النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة نوح: الآيات ٢٢ - ٢٤ وقال المبرِّد: ((كُبَّارًا)) - بالتشديد - للمبالغة. وقرأ ابن مُخَيْصِن وحُميد ومجاهد: (كُبَارًا)) بالتخفيف(١). واختلف في مكرهم ما هو؟ فقيل: هو تحريشُهم سَفِلَتَهم على قتل نوح (٢). وقيل: هو تعزيرُهم الناس بما أُوتوا من الدنيا والولد؛ حتى قالت الضَّعَفةُ: لولا أنهم على الحقّ لمَا أوتوا هذه النعم. وقال الكلبيُّ: هو ما جعلوه لِله من الصاحبة والولد. وقيل: مكرهم كفرُهم. وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم: ﴿لَ نَذَرُنَّ ◌َالِهَتَّكُ وَلَا تَذَرُنَّ وَدَّا وَلَ سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَتْرًا﴾(٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا نَزِدِ الظَِّينَ إِلَّا ضَلَلًا (٦٦)﴾ قال ابن عباس وغيره: هي أصنام وصُوَر، كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب(٤) وهذا قول الجمهور. وقيل: إنها للعرب لم يعبدها غيرُهم(٥)، وكانت أكبرَ أصنامهم وأعظمَها عندهم؛ فلذلك خَصُّوها بالذكر بعد قوله تعالى: ((لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)). ويكون معنى الكلام: كما قال قومُ نوح لأتباعهم: ((لا تَذَرُنَّ آلهتكم))؛ قالت العرب لأولادهم وقومهم: لا تذرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً؛ ثم عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح عليه السلام. وعلى القول الأوّل؛ الكلام كلُّه منسوق في قوم نوح . وقال عُروة بن الزبير وغيره: اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه: وَدٌّ، وسُواعٌ، ويغوثُ، ويعوقُ، ونَسرٌ. وكان وَدِّ أكبرَهم وأبرَّهم به(٦) . (١) القراءات الشاذة ص ١٦٢، وذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٣٤١/٨ بضم الكاف وكسرها . (٢) الكلام بنحوه في الكشاف ٤/ ١٦٤ . (٣) النكت والعيون ١٠٣/٦ - ١٠٤. (٤) أخرجه بنحوه البخاري (٤٩٢٠). (٥) النكت والعيون ١٠٤/٦ . (٦) المصدر السابق . ٢٦٢ سورة نوح: الآيتان ٢٣ - ٢٤ قال محمد بن كعب: كان لآدم عليه السلام خمس بنين: وَدّ، وسُواعٍ، ويَغوث، ويَعوق، ونَسر؛ وكانوا عُبَّداً، فمات واحدٌ (١) منهم، فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا أصوِّر لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكر تموه. قالوا: افعل. فصوَّره في المسجد من صُفْر ورصاص، ثم مات آخر، فصوَّره حتى ماتوا كلُّهم فصوَّرهم. وتنقَّصَت الأشياء كما تَتَنقَّص اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين. فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئاً؟ قالوا: وما نعبد؟ قال: آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترونها(٢) في مُصَلَّاكم؟ فعبدوها من دون الله؛ حتى بعث الله نوحاً فقالوا: ﴿لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاتًا﴾ الآية. وقال محمد بن كعب أيضاً ومحمد بن قيس: بل كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم تَبَع يَقتدون بهم، فلما ماتوا زَيَّن لهم إبليس أن يصوِّروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم، وليتسَلَّوا بالنظر إليها؛ فصوَّرهم. فلما ماتوا هُم وجاء آخرون قالوا: لَيْتَ شِعْرَنا! هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها!؟ فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها، فترحمهم وتسقيهم المطر. فعبدوها فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت(٣). قلت: وبهذا المعنى فسِّر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة: أن أمَّ حبيبة وأمَّ سَلَمة ذكرتا كنيسةً رأَيْنَها بالحبشة تسمَّى مارية، فيها تصاوير لرسول الله ﴾؛ فقال رسول الله: ((إن أولئِك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات؛ بَنَوْا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك الصّوَر، أولئك شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة))(٤). (١) في (د) و(ظ) : رجل . (٢) في (د) و(م) ألا ترون. والمثبت من (ظ) و(ق) وهو الموافق لما في زاد المسير ٣٧٣/٨ والكلام بنحوه منه، وينظر تفسير الرازي ٣٠/ ١٤٣ - ١٤٤. (٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٥٩/٤، والبغوي ٣٩٩/٤ عن محمد بن كعب ، وأخرجه الطبري ٣٠٣/٢٣ عن محمد بن قيس بنحوه . (٤) صحيح مسلم (٥٢٨)، وسلف ٢/ ٢٩٤ . ٢٦٣ سورة نوح: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وذكر الثعلبيُّ عن ابن عباس قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصِبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم تذكروهم بها؛ ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم؛ عُبدت من دون الله(١). وذُكِر أيضاً عن ابن عباس: أن نوحاً عليه السلام، كان يحرس جسدَ آدم عليه السلام على جبل بالهند، فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره؛ فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم، وإنما هو جسد، وأنا أصوِّر لكم مثله تطوفون به؛ فصوَّر لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها. فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء؛ فلم تزل مدفونةً حتى أخرجها الشيطانُ لمشركي العرب(٢). قال الماوَرْدِيُّ(٣): فأما وَدِّ؛ فهو أوّل صنمٍ معبود، سُمِّي وَدَّا لودِّهم له؛ وكان بعدَ قومٍ نوح لكَلْب بدومة الجَنْدَل؛ في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل. وفيه يقول شاعرهم: حَيَّاك وَدِّ فإِنَّا لا يحلُّلنا لَهْوُ النساءِ وإن الدِّين قد عَزَمَا (٤) وأما سُواعٌ؛ فكان لهذيل بساحل البحر؛ في قولهم. وأما يَغُوثُ؛ فكان لغُطَيف من مُراد بالجَوْف(٥) من سبأ؛ في قول قتادة. وقال المهدَوِيُّ: لمُراد ثم لغَطَفان. الثعلبيُّ: وأخذت أعلى وأنعُم - وهما من (١) وأخرجه البخاري (٤٩٢٠). (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢٩/ ٧٢ دون نسبة، ومن قوله: فلما كان أيام الطوفان ... إلى هنا، ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٤٠٠ عن ابن عباس . (٣) في النكت والعيون ١٠٤/٦ - ١٠٥ . (٤) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ١٠١، وهو في كتاب الأصنام لابن الكلبي ص ١٠، والمحرر الوجيز ٣٧٦/٥، وروايته في الديوان: حيَّاك ربي، بدل: حياك ودٌّ. (٥) في (ظ): بالجرف. وهي في بعض نسخ البخاري كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦٦٨/٨ . ٢٦٤ سورة نوح: الآيتان ٢٣ - ٢٤ طيِّئ - وأهل جُرَش من مَذْحج يَغُوث، فذهبوا به إلى مُرَاد، فعبدوه زماناً. ثم إن بني ناجية أرادوا نزعه من أنعُم، ففرُّوا به إلى الحُصَين أخي بني الحارث بن كعب من خُزاعة. وقال أبو عثمان النَّهْدِي: رأيت يغوث وكان من رَصاص، وكانوا يحملونه على جمل أَجْرَد، ويسيرون معه لا يَهيجونه حتى يكون هو الذي يَبْرُك، فإِذا بَرَك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم المنزل؛ فيضربون عليه بناءً ينزلون حوله(١). وأما يَعُوق؛ فكان لهَمْدان ببَلْخَع؛ في قول عكرمة وقتادة وعطاء. ذكره الماورديُّ. وقال الثعلبيُّ: وأما يَعُوق؛ فكان لكَهْلان من سَبّأ، ثم توارثه بنوه؛ الأكبر [فالأكبر] حتى صار إلى هَمْدان. وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني: يَريشُ اللهُ في الدنيا ويَبْري ولا يَبْرِي يعوقُ ولا يَرِيشُ(٢) وأما نَسرٌ فكان لذي الكَلَاعِ من حِمْير؛ في قول قتادة، ونحوه عن مقاتل(٣). وقال الواقديّ: كان وَدِّ على صورة رجل، وسُواعٌ على صورة امرأة، ويغوثُ على صورة أسد، ويعوقُ على صورة فرس، ونسرٌ على صورة نَسْر من الطير؛ فالله أعلم(٤). وقرأ نافع: ((وَلَا تَذَرُنَّ وُدًّا)) بضم الواو. وفتحها الباقون(٥). قال الليث: وَدِّ - بفتح الواو - صنمٌ كان لقوم نوح، ووُدٌّ - بالضم - صنمٌ لقريش؛ وبه سُمِّي عمرو بن وُدّ(٦). وفي الصحاح: والوَدّ - بالفتح - الوَتِدُ في لغة أهل نجد؛ (١) النكت والعيون ٦/ ١٠٤. وقوله: أجرد ، أي: سبَّاق. (٢) ذكر البيت مع قول الثعلبي أبو حيان في البحر المحيط ٣٤١/٨ - ٣٤٢ وابن عادل في اللباب ٣٩٧/١٩، وما بين حاصرتين من اللباب . (٣) النكت والعيون ١٠٥/٦، وأخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٢٠/٢، والطبري ٣٠٤/٢٣، وقاله ابن عباس في حديث البخاري (٤٩٢٠) . (٤) زاد المسير ٨/ ٣٧٤ . (٥) السبعة ص ٦٥٣، والتيسير ص ٢١٥ . (٦) تفسير الرازي ١٤٤/٣٠. ٢٦٥ سورة نوح: الآيات ٢٣ - ٢٥ كأنهم سكّنوا التاءَ وأدغموها في الدال. والوَدُّ في قول امرئ القيس: تُظهِرُ الوَدَّ إذا ما أَشْجَذَتْ وَتُوارِيهِ إِذا ما تَعْتَكِرْ قال ابن دُريد: هو اسم جبل: ووَدٌّ صنم كان لقوم نوح عليه السلام، ثم صار لكلب وكان بدُومة الجَنْدَل؛ ومنه سمّوه عبد ودٌ(١). وقال: ((لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)) ثم قال: ((وَلَا تَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا)) الآية، خصَّهَا بالذِّكر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحِ﴾ [الأحزاب: ٧]. ﴿وَقَدْ أَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ هذا من قول نوح، أي: أضلَّ كبراؤهم كثيرًا من أتباعهم؛ فهو عطف على قوله: ((وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا)). وقيل: إن الأصنام (أَضَلُّوا كَثِيرًا))، أي: ضلَّ بسببها كثير؛ نظيره قول إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] فأجرى عليهم وصف ما (٢) يعقل؛ لاعتقاد الكفار فيهم ذلك . ﴿وَلَا نَزِدِ الظَِّينَ إِلَّا ضَلَلًا﴾ أي: عذابًا؛ قاله ابن بحر. واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِنَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧]. وقيل: إلا خسراناً. وقيل: إلا فتنةً بالمال (٣) والولد. وهو محتمل . قوله تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيَنِهِمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا -: قوله تعالى: ﴿مِّنَا خطاياهم أُغْرِقُواْ﴾ ((ما)) صلة مؤكِّدة، والمعنى: من خطاياهم. وقال الفرَّاء: المعنى من أجل خطاياهم، فأدَّت ((ما)) هذا المعنى. قال: و((ما)) تدل على المجازاة(٤). (١) الصحاح (ودد) ، والبيت في ديوان امرئ القيس ص ١٤٤، وروايته فيه: تخرج الود ، بدل : تظهر الود، وتشتكر ، بدل : تعتكر وقوله: أشجذت أي: أقلعت وسكنت، يعني الغيمة . (٢) في (ظ): من . والكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٤٤/٣٠. (٣) النكت والعيون ١٠٥/٦ . (٤) معاني القرآن للفراء ١٨٩/٣ - ١٩٠ بنحوه، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢/٥ . ٢٦٦ سورة نوح: الآية ٢٥ وقراءة أبي عمرو: ((خَطَايَاهُمْ)) على جمع التكسير؛ الواحدة خطيّة. وكان الأصل في الجمع خطائئ على فعائل(١)؛ فلما اجتمعت الهمزتان قُلِبت الثانية ياءً؛ لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل، وهو معتلٌّ مع ذلك؛ فقلبت الياء ألفاً، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين. الباقون ((خَطِيئَاتِهِمْ)) على جمع السلامة(٢). قال أبو عمرو: قوم كفروا ألف سنة، فلم يكن لهم إلا خطيئات! يريد أن الخطايا أكثر من الخطيئات. وقال قوم: خطايا وخطيئات واحد، جمعان مستعملان في الكثرة والقلَّة؛ واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وقال الشاعر: لنا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلمعْنَ بِالضّحَى وأسيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدةٍ دَمَا(٣) وقرئ: ((خطيئاتهم)) و((خِطِيّاتِهم)» (٤) بقلب الهمزة ياء وإدغامها. وعن الجَحْدَرِيِّ وعمرو بن عبيد والأعمش وأبي حَيْوة وأشهب العقيلي: ((خطيئتِهِم)) على التوحيد(٥)، والمراد: الشرك. ﴿فَأُدَّخِلُواْ نَارًا﴾ أي: بعد إغراقهم. قال القشيريُّ: وهذا يدلُّ على عذاب القبر. ومنكروه يقولون: صاروا مستحقين دخولَ النار، أو عُرض عليهم أماكنهم من النار؛ كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. وقيل: أشاروا إلى ما في الخبر من قوله: ((البحر نار في نار))(٦). (١) في (ق) فعائيل . (٢) السبعة ص ٦٥٣، والتيسير ص ٢١٥، وسلف كلام الخليل وسيبويه في أصل ((خطايا)) ١٣٠/٢-١٣١. (٣) البيت لحسان بن ثابت وهو في ديوانه ص ٤٢٧ . (٤) في (د): خطاياهم ، وخطيئاتهم (٥) ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٢ خطيّاتهم من قراءة أبي رجاء ، وخطيئتهم من قراءة الجحدري وعبيد عن أبي عمرو . (٦) أخرج الحاكم ٥٩٦/٤ عن يعلى قال: قال رسول الله﴾: ((إن البحر هو جهنم)). وأخرج ابن أبي شيبة ١٣١/١ عن عبد الله بن عمرو قال: (( ... إن تحت البحر ناراً ثم ماء ثم نار)). وقد ذكر الحاكم هذا الحديث مرفوعاً إثر الحديث السالف . ٢٦٧ سورة نوح: الآيات ٢٥ -٢٧ وروى أبو رَوْق عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ قال: يعني عُذِّبوا بالنار في الدنيا مع الغرق في الدنيا في حالة واحدة؛ كانوا يَغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب(١). ذكره الثعلبيُّ قال(٢): أنشدنا أبو القاسم الحبيبي، قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رُمَيح قال: أنشدني أبو بكر بن الأنباريّ: والحادِثَات فُنُونٌ ذاتُ أطوارٍ الخلق مجتمِع ◌َوْرًا ومفْترِقٌ فاللهُ يجمع بين الماءِ والنّارِ(٣) لا تعجبنَّ لِأضدادٍ إِن اجتمعتْ ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَمُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ أي: مَن يَدفع عنهم العذاب. إِنَّكَ إِن قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُعٌ رَّتٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا فیہ أربع مسائل: الأولى: دعا عليهم حين يَئس من اتّباعهم إيَّاه. وقال قتادة: دعا عليهم بعد أن أَوحى اللهُ إليه: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾(٤) [هود: ٣٦]. فأجاب اللهُ دعوته وأغرَق أُمَّتَه. وهذا كقول النبيِّ ◌َ﴾: ((اللَّهُمَّ منزل الكتاب، [سريعَ الحساب]، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزِهم))(٥). وقيل: سببُ دعائه أن رجلاً من قومه حمل ولداً صغيراً على كتفه، فمرَّ بنوحٍ فقال: احذر هذا فإنه يضلك. فقال: يا أبتِ أنزلني؛ فأنزله فرماه فشجَّه؛ فحينئذٍ (١) تفسير البغوي ٤/ ٤٠٠، والكشاف ١٦٥/٤، وزاد المسير ٨/ ٣٧٤. دون قوله: ويحترقون في الماء. (٢) لفظة: قال، من (ظ). (٣) اللباب لابن عادل الحنبلي ١٩/ ٤٠٠. (٤) النكت والعيون ٥/ ١٠٥ وأخرجه عبد الرزاق ٣٢٠/٢، والطبري :٣٠٨/٢٣. (٥) أخرجه الإمام أحمد (١٩١٠٧)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢) عن عبد الله بن أبي أوفى، وسلفت قطعة منه ٣١١/١٤، وما بين حاصرتين من المصادر . ٢٦٨ سورة نوح: الآيتان ٢٦ - ٢٧ غَضِبَ ودعا عليهم(١). وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنَّما قال هذا حينما أخرَج اللهُ كلَّ مؤمن من أصلابهم وأرحامٍ نسائهم. وأعقمَ أَرْحَام النساء وأصلابَ الرجال قبل العذاب بسبعين سنة(٢). وقيل: بأربعين(٣). قال قتادة: ولم يكن فيهم صبيٍّ وقت العذاب. وقال الحسن وأبو العالية: لو أَهْلَك اللهُ أطفالهم معهم كان عذاباً من الله لهم وعدلاً فيهم؛ ولكنَّ الله أهلكَ أطفالَهم وذرِّيتهم بغير عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوجٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْتَهُمْ﴾ (٤) [الفرقان: ٣٧]. الثانية: قال ابن العربيّ(٥): دعا نوحٌ على الكافرين أجمعين، ودعا النبيُّ﴿ على من تحرَّب على المؤمنين وأَلَّب عليهم. وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافرٌ معيَّن لم تُعْلَم خاتمتُه فلا يدعَى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهولٌ، وربما كان عندَ الله معلومَ الخاتمة بالسعادة. وإنما خصَّ النبيُّ ﴾ بالدعاء عُتبةً وشَيْبَةً وأصحابَهما(٦)؛ لعلمه بمآلهم، وما كُشِف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم. قلت: قد مضت هذه المسألة مجوَّدة في سورة البقرة(٧) والحمد لله. الثالثة: قال ابن العربي(٨): إن قيل: لِمَ جَعَل نوحٌ دعوتَه على قومه سبباً لتوَقُّفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة؟ قلنا: قال الناس: في ذلك وجهان: (١) النكت والعيون ٦/ ١٠٥، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق ٣١٩/٢، والطبري ٢٩١/٢٣ عن قتادة. (٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٣٧٧ من قول محمد بن كعب والربيع وابن زيد. (٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٧٥/٤، والرازي ١٣٧/٣٠ من قول مقاتل. (٤) ذكره الزمخشري في الكشاف ١٦٦/٤، والرازي في تفسيره ١٤٧/٣٠ عن الحسن بنحوه. (٥) في أحكام القرآن ١٨٤٨/٤ - ١٨٤٩ . (٦) أخرجه البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود. (٧) ٢/ ٤٨٥ وما بعد. (٨) في أحكام القرآن ١٨٤٩/٤ . ٢٦٩ سورة نوح: الآيات ٢٦ - ٢٨ أحدهما: أن تلك الدعوة نشأت عن غضبٍ وقسوة، والشفاعةُ تكون عن رِضاً ورِقَّة، فخاف أن يُعاتَب بها ويقال: دعوتَ على الكفار بالأمس وتشفعُ لهم اليوم! الثاني: أنه دعا غضباً بغير نصٍّ ولا إذنٍ صريح في ذلك؛ فخاف الدَّرْكَ(١) فيه يوم القيامة؛ كما قال موسى عليه السلام: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْساً لم أُومر بقتلها. قال: وبهذا أقول. قلت: وإن كان لم يؤمر بالدعاء نَصَّا فقد قيل له: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَنْ قَدْ ءَامَنَ﴾. فأُعلم عواقبهم، فدعا عليهم بالهلاك؛ كما دعا نبيّنا﴿ على شَيْبة وعتبة(٢) ونظرائهم فقال: ((اللهم عليك بهم)) (٣)؛ لمَّا أُعلم عواقبهم؛ وعلى هذا يكون فيه معنى الأمر بالدعاء. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَّارًا. إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرً كَفَّارًا﴾ أي: من يسكن الديار؛ قاله السدّيُّ(٤). وأصله: دَيوار على فَيْعال من دار يَدور؛ فقلبت الواو ياءً وأدغمت إحداهما في الأخرى. مثل القيَّام؛ أصله: قَيْوام. ولو كان فعَّالاً لكان دَوَّاراً. وقال القُتَبيُّ(٥): أصله من الدار، أي: نازل بالدار. يقال: ما بالدار دیّار، أي: أحد. وقيل: الدیّار صاحب الدار. قوله تعالى: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا نَبَارًا قوله تعالى: ﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ﴾ دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمِنَيْنِ. وهما: (١) الدرْك: التبعة. القاموس (درك). (٢) في (ظ) وعقبة. (٣) سلف تخريجه في الصفحة السالفة، ولفظه في الصحيح: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط)). (٤) النكت والعيون ١٠٥/٦ . (٥) في تفسير غريب القرآن ص٤٨٨، وذكره عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٣٧٥/٨، والرازي في تفسيره ١٤٦/٣٠. ٢٧٠ سورة نوح: الآية ٢٨ لمك (١) بن متوشلخ وشمخى بنت أنوش(٢)؛ ذكره القشيريُّ والثعلبيُّ. وحكى الماورديُّ(٣) في اسم أمّه: منجل. وقال سعيد بن جُبّير: أراد بوالديه أباه وجدَّه(٤) . وقرأ سعيد بن جُبَير (لِوَالِدِي)) بكسر الدال على الواحد(٥). قال الكلبيُّ: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمنون(٦). وقال ابن عباس: لم يكفر لنوح والدٌ فيما بينه وبين آدم عليهما السلام(٧) . ﴿َوَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا﴾ أي: مسجدي ومُصلَّاي مصلِّياً مصدِّقاً بالله(٨). وكان إنما يَدخل بيوت الأنبياء من آمن منهم، فجعل المسجد سبباً للدعاء بالمغفرة. وقد قال النبيُّ : ((الملائكة تصلّي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه ما لم يُحدِث فيه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه)) الحديث. وقد تقدَّم(٩). وهذا قول ابن عباس: (بيتي)): مسجدي (١٠)؛ حكاه الثعلبيُّ وقاله الضحاك(١١). وعن ابن عباس أيضاً: أي: ولمن دخَل دِيني، فالبيت بمعنى الدِّين(١٢)؛ حكاه القشيريُّ وقاله جُوَيْبِر. وعن ابن عباس أيضاً: يعني صديقي الداخل إلى منزلي؛ حكاه (١) في (د) و(ظ) و(ق): لا مك. (٢) الوسيط ٣٦٠/٤، والكشاف ١٦٥/٤ . (٣) في النكت والعيون ١٠٦/٦ . (٤) المصدر السابق. (٥) القراءات الشاذة ص ١٦٢ . (٦) ذكره الرازي في تفسيره ١٤٦/٣٠ من قول عطاء بنحوه. (٧) المحرر الوجيز ٣٧٧/٥ . (٨) تفسير الطبري ٣٠٨/٢٣. (٩) ٣٤/٢، من حديث أبي هريرة ﴾. (١٠) زاد المسير ٣٧٥/٨ . (١١) النكت والعيون ١٠٦/٦، وأخرجه الطبري ٣٠٨/٢٣. (١٢) المحرر الوجيز ٣٧٧/٥ . : ٢٧١ سورة نوح: الآية ٢٨ الماورديُّ(١). وقيل: أراد داري. وقيل: سفينتي(٢). ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ عامَّةً إلى يوم القيامة؛ قاله الضحاك(٣). وقال الكلبيُّ: من أمّة محمد #. وقيل: من قومه؛ والأوّل أظهر . ﴿وَلَا نَزِدِ الظَِّلِينَ﴾ أي: الكافرين. ﴿إِلَّا نَارًا﴾: إلا هلاكاً، فهي عامَّة في كلِّ كافر ومشرك. وقيل: أراد مشركي قومه، والتَّبَار: الهلاك. وقيل: الخسران؛ حكاهما السُّدّيُّ(٤). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرُ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩]. وقيل: الثَّبار: الدَّمار، والمعنى واحد(٥)، والله أعلم بذلك. وهو الموفِّق للصواب. (١) في النكت والعيون ١٠٦/٦ وقول جويبر فيه. (٢) المحرر الوجيز ٣٧٧/٥ . (٣) النكت والعيون ١٠٦/٦ . (٤) المصدر السابق. (٥) تفسير الرازي ١٤٧/٣٠ بنحوه. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ سورة الجن مگِيَّةٌ في قول الجميع(١). وهي ثمانٍ وعشرون آية قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوْجِىَ إِلَّ ◌َنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَمَاً يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُّشْرِكَ بِنَآَ أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا مَا أَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا ﴾﴾ فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَى﴾ أي: قل يا محمد لأمتك: أَوْحَى اللهُ إليَّ على لسان جبريل ﴿أَنَّهُ أَسْتَمَعَ﴾ إليّ ﴿نَفَرٌ مِّنَ اَلِْنِ﴾ وما كان عليه الصلاة والسلام عالماً به قبل أنْ أُوحي إليه. هكذا قال ابن عباس وغيره على ما يأتي. وقرأ ابن أبي عَبْلة: (وُحِيَ)) على الأصل، يقال: أَوحى إليه ووَحى، [وقُرئ: أُحِيَا فقُلبت الواوُ همزة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِنَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. وهو من القلب المطلق جوازُه في كل واوٍ مضمومة. وقد أطلقه المازنيُّ في المكسورة أيضاً، كإشاح وإسادة و ((إعَاءِ أَخِيهِ)) [يوسف: ٧٦] ونحوه(٢). الثانية: واختُلِف هل رآهم النبيُّ ﴾ أم لا؟ فظاهر القرآن يدلُّ على أنه لم يرهم، لقوله تعالى: ((اسْتَمَعَ))، وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ (١) المحرر الوجيز ٣٧٨/٥، وزاد المسير ٣٧٦/٨. (٢) الكشاف ١٦٦/٤ بتقديم وتأخير، وما بين حاصرتين لضرورة السياق، ومستفاد منه، وذكرَ قراءة: وُحي، عن ابن أبي عبلة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٢ . وقرأ ابن أبي عبلة أيضاً: أُحيَ: كما في المحرر الوجيز ٣٧٨/٥، والبحر المحيط ٣٤٦/٨، والقراءتان شاذتان. وقراءة: ((إعاء أخيه)) شاذة أيضاً، وهي في المحتسب ٣٤٨/١، والقراءات الشاذة ص ٦٥ . سورة الجن: الآيات ١ - ٣ ٢٧٣ [الأحقاف: ٢٩]. وفي صحيح مسلم والترمذيِّ عن ابن عباس قال: ما قرأ رسولُ الله ﴾. على الجنِّ وما رآهم، انطلق رسول الله ﴿ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشُّهُب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشُّهُب! قالوا: ما ذاك إلَّا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ماهذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارقَ الأرض ومغاربَها، فمرَّ النَّفرُ الذين أخذوا نحو تِهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق عُكَاظ، وهو يصلِّي بأصحابه صلاةَ الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجْبً. يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَّا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِيَنَا أَحَدًا﴾ فأنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيِّه محمدٍ ﴾: ﴿قُلٌ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾(١). رواه الترمذي(٢) عن ابن عباس قال: قولُ الجنِّ لقومهم: ﴿لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِيَدًا﴾ [الآية: ١٩] قال: لمَّا رأوه يصلِّي، وأصحابُه يصلُّون بصلاته، فيسجدون بسجوده، قال: تعجّبوا من طواعية. أصحابه له، قالوا لقومهم: ﴿لَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُنُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: هذا حديث حسن صحيح. ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنه عليه الصلاة والسلام لم يرَ الجنَّ، ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه دليلٌ على أنَّ الجنَّ كانوا مع الشياطين حين تجسَّسوا الخبر بسبب الشياطين لمَّا رُمُوا بالشُّهُب. وكان المرميُّون بالشُّهُب من الجنِّ أيضاً. وقيل لهم: شياطين كما قال: ﴿شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَآلْجِنِ﴾ [الأنعام: ١١٢] فإنَّ الشيطان كلُّ متمرِّدٍ وخارجٍ عن طاعة الله. (١) صحيح مسلم (٤٤٩)، وسنن الترمذي (٣٣٢٣)، وأخرجه أحمد (٢٢٧١). وهو عند البخاري (٧٧٣) و(٤٩٢١) دون قوله: ما قرأ رسول الله # على الجن وما رآهم. (٢) هو بعض حديثه السالف. ٠٠ ٢٧٤ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ وفي الترمذي(١) عن ابن عباس قال: كان الجنُّ يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوَحْي، فإذا سمعوا الكلمةَ زادوا فيها تسعاً، فأمَّا الكلمةُ فتكون حقًّا، وأما ما زادوا فيكون باطلاً. فلما بُعث رسولُ اللـه ﴾، مُنِعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإِبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمرُ إلَّا مِن أمرٍ قد حدث في الأرض! فبعث جنوده، فوجدوا رسولَ الله # قائماً يصلّي بين جبلين - أُراه قال: بمكة ـ فأتَوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. قال: هذا حديث حسن صحيح. فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ الجنَّ رُموا كما رُميت الشياطين. وفي رواية السُّدِّيّ: أنهم لمَّا رُموا أتَوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم، فقال: إيتوني من كل أرض بقبضة من تراب أَشَمُّها، فأتَوه، فشمَّ فقال: صاحبكم بمكة؛ فبعث نفراً من الجنِّ(٢). قيل: كانوا سبعة. وقيل: تسعة، منهم زَوْبعة . وروى عاصمٌ عن زِرِّ قال: قَدِمَ رهط زوبعة وأصحابُه على النبيِّ ﴾. وقال الثُّمالي: بلغني أنهم من بني الشَّيْصَبَان، وهم أكثر الجنِّ عدداً، وأقواهم شوكة، وهم عامَّةُ جنودِ إبليس. وروى أيضاً عاصمٌ عن زِرِّ: أنهم كانوا سبعةَ نفر؛ ثلاثة من أهل حَرَّان، وأربعة من أهل نَصِيبين. وحكى جُويبر عن الضخَّاك: أنهم كانوا تسعة من أهل نَصِيبين، قرية باليمن غير التي بالعراق. وقيل: إنَّ الجنَّ الذین أتّوا مکة جنُّ نصیبین، والذين أتوه بنخلة جنُّ نِيْنَوَى. وقد مضى بيانُ هذا في سورة الأحقاف(٣). قال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسولُ الله # ﴿اقْرَأْ بِأَسِْ رَيْكَ﴾ [العلق: ١](٤). وقد مضى في سورة الأحقاف التعريفُ باسم النفرِ من الجنّ، فلا معنى لإعادة ذلك. (١) برقم (٣٣٢٤)، وهو في مسند أحمد (٢٤٨٢) بنحوه. (٢) النكت والعيون ١٠٨/٦. (٣) ٢٢٤/١٩. وينظر تفسير الطبري ٣١١/٢٣، والنكت والعيون ١٠٨/٦-١٠٩. (٤) النكت والعيون ١٠٨/٦. ٢٧٥ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ وقيل: إنَّ النبيَّ :﴿ رأى الجنَّ ليلةَ الجنّ، وهو أثبت؛ روى عامر الشَّعبيُّ قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﴿ ليلةَ الجنّ؟ فقال علقمة: أنا سألت ابنَ مسعود فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول اللـه ﴾ ليلةَ الجنّ؟ قال: لا، ولكنَّا كنَّا مع رسول اللـه﴿ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطير أو اغتيل، قال: فبتنا بِشرِّ ليلةٍ بات بها قوم، فلما أصبحنا (١) إذا هو جاءٍ من قِبَل حِرَاء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فقال: ((أتاني داعي الجنّ، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن)). فانطلَقَ بنا فأرانا آثارَهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد - وكانوا من جنِّ الجزيرة - فقال: ((لكم كلُّ عَظْمِ ذُكر اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوْفَرَ ما يكون لحماً، وكلُّ بَغْرة عَلفٌ لدوابُكم)) فقال رسول الله ﴾: ((فلا تستنجُوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم))(٢). قال ابن العربي(٣): وابن مسعود أعرف من ابن عباس؛ لأنه شاهده، وابن عباس سمعه؛ ولیس الخبر كالمعاينة. وقد قيل: إنَّ الجنَّ أتَوا رسول الله :﴿ دفعتين: إحداهما بمكة، وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية بنخلة، وهي التي ذكرها ابن عباس. قال البيهقي: الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أوَّل ما سمعت الجنُّ قراءةَ النبيِّ ﴾ وعَلِمت بحاله، وفي ذلك الوقتِ لم يقرأ عليهم ولم يرهم، كما حكاه، ثم أتاه داعي الجنِّ مرَّةً أخرى، فذهب معه وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد الله بن مسعود. قال البيهقي: والاحاديث الصِّحاح تدلُّ على أنَّ ابن مسعود لم يكن مع النبي # ليلةَ الجنّ، وإنما کان معه حین انطلق به وبغيره یریه آثارَ الجنّ وآثار نیرانھم. قال: وقد رُوي من غیر (١) في النسخ: أصبح، والمثبت من صحيح مسلم. (٢) أخرجه أحمد (٤١٤٩)، ومسلم (٤٥٠) واللفظ له. وسلف قطعة منه ٤٦٩/١. قوله: استطير، أي: ذهب به بسرعة كأن الطير حملته، أو اغتاله أحد. النهاية (طير) . (٣) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٥٢ . ٢٧٦ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ وجه أنه كان معه ليلتئذ (١). وقد مضى هذا المعنى في سورة الأحقاف، والحمد لله(٢). روي عن ابن مسعود أنَّ النبيَّ ﴾ قال: «أُمرت أنْ أتلوَ القرآن على الجنِّ، فمن يذهب معي؟)) فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحَجُون عند شِعْب أبي دُبّ، فخطّ عليَّ خطّاً، فقال: ((لا تجاوزه)) ثم مضى إلى الحَجُون فانحدر عليه أمثالُ الحَجَلِ يَحدُرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دُفوفهم كما تَقْرِعِ النُّسور(٣) في دُفوفها، حتى غَشَوه فلا أراه، فقمت، فأوْمَى إليَّ بيده أن اجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولَصِقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: ((أردتَ أن تأتيَني؟)) قلت: نعم يا رسول الله. قال: ((ما كان ذلك لك، هؤلاء الجنُّ أتَوا يستمعون القرآن، ثم ولَّوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد فزوَّدتهم العظم والبعر؛ فلا يَستطيبَنَّ أحدُكم بعظم ولا بعر)). قال عكرمة: وكانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل. وفي رواية (٤): انطلق بي عليه الصلاة والسلام، حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف؛ خَطّ لي خظًّا، فأتاه نفر منهم، فقال أصحابنا: كأنهم رجال الزُّطّ، وكأنَّ وجوههم المَكَاكيّ(٥)، فقالوا: ما أنت؟ قال: ((أنا نبيُّ الله)) قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: ((هذه الشجرة، تعالي (٦) يا شجرة)) فجاءت تجرُّ عروقها، لها قعاقع، حتى انتصبت بين يديه، فقال: ((على ماذا تشهدين)) قالت: أشهد أنك رسول الله. (١) دلائل النبوة ٢/ ٢٢٧، ٢٣٠. (٢) ٢٢٢/١٩ - ٢٢٤. (٣) في النسخ: النسوة، والمثبت من المصادر. وسلف الخبر ٢٢٢/١٩ بنحوه. (٤) أخرج هذه الرواية والتي قبلها الفاكهي في أخبار مكة (٢٣١٩). وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم ٣٢٩٦/١٠ (١٨٥٧٨). (٥) جمع مكُوك: وهو مكيال. (٦) في (م): فقال. ٢٧٧ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ فرجعت كما جاءت تجرُّ بعروقها الحجارة لها قعاقع، حتى عادت كما كانت. ثم روي أنه عليه الصلاة والسلام لمَّا فرغ، وضع رأسه على حِجْر ابن مسعود، فرقد، ثم استيقظ فقال: ((هل مِن وضوء؟)) قال: لا، إلّا أنَّ معي إداوةٌ فيها نبيذ. فقال: ((هل هو إلَّا تمر وماء)) فتوضأ منه (١). الثالثة: قد مضى الكلام في الماء في سورة الحِجْر(٢)، وما يستنجى به في سورة براءة(٣)، فلا معنى للإعادة. الرابعة: واختلف أهل العلم في أصل الجنّ؛ فروى إسماعيل عن الحسن البصريّ: أنَّ الجنَّ ولدُ إبليس، والإنسَ ولد آدم، ومِن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمَن كان مِن هؤلاء وهؤلاء مؤمناً، فهو وليُّ الله، ومَن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً، فهو شيطان. وروى الضحَّاك عن ابن عباس: أنَّ الجنَّ هم ولد الجانّ، وليسوا بشياطين، وهم يموتون(٤)؛ ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشیاطین هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. واختلفوا في دخول مؤمني الجنِّ الجنة، على حسب الاختلاف في أصلهم. فمَن زعم أنهم من الجانِّ لا من ذرِّيَّة إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم. ومَن قال: إنهم من ذرِّيَّة إبليس، فلهم فيه قولان: أحدهما، وهو قول الحسن: يدخلونها. الثاني، وهو رواية مجاهد: لا يدخلونها وإن صُرِفوا عن النار. حكاه الماوردي(٥). وقد مضى في سورة الرحمن عند قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطِمِنْهُنَّ إِسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌ﴾ [الآية: ٥٦]. بيان أنهم يدخلونها(٦). (١) سلف ٢١٢/١٦-٢١٣، وسلفت هذه القطعة - أيضاً - ٤٤١/١٥. (٢) ١٢ / ١٩٩ . (٣) ٣٧٨/١٠-٣٧٩. (٤) في النسخ عدا (ظ): يؤمنون، والمثبت موافق لما في النكت والعيون ١٠٩/٦. (٥) في النكت والعيون ١٠٩/٦ . (٦) ٢٠ / ١٥٥. ٢٧٨ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ الخامسة: قال البيهقيُّ(١) في روايته: وسألوه الزاد، وكانوا من جنِّ الجزيرة، فقال: ((لكم كلُّ عظم)) دليلٌ على أنهم يأكلون ويَطِعَمون. وقد أنكر جماعةٌ من كَفَرة الأطباءِ والفلاسفةِ الجنَّ، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصحُّ طعامهم؛ اجتراءً على الله وافتراءً عليه، والقرآن والسنة تردُّ عليهم، وليس في المخلوقات بسيط، [بل الكلُّ] مركّبٌ مزدوج، إنما الواحد الواحد سبحانه، وغيره مركّبٌ ليس بواحد كيفما تصرَّف حاله. وليس يمتنع أن يراهم النبيُّ# في صورهم كما يرى الملائكة. وأكثر ما يَتَصوَّرون لنا في صور الحيات؛ ففي الموطأ(٢): أن رجلاً حديثَ عهدٍ بعُرس استأذن رسولَ الله* بأنصاف النهار أن يرجع إلى أهله ... الحديث، وفيه: فإذا حيَّةٌ عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها. وذكر الحديث. وفي الصحيح (٣) أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إنَّ لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئاً، فحرِّجوا عليها ثلاثاً، فإنْ ذهب وإلا فاقتلوه؛ فإنه كافر)). وقال: ((اذهبوا فادفنوا صاحبكم)) (٤). وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة وبيانُ التحريج عليهن(٥) . وقد ذهب قومٌ إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالمدينة؛ لقوله في الصحيح (٦): ((إنَّ بالمدينة جنَّاً قد أسلموا)). وهذا لفظ مختصٌّ بها، فيختصُّ بحكمها. قلنا: هذا يدلُّ على أنَّ غيرها من البيوت مثلُها؛ لأنه لم يُعلَّل بحرمة المدينة، فيكون ذلك الحكمُ مخصوصاً بها، وإنما عُلِّل بالإسلام، وذلك عامٌّ في غيرها، ألا ترى قولَه في الحديث مخبِراً عن الجنِّ الذين لقي: ((وكانوا من جنِّ الجزيرة))؛ وهذا بيِّنٌ، يَعضُده قولُه: (١) في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٥٢: قال الشعبي. وهو عند البيهقي في الدلائل ٢٢٩/٢ من طريق الشعبي، وسلف في المسألة الثانية . (٢) ٢/ ٩٧٦، وسلف الحديث ٤٦٩/١ - ٤٧٠ . (٣) صحيح مسلم (٢٢٣٦): (١٤٠)، وسلف ١/ ٤٧٠ . (٤) أي الرجل الحديث العهد بعرس الذي قتلته الحية، وهو من حديث الموطأ المذكور. (٥) ٤٦٨/١ فما بعد. (٦) هو بعض الحديث السالف. ٢٧٩ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ ((وَنَهَى عن عوامر البيوت))(١)، وهذا عامٌ(٢). وقد مضى في سورة البقرة القولُ في هذا، فلا معنى للإعادة. قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُوَنَا عَجَبًا﴾ أي: في فصاحة كلامه. وقيل: عَجَباً في بلاغة مواعظه. وقيل: عجبًاً في عِظَم بركته(٣). وقيل: قرآناً عزيزاً لا يوجد مثله(٤). وقيل: يعنون عظيماً. ﴿يَهْدِىّ إِلَى الرُّتْدِ﴾ أي: إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى(٥)؛ و((يَهْدي)) في موضع الصفة، أي: هادياً. ﴿فَمَنَّا بِهِ،﴾ أي: فاهتدينا به وصدَّقنا أنه من عند الله ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِيَناً أَحَدًا﴾ أي: لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر لما (٦) رُميَ الجنُّ بالشُّهب. وقيل: لا نشَّخذ مع الله إلهاً آخر، لأنه المتفرِّد بالرُّبُوبية. وفي هذا تعجيبُ المؤمنين بذهاب مشركي قريش عمّا أدركته الجنُّ بتدبُّرها القرآن. وقوله تعالى: ﴿أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾ أي: استمعوا إلى النبيِّ ﴾، فعلموا أنَّ ما يقرؤه كلامُ الله. ولم يذكر المستمَع إليه لدلالة الحال عليه. والنَّفَر: الرهط، قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى الثَّقفي: ((يَهْدي إِلى الرَّشَد)) بفتح الراء والشين(٧). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّمُ تَعَلَى جَدُّ رَيْنَا﴾ كان عَلْقمة ويحيى والأعمش وحمزة والكِسائِيُّ وابن عامر وخَلَفٌ وحفص والسُّلَميُّ ينصبون ((أنَّ)) في جميع السورة في اثني عشر (١) أخرجه أحمد (٢٢٢٦٢) من حديث أبي أمامة﴾. وفي الباب عن أبي لبابة أو زيد بن الخطاب رضي الله عنهما أخرجه أحمد (٤٥٥٧)، ومسلم (٢٢٣٣). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٥٢-٧٨٥٣، ١٨٥٤، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) النكت والعيون ١٠٩/٦ -١١٠. (٤) تفسير أبي الليث ٤١٠/٣ . (٥) النكت والعيون ١١٠/٦. (٦) في (د): لِمَ، وفي(م): ثم. (٧) المحرر الوجيز ٣٧٩/٥ . ٢٨٠ سورة الجن: الآيات ١ - ٣ موضعاً (١)، وهو: ﴿وَأَنَُّ تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَنَّا ظَنَّا﴾، ﴿وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَنَّهُمْ ظَنُواْ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَا نَقْعُدُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَِّحُونَ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن ◌َّنْ تُعْجِزَ اَللَّهَ فِ اُلْأَرْضِ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَى﴾، ﴿وَأَنَا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ عطفاً على قوله: ﴿أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ لا يجوز فيه إلَّا الفتح، لأنها في موضع اسم فاعل ((أُوحِيَ))، فما بعده معطوفٌ عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في ((آمَنَّا بِهِ))، أي: وبـ((أَنَّه تعالى جَدُّ ربّنا))، وجاز ذلك وهو مضمَر مجرور، لكثرة حذف الجارِّ(٢) مع ((أنَّ). وقيل: المعنى: أي: وصدَّقنا أنه جَدُّ ربِّنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر، وهو الصواب، واختاره أبو عبيد (٣) وأبو حاتم عطفاً على قوله: ((فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا)) لأنه كله من كلام الجنِّ . وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثةَ مواضع، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَُّ تَعَلَى جَلُّ رَبِنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾(٤)، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا مابقي، لأنه من كلام الجنِّ. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فكلُّهم فتحوا إلَّ نافعاً وشيبةً وزِرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضَّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير(٥). ولا خلاف في فتح همزة ﴿أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْبِنِ﴾، ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾، ﴿وَأَنَّ اَلْمَسَِدَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾. وكذلك لاخلاف في كسر ما بعد القول، نحوُ قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾ (١) السبعة ص٦٥٦، والتيسير ص٢١٥، والنشر ٣٩١/٢. وعن علقمة أخرجها الفراء ١٩١/٣، ونسبها له وليحيى والأعمش النحاس في إعراب القرآن ٤٦/٥ . (٢) في النسخ: حرف الجارّ، وينظر مشكل إعراب القرآن ٧٦٣/٢ . (٣) في (د) و(م): أبو عبيدة. (٤) النشر ٣٩١/٢ عن أبي جعفر، وهو من العشرة. (٥) قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم في السبعة ص٦٥٦، والتيسير ص٢١٥ .