النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ و﴿قَالَ (١) إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىّ﴾ و﴿قُلْ إِّ لَآ أَمْلِكُ﴾. وكذلك لاخلاف في كسر ماكان بعد فاء الجزاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ و﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ﴾ لأنه موضع ابتداء. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيْنَا﴾ الجَدُّ في اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا حَفِظَ((البقرة)) و((آل عمران)) جَدَّ في عيوننا(٢)، أي: عَظُم وجَلَّ. فمعنى: ((جدُّ رَبِّنَا)) أي: عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهدٌ وقتادة. وعن مجاهد أيضاً: ذِكْرُه. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضاً: غناه. ومنه قيل للحظّ: جَدٌّ، ورجل مجدود، أي: محظوظ، وفي الحديث: ((ولا ينفع ذا الجَدِّ، منك الجَدّ))(٣) قال أبو عبيد(٤) والخليل: أي: ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس: قدرته. وقال الضحاك: فِعْله. وقال القُرَظيُّ والضحَّاك أيضاً: آلاؤه ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة (٥) والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السديّ: أمره. وقال سعيد ابن جُبير: ﴿وَأَنَُّ تَعَلَى جَدُّ رَإِنَا﴾ أي: تعالى ربُّنا. وقيل: إنهم عَنَوا بذلك الجَدَّ الذي هو أب الأب، ويكون هذا من قول الجن(٦) . وقال محمد بن عليٍّ بن الحسين وابنهُ جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جَدّ، وإنما قالته الجنُّ للجهالة، فلم يؤاخذوا به(٧). وقال القشيريّ: ويجوز إطلاق لفظ الجدِّ في حقِّ الله تعالى، إذ لو لم يجز لَمَا (١) قرأ عاصم وحمزة ((قل)) بغير ألف. السبعة ص ٦٥٧، والتيسير ص ٢١٥ . (٢) أخرجه أحمد (١٢٢١٥) مطولاً. (٣) سلف ١٩/ ٤٦٣ . (٤) في (د) و(م): أبو عبيدة. (٥) مجاز القرآن ٢/ ٢٧٢ . (٦) ينظر لهذه الأقوال تفسير الطبري ٣١٢/٢٣-٣١٥، والنكت والعيون ٦/ ١١٠، وتفسير البغوي ٤/ ٤٠١ . (٧) المحرر الوجيز ٣٧٩/٥ بنحوه، وأخرجه الطبري ٣١٥/٢٣ عن محمد أبي جعفر الباقر. قال ابن عطية: قال كثير من المفسرين: هذا قول ضعيف. ٢٨٢ سورة الجن: الآيات ١ - ٧ :٠ ذُكر في القرآن، غير أنه لفظ مُوهم ، فتجنُّبُه أولى. وقرأ عِكرمة: ((جِدّ)) بكسر الجيم؛ على ضد الهَزْل. وكذلك قرأ أبو حَيْوة ومحمد ابنُ السَّمَیفع. ويروى عن ابن السَّمَيفع أيضاً وأبي الأشهب: ((جَدَا رَبِّنا)) وهو الجَدْوى، والمنفعة. وقرأ عكرمة أيضاً: ((جَدًّا)) بالتنوين؛ ((رَبُّنَا)) بالرفع على أنه مرفوع بـ ((تعالى))، و ((جَدًّا)) منصوب على التمييز. وعن عكرمة أيضاً: ((جَدٌّ) بالتنوين والرفع، ((رَبُّنَا)) بالرفع، على تقدير: تعالى جَدّ جَدُّ ربّنا، فـ ((جَدّ)) الثاني بدلٌ من الأول، وحذف وأقيم المضافُ إليه مُقامه(١) ومعنى الآية: وأنه تعالى جلالُ ربِّنا أن يتّخذ صاحبةً وولداً للاستئناس بهما والحاجة إليهما، والربُّ يتعالى عن الأنداد والنظراء. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (١) وَأَنَّا ◌َنَّا أَنْ لَّن نَقُولَ الْإِسُ وَاَلِنُّ عَلَى الَّهِ كَذِّبًا ﴾ وَأَنَّكُر كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ وَنَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَكُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ( قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا﴾ الهاء في ((أَنَّهُ)) للأمر أو الحديث، وفي ((كان)) اسمها، وما بعدها الخبر. ويجوز أن تكون ((كان)) زائدة(٢). والسفيه هنا إبليس في قول مجاهدٍ وابن جريح وقتادة. ورواه أبو بُرْدة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبيِّ﴾(٣). وقيل: المشركون من الجنّ. قال قتادة: عصاه سفيه الجنِّ كما عصاه سفيه الإنس (٤) . (١) المحتسب ٣٣٢/٢، وفيه القراءتان عن عكرمة. (٢) مشكل إعراب القرآن ٧٦٤/٢ . (٣) النكت والعيون ١١٠/٦ دون ذكر ابن جريح، وقول مجاهد وقتادة أخرجه الطبري٣٢٠/٢٣. (٤) أخرجه الطبري ٣٢١/٢٣. ٢٨٣ سورة الجن: الآيات ٤ - ٧ والشطط والاشتطاط: الغلوُّ في الكفر. وقال أبو مالك: هو الَجْور. وقال الكلبيّ: هو الكذب. وأصله البعد، فيعبَّر به عن الَجْور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق(١)، قال الشاعر: بأيَّة حالٍ حگَّموا فیك فاشتقُوا وماذاكَ إلا حيثُ يَمَّمك الوَخْطُ (٢) قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنًا﴾ أي: حَسِبنا ﴿أَنْ لَّن نَقُولَ اَلْإِنْسُ وَاَلِنُّ عَلَى الَِّ كَذِّبًا﴾، فلذلك صدَّقناهم في أنَّ لله صاحبةً وولداً، حتى سمعنا القرآنَ وتبيًّا به الحقّ. وقرأ يعقوب والجحدريُّ وابن أبي إسحاق: ((أَنْ لَنْ تَقَوَّل))(٣). وقيل: انقطع الإخبار عن الجنِّ هاهنا، فقال الله تعالى: ﴿وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ﴾ فَمِن فَتَحَ وجعله من قول الجنّ، ردَّها إلى قوله: ((أَنَّهُ اسْتَمَعَ))، ومن كسر جعلها مبتدأً من قول الله تعالى. والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بوادٍ: أعوذ بسيِّد هذا الوادي مِن شرِّ سفهاء قومه، فَيبيت في جواره حتى يُصبح، قاله الحسن وابن زيد وغيرهما(٤). قال مقاتل: كان أَوَّل مَن تعوَّذ بالجنِّ قومٌ من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب(٥)، فلمَّا جاء الإسلام، عاذوا بالله وترکوهم. وقال كَرْدَم بن أبي السائب(٦): خرجت مع أبي إلى المدينة أَوَّلَ ما ذُكر النبيُّ ◌َ﴾، (١) النكت والعيون ١١٠/٦. (٢) لم نقف عليه. والوخط: الشيب. (٣) قراءة يعقوب في النشر ٢/ ٣٩٢، وهي من العشرة، وقراءة الجحدري في القراءات الشاذة ص١٦٢ والمحتسب ٣٣٣/٢ . (٤) أخرج قولهم الطبري ٣٢٢/٢٣ -٣٢٤. (٥) المحرر الوجيز ٣٨٠/٥. (٦) الأنصاري. قال البخاري وابن السكن: له صحبة. وقال ابن حبان: يقال: له صحبة، ثم أعاده في التابعين، فقال: يروي المراسيل. وقال أبو عمر: يقال: له صحبة، سكن المدينة، ومخرج حديثه عن أهل الكوفة. الإصابة ٢٧٦/٨ . ٢٨٤ سورة الجن: الآيات ٤ - ٧ فآوانا المبيتُ إلى راعي غنم، فلمَّا انتصف الليل، جاء الذئب فأخذ حَمَلاً من الغنم، فقال الراعي : ياعامرَ الوادي، جارُك. فنادى منادٍ لا نراه: ياسِرْحان أرسله، فأتى الحَمَلُ يَشْتَدّ، وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾(١) أي: زاد الجنُّ الإنسَ رَهَقاً، أي: خطيئة وإثماً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة(٢). والرَّهَق: الإثم في كلام العرب وغِشْيانُ المحارم(٣)، ورجلٌ رَهِقٌّ: إذا كان كذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧]، وقال الأعشى(٤): لا شيءَ ینفعُني مِن دون رؤیتِها هل يَشتفي عاشقٌ(٥) مالم يُصِب رَهَقًا يعني إثماً. وأضيف الزيادة إلى الجنَّ إذ كانوا سبباً لها. وقال مجاهدٌ أيضاً: ((فَزَادُوهم)) أي: إنَّ الإنس زادوا الجنَّ طغياناً بهذا التعوُّذ، حتى قالت الجنّ: سُدنا الإنسَ والجنّ(٦). وقال قتادة أيضاً وأبو العالية والربيع وابن زيد: ازداد الإنس بهذا فَرَقَاً وخوفاً من الجنّ(٧). وقال سعيد بن جُبير: كفراً (٨). ولا خفاءَ أنَّ الاستعاذة (١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٢٤٠/٨ - والطبراني في الكبير ١٩١/١٩-١٩٢ (٤٣٠)، والواحدي في الوسيط ٣٦٤/٤، والبغوي في تفسيره ٤٠٢/٤. قال الهيثمي في المجمع ١٢٩/٧ : فيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي نحوه. قال ابن كثير: وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل ۔ وهو ولد الشاة ۔ کان جنيًّا حتى يُرهب الإنسي ويخاف منه، ثم رده عليه لما استجاربه، ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه، والله أعلم. (٢) أخرجه الطبري ٣٢٤/٢٣-٣٢٥ عن ابن عباس وقتادة وإبراهيم. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٠٢. (٤) ديوانه ص٤١٥ . (٥) في (م): وامق، أي: محبّ. (٦) أخرجه الطبري ٣٢٥/٢٣ مختصراً. وينظر الوسيط للواحدي ٤/ ٣٦٤ . (٧) أخرجه الطبري ٣٢٥/٢٣-٣٢٦ عن الربيع وابن زيد، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١١١/٦ عن أبي العالية. (٨) النكت والعيون ٦/ ١١١. ٢٨٥ سورة الجن: الآيات ٤ - ١٠ بالجنِّ دون الاستعاذة بالله كفرٌ وشرك. وقيل: لا يطلق لفظُ الرجال على الجنِّ، فالمعنى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجنِّ برجال من الإنس، وكان الرجلُ من الإنس يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بن بدر من جنٌّ هذا الوادي. قال القشيريّ: وفي هذا تحكّم، إذ لا يَبْعُدُ إطلاقُ لفظ الرجال على الجنّ. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَفُ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ هذا مِن قول اللهِ تعالى للإنس، أي: وأنَّ الجنَّ ظُّوا أنْ لن يبعثَ اللهُ الخلقَ كما ظننتم. قال الكلبيّ: المعنى: ظنَّت الجنُّ كما ظنَّت الإنس أنْ لن يبعث الله رسولاً إلى خلقه يقيمُ به الحجَّةَ عليهم(١). وكلُّ هذا توكيدٌ للحجَّة على قريش، أي: إذا آمن هؤلاء الجنُّ بمحمد، فأنتم أحقُّ بذلك. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَةَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُيًّا (٨) وَأَنَّا كُنَّاً نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلِسَّمْحِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبً رَّصَدًا () وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْ رَشَدًا ﴾﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآَةَ﴾ هذا من قول الجنّ، أي: طلبنا خبرها كما جرت عادتنا، فوجدناها قد مُلِئت حَرَساً شديداً، أي: حَفَظة، يعني الملائكة. والحَرَس: جمع حارس ((وشُهُباً)) جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع(٢). وقد مضى القولُ فيه في سورة الحِجْر والصافَّات(٣). و((وجَدَ)) يجوز أن يقدَّر متعدِّياً إلى مفعولين، فالأوَّل الهاء والألف، و((مُلِئت)) في موضع المفعول الثاني، ويجوز أن يتعدَّى إلى مفعول واحد، ويكون ((مُلئت)) في (١) أخرجه بنحوه الطبري ٣٢٦/٢٣-٣٢٧. (٢) النكت والعيون ١١٢/٦ . (٣) ١٨٦/١٢ فما بعد، ١٠/١٨ فما بعد. ٢٨٦ سورة الجن: الآيات ٨ - ١٠ موضع الحال على إضمار ((قد))(١). و((حَرَساً)) نصب على المفعول الثاني بـ((مُلِئت))(٢). و((شديداً)) من نعت الحَرس، أي: ملئت ملائكةٌ شِداداً. ووحّد الشّديد على لفظ الحرَس، وهو كما يقال: السَّلَف الصالح، بمعنى الصالحين، وجمع السَّلَف: أسلاف، وجمع الحرس: أحراس، قال: تجاوزتُ أحراساً وأهوالَ مَعْشَرٍ (٣). ويجوز أن يكون ((حَرَسَاً)» مصدراً على معنى: حُرِستْ حراسةٌ شديدةً. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِسَّمْعُ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبًا تَّصَدًا﴾ ((مِنْهَا)) أي: من السماء، و((مَقَاعِدَ)): مواضع يُقْعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، يعني أنَّ مَرَدة الجنِّ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبارَ السماء حتى يُلقوها إلى الكهنة، على ما تقدَّم بيانه(٤)، فَحَرسها اللهُ تعالى حين بعث رسولَه بالشُّهب المحرِقة، فقالت الجنُّ حينئذ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ يعني بالشهاب الكوكبَ المُحرِق(٥)، وقد تقدَّم بيانُ ذلك(٦). ويقال: لم يكن انقضاضُ الكواكب إلَّا بعد مبعث النبيِّ :﴿، وهو آيةٌ من آياته(٧). واختلف السَّلف: هل كانت الشياطين تُقذَف قبل المبعث، أو كان ذلك أمراً حدث لمبعث النبيِّ ﴾؟ فقال الكلبيُّ وقال قوم: لم تكن تُحرس السماء في الفترة بين (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٨/٥، ومشكل إعراب القرآن ٧٦٤/٢ قال النحاس: والأول أولى، وبنحوه قال مكي . (٢) والأظهر أنه تمييز كما في البيان لابن الأنباري ٤٦٦/٢، ومشكل إعراب القرآن ٧٦٤/٢ . (٣) صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: عليَّ حِرَاصٌ لو يُشِرُّون مقتلي، وهو في ديوانه ص١٣، وسلف ٣٠٣/١٤ . (٤) في المسألة الثانية، وينظر ١٥/ ٦٦ . (٥) النكت والعيون ١١٢/٦. (٦) ١٢/١٨ - ١٣. (٧) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٣٤/٥ . ٢٨٧ سورة الجن: الآيات ٨ - ١٠ عيسى ومحمدٍ صلوات الله عليهما وسلامه، خمس مئة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبيِّ ﴾، فلما بُعث محمدٌ ﴾ منعوا من السماوات كلِّها، وحُرست بالملائكة والشُّهب . قلت: ورواه عطية العوفيُّ عن ابن عباس، ذكره البيهقي (١). وقال عبد الله بن عمر(٢): لمَّا كان اليومُ الذي نُبِّئ رسولُ اللـهلَ﴾، مُنعت الشياطين ورُمُوا بالشُّهب. وقال عبد الملك بن سابور(٣): لم تكن السماء تُحرس في الفترة بين عيسى ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، فلما بُعث محمدٌ ﴿ حُرست السماء، ورُميت الشياطين بالشُّهب، ومُنعت من الدُّنوّ من السماء. وقال نافع ابن جُبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا تُرمَى، فلما بعث رسولُ الله ◌ِ﴾ رُميت بالشُّهب. ونحوهُ عن أُبيِّ بن كعب قال: لم يُرمَ بنجم منذ رُفع عيسى حتى نُبِّئ رسولُ اللهِ# فرُمي بها (٤). وقيل: كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسولِ الله # إنذاراً بحاله(٥)؛ وهو معنى قولهِ تعالى: ﴿مُلِئَتْ﴾ أي: زيد في حَرَسها؛ وقال أَوْس بن حَجَر، وهو جاهلي : فانقضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبعهُ نَفْعٌ يثورُ تخالهُ طُنُباً وهذا قول الأكثرين(٦). وقد أنكر الجاحظُ هذا البيتَ وقال: كلُّ شعر رُوي فيه فهو مصنوع(٧)، وأنَّ الرمي لم يكن قبل المبعث. (١) في دلائل النبوة ٢٤٢/٢ . (٢) في (ظ): عبد الله بن المبارك، والأثر أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١٧٩) عن عبد الله بن عمرو. (٣) لم تقف على ترجمته. (٤) أخرجه الواقدي وأبو نعيم كما في الدر المنثور ٦/ ٢٧٣ . (٥) النكت والعيون ٦/ ١١٢. (٦) المصدر السابق. والبيت في ديوان أوس ص٣. الطُّنب: حبل الخباء. الصحاح (طنب). (٧) النكت والعيون ٦/ ١١٢. ٢٨٨ سورة الجن: الآيات ٨ - ١٠ والقولُ بالرمي أصحّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَجَدْنَهَا مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُيً﴾. وهذا إخبارٌ عن الجنّ، أنه زِيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم؛ ولِمَا رُوي عن ابن عباس قال: بينما النبيُّ # جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رُمي بنجم، فقال: ((ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية)»؟ قالوا: كنّا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبيُّ﴾: ((إنها لا تُرْمَى لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّ ربَّنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمراً في السماء؛ سبَّح حَمَلةُ العرش، ثم سبَّح أهل كلِّ سماء، حتى ينتهيَ التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبرُ أهلُ السماء حَمَلةَ العرش: ماذا قال ربُّكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهلُ كلِّ سماءٍ حتى ينتهيَ الخبرُ إلى هذه السماء، فتتخَطَّف الجنُّ، فيُرْمَون، فما جاؤوا به فهو حقّ، ولكنهم يزيدون فيه))(١). وهذا يدلُّ على أنَّ الرجم كان قبل المبعث . وَرَوى الزُّهريُّ نحوَه عن عليٍّ بن الحسين بن(٢) عليٍّ بن أبي طالب، عن ابن عباس، وفي آخره: قيل للزهريِّ: أكان يُرمَى في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيتَ قولَه سبحانه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعُ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبً رَّصَدًا﴾ قال: غُلِّظت وشُدِّد أمرُها حين بُعث النبيُّ ◌َ﴾(٣). ونحوَه قال القُتبي. قال ابن قتيبة: كان، ولكن اشتدَّت الحراسة بعد المبعث؛ وكانوا من قبلُ يسترِقُون ويُرمَون في بعض الأحوال، فلما بُعث محمدٌ ﴿ مُنعت من ذلك أصلاً(٤). وقد تقدَّم بيانُ هذا في سورة الصافات عند قوله: ﴿وَيُقْذَّفُونَ مِن كُلِّ جَانٍِ. دُحُورًا وَلَمْ عَذَابٌ وَاصِبُ﴾(٥) [الآية: ٨-٩] قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرَّض الجنُّ (١) أخرجه أحمد (١٨٨٣)، ومسلم (٢٢٢٩) من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس بنحوه. (٢) في (د) و(م): عن، وهو خطأ. (٣) دلائل النبوة ٢٣٧/٢، وهذه الرواية عند أحمد (١٨٨٢) في أثناء الحديث. (٤) تأويل مشكل القرآن ص ٣٣٣ . (٥) ١٨/ ١٢ - ١٣. ٢٨٩ سورة الجن: الآيات ٨ - ١٠ لإحراقٍ نفسِها بسبب استماعٍ خبر، بعد أن صار ذلك معلوماً لهم؟ فالجواب: أنَّ الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تَعْظُمَ المِحْنة، كما ينسَى إبليس في كلِّ وقتٍ أنه لا يسلم، وأنَّ الله تعالى قال له: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ الَّعْنَةَ إِلَ يَوْمِ الذِينِ﴾ [الحجر: ٣٥] ولولا هذا لَمَا تحقَّقَ التكليف. والرَّصَد؛ قيل: من الملائكة، أي: ورَصَداً من الملائكة. والرَّصَدُ: الحافظ للشيء، والجمع أرصاد، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعاً كالحرس، والواحد: راصد. وقيل: الرَّصَد هو الشِّهاب، أي: شهاباً قد أُرصد له، ليُرجَمَ به؛ فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول، كالخَبَطِ والنَّفَض(١). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بهذا(٢) الحرسِ الذي حُرست بهم السماء ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ أي: خيراً. قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن يُنزل على أهل الأرض عذاباً أو يُرسل إليهم رسولاً؟(٣) وقيل: هو من قول الجنِّ فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءةً النبيِّ ﴾. أي: لا ندري أَشَرِّ أُرِيدَ بمَن في الأرض بإرسال محمدٍ إليهم، فإنهم يكذّبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك مَن كذَّب مِن الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا. فالشرُّ والرَّشَد على هذا الكفرُ والإيمان؛ وعلى هذا كان عندهم علمٌ بمبعث النبيِّ﴾، ولمَّا سمعوا قراءته علموا أنهم مُنعوا من السماء حراسةً للوحي. وقيل: لا؛ بل هذا قولٌ قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين، أي: لمَّا آمنوا أشفقوا ألَّا يؤمنَ كثير من أهل الأرض، فقالوا: إنا لا ندري أيكفر أهلُ الأرض بما آمنًا به أم يؤمنون؟ (١) الخَبَط: ما سقط من ورق الشجر بالخَبْط، ونحوه النَّفَض. (٢) في (د) و(م): هذا. (٣) أخرجه الطبري ٣٢٨/٢٣ بنحوه. ٢٩٠ سورة الجن: الآيتان ١١ - ١٢ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَابِقَ قِدَدًا (٨ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَّن تُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن تُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾﴾﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَِّحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلٌِّ﴾ هذا من قول الجنِّ، قال بعضهم لبعض لمَّا دَعَوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد ﴾: وإنَّا كَّا قبل استماع القرآنِ منَّا الصالحون ومنًّا الكافرون. وقيل: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: دون الصالحين في الصلاح، وهو أشبه مِن حَمْله على الإيمان والشرك (١). ﴿كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا﴾ أي: فِرَقاً شتَّى؛ قاله السُّدِّيّ. الضَّحاك: أدياناً مختلفة(٢). قتادة: أهواءً متباينة (٣)؛ ومنه قول الشاعر: القابضُ الباسطُ الهادي لطاعتهِ في فتنة الناسِ إذ أهواؤهمْ قِدَهُ (٤) والمعنى: أي: لم يكن كلُّ الجنِّ كفاراً، بل كانوا مختلفين؛ منهم كفَّارِ، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيّب(٥): كنا مسلمین ويهود ونصارى ومجوس. وقال السُّدِّي في قوله تعالى: ﴿طَرَّبِقَ قِدَدًا﴾ قال: في الجنّ مِثلُكم: قَدَريَّة، ومُرْجئة، وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسُنِّية(٦). وقال قوم: أي: وإِنَّا بعد استماع القرآن مختلفون: منَّا المؤمنون ومنَّ الكافرون. أي: ومنَّا الصالحون، ومنَّا مؤمنون لم يتناهَوا في الصلاح. والأوَّل أحسن؛ لأنه كان في الجنّ مَن آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر اللهُ عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى (١) النكت والعيون ١١٣/٦ .. (٢) المصدر السابق. (٣) أخرجه الطبري ٣٣٠/٢٣. (٤) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص٦٣، والكلام في النكت والعيون ١١٣/٦. (٥) في فتح القدير ٣٠٦/٥ : سعيد بن المسيب. (٦) تفسير البغوي ٤٠٣/٤، وزاد المسير ٨/ ٣٨٠ عن الحسن والسدي. ٢٩١ سورة الجن: الآيتان ١١ - ١٢ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وهذا يدلُّ على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغةً منهم في دعاء مَن دَعَوهم إلى الإيمان. وأيضاً لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلی مؤمن وإلی کافر. والطرائق: جمع الطريقة، وهي مذهب الرجل، أي: كنّا فِرَقاً مختلفة. ويقال: القوم طرائق، أي: على مذاهبَ شتّى. والقِدَد: نحوٌّ من الطرائق، وهو توكيدٌ لها، واحدها: قِدَّة. يقال: لكل طريق قِدَّة، وأصلها مِن قَدِّ السُّيور، وهو قَطْعُها؛ قال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد(١): لم تَبْلُغ العينُ كلَّنَهْمَتها ليلةَ تُمْسي الجِيادُ كالقِدَدِ وقال آخر : يومَ وَلَّتْ خَيلُ عَمْرٍ و قِدَدا(٢) ولقد قلتُ وزّيدٌ حاسرٌ والقِدّ - بالكسر - سَيْر يُقَدُّ من جلد غير مدبوغ؛ ويقال: ماله قِدٌّ ولا قِخْف؛ فالقِدُّ: إناء من جلد، والقِحف: من خشب(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن ◌َّنْ تُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾ الظنُّ هنا بمعنى العلمِ واليقين، وهو خلاف الظنِّ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ◌َنَّا أَن لَّنْ نَقُولَ﴾، ﴿وَأَّهُمْ ظَنُواْ﴾ أي: عَلِمْنا بالاستدلال والتفكّر في آيات الله أَنَّا في قبضته وسلطانه، لن نفوتَه بهرب ولا غيرِهِ. و﴿هَرَبًا﴾ مصدرٌ في موضع الحال(٤)، أي: هاربين. (١) في النسخ: زيداً، والتصويب من المصادر، والبيت في ديوان لبيد ص٥٠ . (٢) نسبه الشوكاني في فتح القدير ٣٠٦/٥ للبيد، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٣ فقال: وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله ... قال ابن عباس: أما سمعت الشاعر وهو يقول ... ثم ذكره . (٣) الصحاح (قده). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٥/ ٤٩. ٢٩٢ سورة الجن: الآيات ١٣ - ١٥ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىَ ءَامَنَّا بِهُ فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِهِ، فَلَ يَخَافُ بَخْسًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَوَأْ رَشَدًا وَلَا رَهَقًّا (٣) ﴿ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىَ﴾ يعني القرآن ﴿ءَامَنَّا بِهِ﴾ وبالله، وصدَّقنا محمداً على رسالته. وكان ﴿ مبعوثاً إلى الإِنس والجنِّ. قال الحسن: بعث اللهُ محمداً ﴿ إلى الإِنس والجنِّ، ولم يبعث الله تعالى قظُ رسولاً من الجنِّ، ولا من أهل البادية، ولا من النساء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ◌ُّوحِىّ إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف: ١٠٩](١) وقد تقدَّم هذا المعنى (٢). وفي الصحيح(٣): ((وبُعثتُ إلى الأحمر والأسود)) أي: الإنس والجنّ. ﴿فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَ يَخَافُ بَنْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ قال ابن عباس: لا يخاف أن يُنْقَص من حسناته ولا أن يزادَ في سيئاته؛ لأن البخس النقصان، والرَّهَق العدوان (٤) وغشيان المحارم، قال الأعشى(٥): لا شيء ينفعني من دونِ رؤيتِها هل يَشتفي وامِقٌ مالم يُصِبْ رَهَقاً الوامق: المحبّ؛ وقد وَمِقَه يمِقُه - بالكسر - أي: أحبَّه، فهو وامق(٦). وهذا قولٌ حكاه الله تعالى عن الجِنِّ؛ لقُوَّة إيمانهم وصِحَّةِ إسلامهم(٧). وقراءة العامة: ((فَلَا يَخَافُ)) رفعاً، على تقدير: فإنه لا يخاف. وقرأ الأعمش (١) النكت والعيون ١١٣/٦. (٢) ١١/ ٤٦٩ -٤٧٠ (٣) صحيح البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١). وسلف ٢٥٨/٤ . (٤) النكت والعيون ١١٣/٦-١١٤. وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٣٣٢/٢٣. (٥) ديوانه ص٤١٥، وسلف ص٢٨٤ من هذا الجزء. (٦) الصحاح (ومق). (٧) النكت والعيون ١١٤/٦ . ٢٩٣ سورة الجن: الآيات ١٣ - ١٧ ويحيى وإبراهيم: (فَلَا يَخَفْ)) جزماً على جواب الشرط وإلغاء الفاء(١). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونِّ﴾ أي: وأَنَّا بعد استماع القرآن مختلفون، فمنَّا مَن أسلم ومنَّا مَن كفر. والقاسط: الجائر، لأنه عادلٌ عن الحقّ، والمُقْسِط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق؛ قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل؛ قال الشاعر(٢): قومٌ همُ قتلوا ابنَ هندٍ عَنوةً عَمْراً وهمْ قَسَطُوا على النُّعْمانِ ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَزَّوْاْ رَشَدًا﴾ أي: قصدوا طريق الحقِّ وتوخّوه(٣). ومنه تحرِّي القِبلة. ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ﴾ أي: الجائرون عن طريق الحقِّ والإيمان ﴿فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خطبًا﴾ أي: وقوداً. وقوله: ﴿فگانُوا﴾ أي: في علم الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَلَِّ اُسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًّا (٨٧) لِنَفْئِنَهُ فِيَةٍ وَمَنْ يُعْرِضِ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (®﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَلَِّ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ﴾ هذا مِن قول الله تعالى. أي: لو آمن هؤلاء الكفار، لوسَّعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق. وهذا محمولٌ على الوحي، أي: أُوحي إليَّ: أنْ لو استقاموا. ذكر ابن بحر: كلُّ ما في السورة مِن ((إنَّ)) المكسورة المثقّلة فهي حكايةٌ لقول الجِنِّ الذين استمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكلُّ ما فيها مِن ((أنّ)) المفتوحة المخففة(٤) فهي وحيّ إلی رسول الله ﴾. (١) نسب القراءة النحاس في إعراب القرآن ٤٩/٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٢/٥ للأعمش ويحيي بن وثاب، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٣ ليحيى بن وثاب. (٢) هو الفرزدق، والبيت في الشعر والشعراء ٢٣٥/١، والمحرر ٣٨٢/٥، والأغاني ٥٤/١١، والخزانة ٩/٦. (٣) تفسير البغوي ٤٠٣/٤ . (٤) بعدها في النكت والعيون ١١٦/٦ - والكلام منه -: أو المثقلة. اهـ. وفي هذا الكلام خلاف، وينظر ما سلف ص٢٧٩ - ٢٨٠ من هذا الجزء. ٢٩٤ سورة الجن: الآيتان ١٦ - ١٧ وقال ابن الأنباريّ(١): ومَن كسر الحروف وفتح ((وأَنْ لو استقاموا)) أضمر يميناً تامّاً(٢)، تأويلها: واللهِ أنْ لو استقاموا على الطريقة؛ كما يقال في الكلام: والله أَنْ [لو] قمتَ لقمتُ، ووالله لو قمتَ قمتُ؛ قال الشاعر: أَمَا واللهِ أَنْ لو كُنتَ حُرًّا وما بِالحُرِّ أنتَ ولا العتِيقِ (٣) ومَن فتح ما قبل المخفَّفة نسَقها - أعني الخفيفة - على: ((أوحيَ إليَّ أَنَّه))، ((وأَنْ لو استقاموا))، أو على (٤): ((آمنًّا به)) وبأن لو استقاموا. ويجوز لمن كسر الحروف كلَّها إلى ((أن)) المخففة، أن يعطف المخفَّفةَ على: (أُوحِيَ إليَّ)) أو على: ((آمنًّا به))، ويستغني عن إضمار اليمين. وقراءة العامة بكسر الواوٍ مِن ((لو))؛ لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثَّاب والأعمش (٥) بضمِّ الواو (٥). ﴿ََّ غَدَقًا﴾ أي: واسعاً كثيراً، وكانوا قد حُبِس عنهم المطرُ سبعَ سنين(٦)؛ يقال: غَدِقت العينُ تَغدَق فهي غَدِقة: إذا كَثُر ماؤها. وقيل: المراد الخلق كلُّهم، أي: ((لو استقاموا على الطّريقة)) طريقةِ الحقِّ والإيمان والهدى، وكانوا مؤمنين مطيعين، (لَأَسقيناهُمْ ماءً غَدَقاً)) أي كثيراً: ((لِنَفْتِنَهُمْ فيه)) أي: لنختبرهم كيف شكرُهم فيه على تلك النّعَم. وقال عمر في هذه الآية : أينما كان الماءُ كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة(٧). فمعنى ((لَأَسقيناهُمْ)): لوسَّعنا عليهم في الدنيا؛ وضَرَب الماءَ الغَدَقَ الكثيرَ (١) في الوقف والابتداء ٢/ ٩٥١ - ٩٥٢ . وما سیرد بين حاصرتين منه. (٢) قوله: تامّاً، ليس في الوقف والابتداء. (٣) سلف ٣٣٦/١١. (٤) في النسخ الخطية والمصدر: وعلى، والمثبت من (م). (٥) القراءات الشاذة ص١٦٣، والمحتسب ٣٣٣/٢ . (٦) قاله مقاتل كما في الوسيط للواحدي ٣٦٦/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٠٣ . (٧) أخرجه الطبري ٣٣٧/٢٣ . ٢٩٥ سورة الجن: الآيتان ١٦ - ١٧ لذلك مثلاً؛ لأنَّ الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىْ ءَامَنُواْ وَأَنَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقولهِ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَّيِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرَّجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦](١) أي: بالمطر. والله أعلم . وقال سعيد بن المسيّب وعطاء بن أبي رَبَاح والضحَّاك وقتادة ومقاتل وعطية وعُبيد بنُ عمير والحسن: كان - واللهُ - أصحابُ النبيِّ:﴿ سامعين مطيعين، ففُتحت عليهم كنوزُ كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشيِّ ففُتنوا بها، فوثبوا على إمامهم فقتلوه. يعني عثمان بنَ عمَّان(٢). وقال الكلبيُّ وغيره: ((وأَنْ لو استقاموا على الطّريقة)) التي هم عليها من الكفر فكانوا كلُّهم كفاراً، لوَّسعنا أرزاقهم مكراً بهم واستدراجاً لهم، حتى يَقتتنوا بها، فنعذّبهم بها في الدنيا والآخرة. وهذا قولٌ قاله الربيع بنُ أنس وزيد بن أسلم وابنه والكلبيُّ والثُّماليُّ وَيَمَان بنُ رِئاب وابن كيسان وأبو مِجْلَز؛ واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤](٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُونِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّتٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]. والأوَّل أشبه؛ لأنَّ الطريقة معرَّفةٌ بالألف واللام، فالأوجب أن تكون طريقته طريقةَ الهدى(٤)؛ ولأن الاستقامة لا تكون إلَّا مع الهدى. وفي صحيح مسلم(٥) عن (١) الوسيط للواحدي ٤/ ٣٦٧، وتفسير البغوي ٤٠٣/٤ . (٢) ذكره عن الحسن وسعيد بن المسيب ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٣/٥. (٣) قول الربيع وزيد والكلبي وابن كيسان في تفسير البغوي ٤/ ٤٠٤، وعن أبي مجلز أخرجه الطبري ٣٣٨/٢٣. (٤) معاني القرآن للزجاج ٢٣٦/٥ . (٥) برقم (١٠٥٢): (١٢٢)، وسلف ٢٠٨/١٣ . ٢٩٦ سورة الجن: الآيتان ١٦ - ١٧ أبي سعيد الخُدريِّ أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((أخوف ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم مِن زَهْرة الدنيا)» قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال: ((بركات الأرض .. )) وذكر الحديث. وقال عليه الصلاة والسلام: ((فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا [كما بُسطت على مَن قبلكم] فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلِككم كما أهلكتهم))(١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ يعني القرآن؛ قاله ابن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما عن القَبول؛ إن قيل: إنها في أهل الكفر. الثاني عن العمل؛ إن قيل: إنها في المؤمنين(٢). وقيل: ((ومَنْ يُعْرِضْ عن ذِكْر ربِّه)) أي: لم يشكر نعمه. ﴿يَسْلُكُهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ قرأ الكوفيُّون وعبّاسٌ(٣) عن أبي عمرو: ((يَسْلُكْهُ)) بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لِذِكر اسم اللهِ أوَّلاً فقال: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾. الباقون: (نَسْلُكْهُ)) بالنون (٤). وروي عن مسلم بن جُندب ضمُّ النون وكسرُ اللام(٥). وكذلك قرأ طلحة والأعرج، وهما لغتان، سلكه وأسلکه بمعنىّ؛ أي: ندخله. ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: شاقّاً شديداً. قال ابن عباس: هو جبل في جهنم(٦). الخدريّ(٧): كلَّما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن عباس: أنَّ المعنى: مشقَّة من العذاب(٨). وذلك معلوم في اللغة أنَّ الصَّعَد: المشقة، تقول: تَصعَّدتني الأمر: إذا شقَّ عليك؛ ومنه قول عمر: ما تَصَّدني شيءٌ ما تَصغَّدتني خُطبة النكاح، أي: ما شقَّ (١) أخرجه أحمد (١٧٢٣٤)، والبخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١) من حديث عمرو بن عوف ﴾. وما بين حاصرتين من هذه المصادر. (٢) النكت والعيون ١١٨/٦ . (٣) في (د) و(ظ) و(م): عياش. ولم نقف على هذه الرواية. (٤) السبعة ص٦٥٦، والتيسير ٢١٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٥١/٥ وهي قراءة شاذة . (٦) أخرجه الطبري ٣٣٩/٢٣ . (٧) قوله: الخدري، ليس في (ظ). (٨) أخرجه الطبري ٣٣٩/٢٣. ٢٩٧ سورة الجن: الآيات ١٦ - ١٨ عليّ(١). وعذاب صَعَد، أي شديد. والصَّعَد: مصدر صَعِد؛ يقال: صَعِدَ صَعَداً وصُعوداً، فوصف به العذاب؛ لأنه يتصعَّد المعذَّب، أي: يعلوه ويغلبه، فلا يطيقه(٢). وقال أبو عبيدة(٣): الصَّعَد مصدر، أي: عذاباً ذا صَعَدٍ، والمشي في الصَّعود يشقّ. والصَّعود: العقبة الكؤود(٤). وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يُكلَّف صعودَها؛ فإذا انتهى إلى أعلاها حُدِر إلى جهنم(٥). وقال الكلبيّ: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرة ملساء، يُجذب من أمامه بسلاسل، ويُضرب مِن خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها، ولا يبلغُ إلَّا(٦) في أربعين سنة. فإذا بلغ أعلاها أُحْدِر إلى أسفلها، ثم يكلّف أيضاً صعودَها، فذلك دأبُه أبداً، وهو قولهُ تعالى: ﴿سَأُرْهِقُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (٣) فيه ستُّ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَِدَ لِلَّهِ﴾ ((أَنَّ) بالفتح، قيل: هو مردودٌ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوْجِىَ إِلَ﴾ أي: قل أُوحي إليَّ أنَّ المساجد لله. وقال الخليل: أي: ولأنَّ المساجد لله(٧). والمراد البيوت التي تبنيها أهلُ المِللِ للعبادة. وقال سعيد بن جبير: قالت الجِنّ: كيف لنا أن نأتيّ المساجدَ ونشهدَ معك الصلاةَ ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ (٨) أي: بُنيت لِذِكر الله وطاعته. (١) تفسير غريب القرآن ص٤٩١، والكشاف ٤/ ١٧٠، والمحرر الوجيز ٣٨٣/٥. (٢) الكشاف ٤/ ١٧٠ . (٣) مجاز القرآن ٢٧٣/٢، ووقع في (ز) و(ظ): أبو عبيد. (٤) الصحاح (صعد). (٥) ذكره الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٩٤ دون نسبة. (٦) لفظة: إلا، من (ظ). وهذا القول ذكره الفراء مختصراً دون نسبة. (٧) المحرر الوجيز ٣٨٣/٥ . (٨) أخرجه الطبري ٣٤١/٢٣. ٢٩٨ سورة الجن: الآية ١٨ وقال الحسن: أراد بها كلَّ البقاع؛ لأن الأرض كلَّها مسجد للنبيّ ﴾(١)، يقول: أينما كنتم فصلُّوا، فأينما صلَّيتم فهو مسجد(٢) وفي الصحيح(٣): ((وجُعلت ليَ الأرضُ مسجداً وطَهوراً)». وقال سعيد بن المسيّب وطَلْق بنُ حبيب: أراد بالمساجد الأعضاءَ التي يَسجد عليها العبد(٤) وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه؛ يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجدْ لغيره بها، فتجحدَ نعمةَ الله. قال عطاء: مساجدك: أعضاؤك التي أُمرت أن تسجد عليها لا تذلِّلها لغير خالقِها. وفي الصحيح(٥) عن ابن عباس، عن النبيِّ # قال: ((أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُم: الجبهةِ - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)). وقال العباس: قال النبيُّ﴾ ((إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب))(٦). وقيل: المساجد: هي الصلوات، أي: لأن السجود لله. قاله الحسن أيضاً (٧). فإن جعلت المساجدَ المواضع، فواحدُها مَسجِد، بكسر الجيم، ويقال بالفتح، حكاه الفرَّاء. وإن جعلتها الأعضاء، فواحدها مَسجَد، بفتح الجيم(٨). (١) الوسيط للواحدي ٣٦٧/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٠٤ . (٢) أخرج أحمد (٢١٣٣٣)، والبخاري (٣٤٢٥)، ومسلم (٥٢٠) عن أبي ذر ﴾ مرفوعاً ضمن حديث: ((أينما أدركتك الصلاة فصلّ، فهو مسجد)). (٣) صحيح البخاري (٣٣٥)، وصحيح مسلم (٥٢١)، وسلف ٢٨٣/٢ . (٤) نسب هذا القول الواحدي في الوسيط ٣٦٧/٤، والبغوي في تفسيره ٤٠٤/٤ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٨٢/٨ لسعيد بن جبير، ونسبه الماوردي في النكت والعيون ١١٩/٦ للربيع، ونسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٣/٥ لابن عطاء. (٥) صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٤٩٠): (٢٣٠). وسلف ٢٨/٢ . (٦) أخرجه أحمد (١٧٦٤)، ومسلم (٤٩١) قوله: آراب، أي: أعضاء، واحدها إرْبٌ، بالكسر والسكون، والمراد بها الأعضاء السبعة المذكورة قبل . (٧) ذكر قوله أبو الليث في تفسيره ٣/ ٤١٣، ونسبه الماوردي في النكت والعيون ١١٩/٦ لابن شجرة. (٨) تفسير البغوي ٤/ ٤٠٤، وكلام الفراء في الصحاح (سجد). ٢٩٩ سورة الجن: الآية ١٨ وقيل: هو جمع مَسجَد، وهو السجود، يقال: سجدت سجوداً ومَسجّداً، كما تقول: ضربت في الأرض ضَرْباً ومَضرَباً، بالفتح: إذا سرتَ في ابتغاء الرِّزق(١). وقال ابن عباس: المساجد هنا مكةُ التي هي القِبلة، وسمِّيت مكة المساجد، لأنَّ کلّ أحدٍ یسجد إليها. والقول الأوَّل أظهر هذه الأقوالِ إن شاء الله، وهو مرويٌّ عن ابن عباس رحمه الله(٢). الثانية: قوله تعالى: ((لِلَّهِ) إضافةُ تشريفٍ وتكريم، ثم خصَّ بالذِّكر منها البيت العتيق، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾ [الحج: ٢٦]. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُعمَّل المَطِيُّ إلَّا إلى ثلاثة مساجد))(٣) الحديث خرَّجه الأئمة. وقد مضى الكلامُ فيه. وقال عليه الصلاة والسلام: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلَّا المسجد الحرام)». قال ابن العربي: وقد روي من طريق لا بأس بها أنَّ النبيَّ:﴿ قال: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلَّ المسجد الحرام، فإنَّ صلاة فيه خيرٌ من مئة صلاة في مسجدي هذا)) ولوصحَّ هذا لكان نَصَّا (٤). قلت: هو صحيحٌ بنقل العدل عن العدل حسب ما بيَّنَّه في سورة إبراهيم(٥). الثالثة: المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً، فإنها قد تُنسب إلى غيره تعريفاً، فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث أنَّ النبيَّ # سابقً بين الخيل التي أُضمرت (١) تفسير غريب القرآن ص٤٩١. (٢) النكت والعيون ١١٩/٦. (٣) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٢٣٨٤٨)، والنسائي ١١٣/٣-١١٤. وسلف ٧٢/٧ بلفظ: لاتشد الرحال ... (٤) أحكام القرآن ٤/ ١٨٥٧، والحديث أخرجه أحمد(١٦١١٧)، وسلف ١٢/ ١٥١. (٥) ١٥١/١٢ . ٣٠٠ سورة الجن: الآية ١٨ من الحفياء، وأمدُها ثَنيَّةُ الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تُضمَّر من الثنيَّة إلى مسجد بني زريق. وتكون هذه الإضافة بحكم المحلّية كأنها في قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك(١). الرابعة: مع أنَّ المساجد لله لا يُذكر فيها إلَّ اللـه، فإنه تجوز القِسمةُ فيها للأموال. ويجوز وضع الصَّدقات فيها على رسم الاشتراك بين المساكين، وكلُّ مَنْ جاء أكل. ويجوز حبس الغريم فيها، وربط الأسير، والنومُ فيها، وسكنى المريض فيها، وفتح الباب للجار إليها، وإنشاد الشعر فيها إذا عَرِيَ عن الباطل(٢). وقد مضى هذا كلُّه مبيّناً في سورة براءة والنور وغيرِهما(٣). الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ هذا توبيخٌ للمشركين في دعائهم مع الله غيرَه في المسجد الحرام(٤). وقال مجاهد: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيَّه والمؤمنين أن يُخلِصوا لله الدعوةَ إذا دخلوا المساجد كلَّها(٥). يقول: فلا تشركوا فيها صنماً وغيره مما يُعبد. وقيل: المعنى: أَفرِدوا المساجدَ لذكر الله، ولا تَّخذوها هُزُواً وَمَتْجَراً ومجلساً، ولا طرقاً، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيباً (٦). وفي الصحيح(٧): (( مَن نَشَد ضالَّةً في (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٥٧، والحديث أخرجه البخاري (٢٨٦٩)، ومسلم (١٨٧٠)، وسلف ٢٨٢/١١ (٢) أحكام القرآن ١٨٥٨/٤ . (٣) ١٥٢/١٠ فما بعد، ٢٧٠/١٥ فما بعد. (٤) أحكام القرآن ١٨٥٨/٤ . (٥) أخرج هذا القول عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٣ عن قتادة. ونسبه له أيضاً أبو الليث في تفسيره ٤١٣/٣، والواحدي في الوسيط ٣٦٧/٤، والبغوي في تفسيره ٤٠٤/٤، والزمخشري في الكشاف ٤/ ١٧٠ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٨٢/٨ . (٦) المحرر الوجيز ٣٨٣/٥ بنحوه. (٧) صحيح مسلم (٥٦٨)، وسلف ١٥ /٢٨١ .