النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
سورة الجمعة: الآية ٩
وقيل: أول من سمَّاها جمعةً الأنصارُ، قال ابن سيرين: جَمَّع أهلُ المدينة مِن
قبل أن يَقْدَم النبيُّ # المدينةَ، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سمَّوها الجمعة؛
وذلك أنَّهم قالوا: إنَّ لليهود يوماً يجتمعون فيه، في كلِّ سبعة أيام يوم، وهو السبت.
وللنصارى يوم مثل ذلك، وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعلَ يوماً لنا نذكر الله
ونصلِّي فيه، ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد
للنصارى، فاجعلوه يوم العَرُوبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة - أبو أمامة ﴾ - فصلَّی
بهم يومئذٍ ركعتين وذكَّرهم، فسمَّوْهُ يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم أسعد شاةً،
فتعشَّوْا وتغذَّوْا منها لقلَّتهم(١). فهذه أوَّل جمعة في الإِسلام.
قلت: وروي أنَّهم كانوا اثني عشر رجلاً على ما يأتي. وجاء في هذه الرواية: أنَّ
الذي جَمَّع بهم وصلَّى أسعد بن زرارة، وكذا في حدیث عبد الرحمن بن کعب بن
مالك، عن أبيه كعب على ما يأتي(٢). وقال البَيْهَقِيُّ(٣): وروينا عن موسى بن عقبة،
عن ابن شهاب الزُّهْرِيِّ أنَّ مُصْعَب بنَ عمير كان أوَّلَ من جَمَّع الجمعة بالمدينة
للمسلمين قبل أن يَقْدَمها رسول الله صلى عليه وسلم. قال البيهقيُّ: يحتمل أن يكون
مصعب جَمَّع بهم بمعونة أسعد بن زرارة، فأضافه كعب إليه. والله أعلم.
وأما أوَّل جمعة جمَّعها النبيُّ ﴾ بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ: قَدِم
رسولُ الله # مهاجراً حتى نزل بقُبّاء، على بني عمرو بنٍ عوف يوم الاثنين
لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل حين اشتدَّ الضُّحَى - ومن تلك السنة
يُعَدُّ التاريخ - فأقام بقُبَاء إلى يوم الخميس، وأسَّس مسجدَهم. ثم خرج يوم الجمعة
إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عَوْف في بطن وادٍ لهم قد اتخذ القوم
في ذلك الموضع مسجداً، فجمَّع بهم وخَطَب. وهي أوَّل خُطبة خطبها بالمدينة (٤)،
(١) تفسير البغوي ٣٤١/٤، وأخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف (٥١٤٤)، وعبد بن حميد كما في فتح
الباري ٢/ ٣٥٣ وصححه.
(٢) ص٤٨١- ٤٨٢ من هذا الجزء.
(٣) في دلائل النبوة له ٤٤١/٢ .
(٤) السيرة النبوية لابن هشام ٤٩٤/١، ٥٠٠، وتاريخ الطبري ٣٩٤/٢ - ٣٩٦، وما بين حاصرتين =
٤٦٢
سورة الجمعة: الآية ٩
وقال فيها: ((الحمدُ لِله. أحْمَده وأستعينه، وأستغفره وأَستهديه، وأُومن به ولا أَكفُره،
وأُعادي من يكفُر به. وأشهد أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له. وأشهد أنَّ محمداً
عبده ورسوله، أرسله بالهُدَى ودِين الحقِّ، والنور والموعظة والحكمة، على فَتْرة من
الرُّسل، وقلَّة من العلم، وضلالةٍ من الناس، وانقطاعٍ من الزمان، ودُنُوِّ من الساعة،
وقُرْب من الأجل. من يُطِع الله ورسوله، فقد رَشَد، ومن يَعْصِ الله ورسوله، فقد
غَوَى وفرَّط وضلَّ ضلالاً بعيداً. أُوصِيكم بتَقْوَى الله، فإنَّه خير ما أَوصَى به المسلمُ
المسلمَ، أن يحضَّه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. واحذروا ما حذَّركم الله من
نفسه، فإنَّ تقوى الله لمن عَمِل به على وَجَلٍ ومخافةٍ من ربِّه عَوْنُ صدقٍ على ما تبغُون
من [أمر] الآخرة. ومن يُصْلِحِ الذي بينه وبين ربِّه من أمره في السرِّ والعَلَانِية، لا ينوي
به إلا وَجْهَ الله، يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذُخْرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر
المرء إلى ما قَدَّم. وما كان مما سوى ذلك يَوَدُّ لو أنَّ بينه وبينه أمداً بعيداً. ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ
اللّهُ نَفْسَهُمْ وَاللهُ رَهُوفٌ بَلْمِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. هو الذي صدَق قولَه وأَنجز وَعْدَه لا
خُلْف لذلك؛ فإنَّه يقول تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنْ بِظَلَِّ لِيدِ﴾ [ق: ٢٩]. فاتَّقوا
الله في عاجل أمركم وآجِله، في السرِّ والعلانية؛ فإنَّه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُّكَفِرْ عَنْهُ
سَبَِّارِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]. ومن يَتَّقِ الله فقد فاز فوزاً عظيماً. وإنَّ تقوى الله
توقي مَقْتَه، وتوقي عقوبتَه، وتوقي سَخَطه. وإنَّ تقوى الله تبيِّض الوجوهَ، وتُرْضي
الربَّ، وترفع الدرجة. فخُذُوا بحظّكم ولا تفرِّطوا في جَنْبِ الله، فقد علَّمكم كتابَه،
ونَهَج لكم سبيلَه؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله
إليكم، وعادوا أعداءَه، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده، هو اجتباكم وسمَّاكم
المسلمين. ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحِْى مَنْ حَى عَنْ بَيْنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، ولا
حولَ ولا قوَّة إلا بالله، فأكثروا ذِكْرَ الله تعالى، واعملوا لما بعد الموت، فإنَّه من
يُصلح ما بينه وبين الله يَكْفِه اللهُ ما بينه وبين الناس؛ ذلك بأن الله يقضِي على الناس
= منه، والكلام دون ذكر الخطبة من تفسير البغوي ٣٤١/٤، وأخرجها البيهقي في دلائل النبوة
٥٢٤/٢-٥٢٥ من طريق ابن إسحاق بنحوها.
٤٦٣
سورة الجمعة: الآية ٩
ولا يَقْضُون عليه، ويملِك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حَوْل ولا قوَّة إلا
بالله العليّ العظیم)».
وأوَّل جمعة جُمِّعت بعدها جمعة بقرية يقال لها: جُوَاثى، من قُرَى الْبَحْرَين(١).
وقيل: إنَّ أوَّل من سمَّاها الجمعة كعب بن لؤيٍّ بن غالب؛ لاجتماع قريش فيه إلى
كعب(٢)، كما تقدَّم.
الثالثة: خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين؛ تشريفاً لهم وتكريماً فقال:
((يا أَيُّهَا الَّذين آمنُوا)) ثم خصَّه بالنداء، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٥٨] ليدلَّ على وجوبه، وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء:
كون الصلاة الجمعة هاهنا معلوم بالإِجماع، لا من نفس اللفظ. قال ابن العربيّ(٣):
وعندي أنَّه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: ((مِنْ يَومِ الْجُمُعَةِ)) وذلك يفيده؛
لأنَّ النداء الذي يختصُّ بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة. فأمَّا غيرها فهو عامٌّ في سائر
الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها، معنّی
ولا فائدة.
الرابعة: فقد تقدَّم حكم الأذان في سورة ((المائدة)) مستوفّى(٤). وقد كان الأذان
على عهد رسول الله# كما في سائر الصلوات، يؤذِّن واحد إذا جلس النبيُّ 8# على
المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعليٍّ بالكوفة. ثم زاد عثمان على المنبر أذاناً
ثالثاً على داره التي تسمَّى: الزَّوْراء(٥)، حين كثر الناس بالمدينة. فإذا سمعوا أَقبلوا،
حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذَّن مؤذِّن النبيِّ ﴾، ثم يخطب عثمان. خرَّجه ابن
(١) أخرجه البخاري (٨٩٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٤ ، وسلف تخريجه قريباً.
(٣) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٩٠- ١٧٩٢ ، وما قبله منه أيضاً.
(٤) ٥٩/٨ وما بعدها.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩١/٤ وما بعده منه أيضاً، والزوراء: موضع عند سوق المدينة قرب
المسجد، قال الداودي: هو مرتفع كالمنارة، وقيل: بل الزوراء سوق المدينة نفسه. معجم البلدان
١٥٦/٣ .
٤٦٤
سورة الجمعة: الآية ٩
ماجه في ((سُنَّنه))(١) من حديث محمد بن إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن السائب بن يزيد
قال: ما كان لرسول الله ﴾ إلا مؤذِّن واحد، إذا خرج أذَّن، وإذا نزل أقام. وأبو بكر
وعمر كذلك. فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على دارٍ في السوق،
يقال لها: الزوراء، فإذا خرج أذَّن، وإذا نزل أقام. خرَّجه البخاري(٢) من طرق بمعناه.
وفي بعضها(٣): أنَّ الأذان الثاني يوم الجمعة أَمَرَ به عثمان بن عَفَّان حين كثر أهل
المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام .
وقال الماوَرْدِيُّ(٤): فأمَّا الأذان الأوَّل فمحدَث، فعله عثمان بن عَفَّان؛ ليتأهَّب
الناس لحضور الخطبة عند اتِّساع المدينة وكثرة أهلها. وقد كان عمر ﴾ أمر أن يؤذَّن
في السوق قبل المسجد؛ ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذَّن في المسجد،
فجعله عثمان أذانين في المسجد. قال ابن العربيِّ(٥): وفي الحديث الصحيح: أنَّ
الأذان كان على عهد رسول الله ﴾ واحداً، فلما كان زمن عثمان، زاد الأذانَ الثالث
على الزوراء، وسمَّاه في الحديث: ثالثاً؛ لأنَّه أضافه إلى الإقامة، كما قال عليه
الصلاة والسلام: ((بين كلِّ أذانين صلاة لمن شاء))(٦) يعني: الأذان والإقامة. فتوهّم
الناس أنَّه أذان أَصْليٍّ، فجعلوا المؤذِّنين ثلاثة، فكان وَهَماً، ثم جمعوهم في وقت
واحد، فكان وهَمَاً على وَهَم. ورأيتهم يؤذِّنون بمدينة السلام(٧) بعد أذان المنار بين
يدي الإِمام تحت المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدُّوَل الماضية، وكلُّ
ذلك مُحْدَث.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ اختلف في معنى السَّغْي هاهنا على
(١) برقم (١١٣٥).
(٢) في صحيحه (٩١٢) و(٩١٣) و(٩١٥) و(٩١٦).
(٣) البخاري (٩١٥).
(٤) في النكت والعيون ٩/٦- ١٠ .
(٥) في أحكام القرآن له ١٧٩١/٤ - ١٧٩٢ .
(٦) أخرجه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨): (٣٠٤)، وأحمد (١٦٧٩٠) من حديث عبد الله بن مغفل
(٧) يعني: بغداد. معجم البلدان ٢٣٣/٣ .
٤٦٥
سورة الجمعة: الآية ٩
ثلاثة أقوال: أوَّلها: القَصد. قال الحسن: واللهِ ما هو بسَعْي على الأقدام، ولكنَّه
سَعْيٌّ بالقلوب والنّيّة.
الثاني: أنَّه العمل، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ آلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
[الإسراء: ١٩]، وقوله: ﴿إِنَّ سَعِيْكٌ لَشَقّ﴾ [الليل: ٤]، وقوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا
سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وهذا قول الجمهور(١). وقال زهير:
سَعَى بعدهم قومٌ لِكَيْ يدركوهُم(٢)
وقال أيضاً:
سَعَى ساعِيَا غَيْظِ بن مُرَّةَ بعدما تَبَزَّلَ ما بين العَشِيرةِ بِالدَّمِ(٣)
أي: فاعملوا على المضيّ إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير
والتّوجُّه إليه.
الثالث: أنَّ المراد به السَّعْي على الأقدام. وذلك فضلٌ وليس بشرط(٤). ففي
البخاري(٥): أنَّ أبا عَبْس بن جَبْر - واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى
إلى الجمعة راجلاً وقال: سمعتُ رسول اللـه ﴾ يقول: ((من اغْبَرَّتْ قدماه في سبيل
الله، حرَّمه الله على النار)).
ويحتمل ظاهره رابعاً: وهو الجري والاشتداد. قال ابن العربي(٦): وهو الذي
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٢/٤، والأقوال ذكرها أيضاً الماوردي في النكت والعيون ٨/٦-٩
بنحوه، وقول الحسن ذكره البغوي في التفسير ٣٤١/٤ .
(٢) شرح ديوان زهير ص١١٤، وتمامه: فلم يفعلوا ولم يُلاموا ولم يألُوا.
قال شارحه: أي: سَبَقَتْ آباؤهم فلم يدركوهم، ولم يلاموا على تقصيرهم، ولم يألوا أن يبلغوا آباءهم.
(٣) شرح ديوان زهير ص١٤، قال شارحه: الساعيان: الحارث بن عوف وهَرِم بن سنان سعَيّا في الحَمَالة.
وغيظ بن مرَّة: حيٍّ من غطفان بن سعد. وتَبَزَّل بالدم: أي: تشقَّق. يقول: كان بينهم صلح فتشقّق بالدم.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٢ ، وما بعده منه أيضاً.
(٥) برقم (٩٠٧)، وهو عند أحمد (١٥٩٣٥).
(٦) في أحكام القرآن له ١٧٩٢/٤-١٧٩٣، وما قبله منه أيضاً.
٤٦٦
سورة الجمعة: الآية ٩
أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون. وقرأها عمر: «فامضوا إلى ذِكرِ اللهِ»
فرارًا عن طريق الجَرْي والاشتداد الذي يدلُّ على الظاهر. وقرأ ابن مسعود كذلك(١)،
وقال: لو قرأتُ: ((فاسْعَوْا)) لسعيتُ حتى يسقط ردائي(٢). وقرأ ابن شهاب: ((فامضُوا
إلى ذكر الله سالكاً تلك السبيل)). وهو كلُّه تفسير منهم؛ لا قراءة قرآن مُنزّل. وجائز
قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير.
قال أبو بكر الأنباري: وقد احتجَّ من خالف المصحفَ بقراءة عمر وابن مسعود،
وأنَّ خرشة بن الحُرِّ قال: رآني عمره ومعي قطعة فيها: ((فاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) فقال
لي عمر: من أَقراكَ هذا؟ قلت: أُبَيِّ. فقال: إنَّ أبيًّا أَقرؤنا للمنسوخ. ثم قرأ عمر:
((فامضُوا إِلى ذِكرِ الله)). حدَّثنا إدريس، قال: حدَّثنا خلَف، قال: حدَّثنا هُشيم، عن
المُغيرة، عن إبراهيم، عن خَرَشة؛ فذكره(٣).
وحدَّثنا محمد بن یحیی، أخبرنا محمد - وهو ابن سعدان - قال: حدثنا سفيان بن
عُيَيْنَة، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيه قال: ما سمعتُ عمرَ يَقرأُ قٌ إلا: ((فامضُوا
إلى ذكر الله))(٤). وأخبرنا إدريس، قال: حدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا هشيم، عن
المغيرة، عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ: ((فامضوا إلى ذكر الله)) وقال: لو
(١) القراءات الشاذة ص١٥٦، والمحتسب ٣٢١/٢- ٣٢٢ عن عمر وابن مسعود وابن الزبير وابن عباس
وابن عمر وغيرهم. والقراءة عن عمر أوردها البخاري تعليقاً قبل حديث (٤٨٩٧) ووصلها عبد الرزاق في
المصنف (٥٣٥٠)، والطبري ٦٣٨/٢٢-٦٣٩، وعن ابن مسعود أخرجها ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧،
والطبري ٦٣٩/٢٢ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٧١، وأحكام القرآن للهراسي ٤/ ٤١٥، وسيرد قريباً.
(٣) وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٨٥- ١٨٦ بتمامه، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ مختصراً من
طريق هشيم، به. والطبري ٦٣٨/٢٢ من طريق المغيرة، عن إبراهيم أنه قيل لعمر : إنَّ ◌ُبِيًّا يقرؤها:
فاسعوا، ... الخبر، ولم يذكر فيه: خَرَشة بن الحرّ. وصححه في الفتح ٨/ ٦٤٢ .
(٤) وأخرجه أيضاً الشافعي في الأم ١٧٤/١، والطبري ٦٣٨/٢٢، والدارقطني في العلل ٢٥٣/٢ من
طريق سفيان، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٣٤٨) من طريق الزهري، به.
:
٤٦٧
سورة الجمعة: الآية ٩
كانت ((فاسْعَوْا)) لسعيتُ حتى يسقطَ ردائي(١). قال أبو بكر: فاحتجَّ عليه بأنَّ الأمَّة
أَجمعت على ((فَاسْعَوْا)) برواية ذلك عن الله ربِّ العالمين ورسولِهِ﴾. فأمَّا عبد الله بن
مسعود فما صحَّ عنه ((فَامْضُوا)) لأنَّ السَّنَد غيرُ متصل؛ إذ إبراهيم النَّخَعِيُّ لم يسمع عن
عبد الله بن مسعود شيئاً(٢)، وإنَّما ورد: ((فامضوا)) عن عمر ﴾، فإذا انفرد أحدٌ بما
يخالف الأمة(٣) والجماعة، كان ذلك نسياناً منه. والعرب مُجْمِعة على أنَّ السعيَ يأتي
بمعنى المُضِيِّ؛ غير أنَّه لا يخلو من الجِدِّ والانكماش. قال زهير:
سَعَى ساعِيَا غيْظِ بن مُرّةَ بعدَما تَبَزّلَ ما بين العَشِيرةِ بالدَّمِ(٤)
أراد بالسَّعْي المضيَّ بِجِدٍّ وانكماش، ولم يقصد للعَدْوِ والإِسراع في الخَطْوِ.
وقال الفرَّاء(٥) وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضيُّ. واحتجَّ الفرَّاء بقولهم: هو
يسعى في البلاد يطلب فَضْلَ الله، معناه: هو يمضي بجدٍّ واجتهاد. واحتجَّ أبو عبيدة
بقول الشاعر:
أسْعَى على جُلِّ بني مالِكِ كلُّ امرِئٍ في شأنه ساعي(٦)
فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش، ومحال أن
يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيّته.
قلت: ومما يدلُّ على أنَّه ليس المراد ها هنا العَدو؛ قوله عليه الصلاة والسلام:
(١) وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٨٦ من طريق هشيم، به، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧،
والطبري ٦٣٩/٢٢، والطبراني في الكبير (٩٥٣٩) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، به. وينظر التعليق
الآتي.
(٢) وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٢٤ تعليقاً على الخبر، وقال أيضاً ابن حجر في فتح الباري
٦٤٢/٨: وأخرجه الطبراني، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع.
(٣) في (م): الآية.
(٤) سلف تخريجه قريباً.
(٥) في معاني القرآن له ١٥٦/٣.
(٦) القائل: أبو قيس بن الأسلت، وهو في المفضليات ص ٢٨٢، ومنتهى الطلب ٢٥١/٨ .
٤٦٨
سورة الجمعة: الآية ٩
((إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة))(١). قال
الحسن: أما واللهِ ما هو بالسَّعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم
السكينة والوقار؛ ولكن بالقلوب والنِّيَّة والخشوع. وقال قتادة: السعي: أن تسعى
بقلبك وعملك(٢). وهذا حسن، فإنَّه جمع الأقوال الثلاثة. وقد جاء في الاغتسال
للجمعة والتطُّب والتزيُّن باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث(٣).
السادسة: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ خطاب للمكلَّفين بإجماع. ويخرج منه
المَرْضَى والزَّمْنَى والمسافرون والعبيد والنساء؛ بالدليل، والعميان والشيخ الذي لا
يمشي إِلا بقائد عند أبي حنيفة(٤). روى أبو الزبير عن جابر أنَّ رسول اللـه ◌ُ﴾ قال:
((من كان يؤمن بالله واليوم والآخر، فعليه الجمعة يومَ الجمعة، إلا [على] مريض أو
مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك، فمن استغنى بلَهْوِ أو تجارةٍ، استغنى الله عنه،
والله غنيٌّ حميدٌ)) خرَّجه الدَّار قُطْنيُّ(٥).
وقال علماؤنا رحمهم الله: ولا يتخلَّف أحدٌ عن الجمعة ممَّن عليه إتيانها إلا
بعذر لا يمكنه معه الإِتيان إليها؛ مثل المرض الحابس، أو خوف الزيادة في المرض،
أو خوف جَوْرِ السلطان عليه في مال أو بَدَنٍ دون القضاء عليه بحقِّ. والمطر الوابل مع
الوَحَل عذر إن لم ينقطع - ولم يَرَهُ مالٌ عذراً له، حكاه المهدوِيُّ - ولو تخلَّف عنها
متخلِّف على وَليٍّ حَمِيمٍ له قد حضرته الوفاةُ، ولم يكن عنده من يقوم بأمره، رَجًا أن
يكون في سَعَة. وقد فعل ذلك ابن عمر(٦). ومن تخلَّف عنها بغير عذر، فصلَّى قبل
(١) أخرجه مسلم (٦٠٢)، وأحمد (٧٢٥٠) عن أبي هريرة ﴾.
(٢) تفسير البغوي ٣٤١/٤، وقول قتادة أخرجه الطبري ٦٣٧/٢٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٦٦).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٣.
(٤) المسألة في المغني ٢١٦/٣-٢٢١، وينظر كلام أبي حنيفة في بدائع الصنائع ١٨٧/٢ .
(٥) في سننه (١٥٧٦)، وما بين حاصرتين استدركناه منه، وأخرجه أيضاً البيهقي ٣/ ١٨٤، وفي إسناده:
ابن لهيعة يروي عن معاذ بن محمد الأنصاري، وهما ضعيفان. قال ابن التركماني في الجوهر النقي
(بهامش السنن الكبرى للبيهقي): ومعاذ هذا شيخ لابن لهيعة لا يعرف. كذا ذكر الذهبي.
(٦) الكافي لابن عبد البر ٢٥٢/١، وما بعده منه أيضاً، وخبر عمر أخرجه البخاري (٣٩٩٠) عن نافع: أن
ابن عمر رضي الله عنهما ذُكرّ له أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - وكان بدريّاً - مرض في يوم
جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهارُ، واقتربت الجمعةُ، وتَرَك الجمعةَ.
٤٦٩
سورة الجمعة: الآية ٩
الإِمام، أعاد، ولا يجزيه أن يصلِّي قبله، وهو في تخلّفه عنها مع إمكانه لذلك عاصٍ
لله بفعله.
السابعة: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ﴾ يختصُّ بوجوب الجمعة القريبُ الذي
يسمع النداء، فأمَّا البعيد الدار الذي لا يسمع النداء، فلا يدخل تحت الخطاب.
واختلف فيمن يأتي الجمعة من الدَّاني والقاصي(١)، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس:
تجب الجمعة على من في المِصْر على سنَّة أميال. وقال ربيعة: أربعة أميال. وقال
مالك والليث: ثلاثة أميال(٢). وقال الشافعيُّ(٣): اعتبار سماع الأذان؛ أن يكون
المؤذن صَيِّتاً، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وموقف المؤذن عند سُور البلد.
وفي الصحيح عن عائشة: أنَّ الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العَوَالي،
فيأتون في العَباء(٤)، ويصيبهم الغُبار، فتخرج منهم الريح، فقال رسول الله ﴾:
(لواغتسلتم ليومكم هذا))! قال علماؤنا: والصَّوْت إذا كان منيعاً، والناس في هدوء
وسكون، فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال. والعَوَالي من المدينة أقربها على ثلاثة
أميال. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء(٥).
وروى الدَّارَقُظْنيُّ(٦) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عن
رسول الله ﴿ قال: ((إنَّما الجمعة على من سمع النداء)). وقال أبو حنيفة وأصحابه:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٤ .
(٢) الاستذكار ٣٠/٧-٣١، والتمهيد ٢٧٨/١٠-٢٨٢، وقول أبي هريرة أخرجه البيهقي في السنن الكبرى
١٧٥/٣، وقول مالك في المدونة ١٥٣/١.
(٣) في الأم ١/ ١٧٠ .
(٤) في (د) و(م): الغبار. وكذا وقع عند البخاري (٩٠٢)، قال ابن جحر في فتح الباري ٣٨٦/٢: كذا
وقع للأكثر، وعند القابسي: فيأتون في العباء. بفتح المهملة والمد، وهو أصوب، وكذا هو عند مسلم
[٨٤٧] والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب. اهـ .
(٥) التمهيد ٢٨١/١٠-٢٨٢.
(٦) في سننه (١٥٨٩).
٤٧٠
سورة الجمعة: الآيات ٩
تجب على مَن في المصر، سَمِع النداءَ أو لم يسمعه، ولا تجب على من هو خارج
المصر وإن سمع النداء (١). حتى سئل: وهل تجب الجمعة على أهل زبارا - بينها وبين
الكوفة مجرى نهر (٢) _؟ فقال: لا. وروي عن ربيعة أيضاً: أنَّها تجب على من إذا
سمع النداء وخرج من بيته ماشياً، أدرك الصلاة(٣). وقد روي عن الزُّهْرِيِّ: أنَّها تجب
عليه إذا سمع الأذان.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ﴾ دليل
على أنَّ الجمعة لا تجب إِلا بالنداء، والنداء لا يكون إِلا بدخول الوقت (٤)، بدليل
قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا حضرت الصلاةُ، فأذِّنا ثم أقِيما، ولْيَؤُمّكما أكبركما)»
قاله لمالك بن الحُوَيْرِث وصاحبِه(٥). وفي البخاريّ(٦) عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ ﴾
كان يُصلِّي الجمعة حين تميل الشمس. وقد روي عن أبي بكر (٧) الصِّديق وأحمد ابن
حنبل أنَّها تُصَلَّى قبل الزوال. وتمسَّك أحمد في ذلك بحديث سَلَمة بن الأكْوَع: كنا
نصلّي مع النبيِّ # ثم ننصرف، وليس للحيطان ظِلٌّ (٨). وبحديث ابن عمر: ما كنَّا
نَقِيل ولا نتغذَّى إلا بعد الجمعة(٩). ومثلُه عن سَهْل. خرَّجه مسلم (١٠). وحديث سَلَمة
محمول على التبكير (١١). رواه هشام بن عبد الملك، عن يَعْلَى بن الحارث، عن إياس
(١) الاستذكار ٣١/٧-٣٢، وقول أبي حنيفة في بدائع الصنائع ١٩٠/٢.
(٢) وقال الحموي في معجم البلدان ١٢٩/٣: موضع أظُّه من نواحي الكوفة.
(٣) الاستذكار ٧/ ٣١ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٥/٤ .
(٥) سلف ٨/ ٦٢ - ٦٣ .
(٦) برقم (٩٠٤).
(٧) ليست في (م).
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٥/٤، وما بعده منه أيضاً، والحديث أخرجه البخاري (٤١٦٨)،
ومسلم (٨٦٠): (٣٢)، وأحمد (١٦٤٩٦).
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧ بنحوه.
(١٠) برقم (٨٥٩)، وهو عند البخاري (٩٤١).
(١١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٥.
٤٧١
سورة الجمعة: الآية ٩
ابن سلمة بن الأكْوَعِ، عن أبيه(١). وروى وَكِيع، عن يَعْلَى، عن إياس، عن أبيه قال:
كنَّا نُجَمِّع مع رسول الله﴿ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفَيْء(٢). وهذا مذهب
الجمهور من الخلَف والسَّلَف، وقياساً على صلاة الظهر. وحديث ابن عمر وسَهْلٍ،
دليلٌ على أنَّهم كانوا يبكِّرون إلى الجمعة تبكيراً كثيراً عند الغداة أو قبلها، فلا
يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة. وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنَّما يكون
قرب الزوال بيسير. وتأوَّل قولَ النبيِّ ◌َ﴾: ((من راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب
بَدَنَة ... )) الحديث بكماله. أنَّه كان في ساعة واحدة(٣). وحَمَله سائر العلماء على
ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة، بحسب زيادة النهار
ونقصانه. ابن العربيّ(٤): وهو أصحُ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ما كانوا
يَقِيلون ولا يتغذَّون إلا بعد الجمعة؛ لكثرة البكور إليها.
التاسعة: فرض الله تعالى الجمعة على كلِّ مسلم؛ ردًّا على من يقول: إنَّها فرض
على الكفاية(٥)، ونقل عن بعض الشافعية(٦). ونقل عن مالك من لم يُحَقِّق: أنَّها
سنة (٧). وجمهور الأمَّة والأئمة أنَّها فرض على الأعيان (٨)؛ لقول الله تعالى: ﴿إِذَا
نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ الَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعْ﴾. وثبت عن النبيِّ ﴿ أَنَّه
(١) أخرجه مسلم (٨٦٠): (٣٢) عن إسحاق بن إبراهيم، عن هشام بن عبد الملك، به. وسلف تخريجه
قريباً.
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٠): (٣١) عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، به.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٥، وما بعده منه أيضاً، والحديث سلف ٣٩٥/١٤.
(٤) في أحكام القرآن له ١٧٩٥/٤، وما قبله منه أيضاً، وخبر عمر سلف تخريجه قريباً.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٦/٤ .
(٦) المجموع للنووي ٣٥١/٤ ، حيث نقل عن أبي إسحاق المروزي أن هذا لا يحلُّ أن يحكى عن
الشافعي.
(٧) الاستذكار ١١٩/٥، وأجاب عن ذلك بأن شهودها سُنَّة على أهل القرى الذين اختلف السلف والخلف
في إيجاب الجمعة عليهم. وأما أهل الأمصار، فلا.
(٨) الإجماع لابن المنذر ص٢٦.
٤٧٢
سورة الجمعة: الآية ٩
قال: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجُمُعات، أو لَيَخْتِمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ
من الغافلين)) (١). وهذا حجَّة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها. وفي ((سُنن ابن
ماجه))(٢) عن أبي الجَعْد الضَّمْرِيِّ - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﴾: ((من
تَرَكَ الجمعة ثلاث مرَّات تهاوناً بها، طبع الله على قلبه)). إسناده صحيح. وحديث
جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله﴾: ((من تَرَكَ الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة،
طَبَع الله على قلبه))(٣). ابن العربيّ: وثبت عن النبيِّ﴿ أَنَّه قال: ((الرَّواح إلى الجمعة
واجبٌ على كلِّ مسلم))(٤).
العاشرة: أوجب اللهُ السَّعْيَ إلى الجمعة مطلقاً من غير شَرْط. وثبت شرط
الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات؛ لقوله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ
فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [٦: من سورة المائدة]. وقال النبيُّ :﴿: ((لا يقبلُ الله صلاةً بغير
طهور))(٥). وأغْرَبت طائفة فقالت: إنَّ غسل الجمعة فرض. ابنُ العربيِّ: وهذا باطل؛
لما روى النسائيُّ وأبو داود في ((سننهما)) أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((من توضَّأ يوم الجمعة فبها
ونِعْمَتْ. ومن اغتسل فالغسل أفضل)) (٦). وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله﴾: (من توضَّأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم راح إلى الجمعة فاستمع
وأنصت، غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام. ومن مَسَّ الحَصَى
(١) أخرجه مسلم (٨٦٥) عن ابن عمر وأبي هريرة ﴾.
(٢) برقم (١١٢٥)، وأخرجه أيضاً أبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي في المجتبى ٨٨/٣ ،
وأحمد (١٥٤٩٨). قال الترمذي: حديث أبي الجعد حديث حسن.
(٣) سنن ابن ماجه (١١٢٦)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١٦٦٩)، قال البوصيري في الزوائد:
إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٦/٤، والحديث أخرجه النسائي في المجتبى ٨٩/٣ عن حفصة زوج
النبي #، وفيه: محتلم، بدل: مسلم. وهو عند أبي داود (٣٤٢) بلفظ: على كل محتلم رواح إلى
الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٦/٤، والحديث سلف ٣٦٦/٧ .
(٦) النسائي في المجتبى ٣/ ٩٤، وأبو داود (٣٥٤)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٤٩٧)، وأحمد (٢٠٠٨٩)
عن سمرة بن جندب . قال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن. اهـ ومعنى قوله: ﴿: فيها ونعمت:
أي ونِعْمت الفعلة والخصلة هي، وقيل: هو راجع إلى السُّنّة، أي: فبالسنة أخذ. النهاية (نعم).
٤٧٣
سورة الجمعة: الآية ٩
فقد لَغا)) وهذا نَصِّ(١). وفي ((الموطأ))(٢): أنَّ رجلاً دخل يوم الجمعة وعمر بن
الخطاب يخطب(٣) ... الحديث، إلى أن قال: ـ ما زدتُ على أن توضأت، فقال
عمر: والوضوء، أيضاً؟! وقد علمتَ أنَّ رسول الله كان يأمر بالغسل. فأمر عمر
بالغسل، ولم يأمره بالرجوع، فدلَّ على أنَّه محمول على الاستحباب، فلم یمکن وقد
تلبّس بالفرض - وهو الحضور والإنصات للخطبة - أن يرجع عنه إلى السُّنَّة، وذلك
بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر، وفي مسجد النبيِّ ﴾(1).
الحادية عشرة: لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد، خلافاً لأحمد بنٍ حَنْبل فإنَّه
قال: إذا اجتمع عِيدٌ وجمعة، سقط فرض الجمعة؛ لتقدُّم العيد عليها، واشتغال
الناس به عنها. وتعلَّق في ذلك بما روي أنَّ عثمان أذِن في يوم عِيد لأهل العَوَالي أن
يتخلَّفوا عن الجمعة. وقول الواحد من الصحابة ليس بحجّة إذا خولف فيه، ولم يجمع
معه عليه. والأمر بالسَّعْي متوجّه يوم العيد كتوجُّهه في سائر الأيام(٥). وفي «صحيح
مسلم)) عن النُّعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﴾ يقرأ في العيدين وفي الجمعة:
بـ ﴿َسَبِحِ أَسْمَ رَبِكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] قال: وإذا
اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين. أخرجه أبو داود
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٦/٤، وما بعده منه أيضاً، والحديث عند مسلم (٨٥٧): (٢٧) مع
اختلاف يسير.
(٢) ١/ ١٠١ عن سالم بن عبد الله، وأخرجه أيضاً البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥)، وأحمد (١٩٩) لكن
عن ابن عمر رضي الله عنهما بنحوه.
(٣) وتمامه: فقال عمر: أيَّة ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبتُ من السوق، فسمعت النداء، فما
زدت على أن توضأت .... الخبر.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٦/٤ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٧/٤، وقول أحمد في المغني لابن قدامة ٢٤٢/٣ ، وقول عثمان
أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٨/٣، والعوالي: أماكن بأعلى أراضي
المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من نجد ثمانية أميال. النهاية (علا).
٤٧٤
سورة الجمعة: الآية ٩
والتّرمِذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه(١).
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: الصلاة. وقيل: الخطبة
والمواعظ، قاله سعيد بن جُبير(٢). ابن العربيّ(٣): والصحيح أنَّه واجب في الجميع،
وأوَّله الخطبة. وبه قال علماؤنا، إلا عبد الملك بن الماحِشُون فإنَّه رآها سُنَّة. والدليل
على وجوبها أنَّها تُحَرِّم البيع، ولولا وجوبها ما حَرَّمته؛ لأنَّ المستحبَّ لا يُحَرِّم
المباح. وإذا قلنا: إنَّ المراد بالذكر الصلاة، فالخطبة من الصلاة، والعبد يكون ذاكراً
للهِ بفعله، كما يكون مُسَبِّحًا للهِ بفعله. الزَّمَخْشَرِيُّ(٤): فإن قلتَ: كيف يفسّر ذِكْر الله
بالخطبة، وفيها غير ذلك! قلت: ما كان من ذِكْر رسول الله﴾ والثناء عليه وعلى
خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير، فهو في حكم ذكر الله. فأمَّا ما
عدا ذلك من ذكر الظَّلَمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقّاء بعكس
ذلك، فهو من ذِكْر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعُ﴾ منع الله عزَّ وجلَّ منه عند صلاة
الجمعة، وحرَّمه في وقتها على من كان مخاطباً بفرضها(٥). والبيع لا يخلو عن شراء،
فاكتفى بذِكْر أحدهما(٦)، كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأَسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]. وخصَّ البيع؛ لأنَّه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن
لا يجب عليه حضور الجمعة فلا يُنهى عن البيع والشِّراء.
(١) مسلم (٨٧٨)، وأبو داود (١١٢٢)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي في المجتبى ١٨٤/٣، وابن ماجه
(١٢٨١)، وهو عند أحمد (١٨٣٨٣).
(٢) النكت والعيون ٩/٦ لكن عن سعيد بن المسيب.
(٣) في أحكام القرآن له ١٧٩٣/٤.
(٤) في الكشاف ٤/ ١٠٥-١٠٦ .
(٥) النكت والعيون ٩/٦.
(٦) تفسير أبي الليث ٣٦٣/٣ .
٤٧٥
سورة الجمعة: الآية ٩
وفي وقت التحريم قولان: إنَّه من بعد الزوال إلى الفراغ منها، قاله الضحَّاك
والحسن وعطاء. الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعيُّ(١).
ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نُودِيَ الصَّلاة، ويفسخ عنده ما وقَع من ذلك من البيع
في ذلك الوقت(٢). ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره؛ إذ ليس من عادة الناس
الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع. قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ.
ابن العربيّ(٣): والصحيح فسخ الجميع؛ لأنَّ البيع إنما مُنع منه للاشتغال به، فكلُّ
أمرٍ يَشْغَل عن الجمعة من العقود كلِّها، فهو حرام شرعاً، مفسوخ رَدْعًا. المهدويُّ:
ورأى بعض العلماء البيعَ في الوقت المذكور جائزاً، وتأوَّل النهْيَ عنه ندباً، واستدلَّ
بقوله تعالى: ((ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)).
قلت: وهذا مذهب الشافعي؛ فإنَّ البيع ينعقد عنده ولا يفسخ(٤). وقال
الزَّمَخْشَرِيُّ في «تفسيره))(٥): إنَّ عامة العلماء على أنَّ ذلك لا يؤدِّي فساد البيع. قالوا:
لأنَّ البيع لم يَحْرُم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في
الأرض المغصوبة، والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. وعن بعض الناس
أنَّه فاسد.
قلت: والصحيح فساده وفسخه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ عملٍ ليس
عليه أمْرُنَا فهو رَةِ))(٦). أي: مردود. والله أعلم.
(١) النكت والعيون ٩/٦، وقول الضحاك أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٢٢٣)، وابن أبي شيبة
١٣٤/٢، والطبري ٦٤٢/٢٢، وقول الشافعي في الأم ١٧٣/١.
(٢) المدونة ١/ ١٥٤ .
(٣) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٩٤ .
(٤) الأم ١/ ١٧٣ .
(٥) الكشاف ١٠٦/٤ .
(٦) سلف ٤٦/٢.
٤٧٦
سورة الجمعة: الآية ١٠
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ
وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ هذا أمر إباحةٍ(١)، كقوله
چے
تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]. يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في
الأرض للتجارة والتصرُّف في حوائجكم. ﴿وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: من رزقه (٢)
وكان عِراك بن مالك إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهُمَّ
إنِّي أجبت دعوتك، وصلَّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك،
وأنت خير الرازقين(٣). وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى: ((وابْتَغُوا من فَضلِ اللهِ))
إنَّه العمل في يوم السبت(٤). وعن الحسن وسعيد بن المسيّب: طلب العلم. وقيل:
صلاة التطوُّع. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنَّما هو عيادة
المرضى، وحضور الجنائز، وزيارة الأخ في الله تعالى(٥).
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما به
أَنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض. ﴿لَعَلَّكُمْ ثُفْلِحُونَ﴾ كي تفلحوا. قال سعيد بن
جبير: الذكر: طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذَكَره، ومن لم يطعه فليس بذاكر،
وإن كان كثيرَ التسبيح. وقد مضى هذا مرفوعاً في ((البقرة))(٦).
(١) معاني القرآن للزجاج ١٧٢/٥ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٦٣/٣ .
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٥٦/١٠ (١٨٨٩٧)، والنكت والعيون ١٠/٦، والوسيط ٣٠٠/٤، وعراك بن
مالك هو الغفاري المدني، من خيار التابعين، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المئة. تهذيب
التهذيب ٨٨/٣-٨٩ .
(٤) في (م): السبب. والكلام من النكت والعيون ١٠/٦.
(٥) الكشاف ١٠٦/٤ .
(٦) ٤٥٩/٢ .
١
٤٧٧
سورة الجمعة: الآية ١١
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنْفَضُوْاْ إِلَيَّهَا وَتَرَّكُوكَ قَآئِمَا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ
خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَرَّةُ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ
فيه سبع عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَّوْا أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾ في ((صحيح مسلم)(١)
عن جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ ﴾ كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عِيرٌ من
الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يَبْقَ إلا اثنا عشر رجلاً - في رواية (٢): أنا فيهم -
فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَّوْا أَنْفَضُواْ إِلَيَّهَا وَتَكُكَ قَآَيِمَا﴾.
في رواية(٣): فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقد ذكر الكلبِيُّ وغيره: أنَّ الذي قدِم بها دِخْيَة بن خليفة الكلبيُّ من الشام عند
مجاعةٍ وغلاءِ سعر، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بُرِّ ودقيق وغيره، فنزل عند
أحجار الزيت، وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثني عشر
رجلاً. وقيل: أحد عشر رجلاً(٤). قال الكلبيُّ: وكانوا في خطبة الجمعة، فانفضوا
إليها، وبقي مع رسول الله 8# ثمانية رجال، حكاه الثعلبيُّ عن ابن عباس(٥).
وذكر الدَّارَ قُظْنِيُّ (٦) من حديث جابر بن عبد الله قال: بينما رسول الله # يخطبنا
يوم الجمعة إذ أَقبلت عِيرٌ تحمل الطعام، حتى نزلت بالبقيع، فالتفتوا إليها وانفضوا
(١) برقم (٨٦٣)، وهو عند البخاري (٩٣٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٥٥ - ٤٥٦ .
(٢) مسلم (٨٦٣): (٣٧)، والعِيْر: القافلة. النهاية (غير).
(٣) مسلم (٨٦٣): (٣٨).
(٤) أسباب النزول للواحدي ص ٤٥٦، وتفسير البغوي ٣٥/٤، والكشاف ١٠٦/٤، والمحرر الوجيز
٣٠٩/٥، وورد في بعضها: أنه ورد بتجارة زيت من الشام، بدل: عند أحجار الزيت، وهي هكذا عند
البغوي، وقال بعدها: وهو مكان في سوق المدينة.
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٣٤٥، والمحرر الوجيز ٣٠٩/٥.
(٦) في سننه (١٥٨٣)، وأخرجه أيضاً من طريقه البيهقي في السنن الكبرى ١٨٢/٣، وضعَّف إسناده ابن
حجر في التلخيص الحبير ٢/ ٥٧، وقال: تفرَّد به عليُّ بن عاصم، وخالف أصحاب حصين به.
٤٧٨
سورة الجمعة: الآية ١١
إليها، وتركوا رسول اللـه:﴿ ليس معه إلا أربعون رجلاً أنا فيهم. قال: وأنزل الله
عزَّ وجلَّ على النبيِّ ◌َ﴿: ((وَإِذا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَا انْفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً)). قال
الدَّارَ قُظْنيُّ: لم يقل في هذا الإسناد: ((إلا أربعين رجلاً)) غير عليٍّ بن عاصم، عن
حُصين، وخالفه أصحاب حُصين فقالوا: لم يَبْقَ مع النبيِّ # إلا اثنا عشر رجلاً.
وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ((والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعاً
الأضرم الله عليهم الوادي ناراً))، ذكره الزَّمَخْشرِيُّ (١).
وروي في حديثٍ مرسلٍ أسماء الاثني عشر رجلاً، رواه أسد بن عمرو والد أسد
ابن موسى بن أسد. وفيه: أنَّ رسولَ الله :﴿ لم يَبْقَ معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان
وعليٍّ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن
الجرّاح، وسعيد بن زيد وبلال، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية
الأخرى: عَمَّار بن ياسِر(٢).
قلت: لم يذكر جابراً، وقد ذكر مسلم أنَّه كان فيهم، والدَّارَقُظْنِيُّ أيضاً(٣).
فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر
أبو داود في ((مراسيله)) السببَ الذي ترخَّصوا لأنفسهم في تَرْكِ سماع الخطبة، وقد
كانوا خليقاً بفضلهم ألا يفعلوا(٤)، فقال: حدَّثنا محمود بن خالد، قال: حدَّثنا
الوليد، قال: أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنَّه سمع مقاتل بنَ حَيَّان قال: كان
رسول الله # يصلّي الجمعة قبل الخطبة مثل العِيدين، حتى كان يومُ جمعة والنبيُّ ﴾
يخطب، وقد صلَّى الجمعة، فدخل رجل فقال: إنَّ دِخْيَة بن خليفة الكَلْبيَّ قدم
(١) في الكشاف ١٠٦/٤، وأخرجه أبو يعلى (١٩٧٩)، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه (٦٨٧٧) عن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بنحوه.
(٢) التعريف والإعلام ص١٧١-١٧٢، ورواية أسد بن عمرو وصلها العقيلي كما في الضعفاء الكبير
٤٢٤/٢ من رواية أسد بن عمرو، عن حصين، عن سالم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. قال
ابن حجر في فتح الباري ٤٢٤/٢: ورواية العقيلي عن ابن عباس: أنَّ منهم الخلفاء الأربعة وابن
مسعود وأناساً من الأنصار. أقوى وأشبه بالصواب.
(٣) سلف ذكره قريباً.
(٤) التعريف والإعلام ص ١٧٢ .
٤٧٩
سورة الجمعة: الآية ١١
بتجارة، وكان دِحْيَة إذا قدم، تلقَّاه أهله بالدِّفاف، فخرج الناس فلم يظنُّوا إلا أنَّه ليس
في ترك الخطبة شيء؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾.
فقدَّم النبيُّ # الخطبةَ يوم الجمعة وأخَّر الصلاة. وكان لا يخرج أحدٌ لرُعاف أو
أحداث بعد النَّهي حتى يستأذنَ النبيَّ {#، يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام، فيأذنَ له
النبيُّ #، ثم يشير إليه بيده، فكان من المنافقين من ثَقُل عليه الخطبة والجلوس في
المسجد، وكان إذا استأذن رجلٌ من المسلمين، قام المنافق إلى جنبه مستتراً به حتى
يخرج، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَقَسَلَُّونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾ الآية(١) [٦٣ من
سورة النور]. قال السُّهَيْلِيُّ(٢): وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت، فالظنُّ الجميل
بأصحاب النبيِّ # يوجب أن يكون صحيحاً.
وقال قتادة: وبلغنا أنَّهم فعلوه ثلاثَ مرَّات؛ كلّ مَرَّة عِير تَقْدُم من الشام، وكلُّ
ذلك يوافق يومَ الجمعة(٣). وقيل: إنَّ خروجهم لقدوم دِخْيَة الكَلْبيِّ بتجارته ونظرهم
إلى العِيرِ تَمُرُّ، لَهْوٌ لا فائدةَ فيه، إلَّا أنَّه كان ممَّا لا إثمَ فيه لو وقع على غير ذلك
الوجه، ولكنَّه لما اتصل به الإعراض عن رسول اللـه 8# والانفضاض عن حضرته،
غَلُظ وكَبُر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللَّهو ما نزل. وجاء عن رسول الله ﴿ أنَّه
قال: ((كلُّ ما يَلْهو به الرجل باطل إلا رَمْيه بِقَوْسه)). الحديث. وقد مضى في سورة
((الأنفال))(٤) فلله الحمد.
وقال جابر بن عبد الله: كانت الجواري إذا نُكحن، يمرون بالمزامير والطبل
فانفضوا إليها؛ فنزلت(٥). وإنما رَدَّ الكناية إلى التجارة؛ لأنَّها أهمُّ (٦). وقرأ طلحة بن
(١) مراسيل أبي داود (٦٢)، وقال عنه ابن حجر في فتح الباري ٤٢٥/٢: شاذٌّ معضل.
(٢) في التعريف والإعلام ص١٧٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٠٩/٥ .
(٤) ١٠ / ٥٦ .
(٥) أخرجه الطبري ٦٤٨/٢٢، وأبو عوانة في صحيحه كما في فتح الباري ٢/ ٤٢٤. وأخرجه أيضاً
الشافعي في الأم ١٧٧/١ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، مرسلاً، دون ذكر جابر، وبنحوه، وورد
عند الطبري: بالكَبَر، بدل: الطبل. وهما بمعنَّى. النهاية (كبر).
(٦) تفسير البغوي ٣٤٦/٤ .
٤٨٠
سورة الجمعة: الآية ١١
مُصَرِّف: ((وإذا رأوا التجارة واللّهو انْفَضُّوا إليها))(١). وقيل: المعنى: وإذا رأوا تجارة
انفضُّوا إليها، أو لهوا انفضُّوا إليه، فحذف لدلالته(٢). كما قال:
عندك راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ(٣)
نحن بما عندنا وأنتَ بما
وقيل: الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين (٤).
الثانية: واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال؛ فقال
الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة. وقال سفيان
الثَّوْريُّ وأبو حنيفة: بأربعة. وقال ربيعة: باثني عشر رجلاً(٥).
وذكر النجَّاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال: حدَّثنا أبو خالد يزيد بن الهَيْثم بن
طَهْمان الدَّقاق، حدَّثنا صبح بن دِينار، قال: حدَّثنا المعافى بن عمران، حدَّثْنا مَعْقِل
ابن عبيد الله، عن الزهريِّ بسنده إلى مُصعب بن عمير: أنَّ النبيَّ ﴾ بعثه إلى المدينة،
وأنَّه نزل في دار سعد بن معاذ، فجمَّع بهم وهم اثنا عشر رجلاً، ذبح لهم يومئذ
شاة(٦). وقال الشافعيُّ(٧): بأربعين رجلاً.
وقال أبو إسحاق الشِّيرازيُّ في كتاب (التنبيه على مذهب الإِمام الشافعي))(٨): كلُّ
قرية فيها أربعون رجلاً بالغِين عقلاء أحراراً مقيمين، لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاءً
إِلا ◌َعْنَ حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أوَّل الخطبة إلى أن تقام الجمعة، وجبت
(١) لم نقف عليها.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٧٢ .
(٣) سلف ١٨٨/١٠.
(٤) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٥٧.
(٥) حلية العلماء للقفال الشاشي ٢/ ٢٣٠ إلا أنه ذكر الأوزاعي، بدل: الليث. وذكر ابن حجر في فتح
الباري ٤٢٣/٢ أن جملة ما للعلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة خمسة عشر قولاً، فلتنظر لمن أراد
التوسع .
(٦) الخبر ذكره ابن سعد في الطبقات ١١٨/٣ بإسناد آخر، وينظر ما سلف ص ٤٦٣ من هذا الجزء.
(٧) في الأم ١/ ١٦٩ .
(٨) ص ٤٣ - ٤٤ .