النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الطلاق: الآيات ٨ - ١١
ما يكلّف الغنيّ. ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي: بعد الضيق غِنَّى، وبعد الشِّدَّةِ سَعَة.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَبْتَهَا
عَذَابًا ثُّكْرًا ﴾ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَغْرِهَا وَكَنَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُمْرًا (١) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًاً
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ يَأْلِ اٌلْأَلْبَبِ الَّذِينَ ءَامَوْ قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١) رَسُولًا بَثَلُواْ عَلَيْكُمْ
◌َيَتِ اللَّهِ مُبِنَتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَمَنْ يُؤْمِنُ
بِلَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِلَّهُ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ
لُ رِزْقًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنِ قَرْيَةٍ﴾ لمَّا ذَكرَ الأحكامَ؛ ذَكَرَ وحذَّر مخالفةَ الأمر،
وذكر عُتُوَّ قومٍ وحلولَ العذاب بهم. وقد مضى القولُ في ((كأيِّن)) في ((آل عمران))
والحمدُ لله (١).
﴿عَنَتْ عَنْ أَمِّ رَبِهَا﴾ أي: عصت؛ يعني القرية والمرادُ أهلُها. ﴿فَحَاسَبْتَهَا حِسَابًا
شَدِيدًا﴾ أي: جازيناها بالعذاب في الدنيا ﴿ وَعَذَّبْتَهَا عَذَابًا شُكْرًا﴾ في الآخرة. وقيل: في
الكلام تقديمٌ وتأخير؛ فعذَّبناها عذابًا نُكْراً في الدنيا، بالجوع والقَخْط والسيف
والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا(٢). والنُّكْر:
المنكر. وقُرئ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، وقد مضى في سورة الكهف(٣).
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَنَِّهَا﴾ أي: عاقبة كُفرِها ﴿وَكَانَ عَقِبَةُ أَتْرِهَا خُتْرًا﴾ أي: هلاكًا في الدنيا
بما ذكرنا؛ والآخرةِ بجهنم. وجيء بلفظ الماضي كقوله تعالى: ﴿وَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ
أَصْحَبَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ونحوِ ذلك؛ لأن المنتظرَ مِن وعد الله ووعيدِه مَلقيّ في
(١) ٣٤٩/٥ .
(٢) تفسير البغوي ٣٦١/٤ .
(٣) في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا ثُّكْرًا﴾ [الآية: ٧٤]. ولم يتعرض المصنف هناك لذكر القراءات فيها. وقد
قرأ بالتثقيل ((نُكُرا)) نافع وأبو بكر عن عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر. والباقون من السبعة بالتخفيف
(نُكْرأ))؛ في ((الكهف)) و((الطلاق)). السبعة ص ٣٩٥، والتيسير ص ١٤٤.

٦٢
سورة الطلاق: الآيات ٨ - ١١
الحقيقة؛ وما هو كائنٌ فكأن قَد (١). ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بَيَّنَ ذلك الخُسْرَ وأنه
عذابُ جهنم في الآخرة.
﴿فَتَّقُواْ الَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ أي: العقول. ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بدلٌ من ((أُولِي الْأَلْبَابِ))
أو نعتٌ لهم؛ أي: يا أولي الألباب الذين آمنتم بالله؛ إِنَّقوا الله؛ الذي أُنزل عليكم
القرآن، أي: خافوه واعملوا بطاعته وانتهوا عن معاصيه. وقد تقدَّم.
﴿رَسُولاً﴾ قال الزَّجَّاج(٢): إنزالُ الذِّكْر دليلٌ على إضمار: أرسل؛ أي: أَنزل
إليكم قرآنًا وأَرسل رسولاً. وقيل: إنَّ المعنى: قد أنزل اللهُ إليكم صاحبَ ذِكرٍ
رسولًا؛ فـ ((رسولًا)) نعتٌ للذِّكر على تقدير حذفِ المضاف. وقيل: إنَّ((رسولًا))
معمولٌ للذُكر؛ لأنه مصدر؛ والتقدير: قد أنزل اللهُ إليكم أنْ ذَكَرَ رسولًا. ويكونُ ذِكْرُه
الرسولَ قوله: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ويجوز أن یکونَ ((رَسُولًا)» بدلاً مِن:
ذِكْر، على أن يكونَ ((رَسُولًا)) بمعنى رسالة، أو على أن يكونَ على بابه ويكونَ
محمولًا على المعنى، كأنه قال: قد أظهر الله لكم ذِكْرًا رسولًا، فيكون من باب بدلٍ
الشيء من الشيء وهو هو. ويجوز أن ينتصبَ ((رَسُولًا)) على الإغراء، كأنه قال: اتَّبعوا
رسولًا. وقيل: الذِّكر هنا الشرف، نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ
ذِكْرَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ثم بيَّن
هذا الشرفَ فقال: ((رَسُولًا)). والأكثرُ على أنَّ المراد بالرسول هنا محمدٌ عَ﴾. وقال
الكلبيّ: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزَلَين(٣).
﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ نعتٌ لرسول. و((آيَاتِ اللهِ)): القرآن. ﴿قُّبِيِّنَاتٍ﴾ قراءةُ
العامَّة بفتح الياء، أي: بيَّنها الله. وقرأ ابن عامر وحفصٌ وحمزة والكسائيُّ
بكسرها(٤)، أي: يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. والأولى قراءة ابنِ عباس
(١) الكشاف ٤/ ١٢٣ .
(٢) في معاني القرآن ١٨٨/٥.
(٣) النكت والعيون ٣٦/٦ .
(٤) التيسير ص١٦٢ .

٦٣
سورة الطلاق: الآيات ٨ - ١٢
واختيارُ أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيِّنَّا لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ [آل عمران: ١١٨].
﴿لَيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: مَن سبق له ذلك في علم الله ﴿مِّنَ
اُلُّلُمَتِ﴾ أي: من الكفر ﴿إِلَى النُّورِّ﴾: الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في
مؤمني أهل الكتاب(١). وأضاف الإخراجَ إلى الرسول؛ لأنَّ الإيمان يَحصُل منه
بطاعته.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. قرأ
نافعٌ وابن عامر بالنون، والباقون بالياء(٢). ﴿قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أي: وسَّع اللهُ له في
الجنات.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
﴾
لِيَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلمًا
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ دلَّ على كمال قدرتهِ وأنه
يقدر على البعث والمحاسبة. ولا خلاف في السماوات أنها سبعٌ بعضُها فوق بعض؛
دلَّ على ذلك حديثُ الإسراء وغيره(٣).
ثم قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يعني سبعاً. واختلف فيهنَّ على قولين:
أحدهما ۔ وهو قول الجمهور ۔ أنھا سبُ أُرَضین طِباقًا بعضُها فوق بعض(٤) بین
كلِّ أرضٍ وأرضٍ مسافةٌ كما بين السماء والسماء، وفي كل أرضٍ سكانٌ مِن خلق الله
سبحانه وتعالى.
وقال الضخَّاك: ((وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ)) أي: سبعاً من الأَرَضين، ولكنها مُطبقةٌ
بعضُها على بعض من غير فُتُوق، بخلاف السماوات.
(١) نسب هذا القول الماوردي في النكت والعيون ٣٦/٦ للفراء.
(٢) السبعة ص٦٣٩، والتيسير ص٢١١ .
(٣) سلف حديث الإسراء ٧/١٣، وينظر النكت والعيون ٣٦/٦، والمحرر الوجيز ٣٢٧/٥.
(٤) النكت والعيون ٣٦/٦.

٦٤
سورة الطلاق: الآية ١٢
والأوَّل أصحّ؛ لأنَّ الأخبار دالَّةُ عليه في الترمذيِّ والنَّسائيِّ وغيرهِما(١). وقد
مضى ذلك مبيّنًا في ((البقرة)(٢).
وقد خرَّج أبو نعيم قال: حدَّثنا محمد بنُ عليٍّ بنِ حُبيش قال: حدَّثنا إسماعيل بنُ
إسحاق السرَّاج (ح) وحدَّثنا أبو محمد بنُ حَيَّان (٣) قال: حدَّثنا عبد الله بنُ محمد بنِ
ناجية قال: حدَّثنا سُويد بن سعيد قال: حدَّثنا حفص بنُ ميسرة، عن موسى بنِ عقبة،
عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: أنَّ كعباً حلف له بالذي فَلَق البحرَ لموسى أنَّ
صُهَيْبًا حدَّثه، أنَّ محمداً ﴾ لم يَرَ قريةً يريد دخولَها إلَّا قال حين يراها: «اللَّهُمّ رَبَّ
السماواتِ السبع وما أظْلَلْنَ، وَرَبّ الأرَضِينَ السبعِ وما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشياطينِ وما
أضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما أذْرَيْنَ، إنَّا نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، ونعوذ بك
من شرِّها وشرِّ أهلها، وشرِّ مَن فيها)). قال أبو نعيم: هذا حديثٌ ثابتٌ مِن حديث
موسى بن عقبة، تفرَّد به عن عطاء، رواه(٤) عنه ابنُ أبي الزناد وغيرُه(٥).
وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعتُ النبيَّ # يقول: ((مَن أخذ شِيراً
من الأرض ظلماً، فإنه يُطَوَّقُه يومَ القيامة مِن سبع أَرضِينَ)) ومثلُه حديثُ عائشة، وأَبِينُ
منهما حديثُ أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((لا يأخذ أحدٌ شبراً من الأرض
بغير حَقِّه، إلَّا طوَّقه الله إلى سبع أَرَضينَ يوم القيامة))(٦).
(١) سنن الترمذي (٣٢٩٨)، وسنن النسائي الكبرى (١٠٦٠٢) و(١٠٩١٣).
(٢) ٣٨٧/١ - ٣٨٩، وفيه حديث الترمذي والنسائي.
(٣) في (د) و (م): حبان، وهو خطأ. وأبو محمد هذا هو المعروف بأبي الشيخ.
(٤) يعني عن موسى، وفي النسخ: روى، والمثبت من المصادر.
(٥) حلية الأولياء ٤٦/٦، وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٣٠٢) من طريق حفص بن ميسرة، به.وقد
خالف ابن أبي الزناد حفصاً في إسناده، فرواه فيما أخرجه النسائي (١٠٣٠٣) عن موسى بن عقبة، عن
عطاء، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن مغيث، عن كعب، فأدخل عبد الرحمن بن مغيث بين أبي مروان
و کعب.
(٦) صحيح مسلم (١٦١٠)، (١٦١١)، (١٦١٢). وسلفت هذه الأحاديث ٣٨٧/١.

٦٥
سورة الطلاق: الآية ١٢
قال الماورديّ: وعلى أنها سبعُ أرضينَ بعضُها فوق بعض؛ تختصُّ دعوةُ أهل
الإسلامِ بأهل الأرض العليا، ولا تلزم مَن في غيرها من الأرضين، وإن كان فيها مَن
يعقِل من خلق مميّز. وفي مشاهدتهم السماءَ واستمدادِهم الضوءَ منها قولان:
أحدهما: أنهم يشاهدون السماء من كل جانبٍ من أرضهم ويستمدُّون الضياءً منها.
وهذا قولُ مَن جعل الأرضَ مبسوطة. والقول الثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأنَّ
الله تعالى خلق لهم ضياءً يستمدُّونه. وهذا قولُ مَن جعل الأرضَ كالكُرَة.
وفي الآية قولٌ ثالثٌ حكاه الكَلْبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس: أنها سبعُ
أرضين منبسطة؛ ليس بعضُها فوق بعض، تفرِّق بينها البحار، وتُظِلُّ جميعَهم السماءُ.
فعلى هذا إنْ لم يكن لأحد من أهل الأرض وصولٌ إلى أرض أخرى، اختصَّت دعوةٌ
الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصولٌ إلى أرض أخرى، احتمل أنْ
تَلزمَهم دعوةُ الإسلام عند إمكان الوصولِ إليهم؛ لأنَّ فصل البحار إذا أمكن سلوكُها
لا يمنع من لزوم ما عمَّ حكمُه، واحتمل ألَّا تلزَمَهم دعوةُ الإسلام؛ لأنها لو لزمتهم
لَكان النصُّ بها ورادًا، ولَكان النبيُّ # بها مأمورًا. والله أعلم [بصحة] ما استأثر
بعلمه، وصوابٍ ما اشتَبهَ على خلقه(١).
ثم قال: ﴿يَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال مجاهد: يتنزَّل الأمرُ من السماوات السبع إلى
الأرضين السبع(٢). وقال الحسن: بين كل سماءَين أرضٌ وأمر. والأمر هنا الوحي؛
في قول مقاتلٍ وغيره. وعليه فيكون قولُه: ((بَيْنَهن)) إشارةً إلى ما بين هذه الأرضِ العليا
التي هي أدناها، وبين السماءِ السابعة التي هي أعلاها. وقيل: الأمر: القضاء والقدر.
وهو قول الأكثرين. فعلى هذا يكون المرادُ بقوله تعالى: ((بَيْنَهُنَّ)) إشارةً إلى ما بين
الأرضِ السُّفْلَى التي هي أقصاها، وبين السماء السابعةِ التي هي أعلاها(٣). وقيل:
(١) النكت والعيون ٣٦/٦ - ٣٧ . وما بين حاصرتين منه.
(٢) تفسير مجاهد ٢/ ٦٨٢ بنحوه.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٣٧.

٦٦
سورة الطلاق: الآية ١٢
(يَتَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)) بحياة بعضٍ وموتٍ بعض (١)، وغِنَى قومٍ وفقْرِ قوم. وقيل: هو ما
يُدَبِّر فيهنَّ من عجيب تدبيره؛ فيُنزل المطرَ، ويُخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار،
والصيفِ والشتاء، ويخلق الحيواناتِ على اختلاف أنواعها وهيئاتها؛ فَينقُلُهم من
حال إلى حال(٢). قال ابن كَيْسان: وهذا على مجال اللغةِ واتِّساعها؛ كما يقال
للموت: أمْرُ الله؛ وللريح والسحابِ ونحوها.
﴿إِنَّعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني أنَّ مَنْ قَدَرَ على هذا الملكِ العظيم، فهو
على ما بينهما مِن خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن، وإن استوى كلُّ ذلك في
مقدوره ومُكْنَته(٣). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يَخرُجُ شيءٌ عن علمه وقدرته.
ونصب ((عِلْمًا)) على المصدر المؤكِّد؛ لأنَّ ((أَحَاطَ)) بمعنى: علم. وقيل: بمعنى: وأنَّ
الله أحاط إحاطةً عِلْمًا .
واللهُ سبحانه وتعالى الموفّقُ بِمَنِّه وكرمِه لصَوْبِ الصواب .
خُتمت السورةُ بحمد الله وعونه
(١) تفسير الرازي ٤٠/٣٠ عن مجاهد.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٦١ .
(٣) النكت والعيون ٣٧/٦.

سورة التحريم
مَدَنِيَّةٌ في قول الجميع، وهي اثنتا عشرة آية. وتسمَّى سورة النَّبيِّ(١)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ
﴿وَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُّمُ مَا أَعَلَّ اللّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَنِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اللّهُ لَكِّ﴾ فيه خمسُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُرِعُ مَآ أَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾ ثبَت في ((صحيح مسلم)) (٢)
عن عائشة رضي اللهُ عنها أنَّ النبيَّ # كان يَمكثُ عند زينب بنتِ جَحْش، فيشربُ
عندها عَسَلاً؛ قالت: فتواطأتُ أنا وحفصة أنَّ أيَّتَنَا ما دخَل عليها رسولُ الله ◌ِ﴾.
فلتقلْ: إني أجدُ منك رِيحَ مَغَافِير! أَكَلْتَ مَغَافِير؟ فدخَل على إحداهما فقالت له ذلك.
فقال: ((بل شربتُ عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعودَ له)). فنزَل: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ
اللهُ لَكِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِن نَنُوبَا﴾ لعائشة وحفصة. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ.
حَدِينًا﴾ لقوله: ((بل شربتُ عسلاً)).
وعنها أيضاً(٣) قالت: كان رسولُ الله ﴿ يحبُّ الحَلْواء والعسلَ، فكان إذا صلَّى
العصرَ دار على نسائه فيَدْنُو منهنَّ؛ فدخل على حفصة، فاحتَبَس عندها أكثرَ مما
يَحتبِس؛ فسألتُ عن ذلك فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومها عُكَةً من عسلٍ، فسقتْ
رسولَ الله ﴿ منه شَرْبَةً. فقلتُ: أمَا واللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ له، فذكرتُ ذلك لسَوْدةَ، وقلت:
إذا دخَل عليكِ فإنه (٤) سَيَدْنُو منكِ، فقولي له: يا رسولَ الله، أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فإنه
(١) النكت والعيون ٢٨/٦، والكشاف ١٢٤/٤.
(٢) برقم (١٤٧٤) (٢٠)، وهو عند الإمام أحمد (٢٥٨٥٢)، والبخاري (٤٩١٢) و(٥٢٦٧).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٦٨) و(٦٩٧٢)، ومسلم (١٤٧٤): (٢١). وما بين حاصرتين منهما.
(٤) بدلها (ظ): رسولُ الله ﴾.

٦٨
سورة التحريم: الآية ١
سيقولُ لكِ: لا. فقولي [له]: ما هذه الريحُ؟ - وكان رسولُ الله ﴾﴿ يَشتدُّ عليه أن يُوجدَ
منه الريحُ - فإنه سيقولُ لكِ: سقَتْني حَفْصَةُ شَرْبةَ عسلٍ. فقولي له: جَرَسَتْ نَحِلُه
العُرْفُطَ. وسأقول ذلك له، وقوليهِ أنتِ يا صفِيَّةُ. فلما دخَل على سَوْدَةً - قالت: تقول
سَوْدَةٌ: واللَّهِ الذي لا إلهَ إلا هو لقد كِدْتُ أن أبادِئَّه بالذي قلتِ لي وإنه لَعلى الباب،
فَرَقاً منكِ. فلما دنا رسولُ اللهِ﴾ قالت: يا رسولَ الله، أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قال: (لا))
قالت: فما هذه الريحُ؟ قال: ((سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةً عسلٍ)) قالت: جَرَسَتْ نَحْلُه
الْعُرْفُطَ. فلما دخلَ عليَّ قلتُ له مثلَ ذلك. ثم دخَل على صَفِيَّة فقالت بمثل ذلك. فلما
دخلَ على حَفْصَة قالت: يا رسولَ الله، ألا أَسقيك منه. قال: ((لا حاجةً لي به))
قالت: تقول سَوْدَةُ: سبحان الله! [واللهِ] لقد حَرَمْناه. قالت: قلتُ لها: اسكتي.
ففي هذه الرواية أنَّ التي شرب عندها العسلَ حفصة. وفي الأولی زینب. وروى
ابنُ أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة(١).
وقد قيل: إنما هي أمُّ سلَمة؛ رواه أسباط عن السُّدِّيِّ(٢). وقاله عطاء بن أبي
مسلم .
ابن العربي (٣). وهذا كلُّه جهلٌ أو تصوُّر بغير علم.
فقال باقي نسائه حَسَداً وغَیْرَةً لمن شرب ذلك عندها: إنا لنچِد منك ریحَ
المغافير. والمغافير: بقلةٌ أو صمغة متغيرةُ الرائحة، فيها حلاوة. واحدها مُغْفُور،
وجَرَست: أكلت. والعُرْقُطُ: نبتّ له ريحٌ كريح الخمر (٤). وكان عليه الصلاة والسلام
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١٧/١١ (١١٢٢٦) به، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص
٤٦٨ عن ابن أبي مليكة أن سودة ... ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٧٦/٩: والراجح أن صاحبة
العسل زينب لا سودة.
(٢) النكت والعيون ٣٩/٦. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٣٧٧: وهو مرجوح لإرساله وشذوذه.
(٣) في أحكام القرآن ١٨٣٣/٤.
(٤) ينظر تهذيب اللغة ٣٤٦/٣، وإكمال المعلم ٢٧/٥، والنهاية (عرفط - غفر - جرس).

٦٩
سورة التحريم: الآية ١
يُعجِبه أن يُوجدَ منه الريحُ الطيبةُ أو يجدها(١)، ويكره الريح الخبيثةَ؛ لمناجاة
المَلَك(٢) .
1
فهذا قول. وقول آخر : - إنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نَفْسَها للنبيِّ ﴾، فلم
يَقبلها لأجل أزواجِه؛ قاله ابن عباس وعِكرمة(٣). والمرأة أمُّ شريك(٤).
وقول ثالث: إن التي حرَّم مارية القبطية - وكان قد أهداها له المُقَوْقِس ملك
الإسكندرية. قال ابن إسحاق(٥): هي من كُورة أنْصِنا من بلدٍ يقال له: حَفْن(٦) .
فواقعها في بيت حفصة. روى الدَّارَ طَنِيُّ (٧) عن ابن عباس، عن عمر قال: دخّل
رسولُ الله # بأمِّ ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة
غابت إلى بيت أبيها(٨) - فقالت له: تُدخلها بيتي! ما صنعتَ بي هذا من بين نسائك
إلا مِن هَواني عليك. فقال لها: ((لا تَذْكُرِي هذا لعائشة. فهي عليَّ حرامٌ إن قَرُبْتُها))،
قالت حفصة: وكيف تحرّم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يَقْرَبها. فقال النبيُّ ﴾
لحفصة(٩): ((لا تذكريه لأحدٍ)). فذكرته لعائشة، فآلَى لا يدخل على نسائه شهراً،
فاعتزلهنَّ تسعاً وعشرين ليلةً؛ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُمُ مَآ أَعَلَ اللَّهُ لَكِّ﴾
الآية.
(١) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد (٢٥٠٠٣)، وأبو داود (٤٠٧٤) من حديث السيدة عائشة رضي
الله عنها، بلفظ: وكان يحب الريح الطيبة .
(٢) النكت والعيون ٣٩/٦، والكلام بنحوه في مجمع البيان للطبرسي ١١٩/٢٨.
(٣) المصدر السابق، عن ابن عباس.
(٤) واسمها غزية أو غزيلة، سلفت قصتها والخلاف في التي وهبت نفسها للنبي 8#: ١٢٥/١٧ و١٨٢-١٨٣.
(٥) كما في السيرة النبوية ١/ ١٩١ .
(٦) هي من قرى أَنْصِنا، وأنصنا هذه من نواحي الصعيد على شرقي النيل. ينظر معجم البلدان ٢٦٥/١
و٢٧٦/٢ .
(٧) في سننه (٤٠١٣). وفي سنده عبد الله بن شبيب، قال فيه الذهبي في الميزان ٤٣٨/٢: أخباري علَّامة،
لكنه واه. قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث ١ هـ.
(٨) قوله: وكانت حفصة غابت في بيت أبيها، من (خ) و(م).
(٩) لفظة: لحفصة من (خ) وسنن الدارقطني. وجاءت العبارة في (ز) و(ظ) و(ف): فقال لها النبي ﴾ ...

٧٠
سورة التحريم: الآية ١
الثانية: أصحُّ هذه الأقوال أوَّلُها. وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي(١): أما
ضعفُه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن ردَّ النبيِّ # للموهوبة
ليس تحريماً لها؛ لأن مَن رَدَّ ما وُهِب له لم يَحْرم عليه، إنما حقيقةُ التحريم بعد
التحليل.
وأما من روى أنه حَرَّم مارية القبطيةَ فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى؛
لكنه لم يدوَّن في الصحيح، ورُوي مرسلاً: وقد روى ابن وهب، عن مالك، عن زيد
ابن أسلم قال: حرَّم رسولُ الله﴿ أَمَّ إبراهيم فقال: ((أنتِ عليَّ حرامٌ واللَّهِ لا
آتينَّكِ(٢)). فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ في ذلك: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُرِّمُ مَآ أَعَلَ اللهُ لَكَّ﴾(٣)
وروى مثله ابنُ القاسم عنه(٤). وروى أشهب عن مالك قال: راجعتْ عِمرَ امرأةٌ له
من الأنصار في شيء، فاقشعرَّ من ذلك، وقال: ما كان النساءُ هكذا! قالت: بلى،
وقد كان أزواجُ النبيِّ ﴾ يُراجعنه. فأخذ ثوبَه فخرج إلى حَفْصة فقال لها: أتُراجعين
رسولَ اللهِ ﴾؟ قالت: نعم، ولو أعلم أنك تَكْرَه ما فعلتُ. فلمَّا بلغ عمرَ أنَّ
رسولَ اللهِ﴾ِ هَجَرَ نساءه قال: رَغِمَ أنْفُ حفصةَ(٥).
وإنّما الصحيحُ أنه كان في العسل وأنه شَرِبه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة
وحفصة فيه، وجرَى ما جرَى فحلف ألَّا يشربَهِ وأسرَّ ذلك. ونزلت الآيةُ في الجميع.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ﴾ إن كان النبيُّ﴾ حرَّم ولم يَحلِف فليس ذلك
(١) في أحكام القرآن ١٨٣٣/٤ .
(٢) في النسخ عدا (د) و(م): لا أتيتك.
(٣) أخرجه الطبري ٢٣/ ٨٤ بلفظ: (( ... وواللهِ لا أطؤكِ)).
(٤) في المدونة ٣٩٥/٢
(٥) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٨٣٣/٤ - ١٨٣٤، ولم نقف عليه عند غيره من حديث مالك،
وأخرج نحوه البخاري في صحيحه (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩) (٣١) و(٣٤) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما، ولفظه عند البخاري : ... فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم ...
فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني ... وذكره، وسيذكره المصنف ١٨٩/١٨ وما بعد.

٧١
سورة التحريم: الآية ١
بيمين عندنا. ولا يُحرِّم قولُ الرجل: ((هذا عليَّ حرام)» شيئاً حاشا الزوجةَ. وقال أبو
حنيفة: إذا أُطلقَ حُمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت يميناً تُوجب
الكفارة. وقال زُفَر: هو يمين في الكلّ حتى في الحركة والسكون. وعوَّل المخالفُ
على أن النبيَّ﴾ حرَّم العسل فلزمته الكفارة. وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُنْ
تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ فسمَّاه يميناً. ودليلُنا قول اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَزِّمُواْ طَيِّبَتِ
مَآَ أَهَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَّمْتَدُوَّأْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ
مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللَّهِ تَفْتَُّونَ﴾ [يونس: ٥٩].
فذَّ اللهُ المحرِّمَ للحلال، ولم يوجب عليه كفارة(١).
قال الزجاج(٢): ليس لأحدٍ أن يحرِّم ما أحلَّ اللهُ. ولم يجعل لنبيِّهِ ﴾ أن يحرِّم إلا
ما حرَّم اللهُ عليه. فمن قال لزوجته أو أَمتِه: أنتِ عليَّ حرام؛ ولم يَنْوِ طلاقاً ولا
ظِهاراً فهذا اللفظُ يوجب كفارةَ اليمين(٣). ولو خاطب بهذا اللفظ جمعاً من الزوجاتِ
والإماء فعليه كفارةٌ واحدة. ولو حرَّم على نفسه طعاماً أو شيئاً آخر لم يلزمه بذلك
كفارةٌ عند الشافعيّ ومالك. وتجب بذلك كفارةٌ عند ابن مسعود والثَّوْرِيِّ وأبي
حنيفة (٤).
الرابعة: واختلف العلماءُ في الرجل يقول لزوجته: ((أنت عليَّ حرام)) على ثمانية
عشر قولاً :
أحدها: لا شيء عليه. وبه قال الشعبيُّ ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأَضْبغ. وهو
عندهم كتحريم الماء والطعام(٥)؛ قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٣٤.
(٢) في معاني القرآن له ١٩٢/٥.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٦٣ .
(٤) الكلام بنحوه في إكمال المعلم ٢٧/٥، والمفهم ٤/ ٢٥٠.
(٥) إكمال المعلم ٢٧/٥، والمفهم ٢٤٨/٤ .

٧٢
سورة التحريم: الآية ١
مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزوجة من الطيبات ومما أحلَّ الله. وقال تعالى: ﴿وَلَا
تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. وما لم يحرِّمه اللهُ
فليس لأحدٍ أن يحرِّمه، ولا أن يَصير بتحريمه حراماً. ولم يَثبت عن رسول الله :﴿ أنه
قال لِما أحلَّه اللهُ: هو عليَّ حرام. وإنما امتنع من ماريةَ ليمين تقدَّمت منه وهو قوله:
((واللهِ لا أقربُها بعد اليوم)»(١) فقيل له: لم تحرِّم ما أحلَّ اللهُ لك؟ أي: لِمَ تمتنع منه
بسبب اليمين؟ يعني: اقْدم عليه وكَفِّر(٢).
وثانيها: أنها يمين يكفرها؛ قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبدُ الله بن
مسعود(٣) وابن عباس(٤) وعائشة(٥) رضي اللهُ عنهم. وبه قال(٦) الأوزاعيُّ؛ وهو
مقتضى الآيةِ.
قال سعيد بن جُبير عن ابن عباس: إذا حَرَّم الرجلُ عليه امرأته فإنما هي يمين
كفّرها.
وقال ابن عباس: لقد كان لكم في رَسُول اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنة؛ يعني أن النبيَّ ® كان
حرَّم جاريته فقال الله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٨٦/٨ عن زيد بن أسلم أن النبي # ... ، وسلف بنحوه ص٦٩ من هذا
الجزء.
(٢) الكشاف ١٢٦/٤ .
(٣) أخرجه عنهم سعيد بن منصور في سننه (١٦٩٥)، وابن أبي شيبة ٥/ ٧٤ من طريق جويبر عن الضحاك
أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا في الحرام يمين. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٧٥ :
إسناده ضعيف ومنقطع .
وأخرجه أيضاً الإمام أحمد (١٩٧٦)، والدارقطني (٤٠٠٧) عن عكرمة أن عمر قال: الحرام يمين
تكفّرها. وفيه انقطاع أيضاً؛ عكرمة لم يدرك عمر ﴾.
(٤) أخرجه عنه البخاري في صحيحه (٤٩١١)، ومسلم (١٤٧٣).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٧٣/٥، والبيهقي ٧/ ٣٥١ عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها.
(٦) لفظة: به قال. من (ظ). وذكر قوله ابنُ العربي في أحكام القرآن ١٨٣٥/٤، وابن عطية في المحرر
الوجيز ٣٣٠/٥.

٧٣
سورة التحريم: الآية ١
لَكُنْ غِلَّةَ أَيْمَئِكُمْ﴾ فكفَّر عن يمينه وصيَّر الحرام يميناً. خرَّجه الدَّارَقُطْنيُ(١).
وثالثها: أنها تجب فيها كفارةٌ وليست بيمين؛ قاله ابن مسعود وابن عباس أيضاً
في إحدى روايتيه، والشافعيُّ في أحد قوليه(٢)، وفي هذا القول نظرٌ. والآية تردُّه على
ما يأتي.
ورابعها: هي ظهار؛ ففيها كفارة الظّهار، قاله عثمان وأحمد بن حنبل
وإسحاق(٣).
وخامسها: أنه إن نوى الظُّهارَ وهو ينوي أنها محرَّمة كتحريم ظَهرِ أُمِّه كان ظهاراً.
وإن نوى تحريمَ عَيْنها عليه بغير طلاقٍ تحريماً مطلقاً وجبت كفَّارةُ يمين. وإن لم ينو
شيئاً فعليه كفارة يمين، قاله الشافعيّ(٤).
وسادسها: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب والزُّهْرِيُّ وعبد العزيز بن أبي
سلمة الماجِشُون(٥).
وسابعها: أنها طلقة بائنة؛ قاله حماد بن سلمة(٦) وزيد بن ثابت. ورواه ابن
خُوَيْزِ مَنْدَاد عن مالك(٧).
(١) برقم (٤٠٠٨)، وهو من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو نفسه حديث البخاري (٤٩١١)،
ومسلم (١٤٧٣)، والسالف آنفاً.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٥/٤.
(٣) المصدر السابق، وذكره عن إسحاق القاضي عياض في إكمال المعلم ٢٧/٥، وأبو العباس في المفهم
٢٤٨/٤ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٦/٤ .
(٥) وقع في (م) و(د) و(ظ) و(ف): وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون. وفي (ق): والماجشون.
والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٥/٤. وهو الصواب والله أعلم.
وذكر هذا القول عن عبد العزيز بن أبي سلمة - أيضاً - القاضي عياض في إكمال المعلم ٢٤/٥، وأبو
العباس القرطبي في المفهم ٢٤٩/٤ .
(٦) في والنسخ عدا (ظ): حماد بن أبي سليمان. والمثبت من (ظ) وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي
٠١٨٣٥/٤
(٧) هو عن زيد في الكشاف ١٢٦/٤، وعن ابن خويز منداد عن مالك في أحكام القرآن لابن العربي،
وإكمال المعلم ٢٤/٥، والمحرر الوجيز ٣٣٠/٥، والمفهم ٢٤٩/٤ .

٧٤
سورة التحريم: الآية ١
وثامنها: أنها ثلاث تطليقات، قاله علي بنُ أبي طالب وزيد بن ثابت أيضاً وأبو
هريرة(١).
وتاسعها: هي في المدخول بها ثلاث، ويُنوى في غير المدخول بها، قاله
الحسن وعلي بن زيد والحكم. وهو مشهور مذهب مالك(٢).
وعاشرها: هي ثلاث؛ ولا يُنوى بحالٍ ولا في محل وإن لم يدخل بها(٣)، قاله
عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي لَيْلِى (٤).
وحادي عشرها: هي في التي لم يَدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاثٌ؛
قاله أبو مصعب ومحمد بنُ عبد الحكم(٥).
وثاني عشرها: أنه إن نوى الطلاقَ أو الظُّهار كان ما نَوَى. فإنْ نوى الطلاقَ
فواحدة بائنة إلا أن ينويَ ثلاثاً. فإن نوى اثنتين فواحدة. فإن لم ينو شيئاً كانت يميناً،
وكان الرجلُ مُولِياً من امرأته؛ قاله أبو حنيفة وأصحابُه. وبمثله قال زُفَر؛ إلا أنه قال:
إذا نوى اثنتين ألزمناه (٦).
وثالث عشرها: أنه لا تنفعه نِيَّةُ الظُّهار، وإنما يكون طلاقاً؛ قاله ابن القاسم.
ورابع عشرها: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً؛ فإن ارتجعها لم يجز له وَظْؤُها
حتى يكفِّر كفّارةَ الظُّهار(٧). وخامس عشرها: إن نوى الطلاقَ فما أراد من أعداده.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٥/٤.
(٢) المفهم ٢٤٩/٤ .
(٣) لفظه: بها. من (ظ) والمفهم.
(٤) المفهم، وذكرها - أيضاً - ابن العربي في أحكام القرآن ١٨٣٦/٤، والقاضي عياض في إكمال المعلم
٢٣/٥. وقوله: وإن لم يدخل، ليست في أحكام ابن العربي. وجاءت العبارة في إكمال المعلم
والمفهم: ولا يُنوى في أقل وإن لم يدخل بها.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٦/٤، وإكمال المعلم ٢٤/٥، والمفهم ٢٤٩/٤ .
(٦) المفهم ٢٤٨/٤ - ٢٤٩، ووقع في (ظ): لزمتاه، بدل: ألزمناه. وهو موافق لإكمال المعلم ٢٧/٥،
والمسألة ذكرها أيضاً ابن العربي في أحكامه ٤/ ١٨٣٥، والقاضي عياض في الإكمال بنحوه.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٣٥

٧٥
سورة التحريم: الآية ١
وإن نوى واحدة فهي رجعيةٌ. وهو قول الشافعيِّ ﴾. وروي مثله عن أبي بكر وعمر
وغيرهما (١) من الصحابة والتابعين.
وسادس عشرها: إن نوى ثلاثاً فثلاثاً، وإن نوى واحدةً فواحدةً. وإن نوى يميناً
فهي يمين. وإن لم يَنْوِ شيئاً فلا شيء عليه. وهو قولُ سفيان. وبمثله قال الأوزاعيُّ وأبو
ثور؛ إلا أنهما قالا : إن لم يَنْو شيئاً فهي واحدة.
وسابع عشرها: له نِيَّتُه ولا يكون أقل من واحدة؛ قاله ابن شهاب.
وإن لم يَنْو شيئاً لم يكن شيء؛ قاله ابن العربي(٢). ورأيت لسعيد بن جُبير وهو:
الثامن عشر: أن عليه عِثْقَ رَقَبة وإن لم يجعلها ظهاراً. ولست أعلم لها وجهاً ولا
يبعد (٣) في المقالات عندي.
قلت: قد ذكره الدَّارَقظْنيُّ في سننه عن ابن عباس فقال: حدَّثنا الحسين بن
إسماعيل قال: حدّثنا محمد بن منصور قال: حدَّثنا رَوْح قال: حدّثنا سفيان الثَّوْري،
عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه أتاه رجل فقال: إني
جعلت امرأتي عليَّ حراماً. فقال: كذبت! ليست عليك بحرام؛ ثم تلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ
تُحُرْعُ مَآ أَعَلَ اللَّهُ لَكَّ﴾ الآية عليك أغلظُ الكفارات: عِثْقُ رَقَبةٍ(٤).
وقد قال جماعة من أهل التفسير: إنه لما نزلت هذه الآية كفّر عن يمينه بعتق
رقبة، وعاد إلى مارية #؛ قاله زيد بن أسلم(٥) وغيره(٦).
(١) في النسخ عدا (ظ): وغيرهم. والمثبت من (ظ) والمفهم ٢٤٩/٤، والكلام وما سيأتي منه.
(٢) في أحكام القرآن ١٨٣٦/٤، وما سيأتي منه.
(٣) بدلها في أحكام القرآن: ولا يتعدد.
(٤) سنن الدارقطني (٤٠١٦)، وهو عند النسائي ١٥١/٦، وفي الكبرى (٥٥٨٣)، والحاكم ٤٩٣/٢
- ٤٩٤ . وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
(٥) في (ظ): ثابت.
(٦) ذكره الفراء في معاني القرآن ١٦٥/٣ دون نسبة، ونسبه الزمخشري في الكشاف ١٢٦/٤، والرازي
في تفسيره ٤٤/٣٠، والطبرسي في مجمع البيان ٢٨/ ١٢٢ لقتادة.

٧٦
سورة التحريم: الآية ١
الخامسة: قال علماؤنا: سببُ الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله
ولا في سُنّة رسول اللـه ﴾ نصّ ولا ظاهرٌ صحيحٌ يُعتمد عليه في هذه المسألة،
فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسَّك بالبراءة الأصلية فقال: لا حكم، فلا يلزم بها
شيء(١). وأما من قاله: إنها يمين؛ فقال: سَمَّاها اللهُ يميناً. وأما مَن قال: تجب فيها
كفارة وليست بيمين؛ فبناه على أحد أمرين: أحدهما: أنه ظنَّ أن الله تعالى أوجب
الكفارةَ فيها وإن (٢) لم تكن يميناً. والثاني: أن معنى اليمين عنده التحريمُ، فوقعت
الكفارة على المعنى.
وأما من قال: إنها طلقة رجعية؛ فإنه حمل اللفظ على أقلِّ وجوهه، والرجعية
محرِّمة الوطء كذلك؛ فيحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكاً؛ لقوله: إن الرجعية محرِّمة
الوطء. وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكثر معناه، وهو الطلاق
الثلاث.
وأما من قال: إنه ظهار، فلأنه أقلُّ درجات التحريم، فإنه تحريمٌ لا يرفع النكاح.
وأما من قال: إنه طلقة بائنة، فَعَوَّل على أن الطلاق الرجعيَّ لا يحرِّم المطلقة،
وأن الطلاق البائن يحرِّمها. وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقاً، فلمّا
ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفَّارة. ابن العربي (٣): وهذا لا يصحُّ لأنه جمع بين
المتضادّين، فإنه لا يجتمع ظهارٌ وطلاق في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما
لا یصح اجتماعه في الدلیل.
وأما من قال: إنه يُنَّوَّى في التي لم يدخل بها، فلأن الواحدة تُبينُها وتحرِّمها
شرعاً إجماعاً. وكذلك قال من لم يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول
في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذاً بالأقل المتفَق عليه.
(١) المفهم ٤ / ٢٥٠ .
(٢) لفظة: إن، من (م). والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٦/٤.
(٣) في أحكام القرآن ١٨٣٧/٤ - ١٨٣٨ . وما قبله منه.

٧٧
سورة التحريم: الآية ١
وأما من قال: إنه ثلاث فيهما؛ فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرَّح
بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب أن
يكون المعنى مثله وهو التحريم. واللهُ أعلم. وهذا كلُّه في الزوجة. وأما في الأَمَة فلا
يَلزم فيها شيءٌ من ذلك، إلا أن يَنوي به العتقَ عند مالك. وذهب عامَّةُ العلماء إلى أنَّ
عليه كفارةَ يمين (١). ابن العربي (٢): والصحيحُ أنها طلقةٌ واحدة؛ لأنه لو ذكَر الطلاقَ
لَكان أقلّه وهو الواحدة إلا أن يعدِّده. كذلك إذا ذَكَر التحريمَ يكون أقلّه إلا أن يقيِّده
بالأكثر، مثل أن يقول: أنتِ عليَّ حرامٌ إلا بعد زوج، فهذا نصٌّ على المراد.
قلت: أكثرُ المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لمَّا خلا النبيُّ # في بيتها
بجاريته؛ ذكره الثعلبيُّ. وعلى هذا فكأنه قال: لا يَحْرُم عليك ما حرَّمتَه على نفسك
ولكن عليك كفارة يمين، وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضاً. فكأنه قال: لم
يَحْرُم عليك ما حَرَّمتَه، ولكن ضَمَمْتَ إلى التحريم يميناً فكفِّر عن اليمين. وهذا
صحيحٌ، فإن النبيَّ :﴿ حَرَّم ثم حلَف، كما ذكره الدَّارَ قُظْنيُ(٣). وذكر البخاريُّ(٤) معناه
في قصة العَسَل: عن عبيد بن عُمير، عن عائشة قالت: كان رسولُ اللـه يشْرَب عند
زينب بنت جَحْش عسلاً ويَمكُث(٥) عندَها، فتواطأتُ أنا وحفصةُ على: أيَّتُنا دخَل
عليها فلْتَقُلْ: أكلتَ مَغَافِير؟ إني لَّأَجدُ منك رِيحَ مَغَافير! قال: ((لا، ولكن شربتُ
عسلاً، ولن أعود له، وقد حلَفتُ. لا تُخبري بذلك أحداً)). يبتغي مرضات أزواجه.
فيعني بقوله: ((ولن أعود له)) على جهة التحريم. وبقوله: ((حلفت)) أي: باللَّهِ، بدليل
أنَّ اللَّهَ تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبتَه على ذلك، وحوالته على كفَّارة اليمين بقوله
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَُّّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَهٌ﴾ يعني العسلَ المحرّمَ بقوله: ((لن أعود له)).
(١) المفهم ٤/ ٢٥٠ .
(٢) في أحكام القرآن ١٨٣٨/٤ .
(٣) في سننه (٤٠١٣)، وسلف ص٦٩ من هذا الجزء.
(٤) في صحيحه (٤٩١٢) وسلف ص٦٧ من هذا الجزء.
(٥) في (ظ): ويواظب.

٧٨
سورة التحريم: الآيتان ١ - ٢
﴿يَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَِكٌ﴾ أي: تفعل ذلك طلباً لرضاهن. ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ غفورٌ لما
أوجب المعاتبة، رحيمٌ برفع المؤاخذة(١). وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصغائر.
والصحيحُ أنه معاتبةٌ على ترك الأَولى، وأنَّه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة(٢).
قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُنْ تِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ تحليل اليمين كفّارتها،
أي: إذا أحبيتم استباحة المحلوف عليه، وهو قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَكَفَّرَتُهُ,
إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ [الآية: ٨٩]. ويتحصل من هذا أن من حَرَّم شيئاً من المأكول
أو (٣) المشروب لم يَحْرُم عليه عندنا؛ لأن الكفارة لليمين لا للتحريم على ما بيَّنَّه (٤).
وأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيء، ويعتبرُ الانتفاعَ المقصود فيما يحرِّمه، فإذا حَرَّم
طعاماً فقد حلَف على أكله، أو أَمَةً فعلى وطئها، أو زوجةً فعلى الإيلاء منها إذا لم
يكن له نية، وإن نوى الظُّهار فظهارٌ، وإن نوی الطلاق فطلاقٌ بائن. و کذلك إن نوی
ثنتين أو ثلاثاً. وإن قال: نَوَيتُ الكذب؛ دِينَ فيما بينه وبين اللهِ تعالى. ولا يَدينُ في
القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كلُّ حلال علي(٥) حرام؛ فعلى الطعام والشراب إذا
لم يَنْو، وإلا فعلى ما نَوَى. ولا يراه الشافعيُّ يميناً ولكن سبباً في الكفارة [في النساء]
وحدَهن. وإنْ نوى الطلاقَ فهو رجعيٍّ عنده(٦)، على ما تقدَّم بيانه (٧). فإن حلَف ألا
(١) المفهم ٢٤٧/٤ - ٢٤٨.
(٢) الكلام بنحوه في تفسير القشيري ٣/ ٦٠٤ .
(٣) في (د) و(م): و.
(٤) ص ٧٠-٧١ من هذا الجزء.
(٥) في النسخ عدا (ظ): عليه، والمثبت من (ظ) والكشاف ١٢٥/٢.
(٦) الكشاف ١٢٥/٤ - ١٢٦، وتفسير الرازي ٤٢/٣٠، وما بين حاصرتين منهما.
(٧) ص٧٤ من هذا الجزء.

٧٩
سورة التحريم: الآية ٢
يأكله حيث ويَبَرُّ(١) بالكفارة.
الثانية: فإن حَرَّم أَمَته أو زوجته فكفَّارةُ يمين، كما في صحيح مسلم (٢) عن ابن
عباس قال: إذ حَرَّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفِّرها. وقال: لقد كان لكم في
رسول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
الثالثة: قيل: إن النبيَّ # كفَّر عن يمينه. وعن الحسن: إنه (٣) لم يكفِّر؛ لأن
النبيَّ ﴾ قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وكفارةُ اليمين في هذه السورة إنما أمر
بها الأمَّة. والأول أصحُ، وأن المراد بذلك النبيُّ ﴾.
ثم إن الأمَّة تقتدي به في ذلك. وقد قدَّمنا (٤) عن زيد بن أسلم أنه عليه الصلاة
والسلام كفَّر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أن رسول الله ﴿ أعتق رقبةً في تحريم مارية(٥).
والله أعلم.
وقيل: أي: قد فرَضَ اللهُ لكم تحليلَ مِلْك اليمين، فبيّن في قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ
عَلَى النَِّ مِنْ حَرَجَ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَّ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي: فيما شرَعه له في (٦) النساء
المحلَّلات. أي: حلَّل لكم مِلكَ الأيمان (٧)، فلم تُحَرِّم مارية على نفسك مع تحليل
الله إيَّاها لك؟
وقيل: تحِلَّةُ اليمين الاستثناء، أي: فرض الله لكم الاستثناءَ المخرج عن
اليمين(٨). ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء وإن تَحلَّل مدَّةً. وعند
(١) في (ظ): وأُمر.
(٢) برقم (١٤٧٣): (١٩)، وسلف ص٧٢ من هذا الجزء.
(٣) لفظه: إنه من (ظ) والكشاف ١٢٦/٤، وتفسير الرازي ٤٤/٣٠، والكلام منهما.
(٤) ص ٧٥ من هذا الجزء.
(٥) الكشاف ١٢٦/٤، وتفسير الرازي ٤٤/٣٠، ومجمع البيان ١٢٢/٢٨.
(٦) في (ظ): من.
(٧) (ظ): الیمین.
(٨) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٣٩/٦، والكشاف ١٢٥/٤ .

٨٠
سورة التحريم: الآيتان ٢ - ٣
المُغْظَم لا يجوز إلا متصلاً، فكأنه قال: استئنٍ بعد هذا فيما تحلِف عليه .
وتَحلَّةُ اليمين تَحليلُها بالكفارة(١)، والأصل تحللة، فأدغمت. وتفعلة من مصادر
فَعَّل؛ كالتَّسمية والتَّوصية(٢). فالشَّحلَّة: تحليلُ اليمين. فكأن اليمين عَقْدٌ والكفارة حلٌّ.
وقيل: النَّحلَّة: الكفارة، أي: إنها تُحِلُّ للحالف ما حَرَّم على نفسه، أي: إذا كَفَّرَ
صار كمن لم يحلِف . ﴿وَاللَّهُ مَوْلَنْكُمْ﴾: وَلِيُّكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرِّمونه
على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما
تخرجونه في الكفّارة(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ، حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ
عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَّأَنِىَ الْعَلِيمُ
اُلْخَبِيرُ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِينًا﴾ أي: واذكر إذ أسرَّ النبيُّ إلى
حفصة ((حَدِيثاً)) يعني تحريمَ مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك (٤). وقال الكلبيُّ:
أسرَّ إليها أن: أباك وأبا عائشة يكونان خليفَتيَّ على أمَّتي من بعدي؛ وقاله ابن
عباس(٥)؛ قال: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة فذكرته حفصة. روى الدَّارَقُظْنيُّ في
سننه عن الكَلْبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَّبِىُّ إِلَى
بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِينًا﴾ قال: اطّلعت حفصةُ على النبيِّ ◌َ﴾ مع أم إبراهيم فقال: ((لا تخبري
عائشة)) وقال لها: ((إن أباك وأباها سيملكان - أو سَيَلِيَان - بعدي فلا تخبري عائشة))
(١) تفسير الرازي ٤٣/٣٠.
(٢) الوسيط ٣١٨/٤، وزاد المسير ٣٠٦/٨.
(٣) تفسير الرازي ٣٠/ ٤٣ بنحوه.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في (ظ): وقال ابن عباس. وذكر هذين القولين البغوي في تفسيره ٣٦٤/٤ وينظر الدر المنثور
٢٤٠/٦.