أَخْنَى على لُبَدِ (٣) القشيريّ: وقُرئ: ((لُبُداً)) بضم اللام والباء، وهو جمع لَبِيد، وهو الجُوالِقِ(٤) الصغير. وفي الصحاح: ﴿أَهْلَكْتُ مَالَا لُبَّدًا﴾ [البلد: ٦] أي: جمًّا. ويقال أيضاً: الناس لُبَد، أي: مجتمعون، واللُّبَد أيضاً: الذي لا يسافر ولا يبرح [منزله] قال الشاعر(٥): مِن امرئٍ ذي سَماحٍ لا تزال له بَزْلاءُ يعيا بها الجَثَّامة اللُّبَدُ ويروى: اللَّبِد. قال أبو عُبيد: وهو أشبه(٦). ولُبَد: آخر نسور لقمان، وهو ينصرف، لأنه ليس بمعدول. وتزعم العرب أنَّ لقمان هو الذي بعثته عاد في وَفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أُهلكوا، خُيِّر لقمان (١) قراءة الجحدري في المحتسب ٣٣٤/٢ . (٢) نسبها ابن جني في المحتسب ٢/ ٣٣٤ للحسن والجحدري، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٣ للجحدري. (٣) ديوان النابغة الذبياني ص٣١، وسلف ١٠٤/٢٠، وسيأتي قريباً بتمامه. (٤) الجوالق: الوعاء. الصحاح (جلق). (٥) هو الراعي النميري، والبيت في ديوانه ص ٦٠ برواية: مِن أمرٍ ذي بدوات ... (٦) الصحاح (لبد)، وماسلف بين حاصرتين منه. ووقع بعدها في (م): والبزلاء: الرأي الجيد. وفلان نهاض بيزلاء: إذا كان ممن يقوم بالأمور العظام، قال الشاعر: رحبُ المسالكِ نهَّاضٌ ببزلاءِ إني إذا شَغَلتْ قوماً فروجُهمُ ٣٠٤ سورة الجن: الآيات ١٩ - ٢١ بين بقاء سبع بعرات(١) سُمْر، مِن أَظْبٍ عقْر، في جبل وعَرْ، لا يَمسُّها القَطْر، أو بقاءٍ سبعة أنسر، كلَّما هلك نَسر، خلف بعده نَسر، فاختار النُّسور، وكان آخر نُسوره يُسمَّى لُبَداً، وقد ذكرته الشعراء، قال النابغة: أَضحت خَلاءً وأَمسى أَهلُها احتملوا أَخْنَى عليها الذي أَخْنَى على لُبَدٍ واللَّبِيد: الجُوَالق الصغير، يقال: ألبدت القِرْبة، جعلتها في لَبِيد. ولبِيد: اسم شاعر من بني عامر. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ أي قاللِ ﴾: ﴿إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّ وَلاَ أُثْرِكُ بِ: أَحَدًا﴾ وكذا قرأ أكثر القراء: ((قَالَ))؛ على الخبر. وقرأ حمزة وعاصم: ((قُلْ))؛ على الأمر(٢). وسبب نزولها أنَّ کفار قریش قالوا له: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عادیت الناس كلَّهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك، فنزلت(٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَا رَشَدًا﴾ أي: لا أقدر أن أدفع عنكم ضَرَّا ولا أسوق لكم خيراً (٤). وقيل: ((لا أملك لكم ضَرًّا)) أي: كفراً، ((ولا رَشَدا)) أي: هدّى، أي: إنما عليّ التبليغ. وقيل: الضَّرّ: العذاب، والرَّشَد: النعيم. وهو الأوَّل بعينه. وقيل: الضَّرّ: الموت، والرَّشَد: الحياة(٥). (١) في النسخ الخطبة: بقرات، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الصحاح (لبد)، والكلام منه. قال شارح القاموس (لبد): هكذا في نسختنا بالعين، ويوجد في بعض نسخ الصحاح: بقرات، بالقاف .. قال شيخنا: والذي في نسخ القاموس هو الأشبه ، إذ لاتتولد البقر من الظباء، ولا تكون منها. (٢) السبعة ص٦٥٧ ، والتيسيرص ٢١٥. (٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٦٨/٤، والبغوي في تفسيره ٤٠٥/٤ عن مقاتل. (٤) الوسيط ٣٦٨/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٠٥ . (٥) النكت والعيون ١٢٠/٦-١٢١. ٣٠٥ سورة الجن: الآيات ٢٢ - ٢٥ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّ لَن يُحِيَرَنِ مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا (٨) إِلَّا بَلَغًا مِنَ اَللَّهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا حَتَّىَ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٤) قُلْ إِنْ أَدْرِىّ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا ٢٥) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّ لَن يُحِيَرَنِ مِنَ الَّهِ أَحَدٌ﴾ أي: لا يدفع عذابَه عني أحدٌ إن استحققتُهُ(١)، وهذا لأنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك. وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي # ليلةَ الجنِّ، حتى أتى الحَجُون فخطّ عليَّ خطًّا، ثم تقدَّم إليهم، فازدحموا عليه، فقال سيِّدٌ لهم يقال له وَرْدان: أنا أَزْجُلهم عنك، فقال: ((إِنِّي لن يجيرني من الله أَحد)) ذكره الماوردي(٢)، قال: ويحتمل معنيين: أحدهما: لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد. الثاني: لن يجيرني ممَّا قدَّره اللهُ تعالى عليَّ أحد. ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا﴾ أي: ملجأً ألجأ إليه، قاله قتادة(٣). وعنه: نصيراً ومولىّ. السُّدِّيّ: حِرزاً. الكلبي: مَدْخلاً في الأرض مثل السَّرَب (٤). وقيل: وليًّا ولا مولىّ. وقيل: مذهباً ولا مسلكاً. حكاه ابن شجرة(٥)، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر : يالهْفَ نفسي ولَهْفي غيرُ مجدِیةٍ عنِّي وما مِن قضاء اللهِ مُلْتَحدُ(٦) ﴿إِلَّا بَلَغَا مِنَ اللهِ وَرِسَلَتِهِ،﴾ فإنَّ فيه الأمان والنَّجاة، قاله الحسن. وقال قتادة: (١) في (د) و(ز) و(م): استحفظته، والمثبت من (ظ). (٢) في النكت والعيون ١٢١/٦. قوله: أزجلهم، أي: أدفعهم. القاموس (زجل). (٣) أخرج قوله الطبري ٣٤٩/٢٣ . (٤) تفسير البغوي ٤/ ٤٠٥ . (٥) النكت والعيون ١٢١/٦. (٦) النكت والعيون ١٢١/٦ دون نسبة، وهو في الدر المنثور ٢١٨/٤ منسوباً لخصيب الضمري. ٣٠٦ سورة الجن: الآيات ٢٢ - ٢٥ ((إِلَّ بَلاَغاً مِنَ اللهِ)) فذلك الذي أملكه بتوفيق الله(١)، فأما الكفرُ والإيمان فلا أملكهما. فعلى هذا يكون مردوداً إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَا رَشَدًا﴾ أي: لا أملك لكم إِلَّ أن أُبلِّغَكم. وقيل: هو استثناء منقطع من قوله: ﴿لَا أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَ رَشَدًا﴾ إِلَّا (٢) أن أبلغكم، أي: لكنْ أبلِّغُكم ما أُرسلتُ به، قاله الفرَّاء(٣). وقال الزجَّاج (٤): هو منصوب على البدل من قوله: ((مُلْتَحَداً)، أي: ((ولن أَجدَ مِن دونه مُلْتَحداً)) إلَّا أن أُبلِّغَ ما يأتيني من الله ورسالاته، أي: ومن رسالاته التي أمرني بتبليغها. أو: إلّا أن أبلغ عن الله وأعملَ برسالته، فآخذ نفسي بما أمرُ به غيري. وقيل: هو مصدر، و((لا)) بمعنى لم، و((إنْ)) للشرط. والمعنى: لن أجد من دونه ملتحداً (٥) إنْ لم أبلِّغ رسالاتٍ رَبِي بلاغاً. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في التوحيد والعبادة. ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ كُسِرت ((إِنَّ) لأن ما بعد فاء الجزاء موضعُ ابتداء، وقد تقدَّم . ﴿خَلِینَ فِهَا﴾ نصب على الحال، وجَمَعَ ((خَالِدِينَ))؛ لأنَّ المعنى: لكلِّ مَن فعل ذلك، فوحَّد أوَّلاً للفظ (مَنْ))، ثم جَمَعَ للمعنى(٦). وقوله ﴿أَبْدًا﴾ دليلٌ على أنَّ العصيان هنا هو الشِّركِ(٧). وقيل: هو المعاصي غيرَ الشرك، ويكون معنى ((خالدين فيها أبداً)) إلَّا أن أعفوَ أو تلحَقهم شفاعة، ولا محالة (١) تفسير البغوي ٤٠٥/٤، وقول قتادة أخرجه الطبري ٣٥٠/٢٣، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٤/٥. (٢) في (ظ) و(م): أي إلا . (٣) معاني القرآن له ٢٥/٣ بنحوه، وقاله مكي في مشكل إعراب القرآن ٧٦٥/٢، وينظر المحرر الوجيز ٥/ ٣٨٤. (٤) في معاني القرآن ٢٣٧/٥ . (٥) بعدها في (د) و(ز) و(م): أي. والكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٧٦٥/٢. (٦) الكشاف ٤/ ١٧٢ بنحوه. (٧) المحرر الوجيز ٣٨٥/٥ بنحوه. ٣٠٧ سورة الجن: الآيات ٢٢ - ٢٧ إذا خرجوا من الدنيا على الإيمان يلحقهم العفو. وقد مضى هذا المعنى مبيّناً في سورة النساءِ وغيرها(١). قوله تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ﴾ ((حَتَّى)) هنا مبتدأ، أي: ﴿حَقَّقَ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ﴾ من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون(٢) من عذاب الدنيا، وهو القتل ببدر(٣) ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ أهم أم المؤمنون. ﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ معطوف. قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنْ أَدْرِىّ أَفَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا، أي: لا أدري، فـ ((إنْ)) بمعنى ((ما)) أو ((لا))؛ أي: لا يَعرف وقتَ نزول العذاب ووقتَ قيام الساعة إلَّا الله؛ فهو غيبٌ لا أعلم منه إلَّ ما يعرِّفنيه الله. و((ما)) في قوله: ((ما يوعدون)) يجوز أن يكون مع الفعل مصدراً، ويجوز أن يكون بمعنى الذي، ويقدَّر حرفُ (٤) العائد. ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا﴾ أي: غايةً وأجلاً. وقرأ العامَّة بإسكان الياء مِن ((ربِّي)) وقرأ الحِرْمِيَّن وأبو عمرو بالفتح(٥). قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٨) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَُّ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ ((عَالِمُ)) رفعاً؛ نعتاً لقوله: ((رَبِّي)). وقيل: أي: هو ((عالِمُ الغيب))(٦). والغيب: ما غاب عن العباد. وقد تقدَّم بيانُه في أوَّل سورة البقرة(٧). (١) ٣٩/٧ فما بعد. (٢) في (ظ): وما يوعدون. (٣) الكشاف ٤/ ١٧٢. (٤) في النسخ الخطية: حذف. والكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٦٥ - ٧٦٦. (٥) السبعة ص٦٥٧ ، والتيسير ص٢١٥ ، والحِرْمِيَّان: نافع المدني، وابن كثير المكي. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤٠٥- ٤٠٦ . (٧) ٢٥١/١-٢٥٢ . ٣٠٨ سورة الجن: الآيتان ٢٦ - ٢٧ ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا. إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ فإنه يُظهره على ما يشاء من غيبه؛ لأنَّ الرسل مؤيَّدون بالمعجزات، ومنها الإخبارُ عن بعض الغائبات؛ وفي التنزيل: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقال ابن جبيرُ: ((إِلَّا مَن ارتضى مِن رسول)): هو جبريل عليه السلام(١). وفيه بُعد، والأَوْلَى أن يكون المعنى: أي: لا يُظهر على غيبه إِلَّ مَن ارتضى، أي: اصطفى للنبوَّة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه؛ ليكون ذلك دالا على نبوَّته(٢). الثانية: قال العلماء رحمة الله عليهم: لمَّا تمدَّح سبحانه بعلم الغيبِ واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليلٌ على أنه لا يعلم الغيبَ أحدٌ سواه، ثم استثنى مَن ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوَّتهم. وليس المنجِّم ومَن ضاهاه - ممن يضرِب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير- ممَّن ارتضاه من رسول فيطلعَه على ما يشاء من غيبه، بل هو کافرٌ بالله مفترٍ عليه؛ بحدسه وتخمينه وكذبه . قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجِّم في سفينة ركب فيها ألفُ إنسان، على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملِك والسُّوقة، والعالم والجاهل، والغنيُّ والفقير، والكبير والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم؛ فعمَّهم حكمُ الغَرَق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجِّم قبَّحه الله: إنما أغرقهم الطالعُ الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أنَّ هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلِّها - على اختلافها - عند ولادة كلِّ واحدٍ منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوصُ به، فلا فائدة إذاً (٣) في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقيٍّ ولا سعيد، ولم يبقَ إلَّا معاندةُ القرآن العظيم. وفيه استحلالُ دمه على هذا التنجيم. ولقد أحسن الشاعرُ حيث قال: (١) النكت والعيون ٦/ ١٢٢. (٢) الكلام بنحوه في الوسيط للواحدي ٣٦٩/٤ . (٣) في (د) و(م): أبداً. ٣٠٩ سورة الجن: الآيتان ٢٦ - ٢٧ يقضي عليَّ بِميتة الغَرَقِ حَكَمَ المنجِّمُ أنَّ طالعَ مولدي وُلد الجميعُ بكوكب الغَرَقِ قل للْمُنجِّم صُبْحَةَ الُوفانِ مل وقيل لأمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب ﴾ لمَّا أراد لقاءَ الخوارج: أتلقاهم والقمرُ في العقرب؟ فقال﴾: فأين قمرُهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمةِ التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الردِّ على مَن يقول بالتنجيم، والإفحامِ لكل جاهلٍ يحقّق أحكامَ النجوم. وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تَسر في هذه الساعة، وسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار. فقال له عليٍّ ﴾: ولم؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة؛ أصابك وأصاب أصحابَك بلاءٌ وضرٌّ شديد، وإن سرت في الساعة التي آمُرُك بها؛ ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت. فقال عليٍّ﴾: ما كان لمحمد ﴿ مُنَجِّم، ولا لنا من بعده ـ في كلام طويل يَحتجُّ فيه بآيات من التنزيل - فمَن صدَّقك في هذا القول، لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نِدًّا أو ضدًّا، اللهم لا طير إلَّا طيرُك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك(١). ثم قال للمتكلِّم: نكذّبك ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس فقال: ((يا أيها الناس، إياكم وتعلُّمَ النجوم، إلَّا ما تهتدون به في ظلمات البرّ والبحر؛ إنما المنجِّم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها، لَأُخلدنَّك في الحبس ما بقيتُ وبقيتَ، ولأَحرمنَّك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سار(٢) في الساعة التي نهاه عنها، فلقي القومَ فقتلهم، وهي وقعة النَهْرَوَان الثابتةُ في الصحيح لمسلم (٣). ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا، لقال (١) قوله: ولا إله غيرك، من (ظ) ومصدر التخريج. (٢) في (د) و(ز) و(م): سافر. (٣) برقم (١٠٦٤): (١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، و(١٠٦٦): (١٥٦) من حديث زيد بن وهب الجهني ﴾. وهو عند أحمد (٧٠٦). ٣١٠ سورة الجن: الآيتان ٢٦ - ٢٧ قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجِّم، ما كان لمحمد 8# منجِّم، ولا لنا مِن بعده، فتح الله علینا بلاد کسری وقیصر وسائرَ البلدان. ثم قال: يا أيها الناس! توگّلوا على الله وثقوا به، فإنه يكفي ممَّن سواه(١). ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ يعني ملائكة يحفظونه عن أن يَقْرُبَ منه شيطان؛ فيحفظ الوحي من استراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة. قال الضخَّاك: ما بعث الله نبيًّا إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبَّهوا بصورة المَلَك، فإذا جاءه شيطان في صورة المَلَك، قالوا: هذا شيطان فاحذره. وإن جاءه المَلَك، قالوا: هذا رسول ربِّك(٢). وقال ابن عباس وابن زيد: (رَصَداً)) أي: حَفَظة يحفظون النبيَّ# من أمامه وورائه من الجنّ والشياطين(٣). قال قتادة وسعيد بن المسيّب: هم أربعةٌ من الملائكة حفظة(٤). وقال الفراء(٥): المراد جبريل؛ كان إذا نزل بالرسالة، نزلت معه ملائكة يحفظونه من أن تستمع الجنُّ الوحي، فيلقوه إلى كهنتهم فيسبقوا به الرسول. وقال السُّدِّي: ((رَصَداً)) أي: حفظة يحفظون الوحي، فما جاء من عند الله قالوا: إنه من عند الله، وما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان(٦). و(رَصَداً)) نصب على المفعول. وفي الصحاح: والرَّصَد القوم يرصُدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر (٧) والمؤنث، وربما قالوا: أرصاد. (١) أخرجه الحارث في مسنده (٥٦٤ - بغية الباحث). (٢) أخرجه الطبري ٢٣/ ٣٥٣ مختصراً، وينظر النكت والعيون ٦/ ١٢٢، وتفسير البغوي ٤ /٤٠٦ . (٣) النكت والعيون ١٢٢/٦، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٣٥٤/٢٣. (٤) قول قتادة في النكت والعيون ١٢٢/٦. (٥) في معاني القرآن ١٩٦/٣ . (٦) النكت والعيون ٣٠/٦ . (٧) قوله: والمذكر، من (د) و(م). 1 سورة الجن: الآيات ٢٦ - ٢٨ ٣١١ والراصد للشيء: الراقب(١) له؛ يقال: رَصَده يَرْصُده رَضْداً ورَصَداً. والتَّرصُّد: التَّرَقُّب، والمَرْصَد: موضع الرصد. قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا (١٨) قوله تعالى: ﴿لِبَعْلَمَ﴾ قال قتادة ومقاتل: أي: ليعلم محمدٌ أنَّ الرسل قبله قد بلَّغوا الرسالة كما بلَّغ هو الرسالة (٢). وفيه حذفٌ يتعلَّق به اللام؛ أي: أخبرناه بحفظنا الوحي، ليعلم أنَّ الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحقِّ والصدق. وقيل: ليعلم محمدٌ أن قد أبلغ جبريل ومن معه إلیه رسالةَ ربِّه؛ قاله ابن جبير. قال: ولم ينزل الوحي إلَّا ومعه أربعة حفظة من الملائكة عليهم السلام(٣). وقيل: ليعلم الرسل أنَّ الملائكة بلَّغوا رسالاتٍ ربِّهم. وقيل: ليعلم الرسول - أيّ رسول كان - أنَّ الرسل سواه بلَّغوا. وقيل: أي: ليعلم إبليس أنَّ الرسل قد أبلغوا رسالاتِ ربِّهم سليمةً من تخليطه واستراقِ أصحابه. وقال ابن قتيبة: أي: ليعلم الجِنُّ أنَّ الرسل قد بلَّغوا ما نزل عليهم ولم يكونوا هم المبلِّغين باستراق السمع عليهم (٤). وقال مجاهد: ليعلم من كذَّب الرسل أنَّ المرسلين قد بلَّغوا رسالاتِ ربِّهم(٥). وقراءة الجماعة: ((لِيَعْلَمَ)) بفتح الياء، وتأويله ما ذكرناه. وقرأ ابن عباس ومجاهد (١) في الصحاح (رصد): المراقب. (٢) أخرجه الطبري ٣٥٤/٢٣-٣٥٥ عن قتادة. (٣) النكت والعيون ٦/ ١٢٣، وأخرجه الطبري ٣٥٥/٢٣-٣٥٦ بنحوه. (٤) النكت والعيون ١٢٣/٦. (٥) أخرجه الطبري ٣٥٥/٢٣. ٣١٢ سورة الجن: الآية ٢٨ وحُميد ويعقوب بضمِّ الياء (١)، أي: ليُعْلَم الناس أنَّ الرسل قد أبلغوا. وقال الزجَّاج (٢): أي: ليعلم اللهُ أنَّ رسله قد أبلغوا رسالاته، بفتح الياء؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ﴾ [التوبة: ١٦]. المعنى: ليعلم اللهُ ذلك علمَ مشاهدةٍ كما علمه غيباً. ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَتِهِمْ﴾ أي: أحاط علمُه بما عندهم، أي: بما عند الرسل وما عند الملائكة. وقال ابن جبير: المعنى: ليعلم الرسل أنَّ ربَّهم قد أحاط علمُه بما لديهم، فيبلِّغوا رسالاتِه(٣). ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ أي: أحاط بعدد كلِّ شيءٍ، وعرفَه وعلمَه، فلم يخفَ عليه منه شيء. و((عَدَداً)) نصب على الحال، أي: أحصى كلَّ شيءٍ في حال العدد، وإن شئتَ على المصدر، أي: أحصى(٤) وعدَّ كلَّ شيءٍ عدداً، فيكون مصدرَ الفعل المحذوف، فهو سبحانه المحصي المحيط؛ العالم الحافظ لكل شيء وقد بيَّنَّا جميعَه في ((الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى))(٥). والحمد لله وحده. (١) قراءة يعقوب من رواية رويس عنه. النشر ٢/ ٣٩٢. وذكرها عن ابن عباس ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٥/٥. (٢) في معاني القرآن ٢٣٨/٥ . (٣) أخرجه الطبري ٣٥٦/٢٣ . (٤) بعدها في (ظ): كل شيء. (٥) ص٢٥٥، ٢٦٧ . سورة المُزَمِّل مَكِّيَّةٌ كلُّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ والتي تليها، ذكره الماورديُّ(١). وقال الثعلبيُّ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ﴾ إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة (٢)، وهي عشرون آية(٣). بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾ قِ الَِّلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ نِصِفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَقِلِ الْقُرْءَانَ تَّرِلًا فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قال الأخفش سعيد: «الْمُزَّمِّلُ» أصله: المتزمِّل، فأدغمت التاء في الزاي، وكذلك ((المدَّثر))(٤). وقرأ أُبيُّ بن كعب على الأصل: ((الْمُتَزَمِّل)) و((المتدثّر))(٥)، وسعيد: ((الْمُزَمِّلُ)) (٦). وفي أصل: ((المزَّمِّل)) قولان: أحدهما أنه المتحمِّل، يقال: زَمَل الشيء: إذا حمله، ومنه الزَّاملة، لأنها تحمِلُ القُمَاش(٧). (١) في النكت والعيون ١٢٤/٦ . (٢) المحرر الوجيز ٣٨٦/٥ دون نسبة. (٣) في النسخ: سبع وعشرون آية، وهو خطأ. ووقعت هذه العبارة في (م) أول الكلام. وينظر تفسير أبي الليث ٣/ ٤١٥، وتفسير البغوي ٤ / ٤٠٦ . (٤) معاني القرآن للأخفش ٧١٦/٢، ونقله عنه الماوردي في النكت والعيون ١٢٤/٦. (٥) المحرر الوجيز ٣٨٦/٥، وزاد المسير ٣٨٨/٨، والبحر المحيط ٣٦٠/٨. (٦) بتخفيف الزاي، وسيذكرها المصنف عن عكرمة. (٧) النكت والعيون ١٢٤٠/٦ وقوله: الزاملة: هي التي يُحمل عليها من الإبل وغيرها. القاموس (زمل). والمراد بالقماش هنا: متاع البيت. الصحاح (قمش). ٣١٤ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ الثاني: أن المزَّمِّل هو المتلفِّف، يقال: تزمَّل وتدثَّر بثوبهِ إذا تغطى. وزمَّل غيره إذا غطّاه، وكلُّ شيءٍ لُقْف فقد زُمِّل ودُثِّر، قال امرؤ القيس: كِبِيرُ أناسٍ في بِجَادِ مُزَمَّلٍ (١) الثانية: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ﴾ هذا خطابٌ للنبيِّ ﴾(٢)، وفيه ثلاثة أقوال: الأوّل: قول عكرمة ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ بالنبوَّة والملتزم للرسالة(٣). وعنه أيضاً: يا أيها الذي زُمِّل هذا الأمر، أي: حُمِّلَه ثم فتر(٤)، وكان يقرأ: ((يا أيها المزَمَّل)) بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها على حذف المفعول، وكذلك: ((المُدَثَّر))(٥). والمعنى: المزمِّل نفسه والمدثِّر نفسه، أو الذي زَمَّله غيره. الثاني: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ بالقرآن، قاله ابن عباس. الثالث: المزَّمِّل بثيابه، قاله قتادة وغيره. قال النَّخَعيُّ: كان متزمِّلاً بقَطِيفةٍ (٦). عائشة: بمِرطِ طوله أربعة عشرة ذراعاً، نصفه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه على النبيِّ * وهو يصلي، واللهِ ما كان خَزَّا ولا قَزَّا ولا مِرعِزاءَ ولا إبرِيسماً ولا صُوفاً، كان سَداه شعراً، ولُحْمَتُه وَبَراً(٧)، ذكره الثعلبيُّ. قلت: وهذا القول من عائشة يدلُّ على أن السورة مَدَنِيَّة، فإن النبيَّ ﴿ لم يَبْنِ بها إلَّا في المدينة، وماذُكر من أنها مكية لا يصحُّ. والله أعلم. (١) عجز بيت له، وصدره: كأن أبانا في أفانين وَدْقِه، وهو في ديوانه ص٢٥، وسلف ٣٤٧/٧ -٣٤٨، قوله: بجاد، أي: كساء مخطط. والكلام بنحوه في النكت والعيون ١٢٤/٦ -١٢٥. (٢) الوسيط ٣٧١/٤ . (٣) النكت والعيون ١٢٥/٦، وأخرجه الطبري ٣٥٨/٢٣ . (٤) بنحوه في الكشاف ٤/ ١٧٤ - ١٧٥. (٥) القراءات الشاذة ص ١٦٣-١٦٤، والمحتسب ٣٣٥/٢. (٦) النكت والعيون ١٢٥/٦، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٢٤/٢، والطبري ٣٥٧/٢٣ . (٧) الكشاف ١٧٤/٤، والمِرْعِزاء: الزَّغَبُ الذي تحت شعر العنز، والإبريسَمُ: الحرير. القاموس (رعز - برسم) والسَّدَى من الثوب: ما يُمَدُّ طولاً في النسيج، واللُّحمة منه: ما يلحمُ به السَّدَى. ٣١٥ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ وقال الضحاك: تزمَّلَ بثيابه لمنامه(١). وقيل: بلغه من المشركين سوء قولٍ فيه، فاشتدَّ عليه فتزمَّل في ثيابه وتدثَّر، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ و﴿يَّهَا الْمُؤَثِّرُ﴾. وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه(٢)، فإنه لَمَّا سمع قول(٣) الملَك ونظر إليه؛ أخذته الرِّعدة، فأتى أهلَه فقال: ((زمِّلوني دثروني)) روي معناه عن ابن عباس(٤). وقالت الحكماء: إنما خاطبه بالمزَّمل والمدَّثر في أوَّل الأمر، لأنه لم يكن بعدُ ادثر شيئاً من تبليغ الرسالة(٥) . قال ابن العربي(٦): واختلف في تأويل ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يامن تلفَّف في ثيابه، أو في قطيفته؛ ثُمْ، قاله إبراهيم وقتادة. ومنهم من حمله على المجاز، كأنه قيل له: يامن تزمَّل بالنبوّة، قاله عكرمة(٧). وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشدّدة بصيغة المفعول الذي لم يسمَّ فاعله، وأما وهو بلفظ الفاعل فهو باطل. قلت: وقد بينًا أنها على حذف المفعول، وقد قرئ بها، فهي صحيحة المعنى . قال(٨): وأما من قال: إنه زُمِّل القرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه كما قد قدّمنا أنه لايحتاج إليه. الثالثة: قال السُّهَيلي(٩): ليس المُؤَّمِّل باسم من أسماء النبيِّ ﴾، ولم يُعرف به (١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٨٨/٨ من قول السدي. (٢) المصدر السابق. (٣) في (ظ) و(ي): صوت. (٤) الكشاف ١٧٤/٤، وأخرج نحوه الإمام أحمد(١٤٢٨٧)، والبخاري (٤)، ومسلم (١٦١) من حديث جابر بن عبد الله ، وفيه نزول: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. (٥) تفسير البغوي ٤٠٦/٤ بنحوه. (٦) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٥٩ . (٧) سلفت أقوالهم آنفاً. (٨) يعني: ابن العربي. (٩) في التعريف والإعلام ص ١٧٧ - ١٧٨ . ٣١٦ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ كما ذهب إليه بعضُ الناس وعدُّوه في أسمائه عليه الصلاة والسلام، وإنما المُزَّمِّل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المُدَّثِّر. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفةُ، فإنَّ العرب إذا قصدت ملاطفةَ المخاطَب وترك المعاتبة سمَّوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبيِّ # لعليٍّ حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما، فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه الترابُ، فقال له: ((قُمْ يا أبا تُراب))(١) إشعاراً له أنه غير عاتب عليه، وملاطفةً له. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة: ((قم يانَوْمَان))(٢)، وكان نائماً؛ ملاطفةً له، وإشعاراً لِتركِ العَتْب والتأنيب. فقولُ اللهِ تعالى لمحمدٍ ﴾: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ قُ﴾ فيه تأنيسٌ وملاطفةٌ، ليستشعر أنه غیرُ عاتب علیه. والفائدة الثانية: التنبيهُ لكلِّ متزمِّل راقدٍ ليلَه؛ ليتنبه إلى قيام الليل وذكرِ الله تعالى فيه، لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كلٌّ من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة. الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُِّ الَّتِلَ﴾ قراءة العامة بكسر الميم لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو السَّمَّال بضم الميم إتباعاً لضمة القاف(٣). وحُكي الفتح لخفته. قال عثمان بن جنيّ(٤): الغرضُ بهذه الحركة التبلَّغ بها هرباً من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحرَّكت فقد وقع الغرضُ. وهو من الأفعال القاصرة غير المتعدِّية إلى مفعول، فأما ظرف الزمان والمكان فسائٌ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدّى إليه إلا بواسطة، لا تقول: قمت الدار؛ حتى تقول: قمت وسط الدار وخارجَ الدار. (١) أخرجه البخاري (٤٤١)، ومسلم (٢٤٠٩) من حديث سهل بن سعد. (٢) صحيح مسلم (١٧٨٨)، وسلف ١٧/ ٨٢ . (٣) القراءات الشاذة ص١٦٤، والمحتسب ٣٣٥/٢. (٤) في المحتسب ٣٣٦/٢، ونقله عنه المصنف بواسطة الزمخشري في الكشاف ١٧٥/٤. ٣١٧ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ وقد قيل: إن ((قم)) هنا معناه: صَلِّ، عَبَّر به عنه، واستعير له حتى صار عُرْفاً بكثرة الاستعمال(١). الخامسة: ((اللَّيْلَ)) حدُّ الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقد تقدَّم بيانه في سورة البقرة(٢). واختلف: هل كان قيامه فرضاً وحتماً، أو كان ندباً وحضًّا؟ والدلائل تقوِّي أن قيامه كان حتماً وفرضاً، وذلك أن الندب والحضَّ لا يقع على بعض الليل دون بعض، لأن قيامه ليس مخصوصاً به وقتاً دون وقت. وأيضاً فقد جاء التوقيف(٣) بذلك عن عائشة وغيرها على مايأتي. واختلف أيضاً: هل كان فرضاً على النبيِّ :﴿ وحدَه، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال: الأوَّل: قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب إليه خاصة. الثاني: قول ابن عباس، قال: كان قيام الليل فريضة على النبيِّ # وعلى الأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضاً(٤) وهو الصحيح، كما في صحيح مسلم عن زرارة بن أوْفَى أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزوَ في سبيل الله ... الحديث، وفيه: فقلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ألست تقرأ: ((يَا أَيُّهَا الْمُؤَّمِّل))؟ قلت: بلى! قالت: فإن الله عزَّ وجلَّ افترض قيام الليل في أوَّل هذه السورة، فقام ﴿ وأصحابُه حَوْلاً، وأمسك اللهُ عزَّ وجلَّ خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله عزَّ وجلَّ في آخر هذه السورة التخفيفَ، فصار قيام الليل (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٥٩/٤ -١٨٦٠. (٢) ٢ / ٤٩٣ . (٣) في (م) التوقيت. والكلام في الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٢٦/٣ - ١٢٧. (٤) النكت والعيون ٦/ ١٢٥ دون قول ابن عباس: قيام الليل فريضة على النبي # وعلى الأنبياء قبله. ٣١٨ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ تطوُّعاً بعد فريضة. وذكر الحديث(١). وذكر وكيع ويَعْلَى قالا: حدَّثنا مِسْعر عن سِماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: لمَّا أنزل أوّل ﴿بَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾؛ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أوَّلها وآخرها نحو من سنة(٢). وقال سعيد بن جبير: مكث النبيُّ # وأصحابُه عشر سنين يقومون الليل، فنزل بعد عشر سنين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُلُنِى ◌ََّّلِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فخفَّف اللـهُ نهم(٣) . عنهم السادسة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من الليل، أي: صلِّ الليل كلَّه إلا يسيراً منه (٤)، لأن قيام جميعه على الدوام غيرُ ممكن، فاستثنى منه القليلَ لراحة الجسد. والقليلُ من الشيء مادون النصف، فحكي عن وهب بن منبِّه أنه قال: القليل مادون المعشار والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: الثلث . ثم قال تعالى: ﴿نَّصْفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا﴾ فكان ذلك تَخْفيفاً إذ لم يكن زمان القيام محدوداً، فقام الناس حتى ورمت أقدامُهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ (٥) . وقال الأخفش(٦): ((نِصْفَهُ)) أي: أو نصفَه، يقال: أعطه درهماً درهمين ثلاثةً. يريد: أو درهمين، أو ثلاثة. وقال الزجاج (٧): ((نصفَه)) بدل من الليل و((إِلَّا قَلِيلاً)) استثناء من النصف. والضمير (١) صحيح مسلم (٧٤٦)، وهو عند الإمام أحمد(٢٤٢٦٩) (٢) أخرجه أبو داود (١٣٠٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٩٠٧). (٣) المحرر الوجيز ٣٨٧/٥ . (٤) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٦٢. (٥) النكت والعيون ١٢٦/٦ . (٦) في معاني القرآن له ٧١٦/٢-٧١٧ . (٧) في معاني القرآن له ٢٣٩/٥ بنحوه. ٣١٩ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ في ((منه)) و((عليه)) للنصف. المعنى: قمْ نصفَ الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه قليلاً إلى الثلثين(١)، فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن ((نِصْفَهُ)) بدل من قوله ((قَلِيلاً))، وكان مخيراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، كأن تقدير الكلام: قم الليلَ إلا نصفه، أو أقلّ من نصفه، أو أكثر من نصفه(٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﴿ قال: ((يَنزل اللهُ عزَّ وجلَّ إلى سماء الدنيا كلَّ ليلةٍ حين يمضي ثلثُ الليل الأوّل، فيقول: أنا الملِك أنا الملِك، مَن ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له، من ذا الذي يَسألني فأعطيه، من ذا الذي يَستغفرني فأغفرَ له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر))(٣). ونحوه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً. وهو يدلُّ على ترغيب قيام ثلثي الليل . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله﴾: ((إذا مضى شطرُ الليل - أو ثلثاه - ينزل الله)) ... الحديث. رواه من طريقين عن أبي هريرة هكذا على الشك (٤). وقد جاء في كتاب النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله﴾: ((إن الله عزَّ وجل يُمهل حتى يمضيَ شَطْرُ الليل الأوَّل، ثم يأمر منادياً يقول: هل من داعٍ يُستجابُ له؟ هل من مستغفر يُغفر له؟ هل من سائل يُعطَى))؟ صحَّحه أبو محمد عبد الحقِّ، فبين هذا الحديث مع صحته معنى النزول، وأن ذلك یکون عند نصف الليل(٥) . وخرَّج ابنُ ماجه من حديث ابن شهاب، عن أبي سَلَمة وأبي عبد الله الأغرّ، عن (١) ينظر معاني القرآن للفراء ١٩٦/٣، وإملاء مامنً به الرحمن ٤٢٤/٤-٤٢٥ على هامش الفتوحات. (٢) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ١٨٦٣/٤، والكشاف ١٧٥/٤. (٣) صحيح مسلم (٧٥٨): (١٦٩). وسلف ٥/ ٦٠ . (٤) صحيح مسلم (٧٥٨): (١٧٠ و١٧١). (٥) السنن الكبرى للنسائي (١٠٢٤٣)، والأحكام الصغرى ٢٧٨/١، وسلف ٦٠/٥ . ٣٢٠ سورة المزمل: الآيات ١ - ٤ أبي هريرة: أن رسولَ الله ◌ِ﴾ قال: ((ينزلُ ربُّنا - تبارك وتعالى - حين يبقى ثلثُ الليل الآخِر كلَّ ليلة، فيقول: من يَسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفرَله؟ حتى يطلُعَ الفجرُ)). فكانوا يَستحُبُّون الصلاة آخِرَ الليل على أوَّله(١). قال علماؤنا: وبهذا الترتيب انتظم الحديثُ والقرآن، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة(٢). وفي الموطأ وغيره من حديث ابن عباس: بِتُّ عند خالتي ميمونة؛ حتى إذا انتصف الليلُ، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسولُ الله ﴾، فقام إلى شَنِّ معلَّق، فتوضأ وضوءاً خفيفاً. وذكر الحديث(٣). السابعة: اختلف العلماءُ في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة أن الناسخ للأمر بقيام الليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَُّ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن قُلْنَى الَّلِ﴾ إلى آخر السورة(٤). وقيل: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. وعن ابن عباس أيضاً: هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُرُ مَرْضَّ﴾ [المزمل: ٢٠]. وعن عائشة أيضاً والشافعيِّ ومقاتل وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس(٥). وقيل: الناسخ لذلك قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُوأَ مَا تَتَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، قال أبو (١) سنن ابن ماجه (١٣٦٦)، وهو عند الإمام أحمد (٧٥٩٢)، والبخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٦٢ . (٣) الموطأ ١٢١/١ بنحوه، وهو عند البخاري (١٣٨) ومسلم (٧٦٣) (١٨٦). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٥/٥، والنكت والعيون ٦/ ١٢٥ عن ابن عباس. (٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٢٥/٦ من قول عائشة، والبغوي في تفسيره ٤/ ٤٠٧ من قول مقاتل وابن كيسان. ٫٠٠ :