النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
كذلك؛ لظاهر الأمر. وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد والشافعيُّ في القول الآخَر: إنَّ
الرجعة لا تفتقر إلى القَبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد، كسائر الحقوق، وخصوصاً حَلّ
الظُّهار بالكفَّارة.
قال ابن العربي(١): وركَّب أصحاب الشافعيِّ على وجوب الإشهاد في الرجعة أنه
لا يصحُّ أن يقول: كنتُ راجعتُ أمسٍ وأنا أُشهد اليوم [لأنه إشهاداً على الإقرار
بالرجعة، ومِن شَرْطِ الرجعة الإشهادُ [عليها]، فلا تصحُّ دونه. وهذا فاسدٌ مبنيٌّ على
أنَّ الإشهاد في الرجعة تَعَبُّد. ونحن لا نسلِّم فيها ولا في النكاح؛ بأن نقول: إنه
موضوع(٢) للتوثَّق، وذلك موجودٌ في الإقرار كما هو موجودٌ في الإنشاء.
الرابعة: مَن ادَّعى بعد انقضاء العدَّة أنه راجعَ امرأته في العدَّة، فإن صدَّقَتْه جاز،
وإن أَنكرتْ حلفت(٣)، فإن أقام بيِّنةً أنه ارتجعها في العدَّة ولم تَعلَمْ بذلك، لم
يَضُرَّه(٤) جهلُها بذلك، وكانت زوجته، وإن كانت قد تزوَّجت ولم يَدخل بها، ثم أقام
الأوَّلُ البيِّنَةَ على رجعتها؛ فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنَّ الأوَّل أحقُّ
بها. والأخرى: أنَّ الثاني أحقُّ بها. فإن كان الثاني قد دخل بها، فلا سبيل للأوَّل
إلیھا.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُمْ﴾ قال الحسن: مِن المسلمين. وعن
قتادة: من أحراركم(٥). وذلك يوجب اختصاصَ الشهادة على الرجعة بالذُّكور دون
الإناث؛ لأن ((ذَوَيْ)) مذكَّر. ولذلك قال علماؤنا: لا مَدخلَ للنساء فيما عدا
(١) في أحكام القرآن ١٨٢٣/٤، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. والمعتمد عند الشافعي عدم اشتراط
الإشهاد، وما ذكره أولاً مذهبه القديم. ينظر نهاية المحتاج ٥٨/٧ - ٥٩ ، والعزيز شرح الوجيز ٩/ ١٧٤
- ١٧٥ .
(٢) في (م): موضع.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٢٤/٤ .
(٤) في (ظ): يضر، وفي الكافي ٦١٨/٢ - والكلام منه -: يضرها.
(٥) الكشاف ٤/ ١١٩ .

٤٢
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
الأموال(١). وقد مضى ذلك في سورة البقرة(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ أي: تقرُّباً إلى الله في إقامة
الشهادةِ على وجهها، إذا مسَّت الحاجةُ إليها، من غير تبديلٍ ولا تغيير. وقد مضى في
سورة البقرة معناه عند قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ﴾ (٣) [الآية: ٢٨٢].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: يرضى به. ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآَخِرّ﴾ فأمَّا غيرُ المؤمن فلا ينتفعُ بهذه المواعظ.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ بَخرًَّا﴾. عن النبيِّلَ﴾ أنه سئل عمن طلَّق ثلاثاً
أو ألفاً: هل له مِن مَخرَج؟ فتلاها(٤).
وقال ابن عباس والشَّعْبيُّ والضخّاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: مَن طلَّق كما
أمره الله، يكن له مخرجٌ في الرجعة في العِدَّة، وأنْ يكونَ كأحد الخُطَّاب بعد
العِدَّةِ(٥). وعن ابن عباس أيضاً: ((يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)»: ينجيه من كل كَرْبٍ في الدنيا
والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يُقْنِعَه اللهُ بما رزقه؛ قاله عليُّ بن صالح. وقال
الكَلْبِي: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ)) بالصبر عند المصيبة، ((يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)) من النار إلى
الجنة(٦). وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٤ .
(٢) ٤ / ٤٤٧ .
(٣) ٤ / ٤٥٦ - ٤٥٧ .
(٤) الكشاف ١٢٠/٤، وأخرج ابن عدي ١٦٣١/٤، والدارقطني (٣٩٤٣)، والخطيب في تاريخه
١٤/ ٢٢٧ و٢٢٨ عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفاً، فانطلق بنوه إلى
رسول الله ﴾، فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق أمنا ألفاً، فهل له من مخرج؟ فقال: ((إن أباكم لم
يتق الله فيجعل له مخرجاً، بانت منه امرأته بثلاث على غير السنة، وتسع مئة وتسعون إثم هي في
عنقه)). قال الدار قطني: رواته مجهولون، وضعفاء كلهم، إلا شيخنا وابن عبد الباقي.
(٥) النكت والعيون ٣١/٦ عن الضحاك، وذكره الرازي ٣٤/٣٠ عن الشعبي، وأخرجه الطبري ٤٤/٢٣ عن
عكرمة والضحاك.
(٦) النكت والعيون ٣١/٦، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٤٣/٢٣.

٤٣
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
شدَّة. الربيع بنُ خُثَيم: ((يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)) من كل شيءٍ ضاق على الناس(١). الحسين
ابنُ الفضل: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ)) في أداء الفرائض، ((يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)) من العقوبة.
﴿وَيَرْزُقَّهُ﴾ الثوابَ ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ أي: يبارِك له فيما آتاه. وقال سهل بنُ
عبد الله: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ)) في اتِّبَاعِ السُّنَّة، ((يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)) من عقوبة أهل البِدَع،
ويرزقْه الجنةَ من حيث لا يحتسب. وقيل: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ)) في الرزق بقطع العلائق،
يجعل له مخرجاً بالكفاية. وقال عمر(٢) بن عثمان الصَّدفي: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ)) فيقفْ عند
حدوده ويجتنب معاصيه، يُخرجْه من الحرام إلى الحلال، ومن الضِّيق إلى السَّعة،
ومن النار إلى الجنة، ((وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)) من حيث لا يرجو. وقال ابن
عُيينة: هو البركة في الرزق. وقال أبو سعيد الخُذْرِيّ: ومَن يبرأُ مِن حَوْله وقوَّته
بالرجوع إلى الله، يجعل له مخرجاً ممَّا كلَّفه بالمعونة له. وتأوَّل ابنُ مسعود ومسروقٌ
الآيةَ على العموم(٣).
وقال أبو ذَرّ: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إني لأَعْلَمُ آيةً لو أخذ بها الناسُ لكفَتهم، ثم
تلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَبِرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾. فما زال يكرِّرها
ويعيدها (٤).
وقال ابن عباس: قرأ النبيُّ #: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَهًا. وَبِرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبْ﴾ قال: ((مخرجاً من شبهات الدنيا، ومن غَمَرات الموت، ومن شدائد يوم
القيامة))(٥).
(١) تفسير البغوي ٤/ ٣٥٧، وقول الربيع بن خثيم أخرجه الطبري ٤٤/٢٣ .
(٢) في (ق): عمرو، ولم نقف على ترجمته.
(٣) أخرج قولهما الطبري ٤٣/٢٣ .
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٠)، وأحمد (٢١٥٥١) عن أبي السَّلِيل ضُرّيب بن نُقَير، عن أبي ذر ﴾. قال
البوصيري في الزوائد ٢/ ٣٤٢: هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع؛ أبو السليل لم يدرك أبا ذر.
(٥) أخرجه الواحدي في الوسيط ٣١٣/٤ .

٤٤
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثَّعلبي(١): إنها نزلت في عَوْف بن مالكٍ
الأشْجَعِيّ. روی الکَلْبيُّ عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: جاء عَوْف بن مالكِ
الأشجعيُّ إلى النبيِّ:﴿ فقال: يا رسول الله، إنَّ ابني أَسَرَه العدوُّ، وجَزِعت الأمّ(٢)؛
وعن جابر بن عبد الله: نزلت في عَوْف بن مالك الأشجعي، أَسَر المشركون ابناً
له يُسَمَّى سالماً، فأتَى رسولَ الله﴾ وشكا إليه الفاقةَ وقال: إنَّ العدوَّ أسر ابني
وجَزِعت الأمّ، فما تأمرني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((إِتَّقِ اللهَ واصبِر، وآمرُك
وإيَّاها أن تستكثِرا من قول: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِالله)). فعاد إلى بيته وقال لا مرأته:
إنَّ رسول الله ﴾ أمرني وإِيَّاكِ أن نستكثرَ من قول: لا حولَ ولا قُوَّةَ إِلا بالله. فقالت:
نِعْمَ ما أَمرنا به. فجعلا يقولان؛ فَغفَل العَدُوُّ عن ابنه، فساق غنمَهم وجاء بها إلى
أبيه؛ وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت الآية، وجعل النبيُّ :﴿ تلك الأغنامَ له(٣).
في رواية: أنه جاء وقد أصاب إيلاّ من العدوِّ وكان فقيراً.
قال الكلبي : أصاب خمسين بعيراً.
وفي رواية: فأفلت ابنُه من الأسْر وركب ناقةً للقوم، ومرَّ في طريقه بسَرْحٍ لهم
فاستاقه.
وقال مقاتل: أصاب غَنماً ومتاعاً؛ فسأل النبيَّ ◌َ﴾: أَيحِلُّ لي أن آكلَ مما أتى به
ابني؟ قال: ((نعم)). ونزلت: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرًَّا. وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْنَسِ﴾(٤).
(١) وذكره الواحدي في الوسيط ٣١٣/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٩٠/٨ - ٢٩١.
(٢) وتتمته بنحو الخبر التالي، وأخرجه الثعلبي كما في الكافي الشاف ص١٧٤ ، وابن مردويه كما في الدر
المنثور ٢٣٣/٦ .
(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٩٢، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٦٤ - ٤٦٥ بنحوه. قال ابن حجر في
الكافي الشاف ص١٧٤ : فيه عبيد بن كثير تركه الأزدي، وعباد بن يعقوب وهو رافضي. اهـ. وأخرجه
الطبري ٤٤/٢٣ - ٤٥ عن السدي وسالم بن أبي الجعد.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٥٧ بنحوه.

٤٥
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
وروى(١) الحسن عن عِمْران بنِ الحُصَيْن قال: قال رسول الله﴾: ((مَن انقطع
إلى الله، كفاه اللهُ كلَّ مؤونة، ورزقه من حيث لا يحتسب. ومَن انقطع إلى الدنيا،
وَكَله اللهُ إليها))(٢).
وقال الزجَّاج: أي: إذا اتَّقى وآثر الحلالَ والصبرَ(٣) على أهله، فتح اللهُ عليه إن
كان ذا ضَيْقة(٤)، ورزقه من حيث لا يحتسب.
وعن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((مَن أكثر الاستغفار، جعل اللهُ له من كل هَمِّ
فَرَجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب))(٥).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: مَن فوَّض إليه أمرَه، كفاه ما
أهَمَّه(٦). وقيل: أي: مَن اتَّقى اللهَ وجانب المعاصيّ وتوكّل عليه، فله فيما يعطيه في
الآخرة مِن ثوابه كفاية. ولم يُرِد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يُقتَل.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَعْرِئٍ﴾ قال مسروق: أي: قاضٍ أمْرَه فيمن توَّل عليه وفيمن لم
يتوّل عليه؛ إلَّا أنَّ مَن توثَّل عليه يكفِّر عنه سيئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجراً (٧).
(١) في النسخ عدا (ظ): فروى.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٣٨٣)، والخطيب في تاريخه ١٩٦/٧، وابن الجوزي في العلل
المتناهية ٨٠١/٢. قال الهيثمي في المجمع ٣٠٣/١٠ - ٣٠٤ : فيه إبراهيم بن الأشعث صاحب
الفضيل، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله
ثقات.
(٣) في النسخ عدا (ظ): والتصبر، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لما في معاني القرآن للزجاج ١٨٤/٥.
(٤) في (ظ): صنعة.
(٥) أخرجه أبو داود (١٥١٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٢١٧)، وابن ماجه (٣٨١٩)، والحاكم ٤/ ٢٦٢
وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: الحكم - بن مصعب - فيه جهالة.
(٦) الوسيط ٤/ ٣١٤ .
(٧) أخرجه الطبري ٢٣/ ٤٧ - ٤٨ .

٤٦
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
وقراءة العامة: ((بالِغٌ)) منوناً، ((أمْرَه)) نصباً. وقرأ عاصم(١): ((بالِغُ أَمْرِه))، بالإضافة
وحذف التنوين استخفافاً. وقرأ المفضَّل: ((بالغاً أمْرَه))، على أنَّ قوله: ((قَدْ جَعَلَ اللهُ))
خبرُ ((إِنَّ)، و((بالغاً)) حال(٢). وقرأ داود بنُ أبي هند: ((بَالِغٌ أَمْرُه) بالتنوين ورفعٍ
الراء (٣). قال الفرَّاء: أي: أمرُه بالغ. وقيل: ((أَمْره)» مرتفعٌ بـ ((بالغ)) والمفعولُ
محذوف؛ والتقدير: بالغّ أمرُه ما أراد.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ أي: لكل شيءٍ من الشِّدَّة والرَّخاء أجلاً ينتهي
إليه (٤). وقيل: تقديراً(٥). وقال السُّدِّيّ: هو قَدْر الحيض في الأجل والعِدَّة (٦).
وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَّنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
قال أصحاب النبيِّ﴾: فنحن إذا توثَّلنا عليه، نُرسل ما كان لنا ولا نحفظه؛ فنزلت:
((إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) فيكم وعليكم.
وقال الربيع بن خُثَيم: إنَّ الله تعالى قضى على نفسه أنَّ مَن توثَّل عليه كفاه، ومَن
آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وَثِق به نَجَّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديقُ
ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. ﴿وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ﴾ ﴿﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. ﴿وَمَنْ يَعْنَصِمِ بِلَّهِ فَقَّدْ
هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦].
(١) في رواية حفص، السبعة ص٦٣٩، والتيسير ص٢١١ .
(٢) الكشاف ٤/ ١٢٠ - ١٢١ .
(٣) القراءات الشاذة ص١٥٨، والمحتسب ٣٢٤/٢.
(٤) الوسيط ٤/ ٣١٤.
(٥) الكشاف ١٢١/٤ .
(٦) أخرجه الطبري ٤٩/٢٣ .

٤٧
سورة الطلاق: الآيتان ٤ - ٥
قوله تعالى: ﴿وَأَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَبِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ
أَشْهُرٍ وَلَِّى لَ بَحِضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِ يُسْرَ ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنَّهُ
سَبِئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ، أَجْرًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَّبْتُمُ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾
فیه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ لمَّا بَيَّنْ أَمرَ الطلاق
والرَّجعةِ في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عِدَّةَ ذواتِ الأقراء، عرَّفهم في هذه
السورةِ عِدَّةً التي لا ترى الدم.
وقال أبو عثمان عمر(١) بنُ سالم: لمَّا نزلت عِدَّةُ النساءِ في سورة البقرة في
المطلقة والمتوقَّى عنها زوجُها، قال أُبَي بنُ كعب: يا رسول الله، إنَّ ناساً يقولون:
قد بقيَ من النساء مَن لم يُذكر فيهنَّ شيء: الصِّغارُ وذوات الحَمْل، فنزلت: ((وَاللَّائِي
يَئِسْنَ)) الآية(٢).
وقال مقاتل: لمَّا ذكر قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرْوَةٍ﴾
[البقرة: ٢٢٨] قال خَلَّاد بنُ النعمان: يا رسول الله، فما عِدَّةُ التي لم تَحِض، وعِدَّة
التي انقطع حَيْضُها، وعِدَّةُ الحبلى؟ فنزلت: ((وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ))
يعني: قَعدنَ عن المحيض(٣).
وقيل: إنَّ معاذ بن جبل سأل عن عِدَّة الكبيرةِ التي يئست؛ فنزلت الآية. والله أعلم.
وقال مجاهد: الآية واردةٌ في المستحاضة لا تَدري: دمُ حيضٍ هو أو دُ عِلَّة(٤).
(١) الأنصاري، ويقال: عمرو. وقد سلف ذكره ٦/ ١٧٤ .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٨/٤، والطبري ٥١/٢٣، والحاكم ٤٩٢/٢، والواحدي في أسباب النزول
ص ٤٦٥ . قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٣) تفسير البغوي ٣٥٨/٤، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٦٥ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٥ .

٤٨
سورة الطلاق: الآيتان ٤ -٥
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنِ آَرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتُم، وقيل: تَيَقَّنتُم. وهو من
الأضداد؛ يكون شكًّا ويقيناً كالظنّ(١). واختيار الطبريّ(٢) أن يكونَ المعنى: إنْ
شككتُم فلم تدروا ما الحكمُ فيهنّ. وقال الزَّجاج(٣): إن ارتبتُم في حيضها وقد انقطع
عنها الحيضُ وكانت ممن يحيض مِثْلُها. القشيريّ: وفي هذا نظر؛ لأنَّا إذا شككنا هل
بلغت سِنَّ اليأس، لم نقل: عِدَّتُها ثلاثةُ أشهر. والمعتبر في سن اليأس في قولٍ:
أقصى عادةِ امرأةٍ في العالم، وفي قولٍ: غالبُ نساء عشيرةِ المرأة. وقال مجاهد:
قوله ((إِنِ ارْتَبْتُمْ)) للمخاطبين؛ يعني: إن لم تعلموا عِدَّةَ اليائسة والتي لم تَحِض،
فالعِدَّةُ هذه(٤). وقيل: المعنى: إن ارتبتُم أنَّ الدم الذي يظهر منها من أجل كِبَر، أو
من الحيض المعهود، أو من الاستحاضة، فالعِدَّةُ ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة:
مِن الرِّيبة المرأةُ المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض؛ تحيض في أَوَّل الشهر مراراً
وفي الأشهر مرة(٥). وقيل: إنه مثَّصلٌ بأول السورة، والمعنى: لا تُخرجوهنَّ من
بیوتهنَّ إن ارتبتم في انقضاء العِدَّة. وهو أصُ ما قيل فيه.
الثالثة: المرتابة في عِدَّتها لا تُنكحُ حتى تستبرئَ نفسَها من رِيبتها، ولا تَخرجُ من
العِدة إلَّا بارتفاع الرِّيبة. وقد قيل في المرتابة التي ترتفع (٦) حيضتُها وهي لا تدري ما
يَرفعها: إنها تنتظر سَنَةً من يوم طلَّقها زوجها؛ منها تسعةُ أشهرٍ استبراء، وثلاثةٌ عِدَّة.
فإِنْ طلَّقها فحاضت حيضةً أو حيضتين، ثم ارتفع عنها بغير يأسٍ منها، انتظرت تسعةً
أشهر، ثم ثلاثةً من يوم طَهُرت من حيضتها، ثم حَلَّت للأزواج. وهذا قاله الشافعيُّ
(١) قال السمين الحلبي في الدر المصون ٣٥٥/١٠: وأغرب ما قيل: إنَّ ((إن ارتبتم)) بمعنى: تيقنتم، فهو
من الأضداد .
(٢) في تفسيره ٢٣/ ٥٢ .
(٣) في معاني القرآن ١٨٥/٥.
(٤) أخرجه الطبري ٤٩/٢٣ .
(٥) أخرجه الطبري ٥٢/٢٣ عن قتادة، عن عكرمة.
(٦) في النسخ: ترفعها، والمثبت موافق لما في الكافي ٢/ ٦٢٠، والكلام منه.

٤٩
سورة الطلاق: الآيتان ٤-٥
بالعراق(١). فعلى قياس هذا القولِ تُقيم الحُرَّة المُتَوَفَّى عنها زوجُها المسترابةُ(٢) بعد
التسعة أشهرٍ أربعة أشهر وعشراً، والأَمَةُ شهرين وخمسَ ليالٍ بعد التسعة الأشهر.
وروي عن الشافعيِّ أيضاً أنَّ أَقراءها على ما كانت حتى تبلغ سِنَّ اليائسات. وهو قول
النَّخَعيِّ والثَّوريِّ وغيرهما، وحكاه أبو عبيدٍ عن أهل العراق(٣).
فإن كانت المرأة شابّة - وهي:
المسألة الرابعة - اسْتُؤْنيَ بها هل هي حاملٌ أم لا؛ فإن استبان حملُها، فإنَّ أجلَهَا
وَضْعُهُ. وإن لم يَسْتَبِن، فقال مالك: عِدَّةُ التي ارتفع حيضُها وهي شابّة سَنَّةٌ. وبه قال
أحمد وإسحاق، وروَؤُه عن عمر بنِ الخطاب ﴾ وغيرِه (٤). وأهلُ العراق يَرَوْن أنَّ
عِدَّتها ثلاثُ حيض، بعد ما كانت حاضت مرَّةً واحدة في عمرها وإن مكثت عشرين
سنة، إلّا أن تبلُغَ من الكِبّر مبلغاً تيأس فيه من الحيض، فتكون عِدَّتُها بعد الإياس
ثلاثة أشهر.
قال الثعلبيّ: وهذا الأصحُ من مذهب الشافعيِّ، وعليه جمهورُ العلماء. وروي
ذلك عن ابن مسعود وأصحابه(٥).
قال الكِيًا(٦): وهو الحقّ؛ لأنَّ الله تعالى جعل ◌ِدَّةَ الآيسة ثلاثة أشهر، والمرتابةُ
ليست آيسة.
الخامسة: وأمَّا مَن تأخّر حَيْضُها لمرض؛ فقال مالكٌ وابن القاسم وعبد الله
(١) الإشراف لابن المنذر ٢٨٤/٤ .
(٢) في (م): المستبرأة، وفي باقي النسخ عدا (خ): المستيرأ به، وفي الكافي: المرتابة، والمثبت من
(خ).
(٣) الإشراف ٤/ ٢٨٥ .
(٤) أخرجه عن عمر مالك في الموطأ ٢/ ٥٨٢. وينظر الإشراف ٢٨٤/٤ - ٢٨٥، والاستذكار ٩٤/١٨
فما بعد، وأحكام القرآن للكيا ٤٢١/٤، ولابن العربي ١٨٢٦/٤.
(٥) أخرجه عن ابن مسعود # ابن أبي شيبة ٢١٠/٥، وينظر الاستذكار ٩٦/١٨ - ٩٧ .
(٦) في أحكام القرآن ٤/ ٤٢١ .

٥٠
سورة الطلاق: الآيتان ٤- ٥
وأصْبَغ(١): تعتدُ تسعة أشهر ثم ثلاثة. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام،
بالحيض أو بالسَّنة. وقد طلَّق حَبَّان بنُ مُنْقِذ امرأته وهي تُرْضع؛ فمكثت سنةً لا تحيض
لأجل الرَّضاع، ثم مرِض حَبَّان، فخاف أن ترثَه، فخاصمها إلى عثمان وعنده عليّ
وزيد، فقالا، نرى أن تَرِثه؛ لأنها ليست من القواعد ولا من الصِّغار؛ فمات حَبَّان،
فورِثتْه، واعتدَّت ◌ِدَّةَ الوفاة(٢).
السادسة: ولو تأخّر الحيضُ لغير مرض ولا رضاع، فإنها تنتظر سَنةً لا حَيْض
فيها، تسعةً أشهرٍ ثم ثلاثة؛ على ما ذكرناه، فتَحِلُّ ما لم تَرْتَب بحَمْل؛ فإن ارتابت
بحمل، أقامت أربعةَ أعوام، أو خمسةً، أو سبعة؛ على اختلاف الروايات عن
علمائنا. ومشهورُها: خمسةُ أعوام؛ فإن تجاوزتْها حَلَّت. وقال أشهب: لا تَحِلُّ أبداً
حتى تنقطعَ عنها الرِّيبة.
قال ابن العربي(٣): وهو الصحيح؛ لأنه إذا جاز أن يبقى الولدُ في بطنها خمسة
أعوام، جاز أن يبقى عشرةً وأكثرَ من ذلك، وقد رُوي عن مالك مثلُه.
السابعة: وأما التي جُهل حيضُها بالاستحاضة، ففيها ثلاثةُ أقوال:
قال ابن المسيب: تعتدُّ سَنة(٤). وهو قول الليث، قال الليث: عِدَّةُ المطلَّقة وعدَّةُ
المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت مستحاضةً سَنةٌ(٥). وهو مشهورُ قولِ علمائنا(٦)؛ سواءٌ
علمت دَ حيضِها من دم استحاضتِها وَميَّزَت ذلك أو لم تميِّزه، عِدَّتها في ذلك كلِّه
(١) في النسخ: وعبد الله بن أصبغ، والمثبت موافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٥ ،
والكلام منه.
(٢) أحكام القرآن، والأثر أخرجه مالك ٥٧٢/٢، وعبد الرزاق (١١١٠٠) و(١١١٠١) و(١١١٠٢)، وابن
أبي شيبة ٢١٠/٥ بألفاظ متقاربة.
(٣) في أحكام القرآن ١٨١٦/٤، وما قبله منه. وقد ثبت علمياً - كما ذكرنا ٢٢/١٢ - أن الجنين لا يمكث
في بطن أمه أكثر من عشرة أشهر؛ وإلا مات الجنين في بطن أمه.
(٤) أحكام القرآن، لابن العربي ١٨١٦/٤. وقول ابن المسيب أخرجه مالك ٥٨٣/٢ .
(٥) الاستذكار ١٨/ ١٠٠ .
(٦) أحكام القرآن ١٨١٦/٤.

٥١
سورة الطلاق: الآيتان ٤ -٥
عند مالكٍ في تحصيل مذهبه سَنة؛ منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثةٌ عِدَّة(١).
وقال الشافعيُّ في أحد أقواله: عِدَّتها ثلاثة أشهر. وهو قول جماعةٍ من التابعين
والمتأخرين من القرويِّين. ابن العربيّ(٢): وهو الصحيح عندي.
وقال أبو عمر (٣): المستحاضة إذا كان دمُها ينفصل، فعلِمت إقبالَ حيضتها
وإدبارَها (٤)، اعتذَّت ثلاثةَ قُرُوء. وهذا أصحُ في النظر، وأثبت في القياس والأثَر.
قوله تعالى: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنُّ﴾ - يعني الصغيرة - فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهر؛ فأضمر
الخبر. وإنما كانت عدَّتها بالأشهر؛ لعدم الأَقراء فيها عادة، والأحكامُ إنما أجراها
اللهُ تعالى على العادات؛ فهي تعتدُّ بالأشهر. فإذا رأت الدم في زمنِ احتمالِه عند
النساء، انتقلت إلى الدم؛ لوجود الأصل، وإذا وجد الأصلُ لم يبقَ للبدل حكم؛ كما
أن المُسِنَّةَ إذا اعتدَّت بالدم ثم ارتفع، عادت إلى الأشهر(٥). وهذا إجماع(٦).
قوله تعالى: ﴿وَأُؤْلَتُ الْأَعْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ آلْأَحْمَالِ أَلُهُنَّ﴾ وَضْعُ الحمل وإن كان ظاهراً في
المطلّقة؛ لأنه عليها عُطف، وإليها رَجَعَ عَقِبُ الكلام؛ فإنه في المتوفّى عنها زوجُها
كذلك؛ لعموم الآية وحديثِ سُبَيْعة (٧). وقد مضى في ((البقرة)) القولُ فيه مستوفَّى(٨).
الثانية: إذا وضعت المرأةُ ما وضعت مِن عَلَقة أو مُضْغَة، حَلَّت. وقال الشافعيُّ
(١) الكافي ٢/ ٦٢٠ .
(٢) في أحكام القرآن ١٨١٦/٤، وما قبله منه.
(٣) في الكافي ٢/ ٦٢٠.
(٤) في (د) و(م): أو إدبارها.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٥ - ١٨٢٦.
(٦) الإشراف ٢٨٥/٤ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٢٦/٤ .
(٨) ١٢٦/٤ فما بعد. وسلف هناك حديث سبيعة.

٥٢
سورة الطلاق: الآيات ٤ - ٦
وأبو حنيفة: لا تَحِلُّ إلَّا بما يكون ولداً (١). وقد مضى القولُ فيه في سورة البقرة،
وسورة الرعد، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَثَقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِهِ، يُسْرًا﴾ قال الضخَّاك: أي: من يَتَّقِه
في طلاق السُّنَّة، يجعلْ له مِن أمره يُسراً في الرجعة. مقاتل: وَمن يَتَّقِ اللهَ في اجتناب
معاصيه، يجعل له من أمره يُسْرأُ في توفيقه للطاعة(٢). ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: الذي ذكر
من الأحكام أمْرُ الله أنزله إليكم وبَيَّنه لكم . ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: يعمل بطاعته.
﴿يُكَفِّرْ عَنَّهُ سَبَِّائِهِ﴾ من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة(٣). ﴿وَيُعْظِمْ لَهُو
أَجْرًا﴾ أي: في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِّكُمْ وَلَ نُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ وَإِن
كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتِهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ
وَأَتَمِّرُواْ بَيْنَكُم بِعْرُوفٍ وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُوْ أُخْرَى ﴾﴾
فيه أربعُ مسائل:
الأولی: قوله تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَبْثُ سَگنتُم مِّن ◌ُبْدِگُمْ﴾ قال أشھبُ عن مالك:
يَخرج عنها إذا طلَّقها ويتركها في المنزل؛ لقوله تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ﴾. فلو كان معها،
ما قال: أسكِنوهن. وقال ابن نافع: قال مالكٌ في قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
سَكَتُمُ﴾ يعني المطلَّقاتِ اللاتي بِنَّ من أزواجهن فلا رَجْعَةً لهم عليهنَّ وليست حاملاً،
فلها السُّكْنَى ولا نفقة لها ولا كِسوة، لأنها بائنٌ منه لا يتوارثان ولا رَجْعَةً له عليها.
وإن كانت حاملاً فلها النفقة والكسوة والمسكن حتى تنقضيَ عِدَّتُها. فأمَّا مَن لم تَبِنْ
منهنّ، فإنهنَّ نساؤهم يتوارثون، ولا يَخرُجن إلَّا أن يأذنَ لهن أزواجُهنَّ ما كُنَّ في
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٢٦/٤ .
(٢) النكت والعيون ٣٣/٦ .
(٣) الوسيط للواحدي ٣١٥/٤، وفيه إشارة إلى حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((الصلوات الخمس،
والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) وسلف ٦/ ٢٦١ .

٥٣
سورة الطلاق: الآية ٦
عِدَّتهنّ. ولم يؤمروا بالسُّكنى لهن؛ لأن ذلك لازمٌ لأزواجهنّ مع نفقتهنّ وكسوتهنّ،
حواملَ كنَّ أو غيرَ حوامل. وإنما أمر اللهُ بالسكنى للَّائي بِنَّ مِن أزواجهن(١)، قال الله
تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوْ عَلَيْهِنَّ حَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فجعل عزَّ وجلَّ للحوامل
اللائي قد بِنَّ مِن أزواجهنَّ السُّكنى والنفقة.
قال ابن العربي(٢): وبَسْطُ ذلك وتحقيقُه أنَّ الله سبحانه لمَّا ذكر السُّكْنَى، أَطْلقَها
لكلِّ مطلَّقة، فلمَّا ذكر النفقةَ فيَّدها بالحمل، فدلَّ على أنَّ المطلّقة البائن لا نفقة لها.
وهي مسألةٌ عظيمة قد مَهَّدنا سُبُلَها قرآنًا وسُنَّةً ومعنىّ في مسائل الخلاف. وهذا
مأخذُها من القرآن.
قلت: اختلف العلماء في المطلَّقة ثلاثاً على ثلاثة أقوال، فمذهبُ مالك
والشافعيّ: أنَّ لها السُّكنى ولا نفقة لها. ومذهب أبي حنيفة وأصحابِه: أنَّ لها السكنى
والنفقة. ومذهب أحمدَ وإسحاق وأبي ثَوْر: أنْ لا نفقة لها ولا سُكنى(٣)؛ على حديث
فاطمة بنتٍ قيس، قالت: دخلتُ إلى رسول اللـه # ومعي أخو زوجي، فقلت: إنَّ
زوجي طلَّقني، وإنَّ هذا يزعم أنْ ليس لي سكنى ولا نفقة؟! قال: ((بل لكِ السُّكْنَى
ولكِ النفقة)). قال: إنَّ زوجها طلَّقها ثلاثاً. فقال رسول اللـه :﴾: ((إنما السكنى والنفقة
على مَن له عليها الرجعة)). فلما قدمتُ الكوفة، طلبني الأسود بنُ يزيد لِيسألَني عن
ذلك، وأنَّ أصحاب عبدِ الله يقولون: إنَّ لها السكنى والنفقة. خرَّجه الدار قطني(٤) .
ولفظ مسلم عنها(٥): أنه طلَّقها زوجُها في عهد النبيِّ ﴾، وكان أنفق عليها نفقةً
دُونٍ، فلمَّا رأت ذلك قالت: والله لأُعْلِمَنَّ رسولَ اللـه :﴾، فإن كان لي نفقةٌ أخذت
(١) في (د) و(م) زيادة: مع نفقتهن.
(٢) في أحكام القرآن ١٨٢٧/٤، وما قبله منه.
(٣) الإشراف ٤/ ١٦٧.
(٤) في سننه (٣٩٥٤) وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.
(٥) صحيح مسلم (١٤٨٠) : (٣٧).

٥٤
سورة الطلاق: الآية ٦
الذي يُصلحني، وإن لم تكن لي نفقةٌ لم آخذ شيئاً. قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله ﴿،
فقال: ((لا نفقة لكٍ ولا سُگنی)».
وذكر الدارقطني عن الأسود قال: قال عمر لمَّا بلغه قولُ فاطمة بنت قيس: لا
نُجيزُ في المسلمين قولَ امرأة. وكان يجعل للمطلَّقة ثلاثاً السُّكنى والنفقةَ. وعن
الشعبيِّ قال: لَقِيَني الأسود بنُ يزيد فقال: يا شَعْبيّ، إِنَّقِ اللهَ وارجِع عن حديث
فاطمة بنتِ قيس؛ فإنَّ عمر كان يجعل لها السُّكنى والنفقة. قلت: لا أرجع عن شيء
حدثنتي [به] فاطمة بنتُ قيس عن رسول الله ﴾(١).
قلت: ما أحسن هذا. وقد قال قتادة وابنُ أبي ليلى: لا سُكنى إلَّا للرجعية؛ لقوله
تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾(٢)، وقولُه تعالى: ﴿أَشْكِنُهُنَّ﴾ راجعٌ
إلى ما قبله، وهي المطلّقة الرجعية. والله أعلم. ولأنَّ السُّكنى تابعةٌ للنفقة وجاريةٌ
مَجراها؛ فلمَّا لم تجِب للمبتوتة نفقة، لم يجب لها سُكنى.
وحجَّة أبي حنيفة أنَّ للمبتوتة النفقةَ قولُه تعالى: ﴿وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِيُضَيِّقُواْ عَلَتِنَّ﴾
وتركُ النفقة من أكبر الأضرار. وفي إنكار عمرَ على فاطمة قولَها ما يبيِّنُ هذا، ولأنها
معتدَّةٌ تستحقُّ السُّكنى عن طلاق، فكانت لها النفقةُ كالرجعية، ولأنها محبوسةٌ عليه
لحقِّه، فاستحقت النفقةَ كالزوجة، ودليلُ مالكِ قولهُ تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ﴾
الآية. على ما تقدَّم بيانُه.
وقد قيل(٣): إنَّ الله تعالى ذكر المطلّقة الرجعيةَ وأحكامها أوَّلَ الآية إلى قوله:
﴿ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُ﴾ ثم ذَكَر بعد ذلك حُكْمًا يَعمُّ المطلَّقاتِ كلَّهنَّ، من تعديد الأشهر
وغيرِ ذلك. وهو عامٌّ في كل مطلقة؛ فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كلِّ مطلقة.
(١) سنن الدارقطني (٣٩٥٥)، (٣٩٥٦). وما بين حاصرتين منه.
(٢) ذكر قولهما ابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٨١٧ .
(٣) القائل ابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٨٢٨.

٥٥
سورة الطلاق: الآية ٦
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِّنِ وُجْدِكُمْ﴾ أي: من سَعَتكم (١)؛ يقال: وَجَدْتُ في المال
أَجِدُ وُجْداً [ووَجْداً ووِجْداً] وجِدَةً(٢). والوُجْد: الغِنى والمقدرة(٣).
وقراءة العامة بضمِّ الواو. وقرأ الأعرج والزّهريُّ بفتحها، ويعقوبُ بكسرها(٤).
وكلُّها لغاتٌ فيها.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَ نُضَارُوهُنَّ لِنُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ﴾ قال مجاهد: في المسكن.
مُقاتل: في النفقة؛ وهو قولُ أبي حنيفة(٥). وعن أبي الضحى: هو أن يطلِّقَها فإذا بقي
يومان من عِدَّتها، راجعها ثم طلَّقها.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ لا
خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسُّكنى للحامل المطلّقة ثلاثاً أو أقلَّ منهنَّ حتى
تضعَ حملها. فأما الحاملُ المُتَوَفَّى عنها زوجُها، فقال عليُّ وابن عمر وابن مسعود
وشُرَيح والنَّخَعِيُّ والشَّعبيُّ وحمَّاد وابن أبي ليلى وسفيان والضَّحاك: يُنفق عليها من
جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك
والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابه(٦): لا ينفق عليها إلَّا من نصيبها. وقد مضى في
((البقرة)) بيانُه(٧).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ فيه أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ - يعني المطلَّقات - أولادَكم منهنَّ، فعلى
(١) أخرج هذا القول الطبري ٥٩/٢٣ - ٦٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره.
(٢) الصحاح (وجد) وما بین حاصرتین منه.
(٣) تفسير غريب القرآن ص٤٧١ .
(٤) قراءة يعقوب من العشرة، وهي من رواية روح. النشر ٣٨٨/٢، وقراءة الأعرج في القراءات الشاذة
ص١٥٨ .
(٥) النكت والعيون ٣٤/٦. وقول مجاهد أخرجه الطبري ٦١/٢٣.
(٦) في النسخ عدا (د) و(ف): وأصحابهم. وينظر زاد المسير ٢٩٧/٨ .
(٧) ١٤١/٥ .

٥٦
سورة الطلاق: الآية ٦
الآباء أنْ يعطوهنَّ أُجرةَ إرضاعهنّ. وللرجل أن يستأجرَ امرأتَه للرَّضاع كما يستأجر
أجنبيّة.
ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابِه الاستئجارُ إذا كان الولدُ منهنَّ ما لم يُبِنْ.
ويجوز عند الشافعيّ(١). وتقدَّم القولُ في الرَّضاع في ((البقرة)) و((النساء)) مستوفّى ولله
الحمد(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأْتَعِرُواْ بَيْنَكُم بِعْرُوفٍ﴾ هو خطابٌ الأزواج والزوجات؛ أي:
ولْيَقْبَل بعضُكم من بعض ما أَمره به من المعروف الجميل. والجميلُ منها إرضاعُ الولد
من غير أجرة. والجميل منه توفيرُ الأجرة عليها للإرضاع. وقيل: ائتمروا في رضاع
الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحقَ الولدَ إضرار. وقيل: هو الكِسوة والدِّثار.
وقيل: معناه: ﴿لَا تُضَادَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَسَرْتٌُ﴾ أي: في أجرة الرَّضاع: فأبى الزوجُ أن يعطيَ
الأمَّ رَضاعها، وأبت الأمُّ أنْ ترضعه، فليس له إكراهُها؛ ولْيستأجرْ مرضعةً غيرَ أمِّه.
وقيل: معناه: وإن تضايقتم وتشاكستم(٣)؛ فليَسترضع لولده غيرَها؛ وهو خبر في
معنی الأمر.
وقال الضحَّاك: إنْ أبت الأمُّ أن ترضعَ؛ استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل،
أُجبرت أمُّه على الرَّضاع بالأجر (٤) .
وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه رَضاعُ الولد على ثلاثة أقوال: قال
علماؤنا: رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية؛ إلَّا لشرفها وموضعها(٥)، فعلى
(١) الكشاف ٤/ ١٢٢ .
(٢) ١٠٦/٤ فما بعد، ١٧٩/٦ فما بعد.
(٣) النكت والعيون ٣٥/٦، وينظر تفسير غريب القرآن ص٤٧١.
(٤) أخرجه الطبري ٦٥/٢٣ بنحوه.
(٥) في أحكام القرآن لابن العربي ١٨٢٨/٤ (والكلام منه): أو مرضها.

٥٧
سورة الطلاق: الآيتان ٦ - ٧
الأب رضاعُه يومئذ في ماله. الثاني: قال أبو حنيفة(١): لا يجب على الأمّ بحال.
الثالث(٢): يجب عليها في كل حال.
الرابعة: فإنْ طلَّقها، فلا يَلزمُها رضاعُه إلّا أن يكونَ غيرَ قابلٍ ثَدْيَ غيرِها،
فيلزمها حينئذ الإرضاع (٣). فإن اختلفا في الأجر، فإن دعت إلى أجر مثلها وامتنع
الأب إلَّا تبرُّعًا، فالأمُّ أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأبُ متبرعاً. وإن دعا الأبُ إلى
أجر المثل وامتنعت الأمُّ لِتطلُبَ شططاً، فالأبُ أوْلَى به. فإن أَعسرَ الأبُ بأجرتها،
أُخذت جبراً برَضَاعٍ ولدها (٤).
قوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيَّهِ رِزْقُهُ فَلْيُنِفِقْ مِنَّآ ءَانَنَهُ اللَّهَ
لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرَ ﴾﴾
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ﴾ أي: لِيُنفق الزوجُ على زوجته وعلى ولده الصغير
على قدر وُسعِه حتى يوسِّعَ عليهما إذا كان مُوَسَّعًا عليه. ومَن كان فقيراً فعلى قَدْر
ذلك. فتُقدَّر النفقةُ بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفَق عليه بالاجتهاد على
مَجرى العادة(٥)؛ فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنْفَق عليه، ثم ينظر إلى حالة المنفِق،
فإن احتملت الحالةُ [الحاجةَ] أمضاها عليه، فإن قصَّرت حالتُه عن(٦) حاجة المنفَق
عليه، ردَّها إلى قدر احتماله.
(١) في المطبوع من أحكام القرآن زيادة: والشافعي.
(٢) بعدها في أحكام القرآن: قال أبو ثور.
(٣) المصدر السابق.
(٤) النكت والعيون ٣٥/٥ .
(٥) قبلها في (م): حياة.
(٦) في (م): اقتصرت حالته على .. ، والعبارة ساقطة من النسخ الخطية، والمثبت من أحكام القرآن لابن
العربي ١٨٢٩/٤، والكلام وما بين حاصرتين منه.

٥٨
سورة الطلاق: الآية ٧
وقال الإمام الشافعيُّ ﴾ وأصحابُه: النفقة مقدَّرةٌ محدَّدة، ولا اجتهاد لحاكم ولا
لِمُفتٍ فيها. وتقديرها هو بحال الزوجِ وَحْدَه من يُسْره وعُسْره، ولا يُعتبر بحالها
وكفايتها؛ قالوا: فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس. فإن كان الزوج
مُوسِراً لَزِمِه مُدَّان، وإن كان متوسّطًا فَمُدُّ ونصف، وإن كان مُعِراً فَمُدّ. واستدلُّوا
بقوله تعالى: ﴿لِيُّفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّنِ سَعَتِهِ،﴾ الآية. فجعلَ الاعتبارَ بالزوج في اليُسْر
والعُسْر دونَها؛ ولأن الاعتبار بكفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره؛ فيؤدِّي
إلى الخصومة؛ لأن الزوج يدَّعي أنها تلتمس فوق كفايتها، وهي تزعمُ أنَّ الذي تطلب
تطلبه قدرَ كفايتها؛ فجعلناها مقدَّرةً قطعاً للخصومة. والأصل في هذا عندهم قولُه
تعالى: ﴿لِيُّفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَيَّةٍ﴾ فجعل الاعتبار بالزوج(١) كما ذكرنا، وقولُه:
﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
والجواب أنَّ هذه الآية لا تعطي أكثرَ مِن فرقٍ بين نفقة الغنيِّ والفقير، وإنها
تختلف بعُسْر الزوج ويُسْره. وهذا مُسَلَّم. فأمَّا إنه لا اعتبار بحال الزوجة على وجهه،
فليس فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]،
وذلك يقتضي تعلُّقَ المعروفِ في حقِّهما؛ لأنه لم يخصَّ في ذلك واحداً منهما. وليس
من المعروف أن يكونَ كفايةُ الغنيّةِ مثل نفقة الفقیرة؛ وقد قال رسول الله څ لهند:
((خُذِي ما يكْفيكِ وولدَكِ بالمعروف)). فأحالها على الكفاية حين عَلِمَ السَّعَةَ من حال
أبي سفيان الواجبٍ عليه بطلبها(٢)، ولم يقل لها لا اعتبار بكفايتك وأنَّ الواجب لكِ
شيءٌ مقدَّر، بل ردَّها إلى ما يعلمه مِن قَدْر كفايتها ولم يعلِّقه بمقدار معلوم. ثم ما
ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف؛ والآيةُ لا تقتضيه.
(١) قوله: فجعل الاعتبار بالزوج، من (ظ).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٣٠/٤، والحديث أخرجه أحمد (٢٤٢٣١)، والبخاري (٥٣٦٤)،
ومسلم (١٧١٤). من حديث عائشة رضي الله عنها، وسلف ٢٤٩/٣ .

٥٩
سورة الطلاق: الآية ٧
الثانية: روي أنَّ عمر ﴾ فرض للمنفوس(١) مئةً درهم، وفرض له عثمانُ خمسين
درهمًا(٢).
ابن العربيّ(٣): واحتَمل أن يكونَ هذا الاختلافُ بحسب اختلاف السنين، أو
بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس، وقد روى محمد بنُ هلال
المَدِينيُّ(٤) قال: حذَّثني أبي، عن جدَّتي(٥): أنها كانت تَرِد على عثمان، ففقدها،
فقال لأهله: مالي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين، وَلدت الليلة؛
فبعث إليها بخمسين درهمًا وشُقَيْقَةٍ سُنْبُلانِية(٦). ثم قال: هذا عطاءُ ابنِك وهذه
كِسوته، فإذا مَرَّت له سَنَةٌ رفعناه إلى مئة (٧). وقد أُتيَ عليّ ه بمنبوذ ففرض له مئة (٨).
قال ابن العربيّ(٩): هذا الفرضُ قبل الفِطام مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم مَن
رآه مستحبًّا لأنه داخلٌ في حكم الآية، ومنهم مَن رآه واجباً لِما تجدَّد من حاجته
وعَرض من مؤنته؛ وبه أقول. ولكن يختلف قَدْرُه بحاله عند الولادة وبحاله عند
الفطام. وقد روى سفيان بنُ وهب أنّ عمر أخذ المُدْيَ(١٠) بيدٍ والقِسْطَ(١١) بيد،
(١) أي: المولود. والأثر ذكره ابن سعد في الطبقات ٢٩٨/٣ دون سند.
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) في أحكام القرآن ٤/ ١٨٣٠ ، وما قبله منه.
(٤) هو من رجال التهذيب، ووقع في النسخ والمطبوع من أحكام القرآن: المزني، وهو خطأ.
(٥) في النسخ والمطبوع من أحكام القرآن: وجدتي. والتصويب من المصادر الآتية.
(٦) الشقيقة: تصغير شُقَّة، وهي جنس من الثياب. وقوله سنبلانية، أي: سابغة الطول. النهاية (شقق)
(سنبل).
(٧) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٨٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٢٢٦/٣٩ - ٢٢٧ .
(٨) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٨٧). والمنبوذ: اللقيط.
(٩) في أحكام القرآن ١٨٣١/٤، وما قبله منه.
(١٠) في (ز) و(م) وأحكام القرآن: المد. والمدي: مكيال لأهل الشام. النهاية (مدي).
(١١) هو نصف صاع النهاية (قسط).

٦٠
سورة الطلاق: الآية ٧
فقال: إني فرضتُ لكل نفسٍ مسلمةٍ في كل شهرٍ مُذْيَي(١) حِنْطةٍ وقِسْطَيْ خَلِّ وقِسْطَيْ
زيت. زاد غيره: وقال: إنَّا قد أجرينا لكم أُعطياتِكم وأرزاقَكم في كل شهر، فمَن
انتقصها فَعَل اللهُ به كذا وكذا. فدعا عليه. قال أبو الدَّرْدَاء: كم سُنَّةِ راشدةٍ مَهْديَّةٍ قد
سَنَّها عمرُ ﴾ في أُمة محمدٍ ﴾(٢)!
والمُذْيُ (٣) والقِسْط كيلان شامِيَّن في الطعام والإدام؛ وقد دُرِسَا بعرف آخر.
فأمَّا المُذْيُ(٤) فَدُرِس إلى الكَيْلَجَة، وأما القِسْط فدُرِس إلى الكيل، ولكن التقدير
فيه عندنا رُبعان في الطعام وثُمنان في الإدام. وأما الكِسوة فبقدر العادة: قميصٌ
وسراويل وجُبَّة في الشتاء، وكساءٌ وإزار وحصير. وهذا الأصل، ويتزيد بحسب
الأحوال والعادة.
الثالثة: هذه الآية أصلٌ في وجوب النفقةِ للولد على الوالد دونَ الأم؛ خلافاً
لمحمد بن المؤَّاز إذ يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث.
ابن العربيّ(٥): ولعلَّ محمداً أراد أنها على الأم عند عدم الأب. وفي البخاريِّ
عن النبيِّ ﴾: ((تقول لك المرأة: أنفق عليَّ وإلَّا طلِّقني، ويقول لك العبد: أنفق عليَّ
واستعملني، ويقول لك ابنك: أنفق عليّ، إلى مَن تَكِلُني؟)) (٦) فقد تعاضد القرآنُ
والسُّنَّةُ وتواردا في شِرْعة واحدة.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّمَآ ءَاتَنَهَاً﴾ أي: لا يكلِّف الفقيرَ مثلَ
(١) في النسخ وأحكام القرآن: مدي. والمثبت من الفائق والنهاية (مدي)، والخبر فيهما بنحوه.
(٢) أخرج هذه الآثار أبو عبيد في الأموال (٦١٣)، (٦١٤)، (٦١٥).
(٣) في النسخ: والمدُّ، والمثبت موافق لما سلف وما سيرد.
(٤) في (ظ) وأحكام القرآن: المد.
(٥) في أحكام القرآن ١٨٣١/٤، وما قبله منه.
(٦) صحيح البخاري (٥٣٥٥). وهو من كلام أبي هريرة ﴾ (كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح
٥٠١/٩)، قاله عقب روايته للحديث، وهو: ((أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد
السفلى، وابدأ بمن تعول)».