النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة الحشر: الآيتان ١٦ - ١٧ شغل عنك. ثم أقبل على صلاته، وأقبل الأبيض أيضاً على الصلاة، فلما رأى برصيصا شدَّة اجتهاده وعبادته قال له: ما حاجتك؟ فقال: أن تأذن لي فأرتفعَ إليك. فأَذِنَ له، فأقام الأبيض معه حَوْلاً لا يُفطر إلا في كلِّ أربعين يوماً يوماً واحداً، ولا ينفتل من صلاته إلا في كلِّ أربعين يوماً، وربما مدَّ إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده، تقاصرت إليه نفسه. ثم قال الأبيض: عندي دعوات يَشْفِي الله بها السقيم والمبتلى والمجنون. فعلَّمه إياها. ثم جاء إلى إبليس فقال: قد واللهِ أهلكتُ الرجلَ. ثم تعرَّض لرجل فخنقه، ثم قال لأهله - وقد تصوَّر في صورة الآدميين -: إنَّ بصاحبكم جنوناً أفأطِبّه؟ قالوا: نعم. فقال: لا أقوى على جِنِيَّته، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإنَّ عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فجاؤوه، فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان. ثم جعل الأبيض يفعل بالناس ذلك، ويرشدهم إلى برصيصا فيعافَوْن. فانطلق إلى جارية من بناتِ الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكاً فمات واستخلف أخاه، وكان عمّها مَلِكاً في بني إسرائيل، فعذَّبها وخنقها، ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبِّب ليعالجها فقال: إنَّ شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت. فقالوا: لا يجيبنا إلى هذا. قال: فابْنُوا صومعةً في جانب صومعته، ثم ضعوها فيها، وقولوا: هي أمانة عندك فاحتسب فيها. فسألوه ذلك، فأبى، فبنَوْا صومعةً، ووضعوا فيها الجارية، فلما انفتل من صلاته عاينَ الجاريةَ وما بها من الجمال، فَأسْقِط في يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها، وكان يكشف عنها ويتعرَّض بها لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان فقال: وَيْحَك! واقِعْها، فما تجد مثلَها ثم تتوب بعد ذلك. فلم يزل به حتى واقعها، فحملت وظهر حَمْلها. فقال له الشيطان: ويحكَ! قد افتُضحتَ، فهل لك أن تقتلها ثم تتوبَ؛ فلا تفتضح، فإن جاؤوك، سألوك فقل: جاءها شيطانها، فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلاً، فأخذ الشيطان طرف ثوبها ٣٨٢ سورة الحشر: الآيتان ١٦ - ١٧ حتى بقي خارجاً من التراب، ورجع برصيصا إلى صلاته. ثم جاء الشيطان إلى إخوتها في المنام فقال: إنَّ برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا، فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت أختنا؟ فقال: ذهب بها شيطانها. فصدَّقوه وانصرفوا. ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال: إنَّها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإنَّ طرف ردائها خارج من التراب، فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، وحملوه إلى الملك فأقرَّ على نفسه، فأَمَرَ بقتله. فلما صُلب قال الشيطان: أتعرفني؟ قال: لا والله! قال: أنا صاحبك الذي علَّمتك الدعوات، أما اتقيتَ الله، أما استحييتَ وأنت أعبد بني إسرائيل! ثم لم يكفِك صنيعك حتى فضحتَ نفسك، وأقررت عليها وفضحت أشباهك من الناس! فإن مثَّ على هذه الحالة، لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. فقال: كيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم، وآخذ بأعينهم. قال: وما ذاك؟ قال: تسجد لي سجدةً واحدة، فقال: أنا أفعل. فسجد له من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا أردت منك؛ كان عاقبة أمرك أن كفرت بربِّك، إنِّي بريء منك، إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين(١). وقال وهب بن منّه. إنَّ عابداً كان في بني إسرائيل، وكان من أعبدٍ أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بِكراً، ليست لهم أخت غيرها، فخرج البعثُ على ثلاثتهم، فلم يَذْروا عند من يخلِّفون أختهم، ولا عند من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها. قال: فاجتمع رأيهم على أن يخلّفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقةً في أنفسهم، فأَتَوْه فسألوه أن يخلِّفوها عنده، فتكون في كَنَفه وجواره إلى أن يقفلوا من غَزاتهم، فأبى ذلك عليهم وتعوَّذ بالله منهم ومن أختهم. قال: فلم يزالوا به (١) تفسير البغوي ٣٢٢/٤ - ٣٢٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٣٤٨/١٠ (١٨٨٦٠)، وأخرجه الطبري ٥٤٣/٢٢ عن محمد بن سعد، عن أبيه، عن عمِّه، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، والراوي عن ابن عباس عطية بن سعد العوفي ومن قبله من رجال الإسناد ضعفاء، وأخرجه أيضاً الخرائطي في اعتلال القلوب ص١١٥ - ١١٦ بإسناد آخر عن ابن عباس، وبنحوه مختصراً. ٣٨٣ سورة الحشر: الآيتان ١٦ - ١٧ حتى أطاعهم(١) فقال: أنزلوها في بيتٍ حذاءً صَوْمعتي. فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زماناً، يُنزِل إليها الطعام من صومعته، فيضعه عند باب الصومعة، ثم يُغلِق بابه ويصعد في صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطّف له الشيطان فلم يزل يرغِّبه في الخير، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهاراً، ويخوِّفه أن يراها أحد فيعلقها. قال: فلبث بذلك زماناً، ثم جاءه إبليس فرغَّبه في الخير والأجر، وقال له: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظمَ لأجرك. قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها، قال: فلبث بذلك زماناً، ثم جاءه إبليس فرغَّبه في الخير وحَضَّه عليه، وقال: لو كنتَ تكلِّمها وتحدِّثها فتأنس بحديثك، فإنَّها قد استوحشت وحشةً شديدة. قال: فلم يزل به حتى حدَّثها زماناً، يطّلع عليها من فوق صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال: لو كنتَ تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدِّثها، وتقعد على باب بيتها فتحدِّثك، کان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدِّثها، وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها، فلبثا زماناً يتحدَّثان، ثم جاءه إبليس فرغَّبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجتَ من باب صومعتك فجلست قريباً من باب بيتها، كان آنسَ لها. فلم يزل به حتى فعل. قال: فلبثا زماناً، ثم جاءه إبليس فرغَّبه في الخير، وفيما له من حسن الثواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوتَ من باب بيتها فحدَّثتها ولم تَخرج من بيتها. ففعل، فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها فيحدِّثها. فلبثًا بذلك حيناً، (١) في النسخ: أطمعهم. والمثبت من المنتظم لابن الجوزي ١٥٩/٢ وما بعدها، والكلام منه بإسناده عن وهب بن منبِّه. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢١٣/٥، وعبد الرزاق في التفسير ٢٨٥/٢، والطبري ٥٤١/٢٢، والحاكم ٢/ ٤٨٢ عن علي بن أبي طالب بنحوه مختصراً، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه الطبري في التفسير ٢٢/ ٥٤٢ عن ابن مسعود ﴾ بنحوه مختصراً. ٣٨٤ سورة الحشر: الآيتان ١٦ - ١٧ ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلتَ البيت معها تحدِّثها ولم تتركها تُبرز وجهها لأحد، كان أحسنَ بك. فلم يزل به حتى دخل البيت، فجعل يُحدِّثها نهارَه كلَّه، فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزيِّنها له حتى ضرب العابد على فخذها وقَبَّلها. فلم يزل به إبليس يحسِّنها في عينه، ويسوِّل له حتى وقع عليها، فأحبلها، فولدت له غلاماً. فجاءه إبليس فقال له: أرأيتَ إن جاء إخوة هذه الجارية وقد وَلدتْ منك! كيف تصنعُ؟! لا آمنُ عليك أن تُفتضَح أو يفضحوك! فاعمِد إلى ابنها فاذبحه وادفنه؛ فإنَّها ستكتم عليكَ؛ مخافةً إخوتها أن يطّلعوا على ما صنعتَ بها، ففعل. فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعتَ بها وقتلتَ ابنها أخذها فاذبحها وادفنها مع ابنها. فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحَفِيرة مع ابنها، وأَطبق عليها صخرةً عظيمة، وسوَّى عليها التراب، وصعد في صومعته يتعبَّد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، حتى قفل إخوتها من الغزو، فجاءوه فسألوه عنها، فنعاها لهم وترحَّم عليها، وبكى لهم وقال: كانت خيرَ أَمَة، وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكَوْا على قبرها وترحَّموا عليها، وأقاموا على قبرها أيَّاماً ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جَنَّ عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في النوم في صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم، فأخبره بقول العابد وموتها وترحُّمه عليها، وكيف أراهم موضع قبرها، فكذَّبه الشيطان وقال: لم يَصْدُقْكم أَمْرَ أختكم، إنَّه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاماً، فذبحه وذبحها معه؛ فزعاً منكم، وألقاها في حفيرة احتفرها خَلْفَ الباب الذي كانت فيه عن يمين من دخله. فانْطَلِقوا فادخلوا البيتَ الذي كانت فيه عن يمين من دخله، فإنَّكم ستجدونهما هنالك جميعاً كما أخبرتكم. قال: وأتى الأوسط في منامه، وقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرَهم فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم، استيقظوا متعجِّبين لما رأى كلُّ واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض، يقول كل واحد منهم: لقد رأيتُ عجباً، فأخبر بعضهم بعضاً بما رأى. قال أكبرهم: هذا حُلم ليس بشيء، فامضوا بنا ودَعُوا هذا. قال أصغرهم: لا ٣٨٥ سورة الحشر: الآيتان ١٦ - ١٧ أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعاً حتى دخلوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة كما قيل لهم، فسألوا عنه العابد، فصدَّق قولَ إبليس فيما صنع بهما. فاستعدَوْا عليه مَلِكَهم، فأُنزِل من صومعته فقدَّموه لِيُضْلَب، فلما أَوثقوه(١) على الخشبة أتَاه الشيطان فقال له: قد علمتَ أنِّي صاحبك الذي فتنتُك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وذبحتَ ابنها، فإن أنتَ أطعتني اليوم، وكفرتَ بالله الذي خلقك، خلَّصتك مما أنتَ فيه. قال: فكفر العابد بالله، فلما كفر، خلَّى عنه الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه. قال: ففيه نزلت هذه الآية: ((كَمَثَلٍ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ)) إلى قوله: ((جَزَاءُ الّالِمِينَ)». قال ابن عباس: فضرب الله هذا مثلاً للمنافقين مع اليهود. وذلك أن الله تعالى أمر نبيَّه عليه السلام أن يُجْلي بني النَّضِير من المدينة، فَدَسَّ إليهم المنافقون ألَّا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنّا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبيَّ *، فخذلهم المنافقون، وتبرَّؤوا منهم كما تبرَّأ الشيطان من بَرْصِيصًا العابد. فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا بالتَّقِيَّة والكتمان. وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار فرموهم بالبُهتان والقبيح، حتى كان أمر جُريج الراهب، وبرَّأه الله، فانبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس(٢). وقيل: المعنى: مَثَلُ المنافقين في غدرهم(٣) لبني النَّضِير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ (٤) الآية [٤٨ من (١) في (م): أوقفوه. (٢) تفسير البغوي ٣٢٥/٤، واتقيت الشيء تقيَّة: حذرته. اللسان (وقي)، وخبر جريج سلف تخريجه ٠١٣٩/٥ (٣) في (د): وعدهم. (٤) معاني القرآن للزجاج ١٤٨/٥ . ٣٨٦ سورة الحشر: الآيات ١٦ - ١٨ سورة الأنفال]. وقال مجاهد: المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إِيَّاهم(١). ومعنى قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ» أي: أغواه حتى قال: إنِّي كافر. وليس قول الشيطان: ((إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)) حقيقة، إنَّما هو على وجه التبرُّؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: ((إِنِّي بَرِيٌ مِنْكَ)). وفتح الياء من ((إِنِّي)) نافع وابن كثير وأبو عمرو. وأسكن الباقون(٢). ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا﴾ أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان ﴿أَنَّهُمَا فِىِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا﴾ نصب على الحال. والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان. ومن جعلها في الجنس، فالمعنى: وكان عاقبة الفريقين أو الصنفين. ونصب ((عَاقِبتَهُمَا)) على أنَّه خبر ((كان))، والاسم ((أَنَّهُمَا فِي النَّارِ))، وقرأ الحسن: ((فَكَانَ عَاقِبتَهُمَا)) بالرفع(٣)، على الضِّدِّ من ذلك. وقرأ الأعمش: ((خَالِدَانِ فِيهَا)» بالرفع(٤)، وذلك خلاف المرسوم. ورفعه على أنَّه خبر ((أنَّ)) والظرف ملغى(٥). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني: يوم القيامة(٦). والعرب تكني عن المستقبل بالغدِ. وقيل: ذِكْر الغَدِ؛ تنبيهاً على أنَّ الساعة قريبة، كما قال الشاعر: (١) تفسير مجاهد ٦٦٥/٢، وأخرجه عنه الطبري ٥٤٤/٢٢ - ٥٤٥ . (٢) السبعة ص ٦٣٢، والنشر ٣٨٦/٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٥٤. (٤) القراءات الشاذة ص١٥٤ . (٥) المشكل لمكي ٧٢٦/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٢/٤ . ٣٨٧ سورة الحشر: الآيتان ١٨ - ١٩ وإنَّ غداً للناظرين قريب(١). وقال الحسن وقتادة: قرَّب الساعة حتى جعلها كغَدٍ، ولا شكَّ أنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ(٢)، والموت لا محالة آتٍ. ومعنى ((ما قَدَّمت)) يعني: من خير أو شَرِّ(٣). ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أعاد هذا؛ تكريراً، كقولك: اعجل اعجل، إِرْم إِرْم. وقيل: التقوى الأولى: التوبة فيما مضى من الذنوب. والثانية: اتِّقاء المعاصي في المستقبل. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال سعيد بن جبير: أي: بما يكون منكم (٤). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ ١٩٦ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ﴾ أي: تركوا أمره ﴿فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أن يعملوا لها خيراً، قاله ابن حبَّان. وقيل: نسوا حقَّ الله فأنساهم حقَّ أنفسهم، قاله سفيان. وقيل: (نَسُوا الله)) بترك شكره وتعظيمه. ((فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)) بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضاً، حكاه ابن عيسى. وقال سهل بن عبد الله: ((نَسُوا اللهَ)) عند الذنوب ((فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)) عند التوبة(٥). ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في ((أَنْسَاهُمْ)) إذ كان ذلك بسبب أمره ونهيه الذي تركوه. وقيل: معناه: وجدهم تاركين أمره ونهيه، كقولك: أحمدت الرجل: إذا وجدته محموداً. وقيل: ((نَسُوا اللهَ)) في الرخاء ((فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)) في الشدائد. (١) هذا عجز بيت أورده ابن حبان في روضة العقلاء ص٢٧ ، ولم ينسبه، وصدره هكذا: ألم تَرَ أن اليوم أسرع ذاهب والبيت ذكره ضمن أبيات لم ينسبها، وهي لأبي العتاهية في ديوانه ص٢١ ، دون ذكر البيت الآنف الذكر. (٢) المحرر الوجيز ٢٩١/٥ عن قتادة، وأخرجه عنه الطبري ٥٤٧/٢٢ . (٣) النكت والعيون ٥١٠/٥ عن ابن زيد، وأخرجه عنه الطبري ٥٤٧/٢٢ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٥١١ . (٥) النكت والعيون ٥١١/٥، وقول سفيان أخرجه الطبري ٥٤٨/٢٢ . ٣٨٨ سورة الحشر: الآيات ١٩ - ٢١ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ قال ابن جبير: العاصون. وقال ابن زيد: الكاذبون(١). وأصل الفسق: الخروج، أي: الذين خرجوا عن طاعة الله. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَضْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ ٢٠ اُلْفَآپِزُونَ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَضْحَبُ النَّارِ وَأَضْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ أي: في الفَضْل والرتبة ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾ أي: المقرَّبون المكرَّمون. وقيل: الناجون من النار(٢). وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في ((المائدة))(٣) عند قوله تعالى: ﴿قُل لَا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّيِّبُ﴾ [الآية: ١٠٠] وفي سورة ((السجدة))(٤) عند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقَأَ لَّا يَسْتَوُنَ﴾ [الآية: ١٨] وفي سورة (صَ))(٥): ﴿أَمْ ◌َجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْغُبَّارِ﴾ [الآية: ٢٨] فلا معنى للإعادة، والحمد لله. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةٍ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّّأَيْتَهُ خَشِعًا﴾ حتٌّ على تأمُّل مواعظ القرآن، وبيَّن أنَّه لا عذر في ترك التدبُّر؛ فإنَّه لو خوطب بهذا القرآنِ الجبالُ مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعةً متصدِّعةً، أي: متشقّقةً من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدِّع: المتشقّق(٦). وقيل: ((خَاشِعاً)) لله بما كلَّفه من طاعته. ((مُتَصَدِّعاً)) من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه. وقيل: (١) النكت والعيون ٥/ ٥١١. (٢) النكت والعيون ٥/ ٥١١ . (٣) ٢٢٥/٨ -٢٢٦. (٤) ١٧ / ٣٧ . (٥) ١٨٨/١٨ - ١٨٩. (٦) معاني القرآن للزجاج ١٥٠/٥. ٣٨٩ سورة الحشر: الآيات ٢١ - ٢٣ هو على وجه المَثَل للكفار(١). قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: إنَّه لو أنزل هذا القرآن على جبل، لخشع لوعده، وتصدَّع لوعيده، وأنتم أيُّها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من وعيده؟! وقيل: الخطاب للنبيّ ﴾، أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمَّد على جبل لما ثبت، وتصدَّع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبَّتْناك له، فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبَّته لما لا تثبت له الجبال. وقيل: إنَّه خطاب للأمّة، وأنَّ الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدَّعت من خشية الله. والإنسان أقلّ قوَّةً وأكثر ثباتاً، فهو يقوم بحقٌّه إن أطاع، ويقدر على ردِّه إن عصى؛ لأنَّه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب(٢). قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِىِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ قال ابن عباس: عالم السِّرِّ والعلانية. وقيل: ما كان وما يكون. وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا(٣). وقيل: ((الْغَيْبِ)) ما لم يَعْلَم العباد ولا عاينوه. ((وَالشَّهَادَةِ» ما عَلموا وشاهدوا (٤). ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ تقدّم(٥). قوله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ﴾ أي: المنزَّه عن كلِّ (١) معاني القرآن للزجاج ١٥٠/٥. (٢) النكت والعيون ٥١٢/٥ . (٣) النكت والعيون ٥١٢/٥ . (٤) تفسير أبي الليث ٣٤٨/٣. (٥) ١٥٩/١ - ١٦٠. ٣٩٠ سورة الحشر: الآية ٢٣ نقص، والطاهر عن كلِّ عيب. والقَدَس - بالتحريك -: السَّطْل، بلغة أهل الحجاز؛ لأَنَّه يتطهّر به. ومنه القادوس: لواحد الأواني التي يُستخرج بها الماء من البئر بالسانِية(١). وكان سِيبويه يقول: قَدُّوس وسَبُّوح، بفتح أوَّلهما. وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنَّه سمع عند الكسائيّ أعرابيّاً فصيحاً يُكْنَى أبا الدينار يقرأ: ((القَدُّوس)) بفتح القاف(٢). قال ثعلب: كلُّ اسم على فَقُول، فهو مفتوح الأوَّل، مثل سَقُود وكَلُّوب وتَنّور وسَمُّور وشَبُّوط، إلا السُّبُّوح والقُدُّوس فإنَّ الضمَّ فيهما أكثر، وقد يفتحان. وكذلك الذُّرُّوح - بالضمِّ - وقد يفتح (٣). ﴿السّلَمُ﴾ أي: ذو السلامة من النقائص. وقال ابن العربيّ: اتَّفق العلماء - رحمة الله عليهم - على أنَّ معنى قولنا في الله ((السَّلَامُ)): النسبة، تقديره: ذو السلامة. ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال: الأوَّل: معناه الذي سلِم من كلِّ عيب، وبَرِئ من كلِّ نقص. الثاني: معناه ذو السلام، أي: المسلّم على عباده في الجنَّة، كما قال: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ زَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. الثالث: أنَّ معناه الذي سلم الخَلْقُ من ظلمه(٤). قلت: وهذا قول الخطابي، وعليه - والذي قبله - يكون صفةً فعل. وعلى أنَّه البريء من العيوب والنقائص يكون صفةً ذات. وقيل: السلام معناه: المسلِّم لعباده(٥). ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ أي: المصدِّق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدِّق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدِّق الكافرين ما أَوعدهم من العقاب(٦). وقيل: ((المؤمن)) (١) الأسنى ص٢٢٩، وما بعده منه أيضاً، والسانية: الناضحة، وهي الناقة التي يُستقى عليها. اللسان (سنا). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٠٤ بنحوه. (٣) الأسنى ص٢٢٩، والسَّقُود: حديدة يشوى به اللحم. والكلُّوب بمعناه. والسَّمُّور: دابة معروفة تسوَّى من جلودها فِراء غالية الأثمان. والشبُّوط: ضرب من السمك. والذرُّوح: دُويْبَّة أعظم من الذباب شيئاً. اللسان (سفد) و(كلب) و(سمر) و(شبط) و(ذرج) على الترتيب. (٤) الأسنى ص ٢٢٠ - ٢٢١. (٥) الأسنى ص٢١٩ . (٦) تفسير البغوي ٣٢٦/٤. ٣٩١ سورة الحشر: الآية ٢٣ الذي يؤمِّن أولياءه من عذابه(١)، ويؤمِّن عباده من ظلمه(٢)، يقال: آمنه، من الأمان الذي هو ضدُّ الخوف، كما قال تعالى: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فهو مؤمن، قال النابغة : والمُؤْمِن العائذاتِ الطيرَ يَمْسَحُها رُكْبانُ مَكَّةَ بين الغِيلِ والسَّنَدِ (٣) وقال مجاهد: المؤمن الذي وَخَّد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾(٤) [آل عمران: ١٨]. وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار، وأوَّل من يخرج من وافق اسمُه اسمَ نبيٍّ، حتى إذا لم يَبْقَ فيها من يوافق اسمه اسمَ نبيٍّ، قال الله تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن، فيُخرجهم من النار؛ ببركة هذين الاسمين(٥). ﴿اَلْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ﴾ تقدَّم الكلام في المهيمن في ((المائدة)» (٦)، وفي ((العزيز)) في غير موضع(٧). ﴿الْجَبَّارُ﴾ قال ابن عباس: هو العظيم. وجبروت الله: عظمته. وهو على هذا القول صفة ذات(٨)، من قولهم: نخلة جَبَّارة. قال امرؤ القيس: وعالَيْنَ قِنْواناً من البُسْر أَخْمرا(٩) سوامق جبَّار أثِيثٍ فروعُه (١) تفسير أبي الليث ٣٤٨/٣ . (٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٥٥٢ . (٣) ديوان النابغة ص٣٥، إلا أنه ورد فيه: والسعد، بدل: والسند. قال في زهر الأكم لليوسي ١/ ٨٠: وأراد بالعائذات هذه الطير، والمؤمن هو الله تعالى، وقوله: يمسحها ركبان مكة. أي: يمسحون عليها ولا يهيجونها، والغيل والسعد: أَجَمتان بين مكة والمدينة. والمعنى: أي: أقسم بالله تعالى الذي أمَّن الطير العائذات أن تصاد أو أن تؤخذ. (٤) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٥٠ دون نسبة. (٥) لم نقف علیه. (٦) ٨/ ٣٥ . (٧) ٤٠٣/٢ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٧ . (٩) الأسنى ص٣٧٦ - ٣٧٧ ، والبيت في شرح ديوان امرئ القيس ص٥٧ ، قال شارحه: والسوامق: النخل المرتفعات الطوال. والجبّار: الذي قد فات اليدَ لطوله. والأثيث: الغزير. وعالين قنواناً: أي = ٣٩٢ سورة الحشر: الآية ٢٣ يعني النخلة التي فاتت اليَدَ. فكان هذا الاسم يدلُّ على عظمة الله وتقديسه عن أن تناله النقائص وصفات الحدث. وقيل: هو من الجَبْر، وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم فجبَر، إذا أصلحته بعد الكسر، فهو فعَّال من جبر، إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير(١). وقال الفرَّاء: هو من أَجبره على الأمر، أي: قهره. قال: ولم أسمع فعَّالاً من أفعل إلا في جبّار، ودرَّاك من أدرك. وقيل: الجبّار لذي لا تُطاق سطوته. ﴿الْمُتَكَبِرُ﴾ الذي تكبَّر بربوبيَّته فلا شيء مثله. وقيل: المتكبِّر عن كلِّ سوء، المتعظّم عمَّا لا يليق به من صفات الحدث والذَّمِّ. وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلّة الانقياد(٢). وقال حميد بن ثور: بها كبرياءُ الصَّعْبِ وهي ذلولُ(٣) عَفَت مثل ما يعفو الفَصیل فأصبحتْ والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذمِّ(٤). وفي ((الصحيح)) عن أبي هريرة أنَّ رسول اللـه﴿ قال فيما يرويه عن ربِّه تبارك وتعالى أنَّه قال: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما، قصمته، ثم قذفته في النار))(٥). وقيل: المتكبِّر، معناه: العالي. وقيل: معناه: الكبير؛ لأنَّه أَجَلُّ من أن = قد أدرك هذا النخل وأينع فتمايلت عروقه، وإنما قصد تشبيه ما على الهوادج من الصوف الأحمر والأصفر مع ارتفاعها بهذه النخل الطوال وما فيها من ألوان. (١) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٧ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٧ . (٣) ديوان حميد بن ثور الهلالي ص٥٨، إلا أنه ورد فيه: الطليح، بدل: الفصيل. وركوب، بدل: ذلول. وعفت الأرض: غطّاها النبات. وعفا البعير: سمن وكثر شعر ظهره وطال حتى غطى دبره. والطليح: البعير المهزول المعبي. القاموس المحيط (عفا) و(طلح). (٤) النكت والعيون ٥١٤/٥ . (٥) أخرجه أحمد (٩٣٥٩) دون ذكر لفظة: قصمته. وهي عند الحاكم ٦١/١ بلفظ: الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجه مسلم [٢٦٢٠] من طريق الأغر، عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ. وقال الذهبي: أخرجه مسلم من حديثِ الأغر، عن أبي هريرة [وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله﴾: العزَّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ینازعني، عذّبته] بنحو منه. اهـ. ٣٩٣ سورة الحشر: الآيتان ٢٣ - ٢٤ يتكلَّف كبراً. وقد يقال: تظلَّم بمعنى ظلم، وتشتَّم بمعنى شتم(١)، واستقرَّ بمعنى قرَّ. كذلك المتكبِّر بمعنى الكبير. وليس كما يوصف به المخلوق، إذا وصف بتفعَّل إذا نسب إلى ما لم یکن منه. ثم نَزَّه نفسه فقال ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ﴾ أي: تنزيهاً لجلالته وعظمته ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىَّ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قوله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِيُّ الْمُصَوَّرِّ﴾ ((الْخَالِقُ)) هنا المقدِّر. و((الْبَارِئُ)) المنشئ المخترع (٢). و((الْمُصَوِّرُ)) مصوّر الصور ومركِّبها على هيئات مختلفة(٣). فالتصوير مرتَب على الخلق والبراية وتابع لهما. ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل. وخلق الله الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خِلَق: جعله عَلَقَةً، ثم مُضْغَةً، ثم جعله صورة، وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يُعرف بها ويتميَّز عن غيره بِسمتها. فتبارك الله أحسن الخالقين(٤). وقال النابغة (٥): الخالق البارئ المصوِّر في الْ أَرحام ماءً حتى يصير دماً وقد جعل بعض الناس الخَلْق بمعنى التصوير(٦)، وليس كذلك، وإنَّما التصوير آخِراً، والتقدير أوّلاً، والبراية بينهما. ومنه قوله الحقّ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الْطِينِ كَهَيْئَةٍ اَلَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] وقال زُهير: ضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي(٧) ولأنتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ (١) الوسيط ٢٧٩/٤ . (٢) النكت والعيون ٥١٤/٥ . (٣) الأسنى ص٣٤٩ . (٤) الأسنى ص ٣٥٠. (٥) وهو: الجعدي، والبيت في ديوانه ص ١٣٣ . (٦) وهما ابن العربي وابن الحصار كما ذكر ذلك القرطبي في الأسنى ص٣٣٦ ، والكلام منه. (٧) سلف ٣٤١/١ . ٣٩٤ سورة الحشر: الآية ٢٤ يقول: تُقَدِّر ما تُقَدِّر ثم تَقْرِيه، أي: تُمضيه على وَفْق تقديرك، وغيرك يقدِّر ما لا يتمُّ له ولا يقع فيه مراده؛ إمَّا لقصوره في تصوُّر تقديره، أو لعجزه عن تمام مراده. وقد أتينا على هذا كلِّه في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (١) والحمد لله. وعن حاطب بن أبي بَلْتَعَة أنَّه قرأ: ((البارئ المصوَّرَ)) بفتح الواو ونصب الراء، أي: الذي يُرِئُّ المصوَّر، أي: يميِّز ما يصوِّره بتفاوت الهيئات. ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ(٢). ﴿لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَىّ يُسَبْحُ لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدَّم الكلام فيه (٣). وعن أبي هريرة قال: سألتُ خليلي أبا القاسم رسولَ الله﴾ عن اسم اللهِ الأعظم فقال: ((يا أبا هريرة، عليك بآخرِ سورة الحشر فَأَكْثِرِ قراءتها)) فأعدتُ عليه، فأعاد عليَّ، فأعدتُ عليه، فأعاد عليّ(٤). وقال جابر بن زيد: إنَّ اسم الله الأعظم هو الله؛ لمكان هذه الآية(٥). وعن أنس بن مالك: أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((من قرأ سورة الحشر، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر))(٦). وعن أبي أمامة قال: قال النبيُّ#: ((من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار، فقبضه اللهُ في تلك الليلة أو ذلك اليوم، فقد أَوجب الله له الجنَّة))(٧). (١) ص٣٣٦ وما بعدها. (٢) في الكشاف ٨٧/٤ - ٨٨، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٥٤ عن اليماني. (٣) ٤٢٨/١ و٤٠٣/٢ و٨٩/١٣. (٤) أخرجه الثعلبي كما في الكافي الشاف لابن حجر ص ١٦٧ من رواية علي بن رزيق، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به، وعلي بن رزيق: ذكره ابن ماكولا في الإكمال ٥٣/٤ وقال: المقرئ المصري، يروي عن ابن لهيعة، روى عنه حرملة بن يحيى. اهـ. وهشام ابن سعد هو أبو عباد المدني، صدوق له أوهام. التهذيب. (٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢٠٩/١، وابن أبي شيبة ٢٧٣/١٠، والطبري ٢٢/ ٥٥٥ . (٦) أخرجه الثعلبي كما في الكافي الشاف ص١٦٧ من رواية يزيد بن أبان، عن أنس، به، ويزيد بن أبان هو: أبو عمرو الرَّقَاشي القاصُّ، زاهد ضعيف. التهذيب. (٧) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٥٠١)، والقزويني في التدوين ٢٦/٤ من طريق محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، به. قال البيهقي: تفرَّد به سليم بن عثمان هذا عن محمد بن زياد. اهـ. قلنا: وسُلَيْم بن عثمان هو: الفوزي الحمصي، متَّهم واهٍ. المغني في الضعفاء ١/ ٢٨٤ . سورة الممتحنة مدنيَّةٌ في قول الجميع(١)، وهي ثلاثَ عشرة آية(٢) الممتحنة - بكسر الحاء - أي: المختبرة، أُضيفَ الفعل إليها مجازًا، كما سُمِّيت سورة ((براءة)) المبعثرة والفاضِحة؛ لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحنة - بفتح الحاء - فإنَّه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أمُّ كُلْثُوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط، قال الله تعالى: ((فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيْمَانِهِنَّ) الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عَوْف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن(٣). بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُّلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِيلِ وَأَبِغَ مَنْضَائِيَّ فُسِرُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآَ أَعْلَئُمْ وَمَن يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَِّيلِ قوله تعالى: ﴿وَأَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ عَدَّى اتّخذ إلى مفعولين، وهما ((عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)). والعَدُوُّ فَعُول من عَدَا، كعفُوْ من عَفًا. ولكونه على زِنَة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد (٤). وفي هذه الآية سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ روى الأئمَّة - واللفظ لمسلم - عن عليٍّ﴾ قال: بَعَثَنَا رسولُ اللهِ﴾ أنا والزُّبيرَ والمِقْدادَ فقال: (١) النكت والعيون ٥١٦/٥ . (٢) تفسير أبي الليث ٣/ ٣٥٠ . (٣) التعريف والإعلام ص ١٦٧ - ١٦٨ . (٤) الكشاف ٨٩/٤ . ٣٩٦ سورة الممتحنة: الآية ١ ((ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخ فإِنَّ بها ظَعِينة معها كتاب، فخذوه منها))، فانطلقنا تَعادَی بنا خَيْلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أَخْرِجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لَتُخْرِ جنَّ الكتابَ أوْ لَتُلْقِيَّنَّ الثياب. فأَخرجته من عِقاصها. فأتينا به رسولَ الله ﴾ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى ناس من المشركين من أهل مكّة يُخبِرهم ببعض أمر رسول الله *. فقال رسول الله﴾: ((يا حاطبُ ما هذا»؟ قال: لا تَعجلْ عليَّ يا رسولَ الله، إنِّي كنت امْراً مُلْصَفًا في قريش - قال سفيان: كان حَلِيفًا لهم، ولم يكن من أنْفُسِها - وكان ممَّن كان معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يَحْمُون بها أهلیھم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النَّسَب فيهم أن أَنَّخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أَفعلْه كُفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكُفر بعد الإسلام. فقال النبيُّ ﴾: ((صَدَق)). فقال عمر: دَعْنِي يا رسول الله، أَضرِبُ عنق هذا المنافق. فقال: ((إنَّه قد شهد بدرًا ، وما يدرِيك لعلَّ اللهَ اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ((يا أيها الذين آمنوا لا تَتَّخذوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولياء))(١). قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش. وكان في الكتاب: أمَّا بعدُ، فإنَّ رسول الله # قد توجَّه إليكم بجيش كاللیل یسیر کالسَّيْل، وأقسم بالله لو لم يَسِر إليكم إلا وحدَه لأَظفره الله بكم، وأنجز له مَوْعِدَه فيكم، فإنَّ الله ولِيُّه وناصره. ذكره بعض المفسرين(٢). وذكر القُشَيرِيُّ والثَّعْلبيُّ: أنَّ حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ كان رجلاً من أهل اليمن، وكان له حِلْف بمكّة في بني أسد بن عبد العُزَّى رَهْطِ الزبير بن العَوَّامِ. وقيل: كان حليفاً للزبير بن العوَّام(٣)، فقدمت من مكَّة سارَة مولاة أبي عمرو بن صَيْفِيٍّ بن (١) البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، والنسائي في الكبرى (١١٥٢١)، وأحمد (٦٠٠)، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٤٨ - ٤٤٩ . وروضة خاخ: موضع بين مكة والمدينة. والظعينة: المرأة، وسميت بذلك؛ لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن. النهاية (خوخ) و(ظعن). (٢) التعريف والإعلام ص ١٦٨ . (٣) الاستيعاب (٢/ ٢٨٠ بهامش الإصابة)، والإصابة ١٩٢/٢ - ١٩٣. ٣٩٧ سورة الممتحنة: الآية ١ هاشم(١) بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله * يتجهَّز لفتح مكّة - وقيل: كان هذا في زمن الحُدَيْبِية - فقال لها رسول اللـه ﴾: «أَمهاجرة جئتٍ يا سارَة)»؟ فقالت: لا. قال: ((أمسلمةً جئتٍ))؟ قالت: لا. قال: ((فما جاء بكِ))؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب الموالي - تعني قُتلوا يومَ بدر - وقد احتجتُ حاجةٌ شديدةً فقدِمتُ عليكم؛ لتعطوني وتكسوني. فقال عليه الصلاة والسلام: ((فأين أنتِ عن شباب أهل مَّة)) وكانت مغنِّية، قالت: ما طُلب منِّي شيء بعد وقعة بدر. فحثَّ رسول الله ﴿ بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسَوْها وأَعطوْها وحملُوها، فخرجت إلى مكّة، وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبُرُداً على أن تبلّغي هذا الكتاب إلى أهل مكّة. وكتب في الكتاب: أنَّ رسول الله # يريدكم، فخذوا حِذْركم. فخرجت سارة، ونزل جبريلُ فَأَخبرَ النبيَّ /# بذلك، فبعث عليًّا والزبير وأبا مَرْئَد الغَنَوِيَّ - وفي رواية: عليًّا والزبير والمِقْداد. وفي رواية: أرسل عليًّا وعمّار بن ياسِر. وفي رواية: عليًّا وعمارًا وعمر والزبير وطَلْحة والمقداد وأبا مَرْثَد - وكانوا كلُّهم فرساناً، وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةً خاخٍ، فإنَّ بها ظعينةً، ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلّوا سبيلها، فإن لم تدفعه لكم، فاضربوا عنقها)) فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت ما معها كتاب، ففتّشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتاباً، فهمُّوا بالرجوع، فقال عليٍّ: واللهِ ما كَذَّبْنَا ولا كَذَبَنا! وسَلَّ سيفه وقال: أَخرجي الكتابَ وإلَّ واللهِ لأَجردنَّكِ ولأضربَنَّ عنقكِ، فلما رأت الجِدَّ، أَخرجته من ذؤابتها - وفي رواية: من حُجْزَتها - فخلَّوْا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﴾. فأرسل إلى حاطب فقال: ((هل تعرف الكتاب))؟ قال: نعم. وذكر الحديث بنحو ما تقدَّم(٢). ورُوِي أنَّ النبيَّ﴾ أَمَّن (١) في (م): هشام. (٢) المغازي للواقدي ٧٩٧/٢ - ٧٩٩، والسيرة النبوية لابن هشام ٣٩٨/٢ - ٣٩٩، وتفسير أبي الليث ٣٥٠/٣ - ٣٥١، والبغوي ٣٢٨/٤ - ٣٢٩، والكشاف ٨٨/٤. وقول المصنِّف: وقيل: كان هذا في زمن الحديبية. أخرجه ابن المنذر عن قتادة، وابن مردويه عن أنس، كما في الدر المنثور ٢٠٣/٦ . والحديث سلف تخريجه قريباً، ورواية إرسال علي والزبير وأبي مرثد الغنوي عند البخاري (٦٢٥٩) ومسلم (٢٤٩٤): ( ... ) وإرسال علي والزبير والمقداد عند البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤). ٣٩٨ سورة الممتحنة: الآية ١ جميعَ الناس يوم الفتح إلا أربعة، هي أحدهم(١). الثانية: السورة أصلٌ في النَّهي عن موالاة الكفَّار. وقد مضى ذلك في غير موضع. من ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةُ مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةً﴾ (٢) [المائدة: ٥١]. ومثله كثير. وذكر أنَّ حاطبًا لما سمع: ((يا أيها الذين آمنوا)) غُشِيَ عليه من الفرح بخطاب الإيمان. الثالثة: قوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ يعني بالظاهر؛ لأنَّ قلب حاطب كان سليمًا؛ بدليل أنَّ النبيَّ :﴿ قال لهم: ((أمَّا صاحبكم فقد صَدَقَ)) وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده(٣). والباء في ((بِالْمَوَذَّةِ) زائدة (٤)، كما تقول: قرأت السورة، وقرأت بالسورة، ورميت إليه ما في نفسي، وبما في نفسي. ويجوز أن تكون ثابتة على أنَّ مفعول (تُلْقُونَ)) محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبارَ رسولِ الله # بسبب المودّة التي بينكم وبينهم. وكذلك («تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَذَّةِ)) أي: بسبب المودَّةُ(٥). وقال الفرَّاء(٦): ((تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)» من صلة ((أولياء))، ودخول الباء في المودّة وخروجها سواء. ويجوز أن تتعلَّق بـ ((لا تَتَّخِذُوا)) حالًا من ضميره. وبـ ((أولياء)) صفة له. ويجوز أن تكون استئنافًا. ومعنى ((تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)»: تخبرونهم بسرائر المسلمين، وتنصحون لهم، (١) الكشاف ٨٨/٤ - ٨٩، والخبر أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٧٣)، والبيهقي في دلائل النبوة ٦٠/٥ - ٦١ عن أنس ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٧/٦-١٦٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف. اهـ. وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٦٨٣)، والنسائي في المجتبى ١٠٥/٧ - ١٠٦ عن سعد بن أبي وقاص قال: لمَّا كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ﴾ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين ... الحديث. دون ذكر اسم المرأتين. (٢) سلفت ٥/ ٨٧، ٢٧٢ و٤٦/٨. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤١٠ . (٥) الكشاف ٨٩/٤ . (٦) في معاني القرآن له ١٤٧/٣ - ١٤٩. ٣٩٩ سورة الممتحنة: الآية ١ وقاله الزجاج(١). الرابعة: مَن كَثُر تطلَّعه على عورات المسلمين، وينبِّه عليهم، ويعرِّف عدوّهم بأخبارهم، لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغَرَض دُنْيَوِيٍّ واعتقاده علی ذلك سلیم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليَدِ، ولم يَنْوِ الرِّدَّة عن الدِّين(٢). الخامسة: إذا قلنا: لا يكون بذلك كافرًا، فهل يقتل بذلك حدًّا، أم لا؟ اختلف الناس فيه، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الإمام. وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك، قُتل؛ لأنَّه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس - وهو صحيح - لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض. ولعل ابن الماجِشُون(٣) إنَّما اتّخذ التكرار في هذا؛ لأنَّ حاطبًا أُخذ في أوَّل فعله. والله أعلم. السادسة: فإن كان الجاسوس كافرًا، فقال الأوزاعيُّ: يكون نقضًا لعهده. وقال أَصْبَغ: الجاسوس الحربِيُّ يُقتَل، والجاسوس المسلم والذميُّ يعاقبان إلا أن يظاهرا(٤) على الإسلام، فيُقتلان. وقد روي عن عليٍّ بن أبي طالب أنَّ النبيَّ ﴾ أتى بَعينٍ للمشركين اسمه فُرَات بن حَيَّان، فأمر به أن يُقتل، فصاح: يا معشرَ الأنصار، أُقْتَلُ وأنا أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله! فأمر به النبيُّ ﴾، فخلَّى سبيله. ثم قال: ((إنَّ منكم من أَكِلُه إلى إيمانه منهم فُرَات بن حَيَّان))(٥). (١) في معاني القرآن له ١٥٥/٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧١ ، وما بعده منه أيضاً. (٣) في أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٢/٤: ابن الجارود. وأشير في هامشه إلى أنه ورد في إحدى النسخ: ابن الماجشون. (٤) في أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٢/٤ : أن يتعاهدا. وأشير في هامشه إلى لفظة: يظاهرا. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٢/٤، والحديث أخرجه هكذا ابن عدي في الكامل ١٣٣٢/٤. وفي إسناده: جُبَارة بن المُغَلِّس، وهو ضعيف. التهذيب. وأخرجه أيضاً البزار (٢٧٤٨ كشف الأستار) عن علي بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٨١/٩: رواه البزار، وفيه: ضرار بن صُرّد، وهو ضعيف. اهـ. وهو عند أبي داود (٢٦٥٢)، وأحمد (١٨٩٦٥) عن فرات بن حيان بنحوه. وعن بعض أصحاب النبي # وهو عند أحمد (١٦٥٩٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٣٨٠ - ٣٨١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب، وهو ثقة. ٤٠٠ سورة الممتحنة: الآية ١ وقوله: ((وَقَدْ كَفَرُوا)) حال، إمَّا من ((لَا تَتَّخِذُوا))، وإما من «تُلْقُونَ))، أي: لا تتولّوهم أو تُوادُّوهم، وهذه حالهم. وقرأ الْجَحْدَرِيُّ: ((لما جاءكم)) (١) أي: كفروا؛ لأجل ما جاءكم من الحقِّ. السابعة: قوله تعالى: ﴿يُخْرُِّونَ الرَّسُولَ﴾ استئناف كلام، كالتفسير لكفرهم وَعُتُوَّهم، أو حال من ((كَفَرُوا)). ﴿وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ تعليلٌ لـ الیخرِجون)) المعنى: يُخرِجون الرسولَ، ويخرجونكم من مكّة؛ لأن تؤمنوا بالله، أي: لأجل إيمانكم بالله(٢). قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أُخرج مع النبيِّ #. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتَّخذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهادًا فِي سبيلي، وابتغاء مرضاتي، فلا تلقوا إليهم بالمودَّة. وقيل: ((إِنْ كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي)) شرط، وجوابه مقدّم. والمعنى: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي فلا تتخذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياء(٣). ونصب ((جِهَادًا)) و((ابْتِغَاءَ)) لأنَّه مفعول له (٤). وقوله: ((تُسِرُّون إِلَيْهِمْ بِالْمَودّةِ» بدل من ((تلقون)» ومبيِّن عنه. والأفعال تبدل من الأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وأنشد سیویه: مَتَى تأتِنَا تَلْمِم بنا في ديارنا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونارًا تأْجَّجا (٥) وقيل: هو على تقدير: أنتم تُسِرُون إليهم بالموذَّة. فيكون استئنافًا. وهذا كلُّه معاتبةٌ لحاطب. وهو يدلُّ على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله ﴿ وصِدْقٍ إيمانه، (١) الكشاف ٨٩/٤، وما بعده منه أيضاً. (٢) الكشاف ٤/ ٨٩ . (٣) معاني القرآن للزجاج ١٥٦/٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤١/٤ - ٤٢، وما بعده منه أيضًا. (٥) سلف ٢/ ٨٥ .