النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة الصف: الآية ٦
لأنَّه اسم، مثل الكاف من بعدك، والتاء من قمت. الباقون: بالإسكان. وقرئ: ((من
بعدي اسمه أحمد)» بحذف الياء من اللفظ (١).
و((أحمد)) اسم نبيِّنا﴾. وهو اسم عَلَم منقول من صفة، لا من فعل، فتلك الصفة
((أفعل)) التي يراد بها التفضيل. فمعنى ((أحمد)) أي: أَحْمَدُ الحامدين لربِّه. والأنبياء
صلوات الله عليهم كلُّهم حامدونَ الله، ونِيُّنا أحمدُ أكثرُهم حمداً.
وأمَّا محمد فمنقول من صفة أيضاً، وهي في معنى: محمود، ولكن فيه معنى
المبالغة والتكرار. فالمحمَّد هو الذي حُمِد مرَّةً بعد مرَّةٍ. كما أنَّ المُكَرَّم من الكرم مرَّة
بعد مرَّة. وكذلك الممدَّح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سمّاه
قبل أن يُسَمِّيَ به نفسه. فهذا عَلَمٌ من أعلام نبؤَّته، إذ كان اسمه صادقاً علیه، فهو
محمود في الدنيا، لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو محمود في الآخرة،
بالشفاعة. فقد تكرّر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ.
ثم إنَّه لم يكن مُحَمَّداً حتى كان أحمدَ، حَمِد ربَّه فَنَّأه وشرّفه، فلذلك تقدَّم اسم
أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى عليه السلام فقال: ((اسْمُهُ أَحمَدُ».
وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربُّه: تلك أمَّة أحمد، فقال: اللَّهُمَّ اجعلني من
أمَّة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمَّد؛ لأنَّ حَمْدَه لرَبِّه كان قبل حَمْدِ الناس
له. فلما وُجد وبُعث، كان محمداً بالفعل. وكذلك في الشفاعة يحمد ربَّه بالمحامد
التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربِّه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته(٢).
وروي أنَّ النبيَّ﴾ قال: (اسمي في التوراة: أحيد؛ لأنّ أحيد أمَّتي عن النار،
واسمي في الزبور: الماحي؛ محا الله بي عَبَدة الأوثان، واسمي في الإنجيل:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢١/٤ ونسبها إلى ابن محيصن وحمزة والكسائي.
(٢) من قوله: وأحمد، اسم نبينا #، إلى هنا من التعريف والإعلام ص ١٦٩، والروض الأنف ١٨٢/١
- ١٨٣ .

٤٤٢
سورة الصف: الآيتان ٦ - ٧
أحمد، واسمي في القرآن محمَّد؛ لأنّي محمود في أهل السماء والأرض))(١). وفي
الصحيح: ((لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بيَ
الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قَدَمي، وأنا العاقب)). وقد تقدَّم(٢).
﴿فَلَّا جَهُمْ بِلْبَيْنَتِ﴾ قيل: عيسى(٣). وقيل: محمَّد صلى الله عليهما وسلم(٤).
﴿قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ قرأ الكسائي وحمزة: ((ساحر))(٥) نعتاً للرجل. وروي أنَّها
قراءة ابن مسعود. الباقون: ((سحر)) نعتاً لما جاء به الرسول.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تقدَّم
في غير موضع (٦). ﴿وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِّ﴾ هذا تعجُّب ممن كفر بعيسى ومحمَّد بعد
المعجزات التي ظهرت لهما .
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف: ((وَهُوَ يَدَّعِي)) بفتح الياء والدال وشدِّها وكسر العين(٧)،
أي: ينتسب. ويَدَّعِي وينتسب سواء. ﴿وَلَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: من كان في
حكمه أنَّه يُختم له بالضلالة.
(١) النكت والعيون ٥٢٩/٥، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ١٨٥ في ترجمة إسحاق بن بشر بنحوه
وعزاه لابن عدي بإسناده عن ابن عباس مرفوعاً، وفيه: إسحاق بن بشر، وهو كذَّاب متروك، وأورده
أيضاً الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص٣٢٦ ، وقال: في إسناده وضّاع.
(٢) البخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤)، وسلف ٤٥١/١٠ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٥٨/٣ .
(٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٦١٣.
(٥) السبعة ص٢٤٩ ، والتيسير ص ١٠١ .
(٦) ٣٣٩/٨ و٤٥٧ .
(٧) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والمحتسب ٣٢١/٢ وما بعده منه، إلا أن القراءة وردت في مطبوع
القراءات الشاذة هكذا: وهو يدعى إلا الإسلام. كما ينظر هامش القراءة المتعلّق بها.

٤٤٣
سورة الصف: الآية ٨
قوله تعالى: ﴿يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ
الْكَفِرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ﴾ الإطفاء: هو الإخماد، يستعملان في
النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور (١). ويَفترق الإطفاء
والإخماد من وجه، وهو أنَّ الإطفاء يستعمل في القليل والكثير، والإخماد إنَّما
يستعمل في الكثير دون القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج.
وفي (نُور اللهِ)) هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنَّه القرآن، يريدون إبطالَه وتكذيبه
بالقول، قاله ابن عباس وابن زيد.
والثاني: أنَّه الإسلام، يريدون دفعه بالكلام، قاله السُّدِّيُّ.
الثالث: أنَّه محمَّد ﴿، يريدون هلاكه بالأَراجيف، قاله الضخَّاك.
الرابع: حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، قاله ابن بحر.
الخامس: أنَّه مثَل مضروب، أي: من أراد اطفاءَ نور الشمس بِفِيْهِ، فوجده
مستحيلاً ممتنعاً، فكذلك من أراد إيطال الحقِّ، حكاه ابن عيسى(٢).
وسبب نزول هذه الآية حكاه عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ # أبطأ عليه
الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف: يامعشرَ اليهود، أَبشِروا! فقد أَطفأ اللهُ
نورَ محمَّد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتمَّ أمره. فحزن رسول الله ®، فأنزل الله
تعالى هذه الآية، واتَّصل الوحي بعدها، حكى جميعَه الماورديُّ(٣) رحمه الله.
﴿وَاللَّهُ مُ نُرِوٍ﴾ أي: بإظهاره في الآفاق. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي
وحفص عن عاصم: ((وَاللهُ مُتَمُّ نُورِه)»(٤) بالإضافة على نيَّة الانفصال، كقوله تعالى:
(١) في النكت والعیون ٥/ ٥٣٠ : والنور. والكلام - وما بعده - منه.
(٢) الأقوال الخمسة في النكت والعيون ٥/ ٥٣٠، وقول ابن زيد أخرجه عنه الطبري ٦١٤/٢٢ .
(٣) في النكت والعيون ٥٣٠/٥ .
(٤) السبعة ص ٦٣٥، والتيسير ص ٢١٠ .

٤٤٤
سورة الصف: الآيتان ٨ - ٩
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وشبهه، حسب ما تقدَّم بيانه في ((آل
عمران))(١). الباقون: ((مُتِمُّ نُورَهُ)) لأنَّه فيما يستقبل، فعمِل . ﴿وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ من
سائر الأصناف.
قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِنِ اَلِّْ لِظْهِرَُ عَلَى الَّذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ
﴾
٩
كَرِهَ الْمُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ أي: محمَّداً بالحقِّ والرشاد.
﴿ يُظْهِرَةُ عَلَى الْذِينِ كُلِّ﴾ أي: بالحجج. ومن الظهور الغلبةُ باليد في القتال، وليس
المراد بالظهور ألَّ يبقى دين آخر من الأديان، بل المراد: يكون أهل الإسلام عالین
غالبين. ومن الإظهار ألَّا يبقى دين سوى الإسلام في آخر الزمان. قال مجاهد: وذلك
إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلَّا دين الإسلام(٢).
وقال أبو هريرة: ((لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» بخروج عیسى(٣). وحينئذ لا یبقی كافر
إلا أسلم. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((لينزلنَّ ابنُ
مريم حَكَماً عادلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصليبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الخنزيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ
القِلاص، فلا يُسْعَى عليها، ولَتَذْهَبَنَّ الشَّخْناءُ والتَّبَاغُضُ والتَّحاسدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إلى
المال فلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ»(٤). وقيل: ((لِيُظْهِرَهُ) أي: ليطلع محمَّداً ﴾ على سائر الأديان،
حتى يكون عالماً بها، عارفاً بوجوه بطلانها، وبما حَرَّفوا وغَيَّروا منها . ﴿عَلَى الذِينِ﴾
أي: الأدیان؛ لأنَّ الدین مصدر یعبَّر به عن جمع.
(١) ٥ / ٤٤٧ .
(٢) الكشاف ٤/ ٩٩ .
(٣) أخرجه الطبري ٤٢٣/١١ و٦١٥/٢٢ .
(٤) مسلم (١٥٥): (٢٤٣)، وهو عند أحمد (١٠٤٠٤)، والقلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة.
النهاية (قلص).

٤٤٥
سورة الصف: الآيات ١٠ - ١٣
قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُكُمْ عَلَى تَِزَقِ ثُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢ نُؤْمِنُونَ
◌ِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَِّ بِأَقَوَلِكُمْ وَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ نَعُونَ (١)
يَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طِبَةً فِ جَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٧) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ بِنَ الَّهِ وَفَنْحٌ غَرِيبُ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلَ أَوْلُكُمْ عَلَ تِجَرَقِ﴾ قال مقاتل: نزلت
في عثمان بن مظعون، وذلك أنَّه قال لرسول اللـه ﴾: لو أَذِنْتَ لي فطلَّقتُ خَوْلة،
وتَرَهَّبْتُ واخْتَصَيْتُ وحَرَّمْتُ اللَّحم، ولا أَنام بليل أبداً، ولا أُفطر بنهار أبداً! فقال
رسول اللـه ﴾: ((إِنَّ مِن سُنَّتي النكاح، ولا رَهبَانيَّةً في الإسلام، إنَّما رهبانية أمَّتي
الجهادُ في سبيل الله، وخِصاءُ أُمَّتي الصومُ، ولا تُحَرِّموا طيباتٍ ما أحلَّ اللهُ لكم.
ومِنْ سُنَّتي أنام وأقوم، وأُفطر وأصوم، فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي)). فقال
عثمان: واللهِ لوَدِدْتُ يا نبيَّ الله أيّ التجاراتِ أحبُّ إلى الله فأتَّجر فيها، فنزلت(١).
وقيل: ((أَدُلُّكُمْ)) أي: سأدلكم. والتجارة: الجهاد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَهُ
أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَم﴾ [التوبة: ١١١].
وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل الكتاب.
(١) لم نقف عليه هكذا، بل ورد معناه في عدة أحاديث، منها: ما أخرجه البخاري (٥٠٧٣)، ومسلم
(١٤٠٢)، وأحمد (١٥٨٨) عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد ردَّ ذلك - يعني النبيَّ# - على عثمان بن
مظعون التبتُّلَ، ولو أَذِنَ له لاختصينا. ومنها: ما أخرجه أحمد (١٣٨٠٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد
(٣٣)، وأبو يعلى في مسنده (٤٢٠٤) عن أنس، عن النبي # قال: لكل نبيٍّ رهبانية، ورهبانية هذه
الأمة الجهاد في سبيل الله. ومنها: ما أخرجه البخاري (٥٠٧٥)، ومسلم (١٤٠٤) عن عبد الله قال: كنا
نغزو مع رسول الله # وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح
المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ومنها ما أخرجه
البخاري (٥٠٦٣) عن أنس في الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﴾، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها ... فجاء
رسول الله # فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم
وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. وهو عند مسلم (١٤٠١) بنحوه.

٤٤٦
سورة الصف: الآيات ١٠ - ١٣
الثانية: قوله: ﴿نُجِكُ﴾ أي: تخلصكم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم. وقد تقدَّم(١).
وقراءة العامة: ((تُنْجِيكُمْ) بإسكان النون من الإنجاء. وقرأ الحسن وابن عامر وأبو
حيوة: (تُنَجِّيَّكُمْ)) مشدّداً (٢)، من التَّنجية. ثم بيَّن التجارة وهي المسألة:
الثالثة: فقال: ﴿نُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَُّهِدُونَ فِ سَبِلِ الَّهِ بِأَقْوَ لِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ذكر الأموال
أوّلاً؛ لأنَّها التي يبدأ بها في الإنفاق. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: هذا الفعل ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من
أموالكم وأنفسكم ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. و((تُؤْمِنُونَ)) عند المبرِّد والزجَّاج (٣) في معنى:
آمنوا، ولذلك جاء ((يَغْفِرْ لَكُمْ)) مجزوماً على أنَّه جواب الأمر. وفي قراءة عبد الله
((آمنوا بالله))، وقال الفرَّاء: ((يَغْفِرْ لَكُمْ)) جواب الاستفهام، وهذا إنَّما يصحُ على
الحمل على المعنى، وذلك أن يكون («تُؤْمِنُونَ بِالله ◌ِتُجَاهِدُونَ)» عطف بيان على
قوله: ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) كأنَّ التجارة لم يُدْرَ ماهي،
فُبُيِّنت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى. فكأنَّه قال: هل تؤمنون بالله
وتجاهدون، يغفر لكم. الزَّمَخْشرِيُّ(٤): وجه قول الفرَّاء أنَّ متعلَّق الدلالة هو
التجارة، والتجارة مفسَّرة بالإيمان والجهاد. كأنَّه قيل: هل تتَجرون بالإيمان
والجهاد، يغفر لكم. قال المهدوِيُّ: فإن لم تقدِّر هذا التقدير، لم تصحَّ المسألة؛ لأنَّ
التقدير يصير: إن دُللتم، يغفر لكم، والغفران إنَّما نُعت بالقبول والإيمان، لا بالدلالة.
قال الزجّاج(٥): ليس إذا دلَّهم على ما ينفعهم، يغفر لهم، إنَّما يغفر لهم إذا آمنوا
وجاهدوا. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((تؤمنوا))، ((وتجاهدوا)) على إضمار لام الأمر، كقوله:
(١) ١/ ٣٠١ .
(٢) السبعة ص٦٣٥، والتيسير ص ٢١٠ .
(٣) في معاني القرآن له ١٦٦/٥، وقراءة ابن مسعود فيه، وفي معاني القرآن للفراء ١٥٤/٣، وما بعده
منه أيضاً.
(٤) الكشاف ٤/ ١٠٠ .
(٥) في معاني القرآن له ١٦٦/٥ .

٤٤٧
سورة الصف: الآيات ١٠ - ١٣
إذا ما خِفْتَ من شيء تَبّالا(١)
محمَّدُ تَفْدِ نفسَكَ كلُّ نفسٍ
أراد: لِتَفْدِ. وأدغم بعضهم فقال: ((يغفر لكم))(٢) والأحسن ترك الإدغام؛ لأنَّ
الراء حرف متكرِّر قويٌّ، فلا يحسن إدغامه في اللام؛ لأنَّ الأقوى لا يُدغَم في
الأضعف.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ﴾ خرَّج أبو الحسين(٣) الآجُرِّي عن
الحسن قال: سألتُ عمرانَ بنَ الحُصَين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية: ((وَمَسَاكِنَ
طَيَِّةً)) فقالا: على الخبير سقطتَ، سَأَلْنا رسولَ الله ﴾ عنها فقال: ((قَصْرٌ من لؤلؤة في
الجنَّة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كلِّ دار سبعون بيتاً من زَبَرْ جَدة خضراء،
في كلِّ بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كلِّ لَوْن، على كلِّ فراش
سبعون امرأةً من الحُور العين، في كلِّ بيت سبعون مائدة، على كلِّ مائدة سبعون لوناً
من الطعام، في كلِّ بيت سبعون وَصيفاً ووصيفة، فيُعطي الله تبارك وتعالى المؤمنَ من
القُوَّة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كلِّه)).
﴿فِي جَّتِ عَنْنٍ﴾ أي: إقامة. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: السعادة الدائمة الكبيرة.
وأصل الفوز الّفَر بالمطلوب.
(١) الكشاف ١٠٠/٤، والقراءة في البحر المحيط ٢٦٣/٨، والبيت سلف ٤٣٢/٤.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٦٧/٥ ونسبها لأبي عمرو بن العلاء، وما بعده منه أيضاً.
(٣) كذا في النسخ، ولعلّه: محمد بن الحسين الآجري في كتابه ((النصيحة))، كما عزاه إليه السيوطي في
اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٣٧٦/٢ ، والحديث أخرجه أيضاً ابن المبارك في الزهد
(١٥٧٧)، والبزار في البحر الزخار (٣٥٦٣)، والطبري ٥٥٨/١١ - ٥٥٩ ، وابن أبي حاتم في التفسير
١٨٣٩/١٠ (١٠٣٠٢)، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٦٠ (٣٥٣) من طرق، عن الحسن، به.
وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (١٧٠٤) وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله#، وفي
إسناده: جسر بن فرقد، قال يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم بن حبان: خرج عن
حدِّ العدالة. اهـ وأورده أيضاً ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة المرفوعة ٣٨٢/٢-٣٨٣. اهـ. وقال
ابن كثير في البداية والنهاية ٢٨٦/٢٠: وهذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، وإذا كان الخبر
ضعيفاً لم يمكن اتصاله، فإن جسراً هذا ضعيف جداً.

٤٤٨
سورة الصف: الآيات ١٠ - ١٤
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ قال الأخفش والفرَّاء: ((أُخْرَى)) معطوفة
على (تِجَارَةٍ)) فهي في محلِّ خفض(١). وقيل: محلُّها رفع، أي: ولكم خصلة أخرى
وتجارة تحبونها ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: هو نصر من الله، فـ ((نصر)) على هذا تفسير
((وأخْرَى))(٢). وقيل: رفع على البدل من ((أُخْرَى)) أي: ولكم نصر من الله(٣). ﴿وَفَنَّحٌ
فَرِيرُ﴾ أي: غنيمة في عاجل الدنيا(٤)، وقيل: فتح مكة. وقال ابن عباس: يريد فتح
فارس والروم(٥). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ برضا الله عنهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَاِبْتِنَ مَنْ
أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِّ قَالَ الْمَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَمَنَت ◌َآَيِفَةٌ مِنْ بَّىَ إِسْرَوِيلَ وَكَفَرَتْ
◌َِّفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّمٍ فَأَضْبَحُواْ ظَيْهِنَ
أكَّد أمر الجهاد، أي: كونوا حوارِيَّ نبيِّكم؛ ليظهركم الله على من خالفكم، كما
أظهر حواريَّ عيسى على مَن خالفهم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ((أنصاراً لِلِهِ)) بالتنوين(٦). قالوا: لأنَّ معناه:
اثبتوا وكونوا أعواناً لِلهِ بالسيف على أعدائه (٧). وقرأ الباقون من أهل البصرة والكوفة
والشام: ((أنصار الله)) بلا تنوين، وحذفوا لامَ الإضافة من اسم الله تعالى. واختاره
أبو عُبيد لقوله: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)) ولم ينوَّن، ومعناه: كونوا أنصاراً لدين الله (٨). ثم
قيل: في الكلام إضمار، أي: قل لهم يا محمَّد: كونوا أنصار الله. وقيل: هو ابتداء
(١) معاني القرآن للأخفش ٧٠٨/٢.
(٢) معاني القرآن للفراء ١٥٤/٣.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٦٦/٥.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٤/٥ .
(٥) الوسيط ٤/ ٢٩٣، ونسب القول الأول للكلبي، والثاني لعطاء.
(٦) السبعة ص ٦٣٥، والتيسير ص٢١٠.
(٧) تفسير أبي الليث ٣٥٩/٣ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٣/٤ .

٤٤٩
سورة الصف: الآية ١٤
خطاب من الله، أي: كونوا أنصاراً، كما فعل أصحاب عيسى فكانوا بحمد الله
أنصاراً، وكانوا حواريِّين.
والحوَارِيُّون: خواصُّ الرسل. قال مَعْمَر: كان ذلك بحمد الله، أي: نصروه وهم
سبعون رجلاً، وهم الذين بايعوه ليلةَ العَقَبَةُ(١). وقيل: هم من قريش، وسمَّاهم قتادة:
أبا بكر، وعمر، [وعثمان]، وعليّاً، وطلحة، والزبير، وسعد بن مالك، وأبا عبيدة
- واسمه عامر - وعثمان بن مَظْعُون، وحمزة بن عبد المطلب، ولم يذكر سعيداً فيهم،
وذكر جعفر بن أبي طالب ﴾ أجمعين(٢). ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْتَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ﴾ وهم
أصفياؤه اثنا عشر رجلاً، وقد مضت أسماؤهم في ((آل عمران))(٣)، وهم أوَّل من آمن
به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس(٤). وقال مقاتل: قال الله لعيسى: إذا دخلتَ
القريةَ فَأْتِ النهر الذي عليه القَصَّارون، فاسألهم النُّصرة، فأتاهم عيسى وقال: مَن
أنصاري إلى الله؟ قالوا: نحن ننصرك. فصدَّقوه ونصروه. ومعنى ((مَنْ أَنْصَارِي إلى
اللهِ) أي: مَن أنصاري مع الله، كما تقول: الذَّوْد إلى الذَّوْد إيل، أي: مع الذَّوْد.
وقيل: أي: مَن أنصاري فيما يقرِّب إلى الله. وقد مضى هذا في ((آل عمران)(٥).
﴿فَمَنَت ◌َائِفَةٌ مِنْ بَفِىِ إِسْرَغِيلَ وَكَفَرَت ◌َلِفَةٌ﴾ والطائفتان في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه
إلى السماء، على ما تقدَّم في ((آل عمران))(٦) بيانه. ﴿فَأَِّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِِّمْ﴾ الذين
كفروا بعيسى. ﴿فَضَحُواْ ظَهِرِينَ﴾ أي: غالبين(٧). قال ابن عباس: أيَّد الله الذين آمنوا في
(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٩٠/٢، والطبري ٦٢٠/٢٢-٦٢١، وابن عبد البر في الاستيعاب
(٢٩/١ بهامش الإصابة) عن معمر، عن قتادة.
(٢) التعريف والإعلام ص ١٧٠، وما بين حاصرتين منه، والخبر أخرجه عن قتادة عبد الرزاق في التفسير
٢٩٠/٢، والطبري ٢٢/ ٦٢١، والثعلبي في عرائس المجالس ص٣٩٤، إلا أنهم زادوا: عبد الرحمن
ابن عوف.
(٣) ١٤٩/٥ ولم يذكر هناك أسماءهم، بل ذكر سبب تسميتهم.
(٤) الکشاف ١٠١/٤ دون عزو.
(٥) ١٤٨/٥، والذَّوْدُ من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، والمعنى: إذا جمعتَ القليل مع القليل، صار
کثیراً. الصحاح (ذود).
(٦) ١٥٤/٥.
(٧) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٦٤ .

٤٥٠
سورة الصف: الآية ١٤
زمن عيسى بإظهار محمَّد على دين الكفار(١). وقال مجاهد: أَيِّدوا في زمانهم على مَن
كفر بعيسى. وقيل: أَيَّدنا الآن المسلمين على الفرقتين الضالَّتين، من قال: كان الله
فارتفع، ومن قال: كان ابْنَ الله فرفعه الله إليه؛ لأنَّ عيسى ابن مريم لم يقاتل أحداً،
ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. وقال زيد بن عليٍّ وقتادة: ((فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)»:
غالبين بالحجَّة والبرهان؛ لأنَّهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمونَ أنَّ عيسى كان ينام،
واللهُ لا ينام، وأنَّ عيسى كان يأكل، واللهُ تعالى لا يأكل !. وقيل: نزلت هذه الآية في
رسل عيسى عليه الصلاة والسلام.
قال ابنُ اسحاق(٢): وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريِّين والأتباع فطرس(٣)
وبولس إلى رُومِية، وأندراييس(٤) ومئى(٥) إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس.
وتوماس(٦) إلى أرض بابل من أرض المشرق. وفيلبس(٧) إلى قُرْطَاجَنَّة، وهي أفريقية.
ويحنس(٨) إلى دفسوس(٩) قرية أهل الكهف. ويعقوبس إلى أورِيشَلم وهي بيت
المقدس. وابن تلما إلى العرابية(١٠) وهي أرض الحجاز. وسِيمن إلى أرض البربر.
(١) تفسير البغوي ٣٣٩/٤ بنحوه.
(٢) أخرجه عنه الطبري في تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٦٠٣، وقد اختلفت النسخ الخطية في رسم هذه
الأسماء، فأثبتناه من التاريخ كما هو، ثم أشرنا إلى اختلاف النسخ الخطية، ووردت أسماءهم أيضاً عند
الثعلبي في عرائس المجالس ص٣٩٤ ، والماوردي في المحبر ص٤٦٤ بنحو ما ذكر هنا، وينظر لزاماً:
الإعلام بأصول الأعلام للدكتور عبد الرحيم، وقاموس الكتاب المقدس.
(٣) في (ف) و(د) و(خ): قطرس، وفي (ظ): يطرس.
(٤) في (خ): اندراريس.
(٥) في (ف): متا، وفي (خ): ومتنا.
(٦) في (ف) و(خ): بوناس، وفي (د): اتوناس.
(٧) في (ف) : قليس، وفي (خ): قَيْليْس.
(٨) ضبطها في (غ) هكذا: يُحَنْس.
(٩) في (ف) و(د) و(خ): أقسوس. وفي (ظ): أفسوس.
(١٠) في النسخ الخطية: الأعرابية.

٤٥١
سورة الجمعة: الآية ١
ويهوذا وبردس(١) إلى الإسكندرية وما حولها. فأيَّدهم الله بالحجَّة ﴿فَأَصْبَحُواْ ظِرِينَ﴾
أي: عالين، من قولك: ظهرتُ على الحائط، أي: عَلَوْت عليه. والله سبحانه وتعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
سورة الجمعة
مدنيّةٌ في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية (٢).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة أنَّ رسول اللـه ل:﴿ قال: ((خير يومٍ طَلَعَتْ عليه
الشمس يومُ الجمعة؛ فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدخِل الجنَّة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم
الساعة إلا في يوم الجمعة))(٣). وعنه قال: قال رسول الله﴾: ((نحن الآخرون
[الأوّلون] يوم القيامة، ونحن أوَّل من يدخل الجنَّة، بيدَ أنَّهم أوتوا الكتاب مِن قَبْلِنا،
وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقِّ، فهذا يومهم
الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له - قال: يوم الجمعة - فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد
غدٍ للنصارى»(٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغْيِ الرَّحَمَةِ
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ المَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ
T
الْحَكِيمِ
تقدَّم الكلام فيه. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم: ((الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْعَزِيزُ
(١) في (ف) و(خ) و(ظ): وبودس.
(٢) تفسير البغوي ٣٣٩/٤ .
(٣) مسلم (٨٥٤): (١٨) وهو عند أحمد (٩٤٠٩).
(٤) أخرجه مسلم (٨٥٥): (٢٠)، وما بين حاصرتين منه، والبخاري (٨٧٦)، وأحمد (٧٣١٠).

٤٥٢
سورة الجمعة: الآيتان ١ - ٢
الْحَكِيمُ)) كلُّها رفعاً (١)؛ أي: هو المَلِكُ.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمَّيِّعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِهِمْ
٢
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلِ مُبِينٍ
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمَّيِّعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: الأمِّيُّون:
العرب كلُّهم، من كتَب منهم ومن لم يكتُب؛ لأنَّهم لم يكونوا أهلَ كتاب. وقيل:
الأمِّيُّون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش(٢). وروى منصور عن إبراهيم قال:
الأمِّيُّ: الذي يقرأ ولا يكتب(٣). وقد مضى في ((البقرة))(٤).
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني محمَّداً ﴾. وما من حَيٍّ من العرب إلا ولرسول الله ﴾ فيهم
قرابة وقد وَلَدُوه. قال ابن إسحاق: إلا حَيَّ تَغْلِب؛ فإنَّ الله تعالى طهّر نبيَّه # منهم
لنَصْرَانِيَّتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أمِّيًّا لم يقرأ من كتاب، ولم يتعلَّم ◌َ﴾.
قال الماورديُّ(٥): فإن قيل: ما وجه الامتنان بأن بُعث نبيًّا أمِّيًّا؟ فالجواب عنه من
ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدّمت بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله
لأحوالهم، فيكون أقربَ إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظَّنِّ في تعليمه ما
دعى إليه من الكتب التي قرأها، والحِكَم التي تلاها.
قلت: وهذا کلُّه دلیل معجزته وصدق نبوّته.
قوله تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَهِمْ ءَايَتِهِ﴾ يعني: القرآن ﴿وَيُزَّكِبِمُ﴾ أي: يجعلهم أزكياء
القلوب بالإِيمان، قاله ابن عباس. وقيل: يطهِّرهم من دنس الكفر والذنوب، قاله ابن
(١) القراءات الشاذة ص١٥٦ عن شقيق بن سلمة ورؤبة وأبي الدينار الأعرابي، والكشاف ٤/ ١٠٢.
(٢) النكت والعيون ٥/٦ .
(٣) أخرجه الطبري ١٥٣/٢، وابن أبي حاتم في التفسير ١/ ١٥٢ (٧٩١) من طريق سفيان، عن منصور،
به.
(٤) ٢/ ٢١٦ .
(٥) في النكت والعيون ٦/٦.

٤٥٣
سورة الجمعة: الآيتان ٢ - ٣
جُريج ومقاتل. وقال السُّدِّيُّ: يأخذ زكاة أموالهم(١) ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ﴾ يعني: القرآن
﴿وَالِكْمَةَ﴾ السُّنَّة، قاله الحسن. وقال ابن عباس: ((الكتاب)): الخُ بالقلم؛ لأنَّ
الخطّ فَشَا في العرب بالشرع لمَّا أُمِروا بتقييده بالخطّ. وقال مالك بن أنس:
(الحِكْمَة)): الفقه في الدِّين. وقد مضى القول في هذا في ((البقرة))(٢). ﴿وَإِن كَانُواْ مِن
قَبْلُ﴾ أي: من قَبْله وقَبْل أن يرسل إليهم. ﴿لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن
الحقِّ.
قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٣
قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ هو عطف على ((الأمِّيين)) أي: بعث في الأمِّيِّين
وبعث في آخرين منهم. ويجوز أن يكون منصوباً بالعطف على الهاء والميم في
(وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ))(٣)؛ أي: يعلِّمهم ويعلِّم آخرين من المؤمنين؛ لأنَّ التعليم إذا
تناسق إلى آخر الزمان كان كلُّه مسندًا إلى أوَّله، فكأنَّه هو الذي تولَّى كلَّ ما وجد منه.
﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ أي: لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم(٤). قال ابن عمر
وسعيد بن جبير: هم العجم(٥). وفي ((صحيح البخاريِّ ومسلم)) عن أبي هريرة قال:
كنَّا جلوساً عند النبيِّ ﴾، إذ نزلت عليه سورة ((الجمعة))، فلما قرأ: ((وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا
يَلْحَقُوا بِهِمْ)). قال رجل: مَن هؤلاءِ يا رسول الله؟ فلم يُراجعْه النبيُّ# حتى سأَلَه مَرَّة
أو مرَّتين أو ثلاثاً. قال: وفينا سَلْمانُ الفارسيُّ. قال: فوضع النبيُّ # يدَه على
سلمانَ، ثم قال: ((لو كان الإِيمان عند الثُّريًّا لناله رجال من هؤلاء))(٦). في رواية: (لو
(١) النكت والعيون ٦/٦ وما بعده منه أيضاً.
(٢) ٢/ ٤٠٣، وقول مالك أخرجه الطبري ٥٧٦/٢، وابن أبي حاتم في التفسير ٥٣٢/٢ (٢٨٢٩).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٥/٤-٤٢٦ .
(٤) تفسير أبي الليث ٣٦٢/٣ .
(٥) زاد المسير ٢٥٩/٨ .
(٦) البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦): (٢٣١)، وهو عند أحمد (٩٤٠٦).

٤٥٤
سورة الجمعة: الآية ٣
كان الدِّين عند الثُّرَيَّا لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتى
يتناوله)) لفظ مسلم(١).
وقال عكرمة: هم التابعون(٢). مجاهد: هم الناس كلَّهم، يعني: من بعد العرب
الذين بُعث فيهم محمَّد ◌َ﴾(٣). وقاله ابن زيد ومقاتل بن حَيَّن قالا: هم من دخل في
الإِسلام بعد النبيِّ# إلى يوم القيامة(٤). وروى سهل بن سعد السَّاعديُّ: أنَّ النبيَّ ﴾
قال: ((إنَّ في أصلاب أمَّتي رجالاً ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا:
((وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ))(٥). والقول الأوَّل أثبت.
وقد روي أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((رأيتُني أسقي غنماً سوداً، ثم أتبعتها غنماً عُفْرًا،
أَوِّلْها يا أبا بكر))؟ فقال: يا رسولَ الله، أمَّا السود فالعرب، وأما العُفْر فالعجم تتبعك
بعد العرب. فقال النبيُّ﴾: ((كذا أَوَّلَها المَلَك)) يعني: جبريل عليه السلام. رواه ابن
أبي لَيلَى عن رجل من أصحاب النبيِّ ﴾، وهو عليُّ بن أبي طالب ﴾(٦).
(١) برقم (٢٥٤٦): (٢٣٠)، وهو عند أحمد (٨٠٨١).
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٤٠ .
(٣) تفسير مجاهد ٦٧٣/٢، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٦٣١.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٤٠ عن ابن زيد، وأخرجه عنه الطبري ٦٣١/٢٢، والمحرر الوجيز ٣٠٧/٥ عن
مقاتل بنحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٠٩)، والطبراني في الكبير (٦٠٠٥)، وابن أبي حاتم في التفسير
٣٣٥٥/١٠ (١٨٨٩١) بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٠٨/١٠: رواه الطبراني وإسناده جيد.
(٦) لم نقف عليه هكذا، بل أخرجه الحاكم ٤/ ٣٩٥ من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى،
عن أيوب ه مرفوعاً بنحوه. ومن طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً بنحوه
ومع زيادة. قال الحاكم: هذا حديث على شرط البخاري، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرج أحمد
(٢٣٨٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٥١)، وأبو يعلى (٩٠٤)، والبزار (٢٧٨٥)، واللفظ
له، عن أبي الطفيل ، عن النبي # أنه قال: رأيت فيما يرى النائم غنماً سودًا تتبعها غنم عفر، فأولت
أن الغنم السود العرب، وأن العفر العجم. مع زيادة فيما عداه من المصادر. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ١٨٣/٧ : رواه البزار، وفيه: علي بن زيد، وهو ثقة سىء الحفظ، وبقية رجاله ثقات.
وذكر ابن حجر في فتح الباري ١٢/ ٤١٣ أن أبا ذر الهروي أخرجه في كتابه الرؤيا عن ابن مسعود،
وورد في آخره: ((فعبِّرها يا أبا بكر)). قال: أَلي الأمرَ بعدك، ويليه بعدي عمر. قال: ((كذلك عبَّرها
الملك)». وفي سنده: أيوب بن جابر، وهو ضعيف، وهذه الزيادة منكرة. اهـ

٠٠
سورة الجمعة: الآيتان ٤ -٥
٤٥٥
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْنِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش. وقيل: يعني الإِسلام، فضلُ الله
يؤتيه من يشاء، قاله الكلبيُّ(١). وقيل: يعني الوحي والنبوَّة، قاله مقاتل. وقول
رابع: إنَّه المال يُنفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح. وقد روى مسلم،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنَّ فقراء المهاجرين أتّوْا رسولَ الله ﴾ فقالوا: ذهب
أهل الدُّنُور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: ((وما ذاك))؟ قالوا: يُصَلُّون كما
نصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعتِقُون ولا نُعْتِق. فقال
رسول الله﴾: ((أَفلا أُعلِّمكم شيئاً تُدرِكون به من سبقكم، وتَسبِقون به مَن بعدکم،
ولا یکون أحدٌ أفضلَ منکم، إِلا من صنع مثل ما صنعتم)). قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ((تُسبِّحون، وتُكبِّرون، وتَحمدون، دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين مرَّة)). قال أبو
صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﴿ فقالوا: سمِع إخوانُنا أهلُ الأموال
بما فعلنا، ففعلوا مِثْلَه. فقال رسول الله ﴾: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))(٢). وقول
خامس: أنَّه انقياد الناس إلى تصديق النبيِّل﴿، ودخولهم في دينه ونصرته(٣)، والله
أعلم.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثَُ لَمْ يَحِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ
يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِنْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ @)
ضرب مَثَلاً لليهود لمَّا تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمَّد ◌َ﴾(٤). ﴿حُمِّلُوا
التَّوْرَنَّةَ﴾ أي: كُلِّفوا العمل بها، عن ابن عباس. وقال الجُرْجانيُّ: هو من الحَمَالة
(١) النكت والعيون ٧/٦ - ٨، وما بعده منه أيضاً.
(٢) مسلم (٥٩٥)، وهو عند البخاري (٨٤٣) بنحوه.
(٣) النكت والعيون ٨/٦ .
(٤) زاد المسير ٨/ ٢٦٠ .

٤٥٦
سورة الجمعة: الآية ٥
بمعنى الكفالة، أي: ضمنوا أحكام التوراة. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ هي
جمع سِفْر: وهو الكتاب الكبير(١)؛ لأنَّه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ميمون بن
مِهْران: الحمار لا يدري أسِفْر على ظهره أم زبل(٢)، فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من
الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلّم معانيه ويعلم ما فيه؛ لئلا يلحقه من الذَّمِّ ما
لحق هؤلاء. وقال الشاعر:
بجيِّدها إلا كعِلْم الأباعر
زواملُ للأسفارِ لا عِلْم عندهم
بأوساقِه أو راحَ ما في الغرائر(٣)
لَعْمُرك ما يدري البعيرُ إذا غَدَا
وقال يحيى بن يمان: يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهّم ولا يتدبّر، فإذا سُئل
أحدهم عن مسألة جلس كأنَّه مكاتب(٤). وقال الشاعر:
مِثْلُ الجِمال عليها يُحمل الوَدَعُ
إنَّ الرواةَ على جهل بما حَمَلوا
ولا الجِمال بحَمْل الوَدْع تنتفع (٥)
لا الوَدْع ينفعه حَمْلُ الجِمال له
(١) معاني القرآن للفراء ١٥٥/٣.
(٢) في (م): زبيل.
(٣) من هنا إلى نهاية أشعار البلوطي من جامع بيان العلم لابن عبد البر ١٠٣١/٢- ١٠٣٢، والبيتان لمروان
ابن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، يهجو قوماً من رواة الشعر بأنهم لا يعلمون ما هو، على كثرة
استكثارهم من روايته، والبيتان في عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ١٣٠ إلا أنه ورد فيه: المطي، بدل:
البعير، وذكرهما أيضاً المبرد في الكامل ٢/ ١٠٣٧، والجرجاني في دلائل الإعجاز ص ٢٥٤ إلا أنه ورد
فيهما: للأشعار، بدل: للأسفار. قال المرصفي في رغبة الآمل ٣٧/٧ : الزوامل جمع زاملة: وهي
البعير يحمل عليه المتاع والطعام. والأوساق جمع وَسْق: وهو حِمْل البعير. والغرائر جمع الغِرارة: وهي
الأوعية التي تسمى بالجَوالق.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٩٧٦)، والكلام - وما قبله وما بعده - منه.
(٥) جامع بيان العلم ١٠٣٢/٢، ونسبهما لعمار الكلبي، وأوردهما اليوسي في زهر الأكم ١٣٨/٢ ولم
إن الرواة بلا فهم لما حفظوا.
ينسبهما، إلا أنه ورد عنده صدر البيت الأول هكذا:
قال اليوسي: والوَدَع: خرز أبيض يستخرج من البحر، الواحد: وَدَعة، والجمع: وَدَع - وتُسكّن الدال
أیضاً - وودعات.

٤٥٧
سورة الجمعة: الآية ٥
وقال منذر بن سعيد البُلُّوطي - رحمه الله - فأحسن(١):
وزمَّ (٣) أسفارًا تجد حِمارًا
إِنْعِشْ(٢) بما شئتَ تجد أنصارًا
مَثَلُه(٤) كمثل الحمارِ
يَحملُ ما وضعتَ من أسفارٍ
إن كان ما (٥) فيها صواباً أو خطا
يَحملُ أسفارًا له وما دَرَى
ما إن كَذَبْنا [لا] ولا اعتديْنَا
إن سُئلوا قالوا كذا رويْنا
لأنه قَلّد (٦) أهل الجهلِ
كبيرهم يصغر عند الحَفلِ
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا﴾ أي: لم يعملوا بها(٧). شبَّههم - والتوراة في أيديهم وهم لا
يعملون بها - بالحمار يحمل كتبًا، وليس له إِلا ثِقْل الحمل من غير فائدة. و((يحمل))
في موضع نصب على الحال، أي: حاملاً (٨). ويجوز أن يكون في موضع جرِّ على
الوصف؛ لأنَّ الحمار كاللئيم(٩). قال:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يَسُبّني(١٠)
(١) الأبيات في جامع بيان العلم ٢/ ١٠٣٢ مع اختلاف يسير، وما بين حاصرتين منه، وبزيادة بيت بعد
البيت الرابع، وهو:
أَوْجھھم من قال: ذي رواية
(٢) في (د) و(ز): أنفق.
(٣) في (ظ): ورمّ. وزمَّ: تكلّم. المعجم الوسيط (زمم).
(٤) في (م): يحمله.
ليس بمعناها له دراية
(٥) زيادة من (خ) و(م).
(٦) في (ق): قدّر.
(٧) تفسير أبي الليث ٣٦٢/٣ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٦/٤ .
(٩) الكشاف ١٠٣/٤ ، وما بعده منه أيضاً.
(١٠) صدر بيت لرجل من بني سلول، كما ذكر ذلك سيبويه في الكتاب ٢٤/٣، ونسبه الأصمعي في
الأصمعيات ص١٢٦ إلى شّمِر بن عمرو الحنفي، أحد شعراء بني حنيفة باليمامة، إلا أنه ورد فيه:
مررت، بدل: أمرّ. وجاءت رواية عجزه عندهما هكذا:
=

٤٥٨
سورة الجمعة: الآيات ٥ - ٧
﴿بِأْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ المثل الذي ضربناه لهم؛ فحذف المضاف(١). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: من سَبَقَ في علمه أنَّه يكون كافرًا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ بَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ
النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْوْتَ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾ وَلَا يَنَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِيهِزَّ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
لما ادَّعت اليهود الفضيلة، وقالوا: ﴿فَحْنُ أَبْنَؤُأُ اللَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قال الله
تعالى: ﴿إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ﴾ فللأولياء عند الله الكرامة.
﴿فَتَمَنَّوُاْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله ﴿وَلَا يَمَنَّوْنَهُ
أَبَدًا بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِيهِزَّ﴾ أي: أَسلفوه من تكذيب محمَّد ﴾، فلو تمَّوه، لماتوا، فكان
في ذلك بطلان قولهم، وما ادَّعوه من الولاية. وفي حديثٍ أنَّ النبيَّ ﴾ قال لما نزلت
هذه الآية: ((والذي نفس محمَّد بيده، لو تمنَّوا الموت، ما بقي على ظهرها يهوديٌّ إلا
مات))(٢). وفي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزةٌ للنبيِّ ﴾. وقد مضى معنى هذه الآية في
((البقرة)) في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّنِ دُونٍ
فمضيت ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني
=
وأورده أيضاً المبرِّد في الكامل ٢/ ٩٨٣ ولم ينسبه، وجاءت رواية عجزه هكذا:
فأجوز ثم أقول لا يعـنـيـنـي
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٢٧.
(٢) أخرجه ابن إسحاق كما في العجاب في بيان الأسباب لابن حجر ٢٨٦/١، ومن طريقه الطبري
٢٦٨/٢، عن ابن عباس موقوفاً، بلفظ: لو تمثَّوه يوم قال لهم ذلك، ما بقي على ظهر الأرض يهودي
إلا مات. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ١/ ٥٢، ومن طريقه الطبري ٢٦٨/٢ ، وابن أبي حاتم
في التفسير ١٧٧/١ (٩٣٨) عن ابن عباس بنحوه موقوفاً. قال ابن حجر في العجاب ٢٨٦/١ عن
إسناده: وهذا سند صحيح.
وأخرجه أيضاً أحمد (٢٢٢٦)، والبزار (٢١٨٩ كشف الأستار)، وأبو يعلى (٢٦٠٤) عن ابن عباس
مرفوعاً، وفيه : .... ولو أن اليهود تمثَّوا الموت لماتوا ورَأوْا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين
يباهلون رسول الله # لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١٤/٦ : رواه
البزار ورجاله رجال الصحيح. اهـ وينظر السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٤٢.

٤٥٩
سورة الجمعة: الآيات ٧ - ٩
النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ (١) [الآية: ٩٤].
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُذُونَ إِلَى
٨
﴾
عَلِيمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قال الزجَّاج(٢): لا يقال: إِنَّ زيدًا فمنطلق، وهاهنا قال: ((فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)) لِما في
معنى ((الَّذِي)) من الشرط والجزاء، أي: إن فررتم منه، فإنَّه ملاقيكم، ويكون مبالغة
في الدلالة على أنَّه لا ينفع الفرار منه. قال زهير :
ومن هابَ أسبابَ المنايا يَنَلْنَهُ ولو رامَ أسبابَ السماء بُسلَّم(٣)
قلت: ويجوز أن يتمَّ الكلام عند قوله: ((الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ))، ثم يبتدئ: «فإنَّه
مُلَاقِيكُمْ))(٤). وقال طرفة:
لمَن المَوْتُ عليه قد قُدرْ
وكفّى بالمَوْت فاعلم واعظاً
إنَّ في الموت لذي اللُّبِّ عِبَرْ
فاذكر الموتَ وحاذر ذكره
في مقامٍ أو على ظَهْرٍ سَفَرْ
كلُّ شيء سوف يَلْقَى حَتْفَه
ليس يُنجيه من الموت الحَذَرْ(٥)
والمنايا حَوْلَه تَرْصُدُه
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تُوِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ
فيه ثلاث عشرة مسألة :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تُوِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ قرأ
(١) ٢٥٧/٢-٢٥٨.
(٢) في معاني القرآن له٥/ ١٧١.
(٣) سلف ٩/٣ .
(٤) معاني القرآن. للزجاج ١٧١/٥ .
(٥) لم نقف عليها.

٤٦٠
سورة الجمعة: الآية ٩
عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما: ((الجُمْعة)) بإسكان الميم على التخفيف(١).
وهما لغتان. وجمعهما: جُمَع، وجُمُعات. قال الفرَّاء(٢): يقال: الْجُمْعَة - بسكون
الميم - والجُمُعة - بضمِّ الميم - والجُمَعة - بفتح الميم - فيكون صفة اليوم، أي: تجمع
الناس. كما يقال: ضُحَكة للذي يضحك. وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل
والتفخيم فاقرؤوها جُمُعة، يعني: بضمِّ الميم(٣). وقال الفرَّاء(٤) وأبو عبيد:
والتخفيف أقْيَس وأحسن، نحو غُرْفة وغُرَف، وطُرْفة وطُرَف، وحُجْرة وحُجَر. وفتحُ
الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنَّها لغة النبيّ ﴾.
وعن سَلْمان أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((إنَّما سُمِّيت جمعةً؛ لأنَّ الله جمَع فيها خَلْقَ
آدم))(٥). وقيل: لأنَّ الله تعالى فرغ فيها من خَلْق كلِّ شيء، فاجتمعت فيها
المخلوقات. وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة(٦).
و(مِن)) بمعنى ((في))، أي: في يوم(٧)، كقوله تعالى: ﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
[فاطر : ٤٠] أي: في الأرض.
الثانية: قال أبو سلمة: أول من قال: «أما بعد» کعب بن لؤيٍّ، وکان أوَّل من
سَمَّى الجمعة جمعة. وكان يقال ليوم الجمعة: العَرُوبة (٨).
(١) القراءات الشاذة ص٩٧ عن الأعمش.
(٢) في معاني القرآن له ١٥٦/٣ .
(٣) أورده السيوطي في الإتقان ١/ ٩٣-٩٤ وعزاه للداني بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) في معاني القرآن له ١٥٦/٣.
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٧١٨)، والنسائي في المجتبى ١٠٤/٣ عن سلمان مطولاً، ويشهد لخلق آدم يوم
الجمعة ما أخرجه مسلم (٨٥٤): (١٨)، وأحمد (٩٤٠٩) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﴾ قال:
(خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، ... )) الحديث، وسلف في بداية السورة.
(٦) تفسير البغوي ٣٤١/٤ .
(٧) البيان ٤٣٨/٢ .
: (٨) تفسير البغوي ٣٤١/٤، وذكر ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٠٤ أن القاضي أبا أحمد الغساني أخرج
من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن [أنَّ أول من قال: أما بعد، كعب بن لؤي] وإسناده ضعيف. اهـ.
وذكر في ٣٥٣/٢ أن الزبير أخرج في كتابه ((النسب)) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعاً
[أنَّ أول من سمَّى الجمعة جمعةٌ كعب بن لؤي].