النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة القلم: الآيات ١٧ - ١٩
من أجل المساكين، وكانوا أرادوا حصادَ زرعها، وقالوا: لا يدخلها اليوم عليكم
مسكين، فغَدَوْا عليها؛ فإذا هي قد اقْتُلِعَت من أصلها، فأصبحت كالصَّريم، أي:
كالليل. ويقال أيضاً للنهار: صريم. فإن كان أراد الليلَ، فلاسْوداد موضعها. وكأنهم
وجدوا مَوْضِعَها حَمْأةً(١). وإن كان أراد بالصَّريم النهارَ؛ فلذهاب الشجرِ والزرعِ ونقاءِ
الأرض منه. وكان الطّائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتعلها. فيقال: إنه
طاف بها حَوْلِ البيت ثمَّ وضعها حيث مدينة الطائف اليوم؛ ولذلك سُمِّيت الطائف(٢).
وليس في أرض الحجاز بلدةٌ فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقال البكري في
المُعْجَم: سُمِّيت الطائف لأنَّ رجلاً من الصَّدِف(٣) يقال له: الدَّمُون؛ بنى حائطاً
وقال: قد بَنَيْتُ لكم طائفاً حول بلدكم؛ فسُمِّيت الطائف. والله أعلم (٤).
الثانية: قال بعض العلماء: على من حصد زَرْعاً أو جَدَّ ثمرةً أن يواسيَ منها مَنْ
حضره، وذلك معنى قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وأنه غير
الزكاة على ما تقدّم في ((الأنعام)) بيانه(٥). وقال بعضهم: وعليه ترك ما أخطأه
الحصّادون. وكان بعض العبّاد يتحرّون أقواتَهم من هذا. وروي أنه نُهيَ عن الحصاد
بالليل(٦). فقيل: إنه لما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق. وتأوّل من قال هذا
(١) الحَمْأة: الطين الأسود المنتن. اللسان (حما).
(٢) في هذا الكلام نظر، وليس فيه ما يصح.
(٣) الصَّدِف: مِخلاف ( وهي الناحية أو المحافظة في الاصطلاح الحديث) من اليمن منسوب إلى القبيلة.
معجم البلدان ٣٩٧/٣ .
(٤) التعريف والإعلام ص ١٧٤ - ١٧٥ .
(٥) ٩/ ٥٣ .
(٦) أخرجه البزار (٨٨٤) (كشف الأستار) عن عائشة رضي الله عنها، وقال: لا نعلمه عن عائشة إلا من هذا
الوجه، وعنبسة حدّث بأحاديث لم يتابع عليها، وهو لين الحديث. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
٧٧/٣: فيه عنبسة بن سعيد البصري، وهو ضعيف، وقد وثق.
وأخرجه أبو داود في المراسيل (١٢٨)، والبيهقي ٢٨٩/٩ - ٢٩٠ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده
علي بن الحسين مرسلاً.

١٦٢
سورة القلم: الآيات ١٧ - ١٩
الآيةَ التي في سورة ن وَالقَلِم. وقيل: إنَّما نهى عن ذلك خشيةَ الحيّات وهوامّ
الأرض(١).
قلت: الأوّل أصح، والثاني حسن. وإنما قلنا: الأول أصح؛ لأنَّ العقوبة كانت
بسبب ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى.
روى أسباط عن السُّدِّيّ قال: كان قوم باليمن، وكان أبوهم رجلاً صالحاً وله
جنة(٢)، وكان إذا بلغ ثمارُه أتاه المساكين، فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها
ويتزوّدوا، فلما مات قال بَنُوه بعضهم لبعض: عَلَامَ نُعطي أموالَنا هؤلاء المساكين!
تعالَوْا فَلْنُذْلِج(٣) فنصْرمتّها قبل أن يعلم المساكين. ولم يستثنوا، فانطلقوا وبعضُهم
يقول لبعض خَفْتاً(٤): لا يدخلّها اليوم عليكم مسكين، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْتَمُوا﴾
يعني حلفوا فيما بينهم: ﴿لَيَصْرُّهَا مُصْبِينَ﴾ يعني ليجذّنّها وقت الصبح قبل أن تخرج
المساكينُ ﴿وَلَا يَسْتَفْوُنَ﴾ يعني لم يقولوا: إن شاء الله(٥).
وقال ابن عباس: كانت تلك الجنةُ دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجلٌ من أهل
الصَّلاح وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كلُّ ما تعذَّاه الْمِنجَل فلم يجذّه من
الكَرْم، فإذا طُرح على البساط فكلُّ شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فإذا
حصدوا زرعَهم فكلُّ شيء تعدّاه المِنجَل فهو للمساكين، فإذا دَرَسُوا (٦) كان لهم كل
شيء انتثر؛ فكان أبوهم يتصدّق منها على المساكين، وكان يعيش في ذلك في حياة
أبيهم اليتامى والأراملُ والمساكينُ، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم، فقالوا:
(١) ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٧/٣.
(٢) قوله: وله جنة، من (ظ).
(٣) أدلج القوم: إذا ساروا من أول الليل الصحاح (دلج).
(٤) الخّفْت: إسرار المنطق. الصحاح (خفت).
(٥) تفسير أبي الليث ٣٩٣/٣ - ٣٩٤.
(٦) درسوا الحنطة دراساً: أي داسوها. الصحاح (درس).

١٦٣
سورة القلم: الآيات ١٧ - ١٩
قلّ المالُ وكثر العيال، فتحالفوا بينهم ليغدُوُنَّ غُدوة قبل خروج الناس، ثم ليَصْرِمنّها
ولا تعرف المساكين(١).
وهو قوله: ((إِذْ أَقْسَمُوا)) أي: حلفوا (لَيَصْرِمُنَّها)): ليقطعُنَّ ثمرَ نخيلهم إذا أصبحوا
بسُدْفة(٢) من الليل؛ لئلا ينتبه المساكين لهم. والصرم: القطع. يقال: صرم العِذق عن
النخلة. وأصرم النخلُ، أي: حان وقت صِرامه(٣). مثل: أرْكَبَ المُهرُ، وأحصدَ
الزرعُ، أي: حان ركوبه وحصاده .
﴿وَلَا يَسْتَشْوُنَ﴾ أي: ولم يقولوا إن شاء الله. ﴿فَنَادَوْا مُصْبِينَ﴾: ينادي بعضُهم
بعضاً (٤). ﴿أَنِ آَغْدُواْ عَلَى حريِّكُمْ إِن كُمْ صَرِمِينَ﴾: عازمين على الصّرام والجِداد(٥). قال
قتادة: حاصدین زرعکم. وقال الكلبيّ: ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل.
وقال مجاهد: كان حرثُهم ◌ِنَباً ولم يقولوا: إن شاء الله. وقال أبو صالح: كان
استثناؤهم قولهم: سبحان الله رَبِّنا. وقيل: معنى ((وَلَا يَسْتَثْنُونَ)) أي: لا يستثنون حقَّ
المساكين. قاله عكرمة (٦). فجاؤوها ليلاً فرأوا الجنة مسودّةً قد طاف عليها طائف من
ربك وهم نائمون. قيل: الطائف جبريل عليه السلام؛ على ما تقدّم ذكره(٧).
وقال ابن عباس: أمْرٌ من ربك. وقال قتادة: عذاب من ربّك. ابن جريج: عُنُق من
نار(٨) خرج من وادي جهنم. والطائف لا يكون إلا بالليل. قاله الفرّاء(٩).
(١) تفسير البغوي ٣٧٩/٤ .
(٢) السدفة: الظلمة، والضوء. وهو من الأضداد. الصحاح (سدف).
(٣) تفسير الرازي ٣٠/ ٨٧ بنحوه.
(٤) تفسير أبي الليث ٣٩٤/٣ .
(٥) النكت والعيون ٦٨/٦.
(٦) النكت والعيون ٦/ ٦٧ - ٦٨ .
(٧) في المسألة الأولى.
(٨) أي: قطعة من النار. اللسان (عنق).
(٩) في معاني القرآن له ٣/ ١٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النكت والعيون ٦٧/٦ وما قبله منه، ووقع
في النكت والعيون (من وادي جنتهم) بدل (من وادي جهنم).

١٦٤
سورة القلم: الآيات ١٧ - ٢٢
الثالثة: قلت: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنَّهم
عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ
فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِطَلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وفي الصحيح(١) عن النبيّ# قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ
والمقتول في النار)): قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بالُ المقتولِ؟ قال: ((إنه
كان حريصاً على قتل صاحبه)). وقد مضى مبيّناً في سورة آل عمران عند قوله تعالى:
﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [الآية: ١٣٥](٢).
فَتَادَوْاْ مُصْبِحِينَ ﴿ أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حرَيْكُمْ إِن
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِم
﴾
كُثُ مَرِمِينَ
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَلصَرِحٍ﴾ أي: كالليل المظلم؛ عن ابن عباس(٣) والفرّاء(٤)
وغيرهما. قال الشاعر :
تطاول لَيْلُكِ الجَوْنُ الْبَهِيمُ فما ينجابُ عن صبح صريمُ(٥)
أي: احترقت فصارت كالليل الأسود(٦). وعن ابن عباس أيضاً: كالرَّماد
الأسود(٧). قال: والصَّرِيم: الرماد الأسود بلغة خُزيمة(٨). الثورِيّ: كالزرع
المحصود.
(١) صحيح البخاري (٣١)، وصحيح مسلم (٢٨٨٨)، وسلف ٣٣١/٥ .
(٢) ٣٣١/٥.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٧٤/٢٣.
(٤) في معاني القرآن له ٣/ ١٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النكت والعيون ٦٨/٦ .
(٥) في النسخ: بهيم، بدل: صريم، والمثبت من تفسير الطبري ١٧٤/٢٣، والنكت والعيون ٦٨/٦.
الجون: الأسود المشرب حمرة. اللسان (جون).
(٦) تهذيب اللغة ١٢ / ١٨٥ .
(٧) النكت والعيون ٦٧/٦، وزاد المسير ٣٣٦/٨ .
(٨) تفسير البغوي ٣٧٩/٤ .

١٦٥
سورة القلم: الآيات ٢٠ - ٢٥
فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسن: صُرِم عنها
الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً (١). وقال المؤرّج: أي: كالرملة انصرمت
من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم؛ فالرّملة لا تُنبت شيئاً يُنتفع به(٢). وقال
الأخفش: أي: كالصبح انصرم من الليل(٣). وقال المبرد (٤): أي: كالنهار؛ فلا شيء
فيها.
قال شَمِر: الصَّرِيم: الليل، والصَّرِيم: النهار، أي: ينصرم هذا عن ذاك، وذاك
عن هذا (٥).
وقيل: سُمّيَ الليل صَرِيماً؛ لأنَّه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون فعیل
(٦)
بمعنى فاعل (٦).
قال القُشَيْرِيّ: وفي هذا نظر؛ لأنَّ النهار يسمَّى صَرِيماً، ولا يقطع عن تصرّف.
قوله تعالى :
أَنْ لَّا يَدْخُلَّهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٨َ وَغَدَوّأْ
﴿فَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ
عَلَى حَرْرٍ قَدِرِينَ
قوله تعالى: ﴿قاطلقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ﴾ أي: يتسارّون، أي: يُخفون كلامهم
ويسرُّونه؛ لئلا يَعلم بهم أحد. قاله عطاء وقتادة (٧). وهو من خَفَت يَخْفِت: إذا
سكن(٨) ولم يبيّن. كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة:
(١) تفسير البغوي ٣٧٩/٤، وتفسير الرازي ٨٨/٣٠.
(٢) تفسير الرازي ٨٨/٣٠ دون نسبة.
(٣) تفسير البغوي ٣٧٩/٤ .
(٤) في الكامل ٣٠٥/١ .
(٥) تهذيب اللغة ١٢/ ١٨٥ .
(٦) تفسير الرازي ٨٨/٣٠.
(٧) النكت والعيون ٦٨/٦.
(٨) الصحاح (خفت).

١٦٦
سورة القلم: الآيات ٢٣ - ٢٥
وإنّيَ لم أهْلِكْ سُلالاً ولم أَمُتْ خُفَاتاً وكُلّ ظَنَّه بِيَ عُوَّدِي(١)
وقيل: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم(٢). وكان أبوهم يخبر الفقراء
والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصِّرام(٣).
﴿وَغَدَوْ عَى حَرْيٍ قَدِرِينَ﴾ أي: على قَصْد وقدرة في أنفسهم ويظنون أنهم تمكنوا من
مرادهم. قال معناه ابن عباس وغيره.
والحَرْد: القصدُ. حَرَد يَحْرِد - بالكسر - حَرْداً: قَصَد. تقول: حَرَدْتُ حَرْدَك، أي:
قصدتُ قصدك. ومنه قول الراجز:
أقبل سَيْلٌ جاء من عند الله يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّةُ(٤)
أنشده النحاس :
قد جاء سيلٌ جاء من أمر الله يَخْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّة
قال المبرِّد: المُغِلّة: ذات الغَلّة. وقال غيره: المُغِلّة: التي يجري الماء في
غَلَلها؛ أي: في أصولها. ومنه: تغلّلت بالغالية. ومنه تغلّيت، أبدل من اللام ياء. ومن
قال: تَغَلّفْت؛ فمعناه عنده: جعلتها غِلافاً (٥).
وقال قتادة ومجاهد: ((عَلَى حَرْدٍ)) أي: على جِدّ. الحسن: على حاجة وفاقة (٦).
وقال أبو عبيدة والقُتَيِيّ: على حَرْد: على منع(٧)؛ من قولهم: حَارَدَتِ الإبلُ
(١) ديوان دريد بن الصمة ص ٤٥، وفيه: لم أهلك خفاتاً.
مات خفاتاً: مات فجأة، السُّلال: السّلّ.
(٢) النكت والعيون ٦٨/٦.
(٣) تفسير الرازي ٣٠/ ٨٧ .
(٤) الصحاح (حرد)، وسلف ٦/ ٣٠ .
(٥) من قوله: قال المبرد، إلى هذا الموضع، ليس في (ظ).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ١٧٦/٢٣ - ١٧٨.
(٧) مجاز القرآن ٢٦٥/٢، وتفسير غريب القرآن ص٤٧٩، ونقله المصنف عنهما بواسطة تفسير البغوي
٠٣٨٠/٤

١٦٧
سورة القلم: الآيات ٢٣ - ٢٥
حِراداً، أي: قلّت ألبانُها. والحَرُود من النُّوق: القليلة الذَّرّ. وحارَدتِ السَّنَةُ: قلّ
مطرها وخيرها(١). وقال السدّي وسفيان: ((عَلَى حَرْدٍ)): على غضب(٢).
والحَرْد: الغضب. قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: وهو
مخفف، وأنشد شعراً :
إذا جيادُ الخيلِ جاءت تَرْدِي
مملوءةٌ من غَضَبٍ وحَرْدٍ(٣)
وقال ابن السّكِّيت: وقد يحرّك، تقول منه: حَرِد - بالكسر - حَرَداً، فهو حارد
وحَرْدان. ومنه قيل: أسَدٌ حارِدٌ، ولُيُوثٌ حَوارد. وقيل: ((عَلَى حَرْدٍ»: على انفراد.
يقال: حَرَد يَحْرِدِ حُرُوداً، أي: تنَخَّى عن قومه ونزل منفرداً ولم يخالظُهم. وقال أبو
زيد: رجل حرِيد من قوم حُرَدَاء. وقد حَرَد يَحْرِد حُروداً: إذا ترك قومَه وتحوّل عنهم.
وكوكبٌ حَرِيد، أي: معتزلٌ عن الكواكب(٤).
قال الأصمعي: رجل حَرِيد، أي: فريدٌ وحيدٌ. قال: والمُنْحرد: المنفرد في لغة
هُذَيل. وأنشد لأبي ذؤيب:
كأنه كوكبٌ في الجَوّ مُنْحَرِهُ(٥)
ورواه أبو عمرو بالجيم، وفسّره: منفردٌ. قال: وهو سُهَيْلٌ(٦).
(١) الصحاح (حرد).
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٣٨/٤ عن الشعبي وسفيان، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٦٩/٦
عن السدي.
(٣) الرجز لقبيصة بن النصراني كما في شرح ديوان الحماسة ٦٢٤/٢، وهو في مجمع الأمثال ١/ ١٤٤
دون نسبة. قال المرزوقي: تردي: الرَّدَيان ضرب من المشي، والمعنى إذا جاءت الخيل العِتاق قد
حميت ونشطت فامتلأت عضباً، وصار مشيها رَدّياناً.
(٤) الصحاح (حرد).
(٥) عجز بيت صدره: من وَحْشٍ حَوْضَى يُراعي الصيد مبتقلا. وهو في ديوان الهذليين ص١٢٦ وروايته:
منجرد، بدل: منحرد. والبيت أيضاً في المعاني الكبير ٢/ ٧٦١ .
(٦) الصحاح (حرد).

١٦٨
سورة القلم: الآيات ٢٣ - ٢٧
وقال الأزهريّ (١): حَرْد اسم قريتهم.
السُّدي: اسم جنتهم، وفيه لغتان: حَرْدٌ وحَرَد(٢). وقرأ العامة بالإسكان. وقرأ أبو
العالية وابن السَّمَيْفَع بالفتح، وهما لغتان(٣). ومعنى (قَادِرِين)): قد قدّروا أمرهم وبَنَوْا
عليه. قاله الفرّاء(٤).
وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيّ: ((قَادِرِينَ)) يعني على
المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: مَنعوا وهم واجدون(٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ (٣٦َ بَلْ نَحْنُ مَخُرُومُونَ
قوله تعالى: ﴿فَا رَأَوَهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ﴾ أي: لما رأوها محترقةً لاشيء فيها قد
صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد، أنكروها وشَكُّوا فيها. وقال بعضهم
لبعض: ﴿إِنَّا لَضَلُونَ﴾ أي: ضللنا الطريق إلى جَنَّتِنَا. قاله قتادة(٦). وقيل: أي: إنا
الضالُّون عن الصواب في غدوّنا على نية منع المساكين؛ فلذلك عوقبنا. ﴿بَلْ نَحْنُ
مَحْرُمُونَ﴾ أي: حُرِمنا جنتنا بما صنعنا.
روى أسباط عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((إياكُم والمعاصي، إنَّ
العبدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ، فيُخْرَم به رزقاً كان هُيِّيءَ له. ثمَّ تلا: ﴿فَطَافَ عَيْهَا طَيِفٌ مِّنِ زَّيْكَ﴾
الآيتين(٧) .
(١) في تهذيب اللغة ٤/ ٤١٤ .
(٢) زاد المسير ٣٣٦/٨ - ٣٣٧.
(٣) ذكر القراءة بالتحريك ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٠ دون نسبة.
(٤) نقله عنه بنحوه الأزهري في تهذيب اللغة ٤/ ٤١٤ .
(٥) زاد المسير ٣٣٨/٨ .
(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٠٩/٢ .
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ٢٥٣/٦، وذكره ابن كثير ١٩٦/٨ وفي إسناده
عمر بن صبح؛ قال ابن حبَّان في المجروحين ٨٨/٢: كان ممن يضع الحديث على الثقات. وفي الباب
عن ثوبان عند أحمد (٢٢٣٨٦) وإسناده ضعيف.

١٦٩
سورة القلم: الآيات ٢٨ - ٣٢
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَتِحُونَ ﴿٨َ قَالُواْ سُبْحَنَ رَيْنَا إِنَّا كُنَاً
ظَالِمِينَ
عسی
﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَوَمُونَ (٢٥) قَالُواْ يَوَتِنَآَ إِنَّا كُنَّا ◌َِينَ
١٣٢
رَبِّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُ﴾ أي: أمثلُهم وأعدلُهم وأعقلُهم: ﴿أَ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا
تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلّا تستثنون. وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهد وغيره(١). وهذا يدلُ
على أنَّ هذا الأوسطَ كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه(٢).
قال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله. فقال لهم: هَلّا تسبحون الله، أي:
تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم(٣).
قال النّحاس: أصل التسبيح التنزيهُ لله عزَّ وجلّ، فجعل مجاهدٌ التسبيح في
موضع إن شاء الله؛ لأنَّ المعنى تنزيهُ الله عزَّ وجلَّ أن يكون شيء إلا بمشيئته(٤).
وقيل: هلّا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خُبْث نيّتكم؛ كان(٥) أوسطهم
قال لهم حين عزموا على ذلك وذكّرهم انتقامَه من المجرمين(٦).
﴿قَالُوا سُبْحَنَ رَيِّنَا﴾ اعترفوا بالمعصية ونزّهوا الله عن أن يكون ظالماً فيما فعل(٧).
قال ابن عباس في قولهم: ((سُبْحَانَ رَبِّنَا)) أي: نستغفر الله من ذنبنا. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ﴾
لأنفسنا في منعنا المساكين .
(١) تفسير الطبري ١٨٢/٢٣، والمحرر الوجيز ٣٥٠/٥، وتفسير البغوي ٤/ ٣٨٠.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٩٠/٣٠.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٠ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٠٩/٥، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٢٦/٢.
(٥) في (م): فإن.
(٦) في الكشاف ١٤٥/٤ والكلام منه: كان أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه
من المجرمين ..
(٧) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٠ .

١٧٠
سورة القلم: الآيات ٢٨ - ٣٢
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَوَمُونَ﴾ أي: يلوم هذا هذا في القَسَم ومنعِ المساكين،
ويقول: بل أنت أشرتَ علينا بهذا(١). ﴿قَالُواْ يَتَِّآَ إِنَّا كُنَّا لَفِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حقٌّ
الفقراء وترك الاستثناء. وقال ابن كَيْسَان: طَغَيْنا نِعَمَ الله فلم نشكرها كما شكرها
آباؤنا من قبل(٢).
﴿عَسَى رَبُّناً أَنْ يَبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها؛ لنصنعنّ
كما صنعت آباؤنا، فدَعَوا الله وتضرَّعوا؛ فأبدلَهم الله من ليلتهم ما هو خير منها،
وأمر جبريلَ أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزُغَر (٣) من أرض الشام، ويأخذَ
من الشام جنة فيجعلها مكانها(٤).
وقال ابن مسعود: إنَّ القوم أخلصوا وعرف الله منهم صدقَهم، فأبدلهم جنة يقال
لها الحيوان، فيها عنب يحمل البغلُ منها عنقوداً واحداً. وقال اليمانيّ أبو خالد:
دخلتُ تلك الجنةَ فرأيت كلَّ عنقود منها كالرجل الأسود القائم(٥) .
وقال الحسن: قول أهل الجنة: ((إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ)) لا أدري إيماناً كان ذلك
منهم، أو على حدّ ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة؛ فيوقف في كونهم
مؤمنین.
وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّار؟ فقال: لقد
كلَّفْتني تعباً(٦). والمعظم يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيريّ.
(١) زاد المسير ٣٣٨/٨ - ٣٣٩.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٠ .
(٣) زُغر: قرية بمشارف الشام. اللسان (زغر).
(٤) ليس في هذا الكلام ما يصح.
(٥) مجمع البيان ٢٩/ ٣٠، وأثر ابن مسعود ذكره أيضاً في الكشاف ٤/ ١٤٥ .
(٦) الكشاف ١٤٥/٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٠٩/٢ .

١٧١
سورة القلم: الآيات ٢٨ - ٣٣
وقراءة العامة: ((يُبْدِلنَا)) بالتخفيف. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بالتشديد، وهما
لغتان(١).
وقيل: التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله وعينُ الشيء قائم. والإبدال رفعُ الشيء
ووضع آخرَ مكانَه(٢). وقد مضى في سورة النساء القول في هذا(٣).
قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ الْعَّبِّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ كَنُواْ يَعْلَمُونَ
٣٣
قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ الَّْبِّ﴾ أي: عذابُ الدنيا وهلاكُ الأموال. عن ابن زيد.
وقيل: إنَّ هذا وَغْظُ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجَذْب لدعاء
النبيّ ﴾(٤)؛ أي: كفِعْلنا بهم نفعل بمن تعدّى حدودنا في الدنيا(٥) ﴿وَعَذَابُ الْآَخِرَةِ
أَكْبٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وقال ابن عباس: هذا مَثَلٌ لأهل مكةَ حين خرجوا إلى بَدْرٍ
وحلفوا ليقتلنَّ محمداً ﴾ وأصحابَه، وليرجعنّ إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا
الخمر، وتضربَ القَيْنات على رؤوسهم؛ فأخلف الله ظنَّهم وأُسِرُوا وقُتلوا وانهزموا
كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصِّرَام فخابوا (٦).
ثم قيل: إنَّ الحقَّ الذي منعه أهلُ الجنة المساكين يحتمل أنه كان واجباً عليهم،
ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر، والله أعلم .
وقيل: السورة مَكّية؛ فَبَعُدَ حملُ الآية على ما أصاب أهل مكة من القَخْط، وعلى
قتال بدر.
(١) قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. السبعة ص ٣٩٧، والتيسير ص ١٤٥
والنشر ٣١٤/٢ .
(٢) زاد المسير ٣٣٩/٨.
(٣) ٦/ ٤٢٠ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٥١/٥، والكشاف ١٤٣/٤، ودعاء النبي # على قريش سلف ١٠٧/١٩.
(٥) تفسير البغوي ٣٨١/٤، وزاد المسير ٣٣٩/٨.
(٦) تفسير الرازي ٩١/٣٠ بنحوه .

١٧٢
سورة القلم: الآيات ٣٤ - ٣٩
(٣٥)
أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَأْمُجْرِمِينَ
٣٤
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُنَّقِينَ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتِ التَّعِيمِ
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَّرُونَ
مَا لَكُنْ كَيْفَ تَحَكُونَ ﴿٣ أَمْ لَكُمْ كِنَبُ فِيهِ تَدْرُسُونَ
لَكُمْ أَيْمَئِنُّ عَلَيْنَا بَلِفَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَمُْونَ (®)﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتِ النَِّيمِ﴾ تقدم القول فيه، أي: إنَّ للمتقين في
الآخرة جناتٍ ليس فيها إلا التنعّم الخالص، لا يشوبُه ما ينغّصُه كما يشوب جناتٍ
الدنيا(١).
وكان صناديدُ قريش يَرَوْن وفورَ حظّهم من الدنيا وقلّةً حظوظ المسلمين منها،
فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صَحَّ أنّا نُبُعث كما يزعم
محمدٌ ومن معه، لم يكن حالُنا وحالُهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا
ولم يَفْضُلونا، وأقصى أمرِهم أن يُساوونا. فقال: ﴿أَفَجْعَلُ الْمُتِمِينَ كْرِمِينَ﴾ أي:
کالكفار(٢).
وقال ابن عباس وغيره: قال كفار مكة: إنا نُعطَى في الآخرة خيراً مما تُعْطَوْن؛
فنزلت: ﴿أَفَجْعَلُ الِْمِينَ كْبُعْرِمِينَ﴾(٣) ثم وبَّخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُونَ﴾ هذا
الحُكْمَ الأعوج؛ كأنَّ أمر الجزاء مفوّضٌ إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم(٤) أنَّ لكم
من الخير ما للمسلمين! ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَبٌ فِهِ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع
کالعاصي؟!
﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَّا تَخَرُونَ﴾: تختارون وتشتهون(٥). والمعنى: أنَّ لكم - بالفتح - ولكنه
كسر لدخول اللام، تقول: علمت أنك عاقل؛ بالفتح، وعلمت إنَّك لعاقل؛ بالكسر.
(١) تفسير الرازي ٩١/٣٠ .
(٢) الكشاف ١٤٥/٤ - ١٤٦ .
(٣) تفسير البغوي ٣٨١/٤، وزاد المسير ٣٣٩/٨ بدون نسبة.
(٤) الكشاف ١٤٦/٤ .
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٣٨١، وزاد المسير ٣٣٩/٨.

١٧٣
سورة القلم: الآيات ٣٤ - ٣٩
فالعامل في ((إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ)): ((تَدْرُسُونَ)) في المعنى، ومنعت اللامُ من
فتح ((إن))(١) .
وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ((تَدْرُسُونَ)»، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَّا تَخَّونَ﴾
أي: إنَّ لكم في هذا الكتاب إذاً ما تخيّرون، أي: ليس لكم ذلك. والكناية في ((فيه))
الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب.
ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَنُّ﴾ أي: عهود ومواثيق(٢). ﴿عَلَّنَا بَلِغَهُ﴾
مؤكّدة. والبالغة المؤكّدة بالله تعالى(٣). أي: أم لكم عهودٌ على الله تعالى استوثقتم
بها في أن يدخلَكم الجنة.
﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَخْكُونَ﴾ كُسرت ((إنَّ)) لدخول اللام في الخبر(٤). وهي من صلة
((أيمان))، والموضع النصبُ ولكن كسرت لأجل اللام، تقول: حلفت إن لك لكذا.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَّمَةٌ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَتْكُمُونَ﴾ إذاً،
أي: ليس الأمر كذلك.
وقرأ ابن هُرْمُز: ((آئنّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تخيّرون)»، «آئنّ(٥) لكم لَمَا تحكمون»
بالاستفهام فيهما جميعاً (٥).
وقرأ الحسن البصري: ((بالغةً)) بالنصب على الحال(٦)؛ إما من الضمير في ((لكم))
لأنَّه خبر عن ((أيمان)) ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في ((علينا)) إن قدّرت ((علينا))
(١) قال الزمخشري في الكشاف ١٤٦/٤: الأصل: تدرسون أنَّ لكم ما تخيَّرون، بفتح أن؛ لأنه مدروس،
فلما جاءت اللام ◌ُسرت.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٨١ .
(٣) النكت والعيون ٦/ ٧٠ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٨١ .
(٥) المثبت من (خ)، وهو الموافق لما في القراءات الشاذة لابن خالويه ص ١٦٠ حيث قيَّدها بالمد.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٦٠، والمحتسب ٣٢٥/٢.

١٧٤
سورة القلم: الآيات ٣٤ - ٤٣
وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمان؛ لأنَّ فيه ضميراً منه، كما يكون إذا كان خبراً
عنه. ويجوز أن يكون حالاً من ((أيمان)) وإن كانت نكرة، كما أجازوا نصب ((حَقّاً))
على الحال من ((متاع)) في قوله تعالى: ﴿مَتٌَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾(١)
[البقرة: ٢٤١].
وقرأ العامة: ((بالغةٌ)) بالرفع نعت لـ ((أيمان))(٢).
قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمُ ( أَمْ لَمْ شُرَكَهُ فَلْيَأْتُواْ بِشُرَكَِّهِمْ إِن كَانُواْ
صَدِقِينَ
٤١
قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي: سلْ يا محمد هؤلاء المتقوّلين عليَّ:
أيُّهم كفيلٌ بما تقدم ذكرُه، [وهو أنَّ لهم في الآخرة من الخير](٣) ما للمسلمين؟
والزعيم: الكفيل والضّمين. قاله ابن عباس وقتادة(٤). وقال ابن كيسان: الزعيم هنا
القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم الرسول(٥).
﴿أَمَ لَهُمْ شُرَكَؤًا﴾ أي: ألهم، والميم صلة. ((شُرَكَاء)) أي: شهداء. ﴿فَيَأْتُواْ
بِشُرَكَآيِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا. ﴿إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: أي:
فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم؛ فهو أمر معناه التعجيز.
خَشِمَةً
٤٢
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
٤٣
أَبْصَرُهُمْ تَرْعَقُهُمْ زِلٌَّ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يجوز أن يكون العامل في ﴿يَوْمَ﴾: ﴿فَلْيَّأَتُوا﴾
(١) المحتسب ٣٢٥/٢ - ٣٢٦.
(٢) المحرر الوجيز ٣٥١/٥.
(٣) ما بين معكوفين زيادة يقتضيها السياق، وينظر زاد المسير ٨/ ٣٤٠ .
(٤) زاد المسير ٣٤٠/٨، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٨٦/٢٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢١٠/٥.
(٥) النكت والعيون ٦/ ٧٠ .

١٧٥
سورة القلم: الآيتان ٤٢ - ٤٣
أي: فليأتوا بشركائهم يومَ يُكشف عن ساق، ليشفع الشركاءُ لهم. ويجوز أن ينتصب
بإضمار فعل، أي: اذكر يوم يكشف عن ساق؛ فيوقف على ((صَادِقِينَ)). ولا يوقف
عليه على التقدير الأول .
وقرىء: ((يوم نكشف)) بالنون(١). ((وقرأ)) ابن عباس: ((يوم تَكْشِف عن ساق))(٢)
بتاء مسمَّى الفاعل، أي: تكشف الشدةُ أو القيامةُ عن ساقها، كقولهم: شَمّرت
الحربُ عن ساقها. قال الشاعر:
: وإن شَمّرتْ عن ساقها الحربُ شَمّرا(٣)
فتى الحرب إن عضّتْ به الحربُ عَضّها
وقال الراجز:
قد كشفتْ عن ساقها فشُدُّوا
وجَدّت الحربُ بكم فَجِدُّوا(٤)
وقال آخر:
عجبتُ من نفسي ومن إشفاقها
في سَنةٍ قد كَشَفَتْ عن ساقها
وقال آخر:
وبدا من الشَّرِّ الصُّرَاح(٦)
ومن طِرَاد الطيرِ عن أرزاقها
حمراءَ تَبْري اللحمَ عن عُرَاقِها(٥)
كشفتْ لهم عن ساقِها
(١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٠ لابن عباس.
(٢) المحتسب ٣٢٦/٢، وأخرجها الفراء في معاني القرآن له ٢/ ١٧٧ .
(٣) البيت لحاتم الطائي كما في الشعر والشعراء لابن قتيبة ٢٤٧/١، وهو في ديوانه ص٤٩ وروايتهما
(أخو) بدل (فتى) ونسبه صاحب الحماسة البصرية ٧٨/١ لزيد الخيل، وهو في ديوانه ص٦١ . ونسبه
صاحب العقد الفريد ٢٤٥/٥ لحذيفة بن أنس.
(٤) الرجز في الكامل ٢/ ٤٩٤ دون نسبة.
(٥) الرجز لأعرابي كان يطرد الطير عن زرع في سنة جذب كما في غريب الحديث لابن قتيبة ٦٦/١ -٦٧.
وروايته (مِطْرادي) بدل (طراد)، قال ابن قتيبة العُرَاق: العظم.
(٦) البيت لسعد بن مالك كما في شرح ديوان الحماسة ٥٠٢/٢ .

١٧٦
سورة القلم: الآيتان ٤٢ - ٤٣
وعن ابن عباس أيضاً والحسن وأبي العالية: (تُكْشَفُ)) بتاء غير مسمّى الفاعل(١).
وهذه القراءة راجعةٌ إلى معنى ((يُكْشَف))، وكأنه قال: يوم تَكْشف القيامةُ عن شدَّة.
وقرىء: ((يَوْمَ تُكْشِف)) بالتاء المضمومة وكَسْر الشين؛ من أكشف: إذا دخل في
الكشف، ومنه: أكشف الرجل فهو مُكشف (٢): إذا انقلبت شَفَتُه العليا(٣).
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا أسامةُ بن زيد، عن عكرمةً، عن ابن عباس في
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ قال: عن كرب وشدّة. أخبرنا ابن جُريج عن
مجاهد قال: شدّة الأمر وجِدّه. وقال مجاهد: قال ابن عباس: هي أشدُّ ساعةٍ في يوم
القيامة(٤). وقال أبو عبيدة(٥): إذا اشتد الحربُ والأمرُ قيل: كشف الأمرُ عن ساقه
والأ مل فيه أنَّ من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجِدّ شَمّر عن ساقه، فاستعير
الساق والكشف عنها في موضع الشدة (٦).
وقيل: ساقُ الشيء: أصلُه الذي به قِوامه، كساق الشجرة وساق الإنسان، أي:
يومَ يُكشف عن أصل الأمر، فتظهر حقائقُ الأمور وأصلُها. وقيل: يُكشف عن ساق
جهنم. وقيل: عن ساق العرش(٧). وقيل: يريد وقتَ اقتراب الأجل وضعف البدن؛
أي: يَكشِفُ المريضُ عن ساقه ليُبْصِرَ ضعفَه، ويدعوه المؤذن إلى الصلاة فلا يمكنه
أن يقوم ويخرج(٨).
فأما ما رُوِي أنَّ الله يكشف عن ساقه؛ فإنَّه عز وجل يتعالى عن الأعضاء
(١) ذكرها ابن جني في المحتسب ٣٢٦/٢ دون نسبة.
(٢) في (د) مکشوف، وفي (ظ) منکشف.
(٣) الكشاف ٤/ ١٤٧ .
(٤) الزهد (٣٦١ - ٣٦٢) زوائد نعيم.
(٥) في مجاز القرآن ٢٦٦/٢ .
(٦) تأويل مشكل القرآن ص١٠٣ .
(٧) تفسير الرازي ٣٠/ ٩٥ .
(٨) تفسير الرازي ٣٠/ ٩٥ بنحوه.

١٧٧
سورة القلم: الآيتان ٤٢ - ٤٣
والتبعيض وأن يكشف ويتغطى. ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل: يكشف
=(١)
عن نوره عزَّ وجلَّ(١).
وروى أبو موسى عن النبيّ :﴿ في قوله تعالى: ﴿عَن سَاقٍ﴾ قال: ((يُكشفُ عن نورٍ
عظيم يخرُون له سجداً))(٢).
وقال أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ في تفسيره(٣): حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدّثنا
ابنُ مَنِيع قال: حدّثنا هُذْبة قال: حدّثنا حمَّاد بنُ سَلَمة، عن علي(٤) بنِ زيد، عن
عمارةً القرشي، عن أبي بردة بن(٥) أبي موسى، قال: حدّثني أبي قال: سمعت
رسول الله ﴾ يقول: ((إذا كان يومُ القيامة، مُثِّلَ لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا،
فيذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون، ويبقى أهلُ التوحيد فيقال لهم: ما تنتظرون وقد
ذهب الناس؟ فيقولون: إنَّ لنا ربًّا كنا نعبده في الدنيا ولم نره. قال: وتعرفونه إذا
رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنَّه لا شبيه له.
فيُكشفُ لهم الحجابُ، فينظرون إلى الله تعالى، فيخرُّون له سُجَّداً، وتبقى أقوامٌ
ظهورُهم مثل صَيَاصِي (٦) البقر، فينظرون إلى الله تعالى، فيريدون السجود فلا
يستطيعون، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾
فيقول الله تعالى: ((عبادي ارفعوا رؤوسَكم؛ فقد جعلت بدلَ كلِّ رجلٍ منكم رجلاً من
(١) ما ثبت وصح من نصوص الصفات الخبرية لله عز وجل يجب إثباتها له تعالى بلا تحريف ولا تمثيل ولا
تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل .
(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٧٢٨٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٥٢) عن روح بن جناح، عن
مولى عمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة، عن أبي موسى مرفوعاً. قال البيهقي: تفرد به روح بن جناح،
وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها والله أعلم، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة.
(٣) ٣٩٥/٣.
(٤) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: عدي، وهو خطأ.
(٥) في النسخ: عن، وهو خطأ.
(٦) صياصي البقر: قرونها. النهاية (صيص).

١٧٨
سورة القلم: الآيتان ٤٢ - ٤٣
اليهود والنصارى في النار)). قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمرَ بن عبد العزيز
فقال: آللهِ الذي لا إله إلا هو، لقد حَدَّثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثةَ
أيمان؛ فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحبُّ إليَّ من هذا(١).
وقال قيس بن السَّكَن(٢): حَدّث عبد الله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال:
إذا كان يوم القيامة، قام الناس لربِّ العالمين أربعين عاماً شاخصةً أبصارهم إلى
السماء، حُفاةً عُراةً يُلْجمهم العرق، فلا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاماً، ثم
ينادي منادٍ: أيها الناس، أليس عدلاً من ربكم الذي خلقكم وصوّركم وأماتكم
وأحياكم ثمَّ عبدتم غيره أن يُؤَلِّيَ كلَّ قوم ما تولَّوْا؟ قالوا: نعم. قال: فيرفع لكلِّ قوم
ما كانوا يعبدون من دون الله، فيتبعونها حتى تقذفَهم في النار، فيبقى المسلمون
والمنافقون فيقال لهم: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون: حتى يأتينا ربُّنا، فيقال
لهم: أو تعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عَرَفناه. قال: فعند ذلك یکشف عن ساق
ويتجلّى لهم فيخرّ من كان يعبده مخلصاً ساجداً، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنّ
في ظهورهم السفافيد(٣)، فيُذْهَب بهم إلى النار، ويدخل هؤلاء الجنة؛ فذلك قوله
تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾(٤).
﴿خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُ﴾ أي: ذليلةً متواضعةً، ونصبُها على الحال. ﴿تَرْمَنُهُمْ زِلَّةٌ﴾ وذلك
أن المؤمنين يرفعون رؤوسَهم ووجوهُهم أشدُّ بياضاً من الثلج. وتسودّ وجوه المنافقين
والكافرين(٥) حتى ترجع أشدَّ سواداً من القار.
(١) تفسير أبي الليث ٣٩٥/٣، والوسيط ٣٤٠/٤ - ٣٤١، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٣٤/٤٣،
وعلي بن زيد - وهو ابن جُدعان - وعمارة القرشي: ضعيفان. ميزان الاعتدال ١٢٧/٣ و١٧٨.
(٢) هو الأسدي الكوفي، أخو بني سُراءة، قال يحيى بن معين: ثقة، قال أبو حاتم: توفي زمن مصعب بن
الزبير. تهذيب الكمال ١٣٨/٦.
(٣) السفافيد : - جمع السَّفُّود - الحديدة التي يُشوى بها اللحم. الصحاح (سفد).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩٠/٢٣ - ١٩١.
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٣.

١٧٩
سورة القلم: الآيات ٤٢ - ٤٥
قلت: معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ثابت في صحيح مسلم من حديث
أبي سعيد الخدريّ وغيره(١).
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُورِ﴾ أي: في الدنيا(٢). ﴿وَهُمْ سَلِّمُونَ﴾ مُعَافَوْن
أصحّاء. قال إبراهيم التَّيْميّ: أي: يُدعون بالأذان والإقامة فيأبَوْنه. وقال سعيد بن
جُبَير: كانوا يسمعون: حيَّ على الفلاح، فلا يجيبون. وقال كعب الأحبار: والله ما
نزلت هذه الآيةُ إلا في الذين يتخلّفون عن الجماعات(٣). وقيل: أي: بالتكليف
المُوَجَّه عليهم في الشرع، والمعنى متقارب. وقد مضى في سورة البقرة الكلام في
وجوب صلاة الجماعة(٤).
وكان الربيع بن خَيْثم قد فُلِجَ، وكان يُهَادَى(٥) بين الرجلين إلى المسجد؛ فقيل:
يا أبا يزيد، لو صلّيتَ في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من سمع حيّ على الفلاح؛
فلْيُجِبْ ولو حبواً. وقيل لسعيد بن المسيّب: إنَّ طارقاً يريد قتلك فتغيّب. فقال:
أبحيث لا يَقْدِر الله عليّ؟ فقيل له: اجلس في بيتك. فقال: أسمع حيّ على الفلاح،
فلا أجيب(٦)!
® وأُمْلِی لَمّ
قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا اَلَْدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّ گیدِی مَتِینُ ۵﴾
قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِ﴾ أي: دَعْنِي. ﴿وَمَنْ يُكَذِّبُ﴾ ((مَنْ)) مفعول معه أو معطوف
(١) صحيح مسلم (١٨٣) (٣٠٢)، وهو في صحيح البخاري (٤٥٨١)، ومسند أحمد (١١١٢٧) مطولاً عن
أبي سعيد الخدري ﴾
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٥/٥.
(٣) تفسير البغوي ٣٨٣/٤.
(٤) ٢/ ٣٠ فما بعدها.
(٥) يهادى بين الرجلين: أي: يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله. النهاية (هدا).
(٦) المحرر الوجيز ٣٥٣/٥.

١٨٠
سورة القلم: الآيتان ٤٤ - ٤٥
على ضمير المتكلم(١). ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآنَ. قاله السدّيّ. وقيل: يوم
القيامة(٢). وهذا تسليةٌ للنبيّ ﴾، أي: فأنا أجازيهم وأنتقم منهم.
ثم قال: ﴿سَنَتَدْيِعُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ معناه: سنأخذهم على غفلة وهم لا
يعرفون، فعُذّبوا يوم بَدْر(٣).
وقال سفيان الثَّوْريّ: نُسبغ عليهم النعمَ ونُنسيهم الشكرَ. وقال الحسن: كم
مستدرَجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتونٍ بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالسّتر عليه (٤).
وقال أبو رَوْق: أي: كلّما أحدثوا خطيئةً جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم
الاستغفار(٥).
وقال ابن عباس: سنمكر بهم(٦). وقيل: هو أن نأخذَهم قليلاً ولا نباغتهم(٧).
وفي حديث: ((أنَّ رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربّ، كم أعصيك وأنت لا
تعاقبني قال: فأوحى الله إلى نبيّ زمانِهم أن قل له: كم من عقوبة لي عليك وأنت لا
تشعر؛ إنَّ جمود عينيك وقَسَاوَةَ قلبك استدراجٌ منّي وعقوبةٌ لو عقَلَت))(٨).
والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله: النقلُ من حالٍ إلى حالٍ كالتدرّج. ومنه
قيل: درجة؛ وهي منزلة بعد منزلة(٩). واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده
قليلاً. ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه بمعنىّ: أدناه منه على التدريج، فتدرّج هو.
(١) المصدر السابق.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٧٢ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٨٤ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٥٣/٥.
(٥) تفسير الرازي ٩٦/٣٠ .
(٦) نسبه البغوي في تفسيره ٢١٨/٢ لعطاء في تفسير الآية (١٨٢) من سورة الأعراف.
(٧) تهذيب اللغة ١٠/ ٦٤٢ .
(٨) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٦٨/١٠ عن عبد الله بن خبيق بنحوه.
(٩) النكت والعيون ٦/ ٧٢ .