النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة الملك: الآيات ٨ - ١٢ صالح: هو وادٍ في جهنّم يُقال له: السُّحْق(١). وقرأ الكسائيُّ وأبو جعفر: ((فَسُحُقاً)) بضَمِّ الحاء (٢)، ورُوِيَت عن عليّ(٣). الباقون بإسكانها، وهما لغتان مثل السُّحْتُ والرُّعْبُ. الزَّجَّاج(٤): وهو منصوبٌ على المصدر، أي: أسحقَهم الله سُحقاً، أي: باعدَهم بُعْداً. قال امرؤُ القيس: يجولُ بأطراف البلاد مُغَرِّباً وتَسْحَقُه رِيحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ (٥) وقال أبو عليّ (٦): القياسُ: إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف؛ كما قيل: وإن أهلِك فذلك كان قَدْرِي (٧) أي: تقديري. وقيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ كَبِيرٍ﴾ من قول خزنة جهنّم لأهلها(٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١)﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ﴾ نظيرُه: ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (١) النكت والعيون ٥٣/٦، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري ١٢٦/٢٣. (٢) قراءة الكسائي في السبعة ص٦٤٤، والتيسير ص٢١٢، وقراءة أبي جعفر - وهو من العشرة - في النشر ٢١٧/٢ من رواية ابن جماز عنه. (٣) البحر المحيط ٣٠٠/٨ . (٤) في معاني القرآن ١٩٩/٥ . (٥) ديوان امرئ القيس ص١٧١، وفيه: بآفاق. بدل: بأطراف. قال شارحه: وتسحقه: أي تبعده وتذهب به. (٦) في الحجة ٣٠٧/٦ . (٧) هو عجز بيت صدره: فإن يبرأ فلم أنفث عليه. ذكره صاحب المفضليات ص ٧٠ ، ونسبه لرجل من عبد القيس. وذكره أبو علي في الحجة ١٢٩/٢، وابن الشجري في أماليه ٢/ ١١٠ دون نسبة. وفي المصادر: يهلك. بدل: أهلك. (٨) الكشاف ١٣٦/٤، والمحرر الوجيز ٣٤٠/٥. ١٢٢ سورة الملك: الآيات ١٢ - ١٤ [ق: ٣٣]. وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله، ويخافون عذابَه الذي هو بالغيب، وهو عذابُ يوم القيامة(١). ﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنة. قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِيْهٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٣ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ﴾ اللفظُ لفظ الأمر، والمرادُ به الخبر، يعني: إنْ أخفيتُم كلامَكم في أمر محمدٍ ﴾، أو جهرتم به؛ فـ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) يعني بما في القلوب من الخير والشر. ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّ#، فيخبرُه جبريلُ عليه السلام، فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولَّكم كي لا يسمعَ ربُّ محمد(٣)، فنزلت: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ پ﴾﴾، يعني: أسِرُوا قولكم في أمر محمدٍ ﴾، وقيل: في سائر الأقوال. أوِ اجْهَرُوا بِهِ: أعلنوه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ذاتُ الصدور ما فيها؛ كما يسمَّى ولدُ المرأة وهو جنين: ((ذا بطنها)). ثم قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ يعني: ألا يعلمُ السرَّ من خَلَق السرَّ؟! يقول: أنا خلقتُ السرَّ في القلب، أفلا أكونُ عالماً بما في قلوب العباد؟! وقال أهل المعاني: إنْ شئتَ جعلت ((مَن)) اسماً للخالق جلَّ وعزَّ؛ ويكون المعنى، أَلا يعلم الخالقُ خلقَه. وإِنْ شئتَ جعلتَه اسماً للمخلوق، والمعنى: ألا يعلم اللهُ مَن خلق. ولا بدَّ أنْ يكون الخالقُ عالماً بما خلقَه وما يخلقه(٤). (١) ينظر الوسيط للواحدي ٣٢٨/٤، والمحرر الوجيز ٣٤٠/٥. (٢) الكلام بنحوه في الكشاف ١٣٧/٤، ومجمع البيان ١٣/٢٩. (٣) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٧٠، والوسيط ٣٢٩/٤، والبغوي في تفسيره ٣٧١/٤ . (٤) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٦٨/٣٠. ١٢٣ سورة الملك: الآيات ١٣ - ١٥ قال ابن المسيّب: بينما رجلٌ واقفٌ باللَّيل في شجرٍ كثير، وقد عَصَفت الريح، فوقعَ في نفس الرجل: أترى الله يعلم ما يَسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغَيْضة بصوتٍ عظيم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ الَّطِيفُ الْخِيرُ﴾. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: مِن أسماء صفات الذّات ما هو للعلم: منها: ((العَلِيمُ))، ومعناه: تعميمُ جميع المعلومات. ومنها: ((الخَبِيرُ))، ويختصُّ بأنْ يَعلم ما يكون قبلَ أنْ يكون. ومنها: ((الحَكِيم))، ويختصُّ بأنْ يعلمَ دقائقَ الأوصاف. ومنها: ((الشهيد))، ويختصُّ بأنْ يَعلم الغائبَ والحاضر، ومعناه أنَّه لا(١) يغيبُ عنه شيءٌ. ومنها: ((الحافظ)»، ويختصُّ بأنَّه لا ينسى. ومنها: ((المُخْصِي))، ويختصُّ بأنَّه لا تَشْغله الكثرةُ عن العلم؛ مثل ضوء النُّور، واشتدادِ الريح، وتساقطِ الأوراق؛ فيَعلمُ عند ذلك [عدد] أجزاءِ الحركات في كلِّ ورقة. وكيف لا يَعلم وهو الذي يَخلق؟! وقد قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ اْخِيرُ﴾(٢). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَّكُمُ الْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَمَّشُواْ فِ مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ. وَإِلَيْهِ النُّشُورُ قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ أي: سهلة تستقرُّون(٣) عليها. والذَّلُول: المنقادُ الذي يَذِلُّ لك، والمصدر: الذِّل؛ وهو اللِّينُ والانقياد(٤). أي: لم (١) في (د): إذ لا. وفي (خ) و(ز) و(ف) و(ق) و(م): أن لا. والمثبت من (ظ) وشعب الإيمان. (٢) شعب الإيمان ١/ ١٢١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في (ظ): يستقر. (٤) ينظر تفسير الرازي ٦٨/٣٠ . ١٢٤ سورة الملك: الآية ١٥ يجعل الأرضَ بحيثُ يمتنع المشيُّ فيها بالحزونة والغلظة(١). وقيل: أي: ثَبَّتها بالجبال لئلا تزولَ بأهلها؛ ولو كانت تتكفَُّ متمايلةً لما كانت منقادةً لنا. وقيل: أشارَ إلى التمكّن من الزرع والغرس، وشقِّ العيون والأنهار وحفر الآبار. ﴿فَمَشُواْ فِ مَنَاكِهَا﴾ هو أمرُ إياحة(٢)، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبرٌ بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها، وآكامها وجبالها(٣). وقال ابن عباس وقتادةُ وبُشَير بن كعب (٤): ((في مَنَاكِبِهَا)): في جبالها(٥). ورُوِيَ أنَّ بُشَير بن كعب كانت له سُرِّيّة فقال لها: إنْ أخبرتِني ما مناكب الأرض فأنت حرَّة. فقالت: مناكبُها جبالُها. فصارت حرَّة، فأرادَ أنْ يتزوَّجها، فسألَ أبا الدرداء فقال: دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك(٦). مجاهد: في أطرافها. وعنه أيضاً: في طرقها وفِجاجها(٧). وقاله السُّدِّيُّ والحسن(٨). وقال الكَلْبِي: في جوانبها. ومَنْكِبًا الرجل: جانباه(٩). وأصلُ المَنْكِب الجانب، ومنه مَنْكِب الرجل، والريح النكباء، وتَتَكَّب فلانٌ عن فلان(١٠). يقول: (١) الوسيط للواحدي ٣٢٩/٤. (٢) تفسير الرازي ٦٩/٣٠ . (٣) تفسير أبي الليث ٣٨٨/٣. (٤) هو أبو أيوب الحميري العدوي البصري، العابد، أحد المخضرمين، وثَّقه النسائي وغيره، وكان أحد القراء والزهاد. سير أعلام النبلاء ٣٥١/٤. (٥) النكت والعيون ٥٤/٦ . (٦) تفسير أبي الليث ٣٨٨/٣، وأخرجه الطبري بنحوه ١٢٨/٢٣. وقول أبي الدرداء: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)» هو قطعة من حديث مرفوع أخرجه أحمد (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي في المجتبى ٣٢٧/٨. عن الحسن بن علي رضي الله عنهما. (٧) تفسير مجاهد ٢/ ٦٨٥، وأخرجه الطبري ١٢٩/٢٣ . (٨) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٥٤ عن مجاهد والسدي، وذكره عن الحسن البغويُّ ٣٧١/٤ . (٩) وهو قول ابن قتيبة في غريب القرآن ص٤٧٥، ونقله عنه أبو الليث في تفسيره ٣٨٨/٣، والبغوي ٣٧١/٤، والرازي ٦٩/٣٠. وقول الكلبي كما ذكره البغوي ٣٧١/٤ . مناكبها: أطرافها. (١٠) تفسير البغوي ٣٧١/٤. ١٢٥ سورة الملك: الآيتان ١٥ - ١٦ امشوا حيثُ أردتم فقد جعلتُها لكم ذَلولاً لا تمتنع. وحَكى قتادة عن أبي الجلد: أنَّ الأرضَ أربعةٌ وعشرون ألف فرسخ؛ فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانيةُ آلاف، وللفرس ثلاثةُ آلاف، وللعرب ألف(١). ﴿وَكُواْ مِن رِّزْقٌِ﴾ أي: مما أحلَّه لكم؛ قاله الحسن. وقيل: مما أنبتَه(٢) لكم. ﴿وَإِلَيْهِ النُُّورُ﴾: المرجع. وقيل: معناه أنَّ الذي خلق السماء لا تفاوتَ فيها، والأرضَ ذَلولاً قادرٌ على أنْ يُنشِركم (٣). قوله تعالى: ﴿َأَمِنْتُمْ مَّن فِ السَّمَاِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ قال ابن عباس: أمِنتم عذابَ من في السماء إنْ عصيتموه(٤). وقيل: تقديره أمِنتم(٥) من في السماء قدرتُه وسلطانُه وعرشُه ومملكتُه(٦). وخصَّ السماء - وإنْ عَمَّ مُلْكُه - تنبيهاً على أنَّ الإله الذي تنفذُ قدرتُه في السماء، لا من يعظّمونَه في الأرض. وقيل: هو إشارةٌ إلى الملائكة(٧). وقيل: إلى جبريل، وهو المَلَكُ المُؤَگَّل بالعذاب(٨). قلت: ويحتمل أنْ يكون المعنى: أمنتم خالقَ مَن في السماء أنْ يخسفَ بكم الأرض كما خسفَها بقارون. ﴿فَإِذَا هِى تَمُورُ﴾ أي: تَذْهبُ وتجيء. والمَوْر: الاضطرابُ بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: (١) النكت والعيون ٥٤/٦ . (٢) في (م) أتيته، والمثبت من النسخ الخطية والنكت والعيون ٥٥/٤ والكلام منه. (٣) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٠٠/٥ . (٤) تفسير البغوي ٣٧١/٤، وزاد المسير ٣٢٢/٨ . (٥) في (م) أأمنتم. في الموضعين. (٦) الوسيط للواحدي ٣٢٩/٤، وتفسير الرازي ٧٠/٣٠. (٧) ذكره الماوردي في النكت والعیون ٦/ ٥٥ عن ابن بحر. (٨) الوسيط للواحدي ٣٢٩/٤، وتفسير الرازي ٣٠/ ٧٠ . ١٢٦ سورة الملك: الآية ١٦ دماً مائراً إلَّا جَرَى في الحَيَازمِ(١) رَمَيْنَ فأَقْصَدْنَ القلوبَ ولن ترى جمع خَيْزوم، وهو وسطُ الصدر. وإذا خُسِف بإنسانٍ دارت به الأرض، فهُو المور. وقال المحققون: أمنتم مَن فوق السماء؛ كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أي: فوقَها، لا بالمماسَّة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم مَنْ على السماء؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها(٢). ومعناه أنَّه مُدبّرها ومالكُها؛ كما يقال: فلانٌ على العراق والحجاز، أي: واليها وأميرها. والأخبارُ في هذا الباب كثيرةٌ صحيحةٌ منتشرة، مشيرةً إلى العلوّ؛ لا يدفعها إلَّا مُلْحِدٌ أو جاهلٌ معاند؛ والمرادُ بها: توقيرُه وتنزيهُه عن السُّفل والتَّحت. ووصفه بالعلوِّ والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنَّها صفات الأجسام. وإنَّما تُرفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأنَّ السماءَ مَهْبِظُ الوحي، ومَنزِلُ القطر، ومَحِلُّ القُدس، ومعدنُ المُطهَّرين من الملائكة، وإليها تُرفعُ أعمالُ العباد، وفوقها عرشُه وجنَّته؛ كما جعلَ الله الكعبةَ قِبلةً للصَّلاةِ(٣)، ولأنَّه خَلقَ الأمكنةَ وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان. وهو الآن على ما عليه كان. وقرأ قُنْبل عن ابن كثير: ((النُّشور وامنتم)) بقلب الهمزة الأولى واواً وتخفيف الثانية (٤). وقرأ الكوفيون والبصريون وأهلُ الشام سوى أبي عمرو وهشام بالتحقيق(٥) (١) البيت لأبي حية النمري، وهو في الكامل١/ ١٠٠، والأمالي ٢٨١/٢ قال في رغبة الآمل ٢٣٢/١: فأقصدن القلوب: أصبنها؛ من قولهم: قصدت الرجل: إذا طعنته أو رميته فلم تخطئ مقاتله. دماً مائراً: سائلاً، من مار الدم يمور: سال. (٢) ينظر الأسماء والصفات للبيهقي ٣٢٤/٢، والمفهم ١٤٤/٢. (٣) في (م): للدعاء والصلاة. (٤) يعني في الوصل. السبعة ص ٦٤٤، والتيسير ص ٢١٢ . (٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): بالتخفيف وهو خطأ. ١٢٧ سورة الملك: الآيات ١٦ - ١٩ في الهمزتين، وخفَّف الباقون(١). وقد تقدَّم جميعُه(٢). قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِیرِ قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي: حجارةً من السماء كما أرسلَها على قوم لوط وأصحاب الفِيل. وقيل: ريحٌ فيها حجارةٌ وحَصْباء. وقيل: سحابٌ فيه حجارة. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ أي: إنذاري. وقيل: النذيرُ بمعنى المنذر؛ يعني: محمداً ﴾، أي: فستعلمون صدقَه وعاقبةَ تكذيبكم (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَّفَ كَانَ تَكِيرِ (W قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: كفار الأمم؛ كقوم نوح وعادٍ وثمود، وقوم لوطٍ، وأصحابٍ مَذْيَن، وأصحابِ الرَّسِّ، وقومٍ فرعون. ﴿فَكْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ أي: إنكاري. وقد تقدَّم(٤). وأثبتَ وَرْش الياء في ((نذيري، ونكيري)) في الوصل. وأثبتَها يعقوب في الحالين. وحذفَ الباقون اتِّباعاً للمصحف(٥). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَوّا إِلَى الَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَّغَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الرَّحَْنَّ إِنَّهُ بِكُلٍ شَمٍ بَصِيرُ قوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوّ إِلَى الَّيْرِ فَوَقَهُمْ صَفَّاتٍ﴾ أي: كما ذلَّل الأرضَ للآدميّ، (١) غير أن أبا عمرو البصري وقالون يدخلان ألفاً بينهما. ولهشام التسهيل والتحقيق مع الإدخال فيهما، ولورش وجه آخر: الإبدال مع القصر. ينظر السبعة ص ٦٤٤، والتيسير ص ٢١٢، والنشر ٣٦٣/١ - ٣٦٤ . (٢) ٢٨٢/١ - ٢٨٣ . (٣) ينظر تفسير الرازي ٣٠/ ٧٠ . (٤) ١٤ / ٤١٤ . (٥) التيسير ص ٢١٣، والنشر ٣٨٩/٢. ١٢٨ سورة الملك: الآيتان ١٩ - ٢٠ ذلَّل الهواءَ للطيور. و((صَافَّات)) أي: باسطاتٍ أجنحتهنَّ في الجوِّ عند طيرانها؛ لأنَّهنَّ إذا بسطنَها صَفَفْنَ قوادمها(١) صَفّاً. ﴿وَيَقِْضْنٍّ﴾ أي: يضربْنَ بها جُنُوبَهُنَّ. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صافٍّ، وإذا ضَمَّهما فأصابا جَنْبَه: قابضٌ؛ لأنَّه يقبضُهما. قال أبو خِرَاش: يَحُثّ الجناح بالتّبَسُّطِ والقَبْضِ (٣) يبادر جُنْحَ الليل فهو مُوَائل(٢) وقيل: ويقبضنَ أجنحتَهُنَّ بعد بسطها: إذا وقفنَ من الطيران. وهو معطوفٌ على ((صَافَّاتٍ)) عطفَ المضارع على اسم الفاعل؛ كما عطفَ اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: باتَ يُغَشِّيها(٤) بعَضْبٍ باتر يَقْصِدُ في أسْوُقها وجائِرٍ (٥) ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ أي: ما يُمسِكُ الطيرَ في الجوِّ وهي تطير إلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَْمٍ بَصِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُّكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ إِنِ اَلْكَفِرُونَ إِلَّا فِی غُرُودٍ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنِدٌ لَّكُمْ﴾ قال ابن عباس: حزبٌ وَمَنَعةٌ لكم(٦). (١) في (د) و(ز) و(م): قوائمها، وفي (ق) قواه، والمثبت من (خ) والكشاف ١٣٨/٤، والكلام منه. وقوادم الطير: مقاديم ريشه، وهي عشرٌ في كل جناح، الواحدة قادمة. الصحاح (قدم). (٢) موائل: من واءل فلان مواءلة ووثالاً: لجأ وخلص، ووائل الطائر: لاوذ بشيءٍ خوفاً من الصقر. المعجم الوسيط (وأل). ووقع في المصادر الآتية: مهابذ بدل: موائل. قال أبو علي القالي: المهابذ: المجاهد في العدو والسير، ويقال: أهذب وأهبذ؛ إذا اجتهد في الإسراع. (٣) البيت في ديوان الهذليين ١٥٩/٢، والكامل ٧١٤/٢، والأمالي ٢٧١/١. (٤) في (م) يعشيها. بالمهملة، وكذا رواية البيت في خزانة الأدب ٥/ ١٤٠. قال البغدادي: يعشيها: أي يطعمها العَشَاء .. قال: ورأيت في أمالي ابن الشجري [٢/ ٤٣٧] في نسخة صحيحة قد صححها أبو اليُمن الكندي، وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم: ((بات يغشيها)» بالغين المعجمة من الغشاء كالغِطاء، بكسر أولهما وزناً ومعنىّ، أي: يشملُها ويَعُمُّها . (٥) المحرر الوجيز ٣٤٢/٥، والعضب: السيف، ويقصد أي: توسَّط ولم يجاوز الحد، وأسوق: جمع قلة لساق، وهي ما بين الركبة والقدم. خزانة الأدب ١٤١/٥ - ١٤٢. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٢ . ١٢٩ سورة الملك: الآيات ٢٠ - ٢٢ ﴿يَنصُرُّكُ مِّن دُونِ الرَّمَنَّ﴾ فيدفع عنكم ما أرادَ بكم إنْ عصيتُموه. ولفظُ الجُنْدِ يُوَخَّد؛ ولهذا قال: ﴿هَذَا الَّذِى هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ﴾ وهو استفهامُ إنكار، أي: لا جندَ لكم يدفعُ عنكم عذابَ الله ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: مِنْ سوى الرحمن. ﴿إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ﴾ من الشياطين؛ تغرُّهم بأنْ لا عذابَ ولا حساب(١). قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِى عُتٍُّ وَنُقُورٍ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُؤْ﴾ أي: يعطيكم منافعَ الدنيا. وقيل: المطر من آلهتكم. ﴿إِنْ أَمْسَكَ﴾ يعني: الله تعالى رزقَه. ﴿بَل لَّجُوا﴾ أي: تمادوا وأصروا. ﴿فِي عُرٍ﴾: طغيان ﴿وَنُفُورٍ﴾ عن الحق. قوله تعالى: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيٍ قوله تعالى: ﴿أَفَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾﴾ ضرب الله مثلاً للمؤمن والكافر؛ (مُكِبًّا)) أي: مُنَكِّساً رأسَه لا ينظر أمامَه ولا يمينَه ولا شمالَه؛ فهو لا يأمنُ من العثور والانكباب على وجهه؛ كمن يمشي سوِيّاً معتدلاً ناظراً ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله(٢). قال ابن عباس: هذا في الدنيا. ويجوزُ أنْ يريدَ به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيعتسِفُ(٣)؛ فلا يزال يَنْكبُّ على وجهه، وأنَّه ليس كالرجل السوِيِّ الصحيح البصر(٤) الماشي في الطريق المهتدي له. وقال قتادة: هو الكافر أكبَّ على معاصي الله في الدنيا، فحشَره الله يومَ القيامة على وجهه. وقال ابن عباس والكُلْبِيّ: عَنَى بالذي يمشي مُكِبّاً على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سَوِيّاً رسولَ الله ◌ِ﴾. (١) الوسيط للواحدي ٤/ ٣٣٠، وتفسير البغوي ٣٧٢/٤ بنحوه. (٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٥٦/٦ . (٣) العسف والاعتساف: السير بغير هداية والأخذ على غير طريق. اللسان (عسف) (٤) في (د) و(ق) و(م): البصير، وفي (ز): البصري، وفي (ظ) الباصر والمثبت من (خ) و(ف) وهو الموافق للكشاف ١٣٩/٤ . والكلام منه. ١٣٠ سورة الملك: الآيات ٢٢ - ٢٥ وقيل: أبو بكر. وقيل: حمزة (١). وقيل: عمَّار بن ياسِر؛ قاله عكرمة(٢). وقيل: هو عامٌّ في الكافر والمؤمن؛ أي: إنَّ الكافرَ لا يدري أعلى حقٌّ هو أم على باطل، أي: أَهذا الكافرُ أهدى، أو المسلمُ الذي يمشي سَوِيّاً معتدلاً يُبصرُ الطريقَ وهو ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام؟(٣). ويقال: أكبَّ الرجلُ على وجهه؛ فيما لا يتعدَّى بالألف. فإذا تعدَّى قيل: كبَّه الله لوجهه؛ بغير ألف (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِلًا مَّا ٢٢٣ تَشْكُرُونَ. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُ﴾ أَمر نبيَّه أنْ يُعرِّفَهُم قُبح شركهم مع اعترافهم بأنَّ اللهَ خلقَهم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ يعني القلوبِ ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: لا تشكرون هذه النِّعم، ولا تُوحِّدون الله تعالى(٥). تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله. وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا (٢٤) قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَلَّذِىِ ذَرَأَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ ٢٢٥ اٌلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ قوله تعالى: ﴿قُلٌّ هُوَ الَّذِ ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: خلقَكم في الأرض؛ قاله ابن عباس. وقيل: نشرَكُم فيها وفرَّقكُم على ظهرها؛ قاله ابن شجرة (٦). ﴿وَإِلَيْهِ تُخْشَرُونَ﴾ حتى يجازِيَ كُلَّا بعمله. (١) الكشاف ١٣٩/٤، دون قوله: وقيل: أبو بكر. (٢) النكت والعيون ٥٦/٦ . (٣) في (خ) و(ز) و(ف): وهو على طريق مستقيم وهو الإسلام. (٤) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٣٤٣/٥ . (٥) ينظر الوسيط للواحدي ٤/ ٣٣٠ . (٦) النكت والعيون ٥٦/٦ . ١٣١ سورة الملك: الآيات ٢٤ - ٢٧ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أي: متى يوم القيامة؟ ومتى هذا العذابُ الذي تَعِدوننا به؟ وهذا استهزاءٌ منهم. وقد تقدَّم(١). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِينٌ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قُلْ لهم يا محمد: عِلْمُ وقتٍ قيام الساعة عند الله؛ فلا يَعْلمه غيره. نظيرُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ﴾ [الأعراف: ١٨٧] الآية. ﴿وَإِنَّمَ أَنْ نَذِيِرٌ تُبِينٌ﴾ أي: مخوِّف ومُعلم لكم. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَقَهُ زُلْفَةُ سِيَّتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُنْتُم بِه تَدَّعُونَ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ زُلْفَةٌ﴾ مصدرٌ بمعنى مُزْدَلفاً، أي: قريباً؛ قاله مجاهد (٢). الحسن: عِياناً(٣). وأكثر المفسرين على أنَّ المعنى: فلمَّا رأوه يعني العذاب؛ وهو عذابُ الآخرة. وقال مجاهد: يعني عذابَ بدر(٤). وقيل: أي: رأَوا ما وُعِدوا من الحشر قريباً منهم. ودلَّ عليه ﴿تُحْشَرُونَ﴾. وقال ابن عباس: لما رأَوا عملَهم السَّيِّىء قريباً. ﴿سِّئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فُعِلَ بها السوء. وقال الزجاج(٥): تُبُيِّن فيها السوء، أي: ساءَهم ذلك العذاب، وظهر على وجوههم سِمَةٌ تدلُّ على كفرهم؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُومٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦](٦). (١) ١١/ ٥ . (٢) تفسير مجاهد ٦٨٦/٢، وأخرجه الطبري ١٣٦/٢٣. (٣) أخرجه الطبري ١٣٥/٢٣. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٣ . (٥) في معاني القرآن ٢٠١/٥ . (٦) النكت والعيون ٦/ ٥٧ .٠ ١٣٢ سورة الملك: الآيتان ٢٧ - ٢٨ وقرأ نافعٌ وابن مُحَيْصِن وابنُ عامر والكسائيُّ: ((سيئت)) بإشمام الضَّمِّ(١). وكَسَر الباقون بغير إشمام طلباً للخِفَّة. ومن ضمَّ لاحظَ الأصل. ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ قال الفرّاء(٢): ((تَدَّعُونَ)): تفتعلون من الدعاء. وهو قولُ أكثر العلماء، أي: تَتمنَّون وتسألون. وقال ابنُ عباس: تَكْذِبون؛ وتأويلُه: هذا الذي كنتم مِن أجله تَدَّعون الأباطيل والأحاديث؛ قاله الزجاج(٣). وقراءةُ العامة: ((تدَّعون)) بالتشديد، وتأويلُه ما ذكرناه. وقرأ قتادةُ وابنُ أبي إسحاق والضَّحَّاك ويعقوب (٤): (تَدْعون)) مخفَّفَةٌ. قال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّا عِّلْ لَنَ قِطَنَا﴾ [ص: ١٦]. وقال الضَّحَّاك: هو قولهم: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢](٥). وقال أبو العباس: ((تَدَّعُونَ)): تستعجلون؛ يقال: دعوتُ بكذا: إذا طلبتَه؛ وادّعیت: افتعلت منه. النَّخَاسِ: (تَدْعُونَ، وتَدْعُون)) بمعنىّ واحد؛ كما يقال: قَدَر واقتدَر، وعَدَی واعتَدَى؛ إلَّا أنَّ في ((افتعل)) معنى شيء بعد شيء، و((فَعَل)) يقع على القليل والكثير. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اَللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ أَوْ رَمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٨َا﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَِ اللَّهُ﴾ أي: قل لهم يا محمد - يريدُ مشركي مكّة، وكانوا يَتَمنَّوْن موتَ محمدٍ ﴿؛ كما قال تعالى: ﴿أَمَّ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََُّّ بِهِ، رَيِّبَ (١) التيسير ص ١٢٥ عن نافع وابن عامر والكسائي. (٢) في معاني القرآن ١٧١/٣ بنحوه. (٣) في معاني القرآن ٢٠١/٥ . وفيه: والأكاذيب. بدل: والأحاديث. (٤) قراءة يعقوب - وهو من العشرة - في النشر ٣٨٩/٢، وقراءة قتادة والضحاك في تفسير الطبري ١٣٧/٢٣، والمحتسب ٣٢٥/٢. (٥) أخرجه الطبري ١٣٧/٢٣. ١٣٣ سورة الملك: الآيات ٢٨ - ٣٠ اُلْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] -: أرأيتُم إنْ مِثْنَا، أو رُحِمْنَا فَأُخِّرت آجالُنا، فمن يجيرُكم من عذاب الله؟ فلا حاجةَ بكم إلى التربُّص بنا، ولا إلى استعجال قيام الساعة. وأسكنَ الياء في ((أهلكني)): ابنُ مُحَيْصِن، والْمُسَيَّبيُّ، وشيبةُ، والأعمشُ، وحمزة (١). وفتحّها الباقون. وكلُّهم فتحَ الياء في ((ومَنْ معيّ)) إلَّا أهل الكوفة؛ فإنَّهم سكَّنُوها، وفتحَها حَفْص كالجماعة(٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَّهِ تَوَكَّنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ @ قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّنَا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ قرأ الكِسَائِيُّ بالياء على الخبر؛ ورواه(٣) عن عليّ. الباقون بالتاء على الخطاب(٤)، وهو تهديدٌ لهم. ويقال: لم أخّر مفعول ((آمَنَّا))، وقدَّم مفعول ((تَوَكَّلْنَا))، فيقال: لِوقوع ((آمَنَّا)) تعريضاً بالكافرين حينَ ورد عقيب ذكرهم، كأنَّ قيل: آمَنَّا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: ﴿وَعَيْهِ تَوَكَاناً﴾ خصوصاً؛ لم نَتَّكِل على ما أنتم مُكلون عليه من رجالكم وأموالكم؛ قاله الزَّمَخْشَريّ(٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَنْ يَأْتِيَكُرْ بِمٍَّ مَّعِينٍ ٣٠ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي: غائِراً ذاهباً في الأرض لا تنالُه الدِّلاء. وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون (٦). (١) قراءة حمزة في السبعة ص٤٦٥، والتيسير ص٢١٣، وقراءة المسيبي في السبعة ص ٤٦٥، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٥ . (٢) السبعة ص ٤٦٥، والتيسير ص٢١٣ . (٣) في (ظ): وروى، وفي (ق). ورواية. (٤) السبعة ص ٤٦٥، والتيسير ص٢١٢ . (٥) في الكشاف ٤/ ١٤٠ . (٦) ينظر النكت والعيون ٥٧/٦، وتفسير البغوي ٣٧٣/٤. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٤/٥: ويشبه أن تكون هاتان عُظْم ماء مكة، وإلا فكانت فيها بثار كثيرة كخم والجفر وغيرهما. ١٣٤ سورة الملك: الآية ٣٠ ﴿فَنْ يَأْتِيَكُمْ بِمٍَّ مَعِينٍ﴾ أي: جارٍ؛ قاله قتادةُ والضَّحَّاكِ(١). فلا بدَّ لهم من أنْ يقولوا: لا يأتينا به إلَّ الله؛ فقل لهم: لِم تُشركون به من لا يَقْدر على أنْ يأْتِيَكم؟ يقال: غارَ الماءُ يَغُور غوراً، أي: نَضَب. والغَوْر: الغائر؛ وُصِف بالمصدر للمبالغة؛ كما تقول: رجلٌ عَذْلٌ ورِضاً (٢). وقد مضى في سورة الكهف(٣)، ومضى القولُ في المعنى في سورة المؤمنون (٤). والحمد لله. وعن ابن عباس: ﴿بِمٍَّ مَّعِينٍ﴾ أي: ظاهرٍ تراهُ العيون؛ فهو مفعول، وقيل: هو من: مَعَن الماءُ، أي: كثُر، فهو على هذا فعيل(٥). وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ المعنى فمن يأتيكم بماء عَذْب؟(٦). والله أعلم. (١) أخرج قولهما الطبري ١٣٩/٢٣. (٢) تفسير الرازي ٧٦/٣٠ . (٣) ٢٨٤/١٣. (٤) ١٥/ ٢٣ - ٢٤ . (٥) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٧٦/٣٠ . (٦) أخرجه الطبري ١٣٩/٢٣ تفسير سورة «نَ وَالقَلَمِ)» مَكِيّةٌ في قول الحسن وعكرمةً وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: من أوّلها إلى قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُ عَلَى الْمُومِ﴾ [الآية: ١٦] مكيّ. ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٣٣] مدنيّ. ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿يَكْتُونَ﴾ [الآية: ٤٧] مكِّيّ. ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّلِينَ﴾ [الآية: ٥٠] مدنِيّ، وما بقي مكيّ. قاله الماورديّ(١). وهي ثنتان وخمسون آية. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَمِ قوله تعالى: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا عَيْرَ مَمنُونٍ قوله تعالى: ﴿تّ وَالْقَلِمِ﴾ أدغم النونَ الثانية في هجائها في الواو أبو بكر والمفضَّلُ وهُبَيرةُ ووَرْشٌ وابن مُحَيْصِن وابنُ عامر والكسائيُّ ويعقوب. والباقون بالإظهار(٢). وقرأ عيسى بن عمر بفتحها، كأنَّه أضمر فعلاً(٣). وقرأ ابن عباس ونصر وابنُ أبي إسحاقَ بكسرها على إضمار حرف القسم(٤). وقرأ هارون ومحمد بن السَّمَيْفَع بضمها على البناء (٥). (١) النكت والعيون ٥٩/٦، دون ذكر قتادة. (٢) السبعة ص٥٣٨، والتيسير ص ١٨٣، والنشر ١٨/٢. ولورش الوجهان. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/٥، والمحرر الوجيز ٣٤٥/٥. (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٩، والمحرر الوجيز ٣٤٦/٥ . (٥) ذكر القراءة ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢٦/٨ عن الحسن وأبي عمران وأبي نهيك. ١٣٦ سورة القلم: الآيات ١ - ٣ واختلف في تأويله، فَرَوَى معاوية بن قُرّة عن أبيه يرفعه إلى النبيّ ﴿ أنه قال: ((ن لَوْحٌ من نور))(١). وروَى ثابت البُنَانيّ أنَّ((نّ)) الدواة(٢). وقاله الحسن وقتادة(٣). وروى الوليد بن مسلم قال: حدّثنا مالك بن أنس، عن سُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السّمان، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((أولُ ما خلق الله القلمُ، ثمَّ خلق الُّون - وهي الدواة - وذلك قوله تعالى: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ﴾، ثمَّ قال له: اكتبْ، قال: وما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة من عمل أو أجلٍ أو رزقٍ أو أثَر، فجرى القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة - قال - ثم خُتم فَمُ القلم، فلم ينطقْ ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل فقال الجبّار: ما خلَقت خلقاً أعجبَ إليّ منك، وعِزّتي وجلالي لأكَمِّلنّك فيمن أحببت، ولأنقصّك فيمن أبغضت)) قال: ثم قال رسولُ اللـه﴾: ((أكملُ الناس عقلاً أطوعُهم لله وأعملُهم بطاعته)) (٤). وعن مجاهد قال: ((ن)) الحوتُ الذي تحت الأرض السابعة. قال: ((وَالْقَلَم)) الذي كُتب به الذِّكر. وكذا قال مقاتل ومُرّة الهَمْدانيّ وعطاء الخراساني والسُّدّي والكَلْبي: إِنَّ النون هو الحوت الذي عليه الأرضون(٥). وروى أبو ظَبيان عن ابن عباس قال: أوّلُ ما خلق الله القلمُ فجرى بما هو كائنٌ، (١) النكت والعيون ٦/ ٦٠، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٤٤/٢٣، وعزاه ابن كثير في تفسيره لهذه الآية للطبري، ثم قال: وهذا مرسل غريب. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤٣/٢٣ وفيه: عن ثابت الثمالي، عن ابن عباس. (٣) تفسير أبي الليث ٣٩٢/٣، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٤٣/٢٣. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٤٣/٤، والأثر أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٢٧٢ - ٢٢٧٣ وقال: وهذا بهذا الإسناد باطل منكر، وقال الذهبي في الميزان ٤/ ٦١: فصدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل. اهـ. والصحيح ما أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥) عن عبادة بن الصامت ﴾ مرفوعاً: ((إن أول ما خلق الله القلمُ، ثم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)) وسيرد. (٥) تفسير الطبري ١٤١/٢٣-١٤٢، وتفسير البغوي ٣٧٤/٤، وهذه الأخبار من الإسرائيليات. ١٣٧ سورة القلم: الآيات ١ - ٣ ثُمَّ رفع بخار الماء فخلق منه السماء، ثم خلق النُّونَ، فبسط الأرض على ظهره، فمادت الأرضُ فأُثْبِتَت بالجبال، وإنَّ الجبالَ لتَفْخَرُ على الأرض. ثم قرأ ابن عباس: (ن وَالْقَلَمِ)) الآية. وقال الكَلْبي ومقاتل: اسمه البَهْمُوت(١). قال الراجز: مالي أراكُم كلّكم سكوتَا والله رَبِّي خلق البَهْمُوتَا(٢) وقال أبو اليقظان والواقدي: ليونا(٣). وقال كعب: لوثوثا. وقال: بلهموثا (٤). قال كعب: إنَّ إبليسَ تغلغلَ إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون، فوسوس في قلبه وقال: أتدري ما على ظهركَ يا لوثوثا من الدَّوابِّ والشجر والأرضين وغيرها، لو لفظتَهم ألقيتَهم عن ظهرك أجمع؛ فهمّ ليوثا أن يفعلَ ذلك، فبعث الله إليه دابَّةً فدخلت مِنْخَرَه ووصلت إلى دماغه، فضجٌ(٥) الحوتُ إلى الله عزَّ وجلَّ منها، فأذن الله لها فخرجت. قال كعب: فو الله إنَّه لينظُرُ إليها وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت کما کانت(٦). وقال الضحاك عن ابن عباس: إنَّ ((ن)) آخرُ حرف(٧) من حروف الرحمن. قال: الر، وحم، ون، الرحمن تعالى مقطعة (٨) . (١) تفسير البغوي ٣٧٤/٤، وقيّده الآلوسي في روح المعاني ٢٣/٢٩: اليَهْموت؛ بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الهاء. وأثر ابن عباس أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٩٨/٢ ، والطبري في تفسيره ١٤٠/٢٣، وسلف ٣٨٥/١ . (٢) لم نقف عليه. (٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣٧٤/٤ عن الواقدي. (٤) اضطرب اسمه في النسخ والمصادر. (٥) كذا في النسخ، والذي في المصادر - الآتية - (فعج). والعج: رفع الصوت بالتلبية. النهاية (عجج). (٦) تفسير البغوي ٤/ ٤٧٥، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/٦، وهو خبر إسرائيلي باطل، وسلف ٣٨٥/١. (٧) في (م) حروف. (٨) النكت والعيون ٦٠/٦، وذكره النحاس في إعراب القرآن ٣/٥، والبغوي في تفسيره ٤٧٥/٤، وأخرجه الطبري ٢٣/ ١٤٢ عن ابن عباس من رواية عكرمة عنه. ١٣٨ سورة القلم: الآيات ١ - ٣ وقال ابن زيد: هو قسمٌ أقسم الله تعالى به(١). وقال ابن کَیْسان: هو فاتحةُ السورة (٢). وقيل: اسمُ السورة(٣). وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه نصير ونور وناصر. وقال محمد بن كعب: أقسم الله تعالى بنصره للمؤمنين؛ وهو حقّ(٤). بيانه قولُه تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وقال جعفر الصادق: هو نهرٌ من أنهار الجنة يقال له نون(٥). وقيل: هو المعروفُ من حروف المعجم (٦)؛ لأنَّه لو كان غيرَ ذلك لكان مُعْرَباً؛ وهو اختيار القُشَيْريّ أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره. قال: لأنَّ (ن)) حرف لم يُعْرَب، فلو كان كلمة تامَّة أعرِب كما أعرب القلم، فهو إذاً حرفُ هجاء كما في سائر مفاتيح السور. وعلى هذا قيل: هو اسم السورة، أي: هذه سورة (ن)). ثم قال: ((وَالْقَلَمْ)) أقسم بالقلم لما فيه من البيان كاللسان؛ وهو واقعٌ على كل قلم مما يَكتب به مَن في السماء ومَن في الأرض، ومنه قول أبي الفتح البُسْتِيّ: وعَدُّوه مما يُكسِبُ المجدَ والگرَمْ إذا أقسم الأبطالُ يوماً بسيفهم مَدَى الدهرِ أنَّ الله أقسم بالقَلَمْ(٧) كَفَى قَلَمُ الكُتَّابِ عِزّاً ورِفعةً. وللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة، ما ذكرناه أعلاها. وقال ابن عباس: هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله، فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وهو قلم من نورٍ، طولُه كما بين السماء والأرض. ويقال. خلق الله القلم، (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤٤/٢٣ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٥ دون نسبة. (٣) النكت والعيون ٦٠/٦. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٧٥ . (٥) زاد المسير ٣٢٧/٨ . (٦) النكت والعيون ٦/ ٦٠ . (٧) البيتان في زهر الآداب للقيرواني ١/ ٤٣٢. وفيه (مجدا) بدل (عزّا). وأبو الفتح هو علي بن محمد البستي الكاتب، شاعر زمانه، مات سنة إحدى وأربع مائة. السير ١٤٧/١٧ - ١٤٨ . ١٣٩ سورة القلم: الآيات ١ - ٣ ثم نظر إليه فانشق نصفين، فقال: اجرٍ؛ فقال: يا ربّ، بِمَ أجري؟ قال: بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ(١). وقال الوليد بن عُبادة بن الصامت: أوصاني أبي عند موته فقال: يا بُنَيّ، اتقِ الله، واعلمْ أنَّك لن تتقيَ ولن تبلغ العلمَ حتى تؤمنَ بالله وحدَه، والقدرِ خيره وشرّه، سمعت النبيَّ # يقول: ((إنَّ أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتبْ، فقال: يا ربّ وما أكتب، فقال: اكتبْ القدرَ، فجرى القلمُ في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد))(٢). وقال ابن عباس: أوّلُ ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن، فكتب فيما كتب: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾(٣) [المسد: ١]. وقال قتادة: القلم نعمةٌ من الله تعالى على عباده(٤). قال غيره: فخلق الله القلم الأوّل، فكتب ما يكون في الذكر، ووضعه عنده فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض، على ما يأتي بيانه في سورة ﴿اقْرأ بِأَسِّ رَبِّكَ﴾ (٥) [العلق: ١]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْظُرُونَ﴾ أي: وما يكتبون. يريد الملائكة؛ يكتبون أعمال بني آدم قاله ابن عباس(٦). وقيل: وما يكتبون، [أي: ] الناس، وما يتفاهمون به. وقال ابن عباس: معنى ((وَمَا يَسْطُرونَ)) وما يعلمون(٧). و((ما)) موصولة أو مصدرية؛ أي: ومسطوراتِهم أو: وسطرِهم، ويراد به كلٌّ من يسطر، أو الحفظة، على الخلاف(٨). (١) تفسير البغوي ٣٧٥/٤ . (٢) أخرجه بطوله الطيالسي في مسنده (٥٧٧)، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٢٧٠٥)، والترمذي (٢١٥٥) وقال: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. (٣) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ١٤/ ٢٠٥ . (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٢٧/٢٤، وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٣٩١ - ٣٩٢. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٤٣/٤ وفيه (ليعلم به من في الأرض) بدل (ليكتب به في الأرض). (٦) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٩٨، والطبري في تفسيره ١٤٨/٢٣، وينظر تفسير البغوي ٤/ ٣٧٥ . (٧) النكت والعيون ٦/ ٦٠ . (٨) الكشاف ٤/ ١٤١. ١٤٠ سورة القلم: الآيات ١ - ٣ ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ هذا جواب القسم وهو نفي. وكان المشركون يقولون للنبيّ﴾: إنَّه مجنون، به شيطان. وهو قولهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لقولهم: ﴿مَا أَنَتَ بِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي: برحمة ربك. والنعمةُ هاهنا الرحمة. ويحتمل ثانياً: أنَّ النعمةَ هاهنا قَسَم، وتقديره: ما أنت ونعمةِ ربك بمجنون؛ لأنَّ الواو والباء من حروف القسم (١). وقيل: هو كما تقول: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون، والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك؛ أي: والحمد لله(٢). ومنه قول لپید: وفارقَني جارٌ بأرْبَدَ نَافِعُ(٣) وأفردْتُ في الدنيا بفقدٍ عشيرتي أي: وهو أربد. وقال النابغة: لم يُخْرَمُوا حُسْنَ الغِذاء وأمّهم طَفَحتْ عليك بناتقٍ مِذْكارٍ (٤) أي: هو ناتق. والباء في ((بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)) متعلقة ((بمجنون)) منفيّاً، كما يتعلق بغافل مثبتاً. كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل. ومحله النصب على الحال؛ كأنَّه قال: ما أنت بمجنون مُنْعَماً عليك بذلك. ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَخْرًا﴾ أي: ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوّة. (١) النكت والعيون ٦/ ٦١ . (٢) تفسير البغوي ٣٧٥/٤ وفيه (والحمد لك) بدل (والحمد لله). (٣) ديوان لبيد ص٨٨ في قصيدة يرثي أخاه أربد، وروايته «وقد كنت في أكنافٍ جارٍ مَضِنَّة ... ففارقني ... والبيت أيضاً في الأغاني ٦٣/١٧ وفيه (دار) بدل (جار) ... ، والمضنة: بكسر الضاد وفتحها؛ أي: نفيس مما یضن به. الصحاح (ضنن). (٤) ديوان النابغة الذبياني ص ٦١، والبيت أيضاً في المعاني الكبير لابن قتيبة ١/ ٥١٠ وفيه: دحقت بدل: طفحت. قال ابن قتيبة: ويروى: طفحت عليك، أي: اتسعت، أي: غذوا غذاء حسناً فنموا وكثروا، والناتق: الكثيرة الولد، ومذكار: تلد الذكور.