النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة القلم: الآيات ١ - ٤
﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غيرَ مقطوع ولا منقوص؛ يقال: مننتُ الحبل: إذا قطعتَه(١).
وحبل منين: إذا كان غير متين. قال الشاعر:
غُبْساً كواسِبُ لا يُمَنّ طعامُها(٢)
أي: لا يقطع.
وقال مجاهد: ((غَيْرَ مَمْنُونٍ)): غير محسوب(٣). الحسن: ((غَيْرَ مَمْنُونٍ)): غيرَ مكدّر
بالمَنّ(٤).
الضخّاك: أجراً بغير عمل. وقيل: غيرَ مقدَّر، وهو التفضُّل؛ لأنَّ الجزاء مقدّر،
والتفضُّل غيرُ مقدَّر. ذكره الماوَرْدِيّ، وهو معنى قول مجاهد(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: على
خُلُقٍ: على دينٍ عظيم من الأديان، ليس دينٌ أحبّ إلى الله تعالى ولا أرضى عنده
منه (٦). وفي صحيح مسلم عن عائشة: أنَّ خُلُقه كان القرآن (٧). وقال عليَّ ه وعَطِيّة:
(١) تفسير غريب القرآن ص ٤٧٧ .
(٢) هذا عجز بيت للبيد، وصوره: لِمُعَفَّر قَهْدٍ تنازعَ شِلْوَهُ، وهو في ديوانه ص١٧١، والمعاني الكبير لابن
قتيبة ٧٠٩/٢، وفيهما (غبس) بدل (غبساً). وأورد ابن منظور في اللسان (متن) شطر البيت أعلاه كرواية
المصنف، ونقد عن ابن بري أنه في نسخة ابن القطاع من الصحاح. ثم قال: وهو غلط ... إلخ. قال
ابن قتيبة: المعفَّر: الولد إذا أرادت أمه أن تفطمه تركته يومين لا تسقيه، ثم ترضعه، ثم تتركه ثلاثة
أيام، ثم ترضعه حتى يستمر ويعتاد، والقهد: الغنم الصغار الأذناب، تنازع شلوه؛ أي: تجاذب بقية
جسده، غبس: ذئاب في ألوانها لا يمن طعامها من عطاء أحد يمتن به إنّما هو كسبها.
(٣) النكت والعيون ٦١/٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٤٩/٢٣ .
(٤) مجمع البيان للطبرسي ٢٣/٢٩ دون نسبة.
(٥) النكت والعيون ٦١/٦، والمحرر الوجيز ٣٤٦/٥.
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٥ .
(٧) صحيح مسلم (٧٤٦): (١٣٩) مطول، وهو في مسند أحمد (٢٤٢٦٩).

١٤٢
سورة القلم: الآية ٤
هو أدب القرآن(١). وقيل: هو رِفْقُه بأمّته وإكرامُه إيّاهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله، وينتهي(٢) عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: أي: إنَّك على طبع كريم. الماورديّ: وهو الظاهر.
وحقيقة الخُلُق في اللغة: هو ما يأخذ به الإنسانُ نفسَه من الأدب يُسَمَّى خُلُقاً؛
لأَنَّه يصير كالخِلقة فيه. وأما ما طُبع عليه من الأدب فهو الخِيم(٣) - بالكسر -: السَّجِيَّة
والطبيعة، لا واحد له من لفظه. وخِيم: اسم جبل(٤). فيكون الخُلُقُ الطبعَ المتكلّف،
والخِيمُ الطبعَ الغريزي. وقد أوضح الأعشى ذلك في شعره فقال:
وإذا ذُو الفضول ضَنَّ على المَوْ لَى وعادت لِخِيمها الأخلاقُ
أي: رجعت الأخلاقُ إلى طبائعها(٥).
قلت: ما ذكرته عن عائشةَ في صحيح مسلم أصحُ الأقوال. وسئلت أيضاً عن
خُلُقه عليه الصلاة والسلام، فقرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عشر
آيات(٦)، وقالت: ما كان أحدٌ أحسنَ خُلُقاً من رسول اللـه ﴾، ما دعاه أحد من
الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لَبَّيْك؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾(٧). ولم يُذكر خُلُقٌ محمود إلا وكان للنبيّ﴾ منه الحظّ الأوفر.
(١) قول علي في المحرر الوجيز ٣٤٦/٥، وقول عطية في النكت والعيون ٦١/٦، وأخرجه الطبري
في تفسيره ١٥٢/٢٣.
(٢) المثبت من (م) وهو الموافق لما في تفسير البغوي ٣٧٥/٤ وقول قتادة منه.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٦١.
(٤) الصحاح (خيم).
(٥) النكت والعيون ٦١/٦ - ٦٢، والبيت في ديوان الأعشى ص ٣٢ وروايته فيه: وصارت، بدل:
.. وعادت.
(٦) تفسير الرازي ٨١/٣٠، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٨٧).
(٧) أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي 8# ص١٧-١٨، وأبو نعيم في دلائل النبوة (١١٩)، والواحدي في
أسباب النزول ص ٤٧١ وفي إسناده حسين بن علوان؛ قال في المجروحين. ٢٤٤/١: كان يضع
الحديث، وكذبه أحمد بن حنبل، وذكر ابن عدي في الكامل ٢/ ٧٧٠ عن يحيى بن معين: حسين بن
علوان كذّاب، وقال النسائي: متروك الحديث.

١٤٣
سورة القلم: الآية ٤
وقال الجُنَّيْد: سُمِّيَ خلقه عظيماً؛ لأنَّه لم تكن له همة سوى الله تعالى(١). وقيل:
سُمِّيَ خُلُقُه عظيماً؛ لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، يدلّ عليه قوله عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّ الله بعثني لأتمِّم مكارم الأخلاق)»(٢). وقيل: لأنه امتثل تأديبَ الله
تعالى إياه بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾(٣)
[الأعراف: ١٩٩]. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((أَدَّبَنِي رَبِّي تأديباً حسناً
إذ قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فلما قبلت ذلك
منه قال: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤).
الثانية: روى الترمذيّ عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول اللـه ﴾: «اتقِ اللهَ حيثما
كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالقِ الناسَ بِخُلُق حَسَن)). قال: حديث حسن
(٥)
صحیح(٥).
وعن أبي الدَّردَاء أنَّ النبيَّ ﴾ قال: «ما شيءٌ أثقلَ في ميزان المؤمن يومَ القيامة
من خُلُق حَسَنٍ، وإنَّ الله تعالى لَيُبْغِضُ الفاحشَ البذيءَ)). قال: حديث حسن
(٦)
صحیح(٦).
وعنه قال: سمعت النبيّ # يقول: ((ما من شيء يوضع في الميزان أثقلَ من
حُسْنِ الخُلُقِ، وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلق ليبلغُ به درجةَ صاحب الصلاة والصوم)).
(١) المحرر الوجيز ٣٤٦/٥.
(٢) أخرجه البيهقي ١٩٢/١٠، بلفظ ((إنما بعثت))، وهو من حديث أبي هريرة﴾، وأخرجه أحمد
(٨٩٥٢) بلفظ: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)). وسلف ٩/ ٤٢٠ .
(٣) تفسير البغوي ٣٧٥/٤ .
(٤) أخرجه ابن السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص١ من حديث عبد الله. قال السخاوي في المقاصد
الحسنة ص٧٣: أخرجه ابن السمعاني في أدب الإملاء بسند منقطع، فيه من لم أعرفه عن عبد الله أظنه
ابن مسعود. وقال ابن تيمية في مجموعة الرسائل الكبرى ص٣٥٣: المعنى صحيح، لكن لا يعرف له
إسناد ثابت.
(٥) سنن الترمذي (١٩٨٧)، وهو في مسند أحمد (٢١٣٥٤).
(٦) سنن الترمذي (٢٠٠٢).

١٤٤
سورة القلم: الآيات ٤ - ٧
قال: حديثٌ غريب من هذا الوجه(١).
وعن أبي هريرة قال: سُئل رسولُ اللـه :﴿ عن أكثرِ ما يُدْخِل الناسَ الجنةَ؟ فقال:
((تقوى الله وحسنُ الخُلُق)). وسئل عن أكثر ما يُدْخِل الناسَ النارَ؟ فقال: ((الفَمُ
والفَرْجُ)) قال: هذا حديث صحيح غريب(٢).
وعن عبد الله بن المبارك أنَّه وصف حُسْنَ الخُلُق فقال: هو بَسْط الوجه، وبَذْل
المعروف، وكَفُّ الأذى(٣).
وعن جابر: أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾ قال: ((إنّ مِن أحبُّكم إليَّ وأقربِكم منّي مجلساً يومَ
القيامة أحاسنكم أخلاقاً - قال - وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدَكم مني مجلساً يومَ القيامة
الثرثارون والمُتَشدِّقون والْمُتَفَيْهِقُون)). قالوا: يا رسول الله، قد عَلِمْنا الثرثارون
والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبرون)). قال: وفي الباب عن أبي هريرةَ،
وهذا حديث حسن غريب(٤).
بِأَيَتِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن
قوله تعالى: ﴿فَسَنُبْصِرُ وَيُصِرُونَ
٧
ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: معناه: فستعلم ويعلمون يومَ
القيامة. وقيل: فسترى ويرون يومَ القيامة حين يتبين الحقّ والباطل(٥). ﴿بِأَيِّكُمُ
الْمَفْتُونُ﴾ الباء زائدة، أي: فستبصر ويبصرون أيَّكم المفتون، أي: الذي فُتِن بالجنون،
(١) سنن الترمذي (٢٠٠٣)، وأخرجه أحمد (٢٧٥١٧)، وأبو داود (٤٧٩٩) مختصراً.
(٢) سنن الترمذي (٢٠٠٤)، وهو عند أحمد (٩٦٩٦)، وابن ماجه (٤٢٤٦).
(٣) أخرجه عنه الترمذي في سننه (٢٠٠٥).
(٤) سنن الترمذي (٢٠١٨). وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٨٨٢٢) بنحوه مختصراً، وفي الباب عن أبي
ثعلبة الخشني أخرجه أحمد (١٧٧٣٢)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه أحمد (٦٥٠٤).
قال الترمذي: الثرثار: هو الكثير الكلام، والمُتَشَدِّق: الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم.
(٥) النكت والعيون ٦ / ٦٢ .

١٤٥
سورة القلم: الآيات ٥ - ٧
كقوله تعالى: ﴿تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] و﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وهذا
قول قتادة وأبي عُبيد(١) والأخفش(٢). وقال الراجز:
نحن بنو جَعْدَة أصحاب الفَلَجْ نَضربُ بالسيف ونرجو بالفَرَجْ(٣)
وقيل: الباء ليست بزائدة، والمعنى: ((بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)) أي: الفتنة. وهو مصدر
على وزن المفعول، ويكون معناه: الفُتُون، كما قالوا: ما لفلان مجلود ولا معقول؛
أي: عقل ولا جلادة. وقاله الحسن والضحاك وابن عباس (٤). وقال الراعي(٥):
حتى إذا لمْ يَتْركوا لعظامِهِ
لحماً ولا لفؤاده معقولا
أي: عقلاً.
وقيل: في الكلام تقديرُ حذف مضاف، والمعنى: بأيكم فتنة المفتون (٦).
وقال الفرّاء(٧): الباء بمعنى في، أي: فستبصِر ويبصرون في أيِّ الفريقين
المجنون؛ أبالفِرْقة التي أنت فيها من المؤمنين، أم بالفِرقة الأخرى.
والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان(٨).
وقيل: المفتون المعذَّب. من قول العرب: فتنتُ الذهبَ بالنار: إذا حَمّيتَه. ومنه
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يعذّبون(٩).
(١) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٠٤/٥ - ٢٠٥، وتفسير الرازي ٨٢/٣٠ وفيهما (أبي عبيدة)
بدل (أبي عبيد) وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢/ ٢٦٤، وذكر قول قتادة النحاس في إعراب
القرآن ٥/ ٧ .
(٢) في معاني القرآن له ٢/ ٧١٢ .
(٣) الرجز للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٢١٦ برواية: نضرب بالبيض. وسلف ١٤/ ٣٥٧.
(٤) تفسير الرازي ٣٠/ ٨٢ بنحوه، وينظر تفسير البغوي ٤/ ٣٧٧ .
(٥) ديوانه ص٢٣٦ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٤٦/٥ .
(٧) في معاني القرآن له ١٧٣/٣، وينظر تفسير الرازي ٨٢/٣٠.
(٨) مجمع البيان ٢٩/ ٢٤ .
(٩) النكت والعيون ٦/ ٦٢.

١٤٦
سورة القلم: الآيات ٥ - ٩
ومعظم السورة نزلتْ في الوليد بن المغيرة وأبي جهل(١).
وقيل: المفتون هو الشيطان؛ لأنَّه مفتون في دينه. وكانوا يقولون: إنَّ به شيطاناً،
وعَنَوْا بالمجنون هذا؛ فقال الله تعالى: فسيعلمون غداً بأيّهم المجنون، أي: الشيطان
الذي يحصل من مسّه الجنونُ واختلاط العقل(٢).
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهٌِ﴾ أي: إنَّ الله هو العالم بمن حادَ عن دينه.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ أي: الذين هم على الهدى، فيجازِي كُلّ غداً بعمله.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْمُكَّذِّبِينَ
نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكُفّ عنهم ليكفُّوا عنه، فبيّن
الله تعالى أنَّ مُمايلتَهم كفر. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ نَبَّْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] (٣). وقيل: أي: فلا تطع المكذبين فيما دَعوْك إليه من دينهم
الخبيث. نزلت في مشركي قريش حين دَعَوْه إلى دين آبائه(٤).
قوله تعالى: ﴿وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيَدْهِنُونَ.
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسُّدّيّ: ودوا لو تكفر فيتمَادَوْن على
كفرهم(٥). وعن ابن عباس أيضاً: ودّوا لو تُرَخِّص لهم فَيُرخِّصون لك(٦). وقال
الفرّاء(٧) والكَلْبيُّ: لو تلين فيلينون لك. والإذهان: التَّليين لمن لا ينبغي له التَّليين.
قاله الفرّاء.
(١) ينظر الكشاف ١٤١/٤ .
(٢) تفسير الرازي ٣٠/ ٨٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٧/٥، وتفسير الطبري ١٥٧/٢٣ بنحوه.
(٤) تفسير البغوي ٣٧٧/٤، والوسيط ٣٣٥/٤ .
(٥) النكت والعيون ٦٢/٦، وزاد المسير ٣٣١/٨. وأخرجه الطبري في تفسيره ١٥٦/٢٣ عن ابن عباس
والضحاك.
(٦) النكت والعيون ٦٢/٦، وزاد المسير ٣٣٠/٨، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٥٦/٢٣.
(٧) في معاني القرآن له ١٧٣/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النكت والعيون ٦٢/٦، وقول الكلبي الآتي
في تفسير البغوي ٤/ ٣٧٧ .

١٤٧
سورة القلم: الآية ٩
وقال مجاهد: المعنى: ودّوا لو رَكَنْتَ إليهم وتركت الحقَّ فيُمالئونك(١). وقال
الربيع بنُ أنس: ودوا لو تكذب فيكذبون. وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمرٍ
فيذهبون معك(٢). الحسن: ودّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وعنه
أيضاً: ودّوا لو ترفض بعضَ أمرك فيرفضون بعضَ أمرهم. زيد بن أسلم: لو تنافق
وترائي فينافقون ويراؤون(٣). وقيل: ودّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر(٤).
وقيل: ودّوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم. قاله القُتَبِيُّ. وعنه: طلبوا
منه أن يعبدَ آلهتهم مدّة ويعبدوا إلهه مدّة(٥). فهذه اثنا عشر قولاً.
ابن العربيّ(٦): ذكر المفسرون فيها نحوَ عشرة أقوال، كلُّها دعاوَى على اللغة
والمعنى. أمثلُها قولهم: ودّوا لو تكذب فيكذبون، ودّوا لو تكفر فيكفرون.
قلت: كلُّها إن شاء الله تعالى صحيحةٌ على مقتضى اللغة والمعنى؛ فإنَّ الإذهان:
اللينُ والمصانعة(٧). وقيل: مجاملة العدُوّ وممايلته(٨). وقيل: المقاربة في الكلام
والتَّليين في القول(٩). قال الشاعر:
لَبَعضُ الغَشْمِ أحزمُ في أمورٍ
تنوبُك من مداهنةِ العدوّ (١٠)
(١) الوسيط ٣٣٥/٤، وتفسير أبي الليث ٣٩٢/٣، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٥٧/٢٣.
(٢) النكت والعيون ٦٢/٦، وأخرج قول قتادة الطبري في تفسيره ١٥٧/٢٣ بلفظ: ((لو أدمنت عن هذا
الأمر فأدهنوا معك)».
(٣) تفسير البغوي ٣٧٧/٤، وزاد المسير ٣٣٠/٨ -٣٣١.
(٤) النكت والعيون ٦/ ٦٢.
(٥) تفسير غريب القرآن ص٤٧٨ .
(٦) في أحكام القرآن له ١٨٤٣/٤ .
(٧) تفسير الرازي ٨٣/٣٠ .
(٨) النكت والعيون ٦/ ٦٣ .
(٩) تفسير الرازي ٨٣/٣٠.
(١٠) في (م) العده، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٦٣/٦ والبيت فيه، ولم
نقف على قائله. الغَشْم: الظلم. اللسان (غشم).

١٤٨
سورة القلم: الآيات ٩ - ١٣
وقال المفضَّل: النفاق وتركُ المناصحة، فهي على هذا الوجه مذمومةٌ، وعلى
الوجه الأوّل غيرُ مذمومة(١)، وكلُّ شيء منها لم يكن.
قال المبرد: يقال: أدهن في دينه وداهن في أمره؛ أي: خان فيه وأظهر خلاف ما
يضمر(٢).
وقال قومٌ: داهنتُ بمعنى: واريت، وأدهنت بمعنى: غششت. قاله الجوهريُّ(٣).
وقال: ((فَيُدْهِنُونَ)) فساقه على العطف، ولو جاء به جواب التمني(٤) لقال:
فيدهنوا. وإنما أراد: إنهم(٥) تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك، عطفاً لا جزاءً عليه
ولا مكافأة، وإنَّما هو تمثيل وتنظير.
مَّتَّاعِ لِلْخَيْرِ
هَمَّازٍ مَّشَكِ ينَمِيمٍ (١)
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَلَّافٍ مَّهِينٍ
مُعْتَدٍ أَثِمٍ ﴿١ عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَئِيمٍ
يعني الأخنسَ بنَ شَرِيق، في قول الشعبيَ والسُّدِّيّ وابن إسحاق. وقيل: الأسود
ابن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود. قاله مجاهد. وقيل: الوليد بن المغيرة،
عرضَ على النبيّ# مالاً، وحلف أن يعطيَه إن رجع عن دينه. قاله مقاتل(٦). وقال ابن
عباس: هو أبو جهل بن هشام(٧). والحلّاف: الكثير الحَلِف(٨).
والمَهِين: الضعيف القلب؛ عن مجاهد. ابن عباس: الكذَّاب. والكذَّاب مهين.
(١) النكت والعيون ٦/ ٦٣.
(٢) تفسير الرازي ٨٣/٣٠.
(٣) في الصحاح (دهن).
(٤) في النسخ: النهي، والمثبت من أحكام ابن العربي ٤/ ١٨٤٤، والكلام منه، ووقع في بعض نسخه:
النهي، كما ذكر في حواشيه.
(٥) في النسخ: إن، والمثبت من أحكام القرآن.
(٦) النكت والعيون ٦٣/٦، ٦٥ دون ذكر عبد الرحمن بن الأسود، والشعبي.
(٧) المحرر الوجيز ٣٤٧/٥ .
(٨) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٧، وتفسير الرازي ٨٣/٣٠.

١٤٩
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
وقيل: المِكثار في الشَّر. قاله الحسن وقتادة(١). وقال الكلبيّ: المَهِين: الفاجر
العاجز.
وقيل: معناه الحقير عند الله(٢).
وقال ابن شجرة: إنه الذليل(٣). الرُّمّاني: المَهين: الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو فعيل من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز(٤). أو هو
فعيل بمعنى مُفْعَل؛ والمعنى مُهان.
﴿هَّازٍ﴾ قال ابن زيد: الهمّاز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم. واللَّمَّاز
باللسان(٥). وقال الحسن: هو الذي يهمز بأخيه(٦) في المجلس، كقوله تعالى:
﴿هُمَزَقٍ﴾ [الهمزة: ١].
وقيل: الهَمّاز: الذي يذكر الناسَ في وجوههم. واللَّمَّاز: الذي يذكرهم في
مغيبهم. قاله أبو العالية وعطاء ابن أبي رباح والحسن أيضاً(٧).
وقال مقاتل ضدّ هذا الكلام: إنَّ الهُمَزَة الذي يغتاب بالغيبة، واللُّمَزَة الذي
يغتاب في الوجه. وقال مرّة: هما سواء(٨). وهو القَّات الطّعّان للمرء إذا غاب. ونحوه
عن ابن عباس وقتادة(٩). قال الشاعر:
(١) النكت والعيون ٦٣/٦ دون ذكر الحسن، وأخرج أثر ابن عباس والحسن وقتادة الطبري في تفسيره
١٥٨/٢٣.
(٢) ذكره أبو الليث في تفسيره ٣/ ٣٩٢ بنحوه.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٦٣ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٠٥/٥ .
(٥) النكت والعيون ٦٣/٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٥٩/٢٣.
(٦) في النسخ (ناحية)، والمثبت من تفسير البغوي ٣٧٨/٤. وينظر تفسير الرازي ٩٢/٣٢ .
(٧) زاد المسير ٩/ ٢٢٧ .
(٨) المحرر الوجيز ٥٢١/٥ .
(٩) أخرجه الطبري عنهما في تفسيره ٦١٨/٢٤ .

١٥٠
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
تُذْلي بِؤُدِّ إذا لاقيتَني كذباً وإنْ أغيَّب(١) فأنت الهامزُ اللُّمَزّةْ
﴿مَشَِّ بِنَمِيمٍ﴾ أي: يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. يقال: نَمّ يَنُمّ نَمَّا
ونَمِيماً ونَمِيمَةٌ(٢)، أي: يمشي ويسعى بالفساد.
وفي صحيح مسلم عن حُذيفة: أنَّه بلغَهُ أنَّ رجلاً ينُمُّ الحديثَ، فقال حذيفةُ:
سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((لا يدخلُ الجنةَ نمّامٌ))(٣). وقال الشاعر(٤):
ومؤْلىّ كَبَيْتِ الثَّملِ لا خيرَ عنده لمولاه إلا سَعْيُه بنميم
قال الفرّاء: هما لغتان. وقيل: النَّميم جمع نَميمة(٥) .
﴿مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ﴾ أي: للمال أن ينفَق في وجوهه. وقال ابن عباس: يمنع عن
الإسلام ولدَه وعشيرتَه. وقال الحسن: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد، لا
أنفعه بشيء أبداً (٦).
﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحدّ، صاحب باطل. ﴿أَثِرٍ﴾
أي: ذي إثم، ومعناه أَثُوم، فهو فَعيل بمعنى فَعول .
﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ العُتُلْ: الجافي الشديد في كفره(٧). وقال الكلبيّ والفراء:
هو الشديد الخصومة بالباطل. وقيل: إنه الذي يعتِلُ الناس فيجرّهم إلى حبس أو
عذاب. مأخوذ من العَثْل، وهو الجرّ، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ﴾ (٨)
[الدخان: ٤٧].
(١) في (م) أغب، والشاعر هو زياد الأعجم كما في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٣١١، والبيت أيضاً في
إصلاح المنطق ص ٤٧٥ وروايتهما (بودِّي) بدل (بودِ).
(٢) تفسير الرازي ٨٤/٣٠ .
(٣) صحيح مسلم (١٠٥): (١٦٨)، وهو في مسند أحمد (٢٣٣٢٥).
(٤) هو البعيث - خداش بن بشر - كما في المعاني الكبير لابن قتيبة ٦٣٧/٢، والحيوان للجاحظ ٣٢/٤ .
(٥) النكت والعيون ٦٤/٦، وكلام الفراء بنحوه في معاني القرآن له ١٧٣/٣ .
(٦) ذكر القولين البغوي في تفسيره ٣٧٨/٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٧) تفسير الطبري ٢٣/ ١٦١ .
(٨) النكت والعيون ٦/ ٦٤ دون ذكر الفراء، وكلامه في معاني القرآن له ١٧٣/٣.

١٥١
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
وفي الصِّحاح(١): وعتَلْتُ الرجلَ أعْتِلُه وأعْتُلُه: إذا جذبتَه جذباً عنيفاً. ورجل
مِعْتَل؛ بالكسر. وقال(٢) يصف فرساً:
نَفْرَعُهُ فَرْعاً ولسنا نَعْتِلُهْ
قال ابن السِّكِّيت: عَتَله وعَتَنه، باللام والنون جميعاً. والعُثُلّ: الغليظ الجافي.
والعُثُلّ أيضاً: الرمح الغليظ. ورجل عَتِلٌ؛ بالكسر: بَيِّن العَتَل، أي: سريع إلى الشرّ.
ويقال: لا أنْعتِلُ معك، أي: لا أبرح مكاني(٣).
وقال عُبيد بن عمير: العُثُلّ: الأكولُ الشروب القويّ الشديد؛ يوضع في الميزان
فلا يزن شعيرة، يدفع المَلَكُ من أولئك في جهنم بالدُّفعة الواحدة سبعين ألفاً. وقال
عليّ بن أبي طالب والحسن: العُثُلّ الفاحش السيِّىء الخلق(٤).
وقال مَعْمَر: هو الفاحش اللئيم(٥). قال الشاعر:
بعُثُلّ من الرجال زَنِيم
غيرِ ذي نجدة وغيرِ كريم(٦)
وفي صحيح مسلم عن حارثة بن وهب سمع النبيّ # قال: ((ألا أخبرُكم بأهل
الجنة؟)) قالو: بلى. قال: ((كلُّ ضعيفٍ مُتَضَعِّف، لو أقسم على الله لأبرَّه. ألا أخبرُكم
بأهل النار؟» قالوا: بلى. قال: ((كلُّ عُتُلِّ جَوَّاظِ مُستَكْبِر)). في رواية عنه: ((كلُّ جوّاظ
زَنِيمِ متكبِّر)»(٧). الجَوّاط: قيل: هو الجُمُوع المنوع. وقيل: الكثير اللحم المختال(٨).
(١) مادة (عتل).
(٢) هو أبو النجم، وسلف البيت ١٦/ ١٥٠.
(٣) الصحاح (عتل).
(٤) تفسير البغوي ٣٧٨/٤ دون ذكر علي بن أبي طالب، وأخرج أثر عبيد بن عمير ابن أبي شيبة ٤٣٩/١٣
- ٤٤٠ .
(٥) النكت والعيون ٦٤/٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٦٢/٢٣ عن القاسم مولى معاوية، مرفوعاً.
(٦) النكت والعيون ٦٤/٦. ولم نقف على قائل البيت.
(٧) صحيح مسلم (٢٨٥٣)، وأخرجه أحمد (١٨٧٢٨)، والبخاري (٦٠٧١).
(٨) المفهم ٧/ ١٧٠.

١٥٢
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
وذكر الماوردي(١) عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، ورواه ابن
مسعود أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((لا يدخل الجنةَ جَوّاظ ولا جَعْظَرِيّ، ولا الْعُتُلّ الَّنيم)).
فقال رجل: ما الجَوّاظ وما الجَعْظَرِيّ وما العتلُّ الزَّنيم؟ فقال رسول الله ﴾:
((الجوّاظ: الذي جَمعَ ومنع، والجَعْظَريّ: الغليظ، والعُتُلّ الزَّنيم: الشديد الخَلْق،
الرّحيب الجوف، المصَحَّح، الأكول الشروب الواجد للطعام، الظلوم للناس)).
وذكره الثعلبي عن شدّاد بن أوس: ((لا يدخلُ الجنةَ جَوّاظ ولا جَعْظَرِيّ ولا عُثُلٌّ
زنيم)) سمعتهن من النبيّ ﴾. قلت: وما الجَوّاظ؟ قال: الجَمَّاع المنّاعِ. قلت: وما
الجَعْظَرِيّ؟ قال: الفَظّ الغليظ. قلت: وما العُثُلّ الزنيم؟ قال: الرّحِيب الجوف،
الوَثِيْرِ الخَلْق، الأكول الشروب، الغَشوم الظلوم(٢).
قلت: فهذا التفسير من النبيّ# في العُثُلّ قد أربى على أقوال المفسرين. ووقع
في كتاب أبي داود في تفسير الجَوّاظ أنه الفّ الغليظ. ذكره من حديث حارثة بن وهب
الخُزاعي قال: قال رسول اللـه ﴾: ((لا يدخلُ الجنةَ الجَوّاظ ولا الجَعْظَرِيّ)). قال:
والجَوّاظ: الفُ الغليظ(٣). ففيه تفسيران مرفوعان حسب ما ذكرناه أوّلاً. وقد قيل: إنه
الجافي القلب(٤).
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيٍ﴾ قال: قال النبيّ ﴾:
((تبكي السماءُ من رجل أصحّ اللـه جِسْمَه، ورحّب جَوْفَه، وأعطاه من الدنيا بعضاً.
(١) في النكت والعيون ٦/ ٦٤ - ٦٥، وأخرجه أحمد (١٧٩٩٣) عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن
غَنْم مختصراً. وشهر كثير الإرسال والأوهام، وعبد الرحمن بن غَنْم مختلف في صحبته، كما ذكر
الحافظ ابن حجر في التقريب.
وله شواهد؛ منها الحديث السالف.
(٢) أخرجه الجصاص في أحكام القرآن ٣/ ٤٦٧ دون قوله: الوثير الخلق ... ، والوثارة: كثرة الشحم.
الصحاح (وثر).
(٣) سنن أبي داود (٤٨٠١).
(٤) المفهم ٧/ ١٧٠ عن ابن دريد.

١٥٣
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
فكان للناس ظَلوماً، فذلك الْعُقُلُّ الزنيم. وتبكي السماءُ من الشيخ الزاني ما تكاد
الأرض تُقِلّه))(١).
والزّنِيم: المُلْصَق بالقوم الدَّعِيّ؛ عن ابن عباس وغيره. قال الشاعر:
زَنيمٌ تداعاه الرجالُ زيادةً كما زِيد في عَرْضِ الأدِيم الأكارعُ(٢)
وعن ابن عباس أيضاً: أنه رجل من قريش كانت له زَنَمة كزئمة الشاة (٣). وروى
عنه ابن جُبَير: أنه الذي يُعرف بالشرِّ؛ كما تُعرف الشاة بزنمتها (٤). وقال عِكرِمة: هو
اللئيم الذي يُعرف بلؤمه؛ كما تُعرف الشاة بزنمتها(٥).
وقيل: إنه الذي يعرف بالأُبْنةِ(٦). وهو مرويّ عن ابن عباس أيضاً. وعنه أنه
الظّلوم(٧). فهذه ستة أقوال .
وقال مجاهد: زَنِيم كانت له ستة أصابع في يده، في كل إبهام له إصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيّب وعكرمة: هو ولد الزّنى الملحق في النسب بالقوم(٨).
وكان الوَلِيد دَعِيّاً في قريش ليس من سِنْخهم، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من
مولده(٩). قال الشاعر:
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٠٨/٢، والطبري ١٦٣/٢٣ وفيهما: ((وأعطاه من الدنيا مقضماً)).
والخبر مرسل.
(٢) تفسير أبي الليث ٣٩٣/٣، والبيت نسب لحسان بن ثابت، ونسب للخطيم التميمي، وسلف ٤٥/١ .
(٣) أخرجه البخاري (٤٩١٧)، والزّئَمة: شيء يكون للمعز في أذنها كالقُرط، أو شيءٌ يقطع من أذن البعير
فيترك معلقاً. الصحاح (زنم).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٦٦/٢٣ - ١٦٧، والحاكم ٤٩٩/٢ .
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ١٦٨/٢٣ .
(٦) الأُبْنة: العيب في الكلام. اللسان (أبن).
(٧) النكت والعيون ٦٥/٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٦٧/٢٣.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره ١٦٤/٢٣ - ١٦٥ عن ابن عباس وسعيد وعكرمة.
(٩) الكشاف ٤/ ١٤٢، وتفسير الرازي ٨٥/٣٠، وقوله: سنخهم؛ السنخ: الأصل. الصحاح (سنخ).

١٥٤
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
بغيُّ الأُمِّ ذو حَسَب لئيم (١)
زنيمٌ ليس يُعرفُ مَن أبوه
وقال حَسَّان:
وأنتَ زَنيمٌ نِيطَ في آل هاشمِ كما نِيطَ خَلْفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٢)
قلت: وهذا هو القول الأول بعينه. وعن عليٍّ رضي الله تعالى عنه: أنَّه الذي لا
أصل له، والمعنى واحد.
ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قال: ((لا يدخلُ الجنةَ وَلَّدُ زنىَ، ولا ولدُه، ولا ولدُ ولدِه))(٣).
قال عبد الله بن عمر: إنَّ النبيَّ:﴿ قال: ((إنَّ أولادَ الزنى يُحشرون يومَ القيامة في
صورة القردة والخنازير))(٤).
وقالت ميمونة: سمعتُ النبيَّ ﴾ يقول: ((لا تزالُ أمتي بخير ما لم يَفْشُ فيهم ولدٌ
الزِّنَى، فإذا فَشَا فيهم ولدُ الزنى، يوشك(٥) أن يعمَّهم الله بعقاب))(٦). وقال عكرمة:
إذا كثر ولدُ الزنى قَحَطَ المَطَرُ.
قلت: أما الحديث الأول والثاني، فما أظنُّ لهما سنداً يصح، وأما حديثُ
ميمونةَ وما قاله عكرمةُ؛ ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جَحْش زوج النبيّ *
(١) سلف ١/ ٤٤.
(٢) ديوان حسان ص٢١٦. وقوله: نيط، أي: عُلق، والمنوط بالقوم، أي: الدخيل فيهم.
(٣) الكشاف ١٤٣/٤، وتفسير الرازي ٨٥/٣٠، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٠٨/٣، ٢٤٩/٨ عن
مجاهد واضطربت الرواية عنه، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٣٠٠، وقال: ثم أيّ ذنب لولد
الزنى حتى يمنعه من دخول الجنة، فهذه الأحاديث تخالف الأصول، وأعظمها في قوله تعالى:
لَا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَأْ﴾. وقال صاحب تنزيه الشريعة ٢٢٨/٢: لا يصح.
(٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢/ ٧٥ من طريق زيد بن عياض. قال في الفوائد المجموعة ص ٢٠٤: هو
موضوع. وقال في لسان الميزان ٢/ ٥١٠: ذكره العقيلي في الضعفاء وكناه أبا عياض.
(٥) في النسخ عدا (ظ) أوشك.
(٦) أخرجه أحمد (٢٦٨٣٠) وفيه ضعفاء، وله شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم ٣٧/٢ بلفظ: إذا
ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله، وحديث زينب الآتي ذكره.

١٥٥
سورة القلم: الآيات ١٠ - ١٣
قالت: خرج النبيُّ# يوماً فَزِعاً مُحْمَرّاً وَجْهُهُ يقول: ((لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من
شرِّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوجَ مثلُ هذه» وحلّق بإصبعيه الإبهامِ
والتي تليها. قالت: فقلت: يا رسول الله، أَنَهْلِك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثُر
الخَبَث)) خرّجه البخارِيّ(١). وكثرةُ الخبث ظهورُ الزنى وأولادُ الزنى. كذا فسّره
العلماء(٢).
وقول عكرمة ((قَحَطَ المطر)) تبيينٌ لما يكون به الهلاك، وهذا يحتاج إلى توقيف،
وهو أعلم من أين قاله .
ومعظم المفسرين على أنَّ هذا نزل في الوليد بن المغيرة، وكان يُطعم أهلَ مِنىّ
حَيْساً(٣) ثلاثة أيام، وينادي: ألَا لا يوقدنّ أحد تحت بُرْمَةٍ(٤)، ألا لا يدخنّن أحد
بكُراع، ألا ومن أراد الحَيْس فليأت الوليد بن المغيرة. وكان ينفق في الحجة الواحدة
عشرين ألفاً وأكثر، ولا يعطي المسكين(٥) درهماً واحداً؛ فقيل: ((مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ)). وفيه
نزل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٦ -٧].
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأَخْنَس بن شَريق؛ لأنه حليفٌ مُلْحق في بني
زُهْرة، فلذلك سُمِّيَ زَنِيماً(٦).
وقال ابن عباس: في هذه الآية نُعِت، فلم يعرف حتى قيل(٧)، فعُرف، وكان له
زَنَمة في عنقه معلّقة يُعرف بها. وقال مُرّة الهَمْدانيّ: إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة
سنة(٨)
.
(١) في صحيحه (٧٠٥٩)، وهو عند مسلم (٢٨٨٠)، وأحمد (٢٧٤١٣).
(٢) ينظر إكمال المعلم ٨/ ٤١٢، والمفهم ٢٠٨/٧ .
(٣) الحيس: هو تمر يخلط بسمنٍ أو أقِطٍ. الصحاح (حيس).
(٤) البُرْمة: هي القدر. الصحاح (برم).
(٥) في (ظ) المسلمين.
(٦) النكت والعيون ٦٥/٦.
(٧) المثبت من (د)، وفي غيرها: قتل، وفي تفسير البغوي ٣٧٨/٤ حتى قيل: زنيم، فعرف ...
(٨) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٨.

١٥٦
سورة القلم: الآيتان ١٤ - ١٥
قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ مَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ
١٥
اٌلْأَوَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قرأ أبو جعفر وابنُ عامر وأبو حَيْوة والمغيرة
والأعرج: ((آن كان)) بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ المُفَضّل وأبو بكر
وحمزةُ: ((أأن كان)) بهمزتين مُحَقّقتين. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر(١)، فمن
قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ(٢).
ويحسن له أن يقف على ((زنيم))، ويبتدئ: ((آنْ كَانَ)) على معنى: أَلِأَنْ كان ذا مال
وبنين تطيعه؟ ويجوز أن يكون التقدير: أَلِأَنْ كان ذا مال وبنين يقول إِذَا تُتْلَى عليهِ
آيَاتُنَا: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(٣)!
ويجوز أن يكون التقدير: أَلِأَنْ كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر. ودلّ عليه ما تقدم
من الكلام، فصار كالمذكور بعد الاستفهام.
ومن قرأ: ((أَنْ كَانَ)) بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعاملُ فيه فعل
مضمر، والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين. ودلَّ على هذا الفعل: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ
ءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ولا يعمل في ((أَنْ)): (تُتْلَى)) ولا ((قَالَ))؛ لأنَّ ما بعد ((إِذَا)) لا
يعمل فيما قبلها؛ لأنَّ ((إذَا)) تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه
فيما قبل المضاف. و((قال)) جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء؛ إذ حكم
العامل أن يكونَ قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكونَ بعد الشرط، فيصير
مقدماً مؤخراً في حال(٤). ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
(١) السبعة ص٦٤٦، والتيسير ص٢١٣. والنشر ٣٦٧/١.
(٢) الوسيط ٣٣٦/٤ .
(٣) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٤٣ - ٩٤٤ ووقع في (ز) و(ظ): قال أساطير الأولين.
(٤) مشكل إعراب القرآن ٧٤٨/٢ - ٧٤٩ .

١٥٧
سورة القلم: الآيات ١٤ - ١٦
قال ابن الأنباري(١): ومن قرأ بلا استفهام، لم يحسن أن يقف على ((زَنِيم))؛ لأنَّ
المعنى: لأنْ كان وبأنْ كان، فـ ((أن)) متعلقة بما قبلها.
قال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله: ((مَشَاءٍ بِنَمِيم))، والتقدير: يمشي بنميم لأن كان
ذا مال وبنين.
وأجاز أبو عليّ أن يتعلق بـ ((عُثُلِّ))(٢). وأساطير الأولين: أباطيلُهم وتُرّهاتُهم
وخرافاتُهم. وقد تقدم(٣).
11
قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُ عَلَى الْخُطُومِ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿سَنَسِسُهُ﴾ قال ابن عباس: معنى ((سَنَسِمُهُ)): سَنَخْطِمُه
بالسيف. قال: وقد خُطم الذي نزلت فيه يومَ بدر بالسيف، فلم يزل مخطوماً إلى أن
مات. وقال قتادة: سنسمه يومَ القيامة على أنفه سِمةً يُعرف بها(٤). يقال: وسَمْتَه وَسْماً
وسِمَةً: إذا أثّرتَ فيه بِسِمَةٍ وَكَيّ (٥).
وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَةُ وُجُوٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فهذه علامة
ظاهرة. وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقَا﴾ [طه: ١٠٢]. وهذه علامة أخرى
ظاهرة. فأفادت هذه الآية علامة ثالثةً وهي الوسم على الأنف بالنار(٦)، وهذا
كقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِيمَهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] قاله الكلبي وغيره(٧).
(١) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٤٤ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٨/٥ بنحوه.
(٣) ٣٤٦/٨.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٠٩/٢، والطبري ٢٣/ ١٧٠.
(٥) الصحاح (وسم).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٤٥/٤.
(٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٦٦ بنحوه.

١٥٨
سورة القلم: الآية ١٦
وقال أبو العالية ومجاهد: ((سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم)) أي: على أنفه، ونسوّد وجهَه
في الآخرة، فَيُعْرف بسواد وجهه(١).
والخُرطوم: الأنفُ من الإنسانُ، ومن السباع: موضعُ الشَّفَة(٢). وخراطيم القوم:
(٣)
ساداتُهم(٣).
قال الفراء(٤): وإن كان الخُرْطُوم قد خُصّ بالسِّمة؛ فإنه في معنى الوجه؛ لأنَّ
بعض الشيء یعبّر به عن الكلّ.
وقال الطبري(٥): نبيّن أمرَه تِبياناً واضحاً حتى يعرفوه، فلا يخفى عليهم كما لا
تخفى السِّمة على الخراطيم.
وقيل: المعنى سَنُلْحِقُ به عاراً وسُبَّةً حتى يكون كمن وُسِم على أنفه (٦).
قال القُتَبِيّ(٧): تقول العرب للرجل يُسَبّ سُبّةَ سوء قبيحة باقية: قد وُسِم مِيسَم
سوء، أي: أُلْصِق به عارٌ لا يفارقه، كما أنَّ السِّمة لا يُمْحَى أثرها. قال جرير:
لمّا وضعتُ على الفَرَزْدَق مِيسَمِي وعلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنفَ الأخْطَل(٨)
أراد به الهجاءَ. قال(٩): وهذا كلُّه نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أنَّ الله
(١) تفسير البغوي ٣٧٩/٤ .
(٢) النكت والعيون ٦٦/٦، ونسب الماوردي فيه الكلام للمبرّد.
(٣) أساس البلاغة (خرط).
(٤) في معاني القرآن له ١٧٤/٣ .
(٥) في تفسيره ٢٣/ ١٧٠ - ١٧١ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٤٩/٥، وتفسير البغوي ٣٧٩/٤ بنحوه.
(٧) في تأويل مشكل القرآن ص١١٨ - ١١٩ .
(٨) ديوان جرير بشرح ابن حبيب ٢/ ٩٤٠. وروايته فيه: وضغا البَعيث، بدل: وعلى البعيث، ووقع في
هامش (خ) و(ي) ما نصّه: البعیث اسم شاعر من تميم .اهـ. والبعیث هو خداش بن بشر.
(٩) القائل القتبي في تأويل مشكل القرآن ص ١٢٠ .

١٥٩
سورة القلم: الآية ١٦
تعالى بلغ من ذكر عيوب أحدٍ ما بلغه منه، فألحقه به عاراً لا يفارقه في الدنيا
والآخرة، كالوَسْم على الخُرْطوم.
وقيل: هو ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذُلّ وصَغار.
قاله ابن بحر. واستشهد بقول الأعشى:
بشعرك واغْلُب أنفَ من أنت واسمُ(١
فدعها وما يعنيك واعمِذْ لغيرها
وقال النَّصْر بن شُمَيل: المعنى: سنحُدّه على شرب الخمر، والخُرطوم: الخمر،
وجمعه خراطيم، قال الشاعر:
تَظَلُّ یومك فِي لَهْوٍ وفي طَرَبٍ
وأنت بالليل شَرّاب الخراطيم (٢)
قال الراجز:
صَهْبَاءَ خُرْطوماً عُقاراً قَرْقَفَا(٣)
وقال آخر:
أبا حاضرٍ من يَزْنِ يُعْرفْ زِناؤُه ومن يشربِ الخُرْطومَ يُصبحْ مُسَكَّرًا(٤)
الثانية: قال ابن العربي(٥): كان الوَسْم في الوجه لذي المعصية قديماً عند
الناس، حتى إنَّه رُوي - كما تقدم - أنَّ اليهود لما أهملوا رَجْم الزاني، اعتاضوا منه
بالضرب وتحميم الوجه، وهذا وضع باطل. ومن الوسم الصحيح في الوجه: ما رأى
(١) النكت والعيون ٦٦/٦، وبيت الأعشى في ديوانه ص٩، وورد في (م): (يغنيك) بدل: (يعنيك).
قوله: اعلُب: يقال علبتُه أعلُبُه: إذا وسمته أو خدشته. الصحاح (علب).
(٢) تفسير الرازي ٨٧/٣٠ دون قوله: وجمعه خراطيم.
(٣) هذه كلها من أسماء الخمر، والرجز للعجاج وهو في ديوانه ص٤٢٣ ، وقبله: فغمّها حولين ثم
استودفا. قال شارحه: استودف: استقطر.
(٤) البيت للفرزدق كما في جمهرة اللغة ٢٥٥/٣، والصحاح (زنى)، والبيت أيضاً في مجمع الأمثال
للميداني ٢١/٢ وروايته: يظهر، بدل: يعرف، والصهباء، بدل: الخرطوم. ونسبه للفرزدق، ثم قال:
وبعضهم يرويها لزياد الأعجم، وكان أبو حاضر أحد المشهورين بالزنى.
(٥) في أحكام القرآن له ٤/ ١٨٤٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

١٦٠
سورة القلم: الآيات ١٦ - ١٩
العلماء من تسويد وجه شاهد الزور، علامةً على قُبْح المعصية وتشديداً لمن يتعاطاها
لغيره ممن يرجى تجنُّه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته؛ فقد كان عزيزاً بقول
الحقّ، وقد صار مَهيناً بالمعصية. وأعظمُ الإهانة [إهانةُ الوجه]. وكذلك كانت
الاستهانة به في طاعة الله سبباً لخيرة الأبد والتحريم له على النار؛ فإنَّ الله تعالى قد
حرَّم على النار أن تأكلَ من ابن آدم أثَرَ (١) السجود، حسب ما ثبت في الصحيح (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَعْحَبَ اَلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَصْرِمُنَّهَا مُصْبِينَ (
١٩
فَطَافَ عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّنِ زَّيِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ
يَسْتَغْنُنَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْتَهُمْ﴾ يريد أهل مكة. والابتلاء الاختبار. والمعنى:
أعطيناهم أموالاً ليشكروا لا لَيَبْطِروا، فلما بَطِرُوا وعادَوْا محمداً ﴾، ابتليناهم
بالجوع والقَحْط، كما بلونا أهلَ الجنة المعروفِ خبرُها عندهم. وذلك أنها كانت
بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء - ويقال بفرسخين - وكانت لرجل
يؤدّي حقَّ الله تعالى منها، فلما مات صارت إلى ولده، فمنعوا الناس خيرَها،
وبَخِلُوا بحقِّ الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حلّ بها.
قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم.
وقيل: هي جنةٌ بصَوْران، وصوران(٣) على فراسخ(٤) من صنعاء، وكان أصحاب
هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير - وكانوا بخلاء - فكانوا يجدُّون التمر ليلاً
(١) صحيح البخاري (٨٠٦)، وصحيح مسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﴾ مطولاً.
(٢) في (ظ): موضع أثر.
(٣) في (ق) و(م) بضوران، وضوران ... إلخ. والمثبت من باقي النسخ، حيث ذكر ياقوت صوران في
معجم البلدان ٤٣٣/٣. ووقع في تفسير البغوي ٣٧٩/٤: الضروان، وفي النكت والعيون ٦/ ٦٧ :
ضروان، وفي تفسير أبي الليث: ضيروان.
(٤) في (م) فرسخ.