النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة الحشر: الآية ٩
وغيرَ واحد من الصحابة أرادوه على قَسْم ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم، واختلف
فيما فعل من ذلك، فقيل: إنَّه استطاب أنفس أهل الجيش؛ فمن رضيّ له بترك حَظّه
بغير ثمن ليُبْقِيَه للمسلمينِ قلَّةٌ. ومن أبى، أعطاه ثمن حظّه(١). فمن قال: إنَّما أَبقى
الأرض بعد استطابة أنفس القوم، جعل فعله كفعل النبيِّ#؛ لأنَّه قسم خَيْبر؛ لأنَّ
اشتراءه إيَّاها وترك من ترك عن طيب نفسه، بمنزلة قسمها. وقيل: إنَّه أبقاها بغير شيء
أَعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنَّه تأوّل في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ
الْمُهَاجِرِينَ)) إلى قوله: ((رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) على ما تقدّم (٢). والله أعلم.
الرابعة: واختلف العلماء في قسمة العَقار؛ فقال مالك: للإمام أن يوقفها
لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة: الإمام مخيَّر بين أن يقسمها أو يجعلها وَقْفاً
لمصالح المسلمين. وقال الشافعيُّ: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل
يقسمها عليهم، كسائر الأموال. فمن طاب نفساً عن حقِّه للإمام أن يجعله وقفاً
عليهم، فله. ومن لم تَطِب نفسُه، فهو أحقُّ بماله(٣). وعمر ﴾ استطاب نفوس
الغانمین واشتراها منهم (٤).
قلت: وعلى هذا يكون قوله: ((والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) مقطوعاً مما قبله،
وأنَّهم نُدبوا بالدعاء للأوَّلين والثناء عليهم.
الخامسة: قال ابن وهب: سمعت مالكاً يذكر فَضْلَ المدينة على غيرها من
الآفاق فقال: إنَّ المدينة تُبُوِّئت بالإيمان والهجرة، وإنَّ غيرها من القُرَى افتُتِحت
بالسيف، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ تَبَوَُّوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ))
الآية(٥). وقد مضى الكلام في هذا، وفي فَضْلِ الصلاة في المسجدين: المسجد
(١) أحكام القرآن للهراسي ٤/ ٤٠٧ بنحوه.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٤٣٣/٣ بنحوه.
(٣) التمهيد ٦/ ٤٥٨ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٣ .
(٥) أحكام القرآن للهراسي ٤/ ٤٠٧ .

٣٦٢
سورة الحشر: الآية ٩
الحرام ومسجد المدينة، فلا معنى للإعادة(١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَا أُوتُوا﴾ يعني لا
يحسدون المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفَيْء وغيره، كذلك قال الناس(٢).
وفيه تقدير حذف مضافين؛ المعنى: مَسَّ حاجةٍ مِن فَقْدٍ ما أوتوا. وكلُّ ما يجد
الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة. وكان المهاجرون في دُوْرِ
الأنصار، فلما غَنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النَّضير، دعا الأنصار وشكرهم
فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إيّاهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم. ثم
قال: ((إن أحببتم قسمتُ ما أفاء الله عليَّ من بني النَّضِير بينكم وبينهم، وكان
المهاجرون على ما هم عليه من السُّكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم
وخرجوا من دوركم)). فقال سعد بن عُبَادة وسعد بن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين،
ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسَلَّمنا يا رسولَ الله. فقال
رسول الله #: ((اللَّهُمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار)). وأعطى رسول الله ﴾
المهاجرين، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئاً إلا الثلاثة الذين ذكرناهم(٣). ويحتمل أن يريد به:
((وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) إذا كان قليلاً [بل] يقنعون به، ويرضَوْن
عنه. وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبيِّ# دُنْيَا، ثم كانوا عليه بعد موته ﴾
بحكم الدنيا. وقد أنذرهم النبيُّ# وقال: ((سترون بعدي أَثَرَة، فاصبروا حتى تلقوني
على الحوض)) (٤).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ في الترمذيِّ
عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً بات به ضيفٌ، فلم يكن عنده إلا قوتُه وقوتُ صبيانه؛ فقال
(١) ١٨٨/٨ و١٥١/١٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٣ .
(٣) أخرجه الواقدي في المغازي ٣٧٨/١ - ٣٧٩ عن أم العلاء رضي الله عنها، وسلف ذكر الثلاثة
ص٣٤٦ من هذا الجزء.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٣ - ١٧٦٤ وما بين حاصرتين منه، والحديث سلف ٦١/١١ .

٣٦٣
سورة الحشر: الآية ٩
لامرأته: نَوِّمي الصِّبيةَ، وأَطفئي السراج، وقَرِّبي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية:
((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)). قال: هذا حديث حسن صحيح.
خرَّجه مسلم أيضاً(١).
وخرَّج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول اللـه ﴾ فقال: إنِّي مجهود.
فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ. ثم أرسل إلى
الأُخرى فقالت مثل ذلك، حتى قُلْنَ كلُّهنَّ مثلَ ذلك: لا ، والذي بعثكَ بالحقِّ ما
عندي إلا ماءٌ. فقال: ((مَن يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله))؟. فقام رجل من الأنصار
فقال: أنا يا رسول الله. فانْطَلَق به إلى رَحْلِه، فقال لا مرأته: هل عندكِ شيءٌ؟ قالت:
لا ، إلا قوتُ صِبياني. قال: فعلٌّلِيهم بشيء، فإذا دخل ضيفُنا، فأَطفئي السِّراج وأَرِيه
أنَّا نأكل، فإذا أَهوى ليأكل، فقومي إلى السراج حتى تُطفئيه. قال: فقعدوا وأَكَلَ
الضيف. فلما أصبح غدًا على النبيِّ# فقال: «قد عَجِبَ اللهُ من صنيعكما بضيفكما
الليلة))(٢).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله # ليُضيفه، فلم يكن
عنده ما يُضيفُه. فقال: ((ألا رَجُلٌ يُضيفُ هذا رحمه الله))؟ فقام رجل من الأنصار يقال
له: أبو طلحة. فانطلق به إلى رحله، وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه نزولَ
الآية(٣).
وذكر المهدويُّ عن أبي هريرة أنَّ هذا نزل في ثابت بن قيس ورجلٍ من الأنصار
- نزل به ثابت - يقال له: أبو المتوكّل، فلم يكن عند أبي المتوكّل إلا قوته وقوت
صِبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج ونوِّمي الصبيةَ؛ وقَدَّم ما كان عنده إلى ضيفه.
وكذا ذكر النخَّاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار - يقال له: أبو
المتوكّل - ثابت بن قيس ضيفاً، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صِبيانه، فقال لا مرأته:
(١) الترمذي (٣٣٠٤)، ومسلم (٢٠٥٤): (١٧٣).
(٢) مسلم (٢٠٥٤)، وهو عند البخاري (٤٨٨٩)، والواحدي في أسباب النزول ص ٤٤٥ - ٤٤٦ بنحوه.
(٣) مسلم (٢٠٥٤): ( ... ).

٣٦٤
سورة الحشر: الآية ٩
أطفئي السراج ونوِّمي الصبية؛ فنزلت: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»
إلى قوله: ((فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)). وقيل: إنَّ فاعل ذلك أبو طلحة(١). وذكر القشيريُّ
أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم: وقال ابن عمر: أُهديّ لرجل من أصحاب
رسول الله ﴿ رأسُ شاة فقال: إنَّ أخي فلاناً وعيالَه أحوجُ إلى هذا منَّا، فبعثه إليهم،
فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعةُ أبيات، حتى رجعت إلى أولئك؛
فنزلت: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ))(٢). ذكره الثعلبيُّ عن أنس قال: أهْدِيَ لرجل من
الصحابة رأسُ شاة - وكان مجهوداً - فوجَّه به إلى جارٍ له، فتداولته سبعةُ أنفس في
سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأوَّل، فنزلت: ((ويُؤْثِرونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)) الآية(٣).
وقال ابن عباس: قال النبيُّ# للأنصار يوم بني النَّضير: ((إن شئتم قسمت
للمهاجرين من دياركم وأموالكم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم
دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم من الغنيمة شيئاً)) فقالت الأنصار: بل نقسم
لإِخواننا من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، فنزلت: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ))
الآية (٤). والأوَّل أصحُ(٥).
وفي ((الصحيحين)) عن أنس: أنَّ الرجل كان يجعل للنبيِّ ◌َ# النخلات من أرضه
حتى فُتحت عليه قُرَيْظة والنَّضِير، فجعل بعد ذلك يردُّ عليه ما كان أعطاه. لفظ
مسلم(٦). وقال الزُّهريُّ عن أنس بن مالك: لما قدم المهاجرون - من مكّةَ - المدينةَ،
قَدِموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهلَ الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار
(١) المحرر الوجيز ٥/ ٢٨٧ بنحوه، وسلف ذكر أبي طلحة في حديث مسلم (٢٠٥٤).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٧٩). قال الحاكم:
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: فيه عبيد الله بن الوليد ضعَّفوه.
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢١٤/٨ بنحوه، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٤٤٦ عن
ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٠، وزاد المسير ٢١٤/٨.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٤ .
(٦) برقم (١٧٧١)، والبخاري (٣١٢٨).

٣٦٥
سورة الحشر: الآية ٩
على أن أعطوهم أنصافَ ثمار أموالهم كلَّ عام، ويكفُونهم العملَ والمؤونة، وكانت
أُمُّ أنس بن مالك تُدْعَى بأمُّ سُلَيم، وكانت أمَّ عبدِ الله بن أبي طلحة، كان أخاً لأنَسٍ
لأمِّه، وكانت أعطت أمُّ أنَسٍ رسولَ اللـه ﴾ ◌ِذاقاً لها، فأعطاها رسول اللـه لَ﴾ أمّ
أَيْمَنَ مَوْلَاتَه، أمَّ أسامة بن زيد. قال ابنُ شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أنَّ
رسول الله﴿ لما فرغ من قتال أهل خَيْبَر وانصرف إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى
الأنصار منائحهم التي كانوا مَنَحُوهم من ثمارهم. قال: فردَّ رسول الله # إلى أمِّي
عِذاقها، وأَعطى رسولُ اللـه ﴿ أَمَّ أَيْمَن مكانهنَّ من حائطه. خرَّجه مسلم أيضاً(١).
الثامنة: الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظِها الدنياوية، رغبةً في
الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوَّة اليقين، وتوكيد المحبَّة، والصبر على المشفّة(٢).
يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضَّلته(٣). ومفعول الإيثار محذوف، أي:
يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غِنَّى، بل مع احتياجهم إليها (٤)،
حسب ما تقدَّم بيانه.
وفي (موطأ مالك)): أنَّه بلغه عن عائشة زوج النبيِّ ﴾، أنَّ مسكيناً سألها وهي
صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أَعطيه إيَّاه. فقالت: ليس لكِ
ما تُفطِرين عليه؟ فقالت: أَعطيه إيَّه. قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهْدَى لنا
أهلُ بيت، أو إنسانٌ، ما كان يُهدى لنا: شاةً وكَفَّنَها. فدعتني عائشة فقالت: كُلِي من
هذا، فهذا خير من قُرْصك(٥).
قال علماؤنا: هذا من المال الرابح، والفعل الزاكي عند الله تعالى، يعجّل منه
(١) برقم (١٧٧١)، وهو عند البخاري (٢٦٣٠)، وعذاقاً: جميع عَذق، وهي النخلة، والمنيحة: المنحة.
النهاية (عذق) و(منح).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧٦٥ .
(٣) اللسان (أثر).
(٤) تفسير الرازي ٢٨٧/٢٩ .
(٥) الموطأ ٩٩٧/٢، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٨٢).

٣٦٦
سورة الحشر: الآية ٩
ما يشاء، ولا ينقص ذلك مما يدَّخر عنه. ومن تَرَكَ شيئاً لله، لم يجد فَقْدَه. وعائشة
رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنَّهم يؤثرون على أنفسهم
مع ما هم فيه من الخصاصة، وأنَّ من فعل ذلك، فقد وقي شُحَّ نفسِه، وأفلح فلاحاً
لا خسارةَ بعده. ومعنى: شاةً وكَفَنَها: فإنَّ العرب - أو بعض العرب، أو بعض
وجوههم - كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غَطَّوْه كلَّه
بعچِينِ البُرِّ، وكفنُوه به، ثم عَلَّقوه في التّنُّور، فلا يخرج من وَدَكِه شيء إلا في ذلك
الكفن؛ وذلك من طيِّب الطعام عندهم(١).
وروى النسائيُّ عن نافع أنَّ ابن عمر اشتكى واشتهى عِنَباً، فاشْتُرِي له عنقود
بدرهم، فجاء مسكين فسأل، فقال: أَعطوه إيّاه. فخالف إنسانٌ، فاشتراه بدرهم، ثم
جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكينُ فسأل، فقال: أَعطوه إيَّاه. ثم خالف إنسانٌ،
فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه، فأراد السائل أن يرجع، فمنع. ولو علم ابنُ عمر أنَّه
ذلك العنقود ما ذاقه(٢)؛ لأنَّ ما خرج للهِ لا يعود فيه.
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن مطرِّف قال: حدَّثنا أبو حازم، عن عبد
الرحمن بن سعيد بن يَرْبُوع، عن مالك الدار: أنَّ عمر بن الخطاب ﴾ أخذ أربع مئة
دينار، فجعلها في صُرَّة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بنِ الجرَّاح، ثم تَلَكَّاً
(١) الاستذكار ٤٠٦/٢٧ - ٤٠٧، ووقع في مطبوعه: وأفلح فلا حاجة لإحسان بعده. بدل: وأفلح فلاحاً
لا خسارة بعده. والوَدَك: دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. اللسان (ودك).
(٢) لم نقف عليه عند النسائي في المجتبى والكبرى، وأخرجه ابن عبد البر في الاستذكار ٢٧/ ٤٠٧ من
طريق القيروان، عن أحمد بن شعيب النسائي، عن الحسن بن الحسن المروذي، والطبراني في الكبير
(١٣٠٦٧)، - ومن طريقه أبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٢٩٧ - من طريق نعيم بن حماد، كلاهما عن ابن
المبارك، عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن نافع، به.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٣٤٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير نعيم بن حماد،
وهو ثقة. اهـ.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٩٧ من طريق خبيب بن عبد الرحمن، عن نافع، أن ابن عمر اشتهى
عنباً ... بنحوه.

٣٦٧
سورة الحشر: الآية ٩
ساعةً في البيت حتى تنظرَ ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير
المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: وَصَلَه الله ورَحمه، ثم قال: تعالي يا
جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها. فرجع
الغلام إلى عمر، فأخبره، فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل، وقال: اذهب بهذا إلى
معاذ بن جبل، وتَلَكّأُ في البيت ساعةٌ حتى تنظرَ ماذا يصنع، فذهب بها إليه، فقال:
يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: رحمه الله ووَصَله،
وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وبيت فلان بكذا، فاطّلعت امرأةُ معاذ
فقالت: ونحن! واللهِ مساكين، فأعطنا. ولم يَبْقَ في الخرقة إلا ديناران فدحا(١) بهما
إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر وقال: إنَّهم إخوة! بعضهم من
بعض(٢). ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إيَّاها، وكان عشرة
آلاف، وكان المُنْكَدِر دخل عليها(٣).
فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدُّق بجميع ما يملكه المرء،
قيل له: إنَّما كره ذلك في حقِّ من لا يُوثَق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرَّض
للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأمَّا الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم،
فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالصَّبِرِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ
وَحِينَ الْبَأْسِ،
[البقرة: ١٧٧].
(١) في (م): قد جاء. والمثبت من النسخ الخطية ومصادر التخريج، ودحا: رمى وألقى. اللسان (دحا).
(٢) الزهد لابن المبارك (٥١١) - ومن طريقه أخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ٣٣/٢٠ (٤٦)، وأبو نعيم في
الحلية ٢٣٧/١ _ عن محمد بن مطرِّف، به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير،
ومالك الدار: لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. اهـ
وقوله: تلكّأ. في الموضعين، وقعت عند ابن المبارك والطبراني: تلةً. وعند أبي نعيم وقعت في
الموضع الأول: تلبَّث، وفي الموضع الثاني: وتلً. قال ابن الأثير في النهاية (لها): وحديث عمر أنه
بعث إلى أبي عبيدة بمال في صرَّة، وقال للغلام: اذهب بها إليه، ثم تلهَّ ساعة في البيت ... أي: تشاغل
وتعلَّل.
(٣) بعدها في (د)و(ظ) بياض، والخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢٨/٥ .

٣٦٨
سورة الحشر: الآية ٩
وكان الإيثار فيهم أفضلَ من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر ويتعرَّض للمسألة
أولى من الإيثار(١). وروي أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ # بمثل البيضة من الذهب فقال:
هذه صدقة، فرماه بها وقال: ((يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدَّق به، ثم يقعد
يتكفّف الناس))(٢)، والله أعلم.
التاسعة: والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال، وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال
السائرة :
والجُودُ بالنَّفْس أقصَى غاية الجُودِ(٣)
ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حدِّ المحبة: أنَّها الإيثار، ألا ترى أنَّ امرأة
العزيز لمَّا تناهت في حُبِّها ليوسف عليه السلام، آثرته على نفسها فقالت: ﴿أَنَاْ رَوَدْتُمُ
عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] وأفضل الجودِ بالنفس الجودُ على حماية رسول الله ﴾، ففي
الصحيح: أنَّ أبا طَلْحة تَرَّس على النبيِّ # يوم أُحُد، وكان النبيُّ# يتطلّع ليرى
القوم. فيقول له أبو طلحة: لا تُشرِف يا رسولَ الله! لا يصيبونك! نَحْرِي دون نَحْرِك!
ووَقَى بيده رسولَ اللهِ﴾، فشُلَّت(٤).
وقال حُذيفة العدوِيُّ: انطلقتُ يوم اليَرْمُوك أَطلب ابنَ عمٍّ لي - ومعي شيء من
الماء - وأنا أقول: إن كان به رَمقٌ سقيتُه، فإذا أنا به، فقلت له: أَسقيك؟ فأشار برأسه
أَنْ نَعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إليَّ ابنُ عمِّي أن أنطلق إليه، فإذا هو هشام
(١) أحكام القرآن للهراسي ٤٠٨/٤ .
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٧٣) و(١٦٧٤)، وابن حبان في صحيحه (٣٣٧٢) واللفظ له. وفي إسناده: محمد
ابن إسحاق، وهو مدلِس، ولم يصرَّح بالتحديث.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٦٥/٤، وما بعده منه أيضاً، والمثل عجز بيت لمسلم بن الوليد، ذكره
العسكري في جمهرة الأمثال ٩٥/١، وصدره:
يجود بالنفس إذ ضنَّ الجواد بها
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٦٥/٤، والخبر أخرجه البخاري (٣٨١١)، ومسلم (١٨١١)، وأحمد
(١٢٠٢٤) عن أنس ـ

٣٦٩
سورة الحشر: الآية ٩
ابن العاص فقلت: أَسقيكَ؟ فأشار أَنْ نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن
أنطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى
ابن عمِّي فإذا هو قد مات. وقال أبو يزيد البِسْطَامِيُّ: ما غَلَبِني أحد ما غَلَبني شابٌّ من
أهل بَلْخ! قدِم علينا حاجًّاً، فقال لي: يا أبا يزيد، ما حدُّ الزهد عندكم؟ فقلت: إنْ
وَجَدْنا أَكَلْنا. وإن فقدنا صَبَرْنَا. فقال: هكذا كلاب بَلْخ عندنا. فقلت: وما حَدُّ الزهد
عندكم؟ قال: إن فَقَدْنا شكرنا، وإن وَجَدْنا آثرنا(١).
وسُئل ذو النُّون المصريُّ: ما حَدُّ الزاهد المنشرح صدره؟ قال: ثلاث: تفريق
المجموع، وتَرْك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن
الأنطاكيّ: أنَّه اجتمع عنده نيِّف وثلاثون رجلاً بقرية من قُرَى الرِّيِّ، ومعهم أرغفة
معدودة لا تُشبع جميعَهم، فكسروا الرغفان، وأطفؤوا السراج، وجلسوا للطعام؛
فلما رفُع، فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئاً؛ إيثاراً لصاحبه على نفسه.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَاصَةٌ ﴾ الخصاصة: الحاجة التي تختلُّ
بها الحال. وأصلها من الاختصاص، وهو انفراد بالأمر. فالخصاصة: الانفراد
بالحاجة؛ أي: ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر :
أمَّا الربيع إذا تكون خصاصةٌ عاش السقيم به وأَثْرَى الْمُقْتَرُ(٢)
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الشُّخُ
والبُخْلُ سواء(٣)، يقال: رجل شحيح: بَيِّن الشُّحِّ والشَّحِّ والشَّحاحة(٤). قال عمرو
ابن كلثوم :
(١) المحرر الوجيز ٢٨٧/٥ - ٢٨٨، وفيه: صبرنا، بدل: شكرنا.
(٢) لم نقف على قائله.
(٣) النكت والعيون ٥٠٧/٥ .
(٤) تفسير الطبري ٥٢٩/٢٢ .

٣٧٠
سورة الحشر: الآية ٩
عليه لِمالِه فيها مُهِينا (١)
ترى اللَّحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ
وجعل بعض أهل اللغة الشُّحَّ أشدَّ من البخل. وفي ((الصحاح))(٢): الشُّحُّ: البخلُ
مع حرص، تقول: شَحِحْتَ - بالكسر - تَشَخُّ. وشَحَحْتَ أيضاً تَشُخُ وتَشِخُ. ورجل
شحيح، وقومٌ شِحاح وأشِخَّة.
والمراد بالآية: الشّخُّ بالزكاة وما ليس بفرض، من صلة ذوي الأرحام والضيافة،
وما شاكل ذلك. فليس بشحيح ولا بخيل من أَنفق في ذلك، وإن أمسك عن نفسه.
ومن وَسَّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات، فلم يُوقَ شُحَّ
نفسه.
وروى الأسْوَد عن ابن مسعود أنَّ رجلاً أتاه فقال له: إنِّي أخاف أن أكون قد
هَلكتُ؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتُ الله عَزَّ وجلَّ يقول: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» وأنا رجل شحيح لا أكادُ أن أُخرِجَ من يدي شيئاً. فقال ابن
مسعود: ليس ذلك بالشُّحِّ الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنَّما الشُّحُّ الذي ذكره الله
تعالى في القرآن أن تأكل مالَ أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل، وبئس الشَّيء
البخل(٣). ففرَّق ﴾ بين الشُّحِّ والبخل.
وقال طاوس: البخل: أن يبخلَ الإنسان بما في يده، والشُّخُ: أن يَشِخَّ بما في
أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحِلِّ والحرام، لا يقنع. ابن جبير:
الشُّخُ: منع الزكاة وادِّخار الحرام. ابن عُيَيْنَة: الشُّحُّ: الظلم. الليث: ترك الفرائض،
وانتهاك المحارم. ابن عباس: من اتّبع هواه ولم يقبل الإيمان، فذلك الشحيح(٤).
(١) معلقة عمرو بن كلثوم بشرح أبي الحسن بن كيسان ص٤٦، قال شارحه: اللَّحِز: الضَّيِّق الخُلُق.
وأُمِرَّت: أُديرت عليه. والمعنى: فإذا كُرِّرت عليه الخمر اتسعَ صدره، وأنفق ماله.
(٢) مادة (شحح).
(٣) النكت والعيون ٥٠٦/٥ - ٥٠٧، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة ٩٨/٩، والطبري ٥٢٩/٢٢ - ٥٣٠،
والحاكم ٢/ ٤٩٠ من طرق، عن الأسود بن هلال، به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧ .

٣٧١
سورة الحشر: الآية ٩
ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً [لشيء] نهاه الله عنه، ولم يَدْعُه الشُّخُ [على أن يمنع شيئاً
من شيء] أمره الله به، فقد وقاه الله شُحَّ نفسه(١).
وقال أنس: قال النبيُّ ﴾: («بَرِئَ من الشُّحِّ من أدَّى الزكاة، وقَرَى الضيف،
وأعطى في النائبة)»(٢). وعنه أنَّ النبيَّ ﴾ كان يدعو: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بِكَ من شُحِّ
نفسي وإسرافها ووساوسها)»(٣).
وقال أبو الهَيَّاج الأسدي: رأيت رجلاً في الطّواف يدعو: اللهمَّ فِي شُحَّ نفسي.
لا يزيد على ذلك شيئاً، فقلت له؟ فقال: إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي لم أسرق، ولم أزْنِ،
ولم أَفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن بن عَوْف (٤).
قلت: يدلُّ على هذا قوله ﴾: ((اثَّقوا الظلم، فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة،
واتقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سَفَكوا دماءهم،
واستحلُّوا محارمهم)). وقد بيَّنَّاه في آخر ((آل عمران))(٥). وقال كِسرى لأصحابه: أيُّ
شيء أضرُّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كِسرى: الشُّحُّ أضرُّ من الفقر؛ لأنَّ الفقير إذا
وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبداً (٦).
(١) تفسير البغوي ٧٨/٤، وأخرجه عنه الطبري ٥٣١/٢٢ - ٥٣٢، وما بين حاصرتين منهما ومن (م).
(٢) أخرجه الطبري ٢٢/ ٥٣٠ - ٥٣١، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن
إسحاق، عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن إسماعيل بن عياش، عن مجمع بن جارية، عن
عمه، عن أنس، به. ومحمد بن إسحاق هو: ابن عمرو بن عمر بن عمران أبو الحسن القرشي المؤذِّن
المعروف بابن الحريص، ختن هشام بن عمار. ذكره ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٢٦/٥٢ ولم
يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقد توفي سنة (٢٢٨هـ).
وأخرجه أيضاً هناد في الزهد (١٠٦٠)، والطبراني في الكبير (٤٠٩٧)، وابن حبان في الثقات ٤/ ٢٠٢
من طريق مجمع بن يحيى، عن عمِّه خالد بن زيد، مرسلاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٨/٣ :
رواهما الطبراني في الكبير، وفيه: إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف. اهـ. وحسَّن إسناده
ابن حجر في الإصابة ٣/ ٥٨ .
(٣) أورده الديلمي في الفردوس ٤٦٠/١.
(٤) أخرجه الطبري ٥٣٠/٢٢، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٢٨٣/٤١ .
(٥) ٤٤١/٥، وسلف تخريج الحديث ثمة.
(٦) روضة العقلاء لابن حبان ص٢٣٨ .

٣٧٢
سورة الحشر: الآية ١٠
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ
رَّحِيمُ ﴾﴾
فیه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني التابعين ومن دخل في
الإسلام إلى يوم القيامة(١). قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون،
والذين تبوَّؤوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم. فاجْهَدْ ألَّا تخرج من هذه
المنازل(٢).
وقال بعضهم: كن شَمْساً، فإن لم تستطع فكن قَمَراً، فإن لم تستطع فكن كَوْكباً
مضيئاً، فإن لم تستطع فكن كوكباً صغيراً، ومن جهة النور لا تَنقطع. ومعنى هذا: كن
مهاجريّاً. فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارِيّاً. فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم
تستطع فأحبَّهم واستغفر لهم كما أَمَرَك الله. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على
ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه
المنزلة التي بقيت(٣).
وعن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جدِّه عليٍّ بنِ الحسين ﴾، أنَّه جاءه
رجل فقال له: يابنَ بنتِ رسول الله ﴾، ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخي أنت
من قوم قال الله فيهم: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) الآية؟ قال: لا. قال: فواللهِ لئن لم تكن
من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: ((والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ)) الآية؟
قال: لا. قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجنَّ من الإسلام! وهي
قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٦٦/٤ .
(٢) تفسير البغوي ٣٢١/٤، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٥٣٣، وابن أبي حاتم في التفسير ١٨٦٨/٦
(١٠٣٠٣).
(٣) النكت والعيون ٥/ ٥٠٧ .

٣٧٣
سورة الحشر: الآية ١٠
بِالْإِيمَانِ)) الآية. وقد قيل: إنَّ محمد بن علي بن الحسين ﴾، روى عن أبيه: أنَّ نفراً
من أهل العِراق جاؤوا إلیه، فسبُّوا أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ثم عثمان -﴾ ۔
فأكثروا، فقال لهم: أمِنَ المهاجرين الأوَّلين أنتم؟ قالوا: لا. فقال: أفمن الذين
تبوَّؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا: لا. فقال: قد تبرَّأتم من هذين الفريقين! أنا
أشهد أنَّكم لستم من الذين قال الله عزَّ وجلَّ: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا للذين آمَنُوا رَبَّنَا
إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) قوموا، فعل الله بكم وفعل !! ذكره النَّاس(١).
الثانية: هذه الآية دليل على وجوب محبَّة الصحابة؛ لأنَّه جعل لمن بعدهم حظّاً
في الفَيْء ما أقاموا على محبَّتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأنَّ مَن سبَّهم أو واحداً
منهم أو اعتقد فيه شرّاً أنَّه لا حقَّ له في الْفَيْء، روي ذلك عن مالك وغيره. قال
مالك: من كان يُبْغِض أحداً من أصحاب محمَّد ﴿، أو كان في قلبه عليهم غِلٌّ،
فليس له حقٌّ في فَيْء المسلمين؛ ثم قرأ: ((والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) الآية(٢).
الثالثة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول، وإبقاء
العقار والأرض، شملاً بين المسلمين أجمعين - كما فعل # - إلا أن يجتهد الوالي
فينفذ أمراً فيمضي عمله فيه، لاختلاف الناس عليه، وأنَّ هذه الآية قاضية بذلك؛ لأنَّ
الله تعالى أخبر عن الْفَيْء وجعله لثلاثٍ طوائف: المهاجرين والأنصار - وهم
معلومون - ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالْإِيمَانِ)). فهي عامَّة في جميع التابعين والآتِيْنَ بعدهم إلى يوم الدين. وفي الحديث
الصحيح: أنَّ النبيَّ# خرج إلى المقبرة فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنَّا
إنْ شاء اللهُ بكم لاحقونَ، ودِذْت أن رأيت إخواننا)). قالوا: يا رسول الله، ألسنا
بإخوانك؟ فقال: ((بل أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعدُ، وأنا فَرَطُهم على
(١) وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٨/٥.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٦٦/٤، وقول مالك أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٢٧ .

٣٧٤
سورة الحشر: الآية ١٠
الحَوْض)). فبَيَّن﴾ أنَّ إخوانهم كلُّ من يأتي بعدهم(١). لا كما قال السُّدِّئُّ والكلْبيُّ:
إنَّهم الذين هاجروا بعد ذلك(٢). وعن الحسن أيضاً ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)): مَن
قصد إلى النبيِّ﴾ إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ نصب في موضع الحال(٣)، أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا
آغْفِرْ لَنَا وَلَإخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أُمِروا أن يستغفروا
لمن سَبَقَ هذه الأمَّة من مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة رضي الله عنها: فأُمِروا أن
يستغفروا لهم، فسبُّوهم. الثاني: أمروا أن يستغفروا للسابقين الأوَّلين من المهاجرين
والأنصار (٤).
قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمَّد ﴾، وهو يعلم أنَّهم
سَيُفْتَنُونَ. وقالت عائشة: أُمِرْتُم بالاستغفار لأصحاب محمَّد فسببتموهم، سمعتُ
نبيَّكم # يقول: ((لا تذهب هذه الأمَّة حتى يلعنَ آخرُها أوَّلَها))(٥). وقال ابن عمر:
سمعتُ رسول الله # يقول: ((إذا رأيتم الذين يسبُّون أصحابي فقولوا: لعن الله
أَشَرَّكم»(٦). وقال العوَّام بن حَوْشَب: أدركتُ صدر هذه الأمَّة يقولون: اذكروا
محاسن أصحابٍ رسول الله 8# حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شَجَر بينهم
فتُحرِّشوا(٧) الناس عليهم(٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٦٧/٤، والحديث أخرجه مسلم (٢٤٩)، وأحمد (٧٩٩٣).
(٢) النكت والعيون ٥٠٧/٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٨/٤.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٥٠٧، وقول عائشة أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٤٧/١٠ (١٨٨٥٦).
(٥) أخرجه البغوي في التفسير ٣٢١/٤، وفي الباب لقوله #: ((حتى يلعن آخرها أولها)) عن أويس القرني
عن النبي # قال: ((احفظوني في أصحابي، فإن من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها، ... ))
الحديث، أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٨٧ .
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٦٢)، والذهبي في ميزان الاعتدال ٢٥٦/٢، قال الطبراني: لم يروٍ
هذا الحديث عن عبيد الله إلا سيف، تفرَّد به النضر. وقال الذهبي: رواه الترمذي عن أبي بكر بن نافع،
عن العتكي، وقال: هذا منكر.
(٧) في (د) و(م): فتجسِّروا. والمثبت من (ظ) ومصادر التخريج.
(٨) أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/ ١٣٥٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢١٥/٢٣ بتمامه، =

٣٧٥
سورة الحشر: الآيتان ١٠ - ١١
وقال الشعبيُّ: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود:
مَن خيرُ أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل
ملَّتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شرُّ أهل مِلَّتكم؟ فقالوا:
أصحاب محمَّد، أُمِروا بالاستغفار لهم، فسبُوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم
القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلَّما أوقدوا
ناراً للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجَّتهم. أعاذنا الله وإيَّاكم من
الأهواء المضلَّة(١). ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: حِقْداً وحسداً ﴿رَبَّ
إِنَّكَ رَهُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبٍ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوْتِلْتُمْ
◌َتَنْصُرَّتَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾
تعجّبٌ من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر مع علمهم بأنَّهم لا
يعتقدون ديناً ولا كتاباً. ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبَيِّ ابن سَلُول، وعبد الله بن
نَبْتَل، ورفاعة بن زيد. وقيل: رافعة بن تابوت، وأوْس بن قَيْظِيٌّ(٢)، كانوا من الأنصار
ولكنَّهم نافقوا، وقالوا ليهود قُريظة والنَّضير: ﴿لَيْنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ﴾. وقيل:
هو من قول بني النَّضير لقُرَيْظَةِ (٣). وقوله: ﴿وَلَا تُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ يعنون محمَّداً ◌ِ﴾،
لا نطيعه في قتالكم. وفي هذا دليل على صحّة نُبُوَّة محمَّدٍ ﴾ من جهة علم الغيب(٤)؛
لأنَّهم أُخرجوا فلم يَخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم(٥)، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
= والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١٣٩٨) مختصراً. وفي إسناده: شهاب بن خراش،
قال عنه ابن عدي: ولشهاب أحاديث ليست بكثيرة، وفي بعض رواياته ما ينكر عليه ....
(١) تفسير البغوي ٣٢١/٤، وأخرجه عنه ابن الجوزي في الموضوعات (٤١٣) مطولاً.
(٢) أخرجه الطبري ٥٣٥/٢٢ عن مجاهد، وذكر فيه: رفاعة، أو رافعة بن تابوت، ودون ذكر: رفاعة بن
زيد، وذكره الرازي في تفسيره ٢٨٨/٢٩، وقول مجاهد في التفسير ٢/ ٦٦٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٩/٥ .
(٤) الكشاف ٤/ ٨٥ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٤٧ .

٣٧٦
سورة الحشر: الآيتان ١٢ - ١٣
يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: في قولهم وفعلهم.
قوله تعالى: ﴿لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخُْونَ مَعَهُمْ وَلَيْن قُوْتِلُوْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيْن نَّصَرُوهُمْ
لَيُّوَلْنَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُّونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَيْنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخُْونَ مَعَهُمْ وَلَيِنِ قُوتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيْن نََّرُوهُمْ
لَيُوَأُنَ الْأَدْبَرَ﴾ أي: منهزمين(١). ﴿ثُمَّ لَا يُنُصَرُّونَ﴾ قيل: معنى ((لَا يَنْصُرُونَهُمْ))
طائعين. ((وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ)) مكرهين (لَيُؤَلُّنَّ الْأَذْبَارَ)). وقيل: معنى ((لَا يَنْصُرُونَهُمْ)) لا
يدومون على نصرهم. هذا على أنَّ الضميرين متفقان. وقيل: إنَّهما مختلفان،
والمعنى: لئن أُخرِج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم،
(وَلَيْنْ نَصَرُوهُمْ)) أي: ولئن نصر اليهودُ المنافقين (لَيُؤَلُّنَّ الْأَدْبَارَ)). وقيل: ((لَيْنْ أُخْرِجُوا
لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ)) أي: عَلِمَ الله منهم أنَّهم لا يخرجون إن أُخرجوا. ((وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا
يَنْصُرُونَهُمْ)) أي: عَلِمَ الله منهم ذلك. ثم قال: ((لَيُؤَلُّنَّ الْأَذْبَارَ)) فأخبر عمَّا قد أخبر أنَّه
لا يكون، كيف كان يكون لو كان؟(٢) وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾
[الأنعام: ٢٨]. وقيل: معنى ((وَلَيْنْ نَصَرُوهُمْ)) أي: ولئن شئنا أن ينصروهم زَيَّنَّا ذلك
لهم. (َيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ)).
قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِم ◌ِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ
قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ يا معشرَ المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةٌ﴾ أي: خوفاً وخشية(٣)
﴿فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ يعني صدور بني النَّضير. وقيل: في صدور المنافقين (٤).
(١) تفسير أبي الليث ٣٤٦/٣ .
(٢) الكشاف ٤/ ٨٥، وتفسير الرازي ٢٨٩/٢٩ .
(٣) تفسير البغوي ٣٢٢/٤.
(٤) زاد المسير ٢١٧/٨ - ٢١٨، وعزا القول الأول للفراء، والثاني لمقاتل، وقول الفراء في معاني القرآن
له ١٤٦/٣ ٠

٣٧٧
سورة الحشر: الآيتان ١٣ - ١٤
ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي: يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربِّهم ذلك
الخوف . ﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفقهون قَدْرَ عظمة الله وقدرته(١).
قوله تعالى: ﴿لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَّى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدٍُّ بَأْسُهُم
بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿لَا يُقَيِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني اليهود (٢) ﴿إِلَّا فِ قُرَّى تُحَصَّنَةٍ﴾ أي:
بالحيطان والدُّور، يظنُّون أنَّها تمنعهم منكم. ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ أي: من خَلْف
حيطان يستترون بها؛ لجُبْنِهِم وَرَهْبَتِهم.
وقراءة العامة: ((جُدُرٍ)) على الجمع، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتِم؛ لأنَّها
نظیر قوله تعالى: «فِي قُرَى مُحَصَّنَةٍ﴾ وذلك جمع. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير
وابن مُحَيْصِن وأبو عمرو: ((جِدَارٍ)) على التوحيد(٣)؛ لأنَّ التوحيد يؤدِّي عن الجمع (٤).
وروي عن بعض المكُيِّين: ((جَدْر)) بفتح الجيم وإسكان الدال(٥)، وهي لغة في الجدار.
ويجوز أن يكون معناه: مِن وراء نخيلهم وشجرهم(٦)، يقال: أَجْدَرَ النخلُ: إذا طلعت
رؤوسه في أوَّل الربيع. والجَدْر: نبتٌ، واحدته: جَدْرةٍ(٧). وقُرِئ: ((جُدْر)) بضمِّ الجيم
وإسكان الدال(٨)، جمع الجدار. ويجوز أن تكون الألف في الواحد، كألف كِتاب،
وفي الجمع، كألف ظِراف. ومثله: ناقة هِجَانٌ، ونُوقٌ هجان؛ لأنَّك تقوله في التثنية:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/٤.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٢ .
(٣) السبعة ص٦٣٢، والتيسير ص ٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢.
(٤) الحجة للفارسي ٢٨٤/٦ .
(٥) القراءات الشاذة ص١٥٤ عن ابن كثير في رواية.
(٦) المحرر الوجيز ٢٨٩/٥ .
(٧) تهذيب اللغة ١٠/ ٦٣٤ .
(٨) القراءات الشاذة ص١٥٤، والمحتسب ٣١٦/٢، وما بعده منه أيضاً.

٣٧٨
سورة الحشر: الآية ١٤
هجانان، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ، مختلفين في المعنى، قاله
ابن چِنِّيَّ(١).
قوله تعالى: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يعني عداوة بعضهم لبعض. وقال مجاهد:
(بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)) أي: بالكلام والوعيد لنفعلنَّ كذا. وقال السُّدِّيُّ: المراد اختلاف
قلوبهم حتى لا يتَّفقوا على أمر واحد(٢). وقيل: ((بَأُسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)) أي: إذا لم يلقَوْا
عدوّاً نسبوا أنفسهم إلى الشِّدَّة والبأس، ولكن إذا لَقُوا العدوَّ انهزموا. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾ يعني اليهود والمنافقين، قاله مجاهد. وعنه أيضاً: يعني المنافقين.
الثورِيُّ: هم المشركون وأهل الكتاب. وقال قتادة: ((تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً)) أي: مجتمعين
على أمر ورأي. ((وَقُلُوبُهُمْ شَتَى)) متفرِّقة. فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة
شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، وهم مجتمعون في عداوة أهلِ الحقِّ. وعن مجاهد
أيضاً: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود (٣). وهذا ليقوِّيَ أنفس المؤمنين
عليهم. وقال الشاعر:
إلى الله أشكونِيَّةً شَقَّتِ العَصَا هي اليوم شَتَّى وهي أمس جُمَّعُ(٤)
وفي قراءة ابن مسعود: ((وقلوبهم أشَتّ))(٥) يعني أشدَّ تشتيتاً، أي: أشدَّ
اختلافاً (٦). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك التشتيت والكفر بأنَّهم لا عقلَ لهم
يعقلون به أمر الله(٧).
(١) في الخصائص ٢/ ١٠١ .
(٢) النكت والعيون ٣٦/٥ .
(٣) تفسير البغوي ٣٢٢/٤، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٦٥، وأخرجه عنه الطبري ٥٣٨/٢٢.
(٤) القائل: قيس بن الملوِّح، وهو في ديوانه ص١٩١، والنّة والنوى جميعاً: البُعد. اللسان (نوي).
(٥) القراءات الشاذة ص ١٥٤ .
(٦) النكت والعيون ٥٠٨/٥ .
(٧) تفسير أبي الليث ٣٤٦/٣ .

٣٧٩
سورة الحشر: الآيات ١٥ - ١٧
١٥
قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِبَّا ذَاقُوْ وَبَلَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قال ابن عباس: يعني به قَيْنُقَاعِ، أمكن الله منهم قبل بني النَّضير(١). وقال قتادة:
يعني بني النَّضِير، أمكن الله منهم قبل قُرَيظة. مجاهد: يعني كفَّار قريش يوم بدر (٢).
وقيل: هو عامٌّ في كلِّ من انتقم منه على كفره قبل بني النَّضِير من نوح إلى محمد﴾(٣).
ومعنى ﴿وَبَلَ﴾ جزاءَ كفرهم. ومن قال: هم بنو قُرَيظة، جعل ((وَبَالَ أَمْرِهِمْ)) نزولهم
على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقَتْل المقاتلة وسَبْي الذُّرِّيَّة. وهو قول
الضخَّاك (٤). ومن قال: المراد بنو النَّضِير قال: ((وَبَالَ أَمْرِهِمْ)) الجلاء والنفي. وكان
بين النّضير وقُرَيظة سنتان(٥). وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النَّضير بستَّة أشهر؛
فلذلك قال: ((قَرِيباً)) وقد قال قوم: غزوة بني النَّضير بعد وقعة أحد(٦). ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ
أَلِيٌ﴾ في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِِّ بَرِىٌّ
مِنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَاَ
وَذَلِكَ جَزَُّؤَا اَلظَّالِمِينَ
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ﴾ هذا ضرب مثلٍ للمنافقين
واليهود في تخاذلهم، وعدم الوفاء في نُصْرتهم(٧). وحَذَف حرف العطف، ولم يقل:
وکمثل الشيطان؛ لأنَّ حذف حرف العطف کثیر، کما تقول: أنت عاقل، أنت کریم،
أنت عالم.
(١) تفسير البغوي ٣٢٢/٤، وأخرجه عنه الطبري ٥٣٩/٢٢.
(٢) النكت والعيون ٥٠٩/٥، وقول مجاهد في تفسيره ٦٦٥/٢، وأخرجه عنه الطبري ٥٤٠/٢٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٩٠/٥ بنحوه.
(٤) النكت والعيون ٥٠٩/٥ ، وخبر تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم
(١٧٦٨)، وهو عند أحمد (١١١٦٨) عن أبي سعيد الخدري ﴾.
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٢ .
(٦) سلف الكلام عليها ص ٣٤٠-٣٤١ من هذا الجزء.
(٧) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٢ .

٣٨٠
سورة الحشر: الآيتان ١٦ - ١٧
وقد روي عن النبيِّ﴾: أنَّ الإنسان الذي قال له الشيطان: اكفر، راهبٌ تُركت
عنده امرأة أصابها لَمَمٌ لَيَدْعُوَ لها، فزيَّن له الشيطان، فوطئها فحملت، ثم قتلها؛
خوفاً أن يفتضح، فدلَّ الشيطانُ قومَها على موضعها، فجاؤوا فاستنزلوا الراهب
ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده أنَّه إن سجد له أنجاه منهم، فسجد له فتبرَّأ منه،
فَأَسلمه. ذكره القاضي إسماعيل وعليُّ بنُ المدِيني عن سفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو بن
دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزُّرَقيِّ، عن النبيِّ ﴾(١).
وذكر خبره مطوَّلاً ابنُ عباس ووهب بن مُنَبِّه. ولفظهما مختلف. قال ابن عباس في
قوله تعالى: ((كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ)»: كان راهب في الفَتْرة يقال له: برصيصا، قد تعبَّد في
صَوْمعته سبعين سنة، لم يعصِ الله فيها طَرْفةً عين، حتى أَعيا إبليسَ، فجمع إبليس
مردة الشياطين فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض - وهو
صاحب الأنبياء، وهو الذي قصد النبيَّ# في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه
الوحي، فجاء جبريل فدخل بينهما، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند؛ فذلك قوله
تعالى: ﴿ذِى قُوِّ عِنْدَ ذِى آلْعَرش مکِیٍ﴾ [التكوير: ٢٠] - فقال: أنا اكْفِیگه. فانطلق فتزيّا
بزِيِّ الرهبان، وحَلَق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصِيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا
ينفتل من صلاته إلا في كلِّ عشرة أيام يوماً، ولا يُفطر إلا في كلِّ عشرة أيام، وكان
يواصل العشرة الأيام والعشرين والأكثر؛ فلما رأى الأبيضُ أنَّه لا يجيبه أقبل على
العبادة في أصل صَوْمعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته، رأى الأبيضَ قائماً يصلّي
في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فندم حين لم يجبه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: أن
أكونَ معك، فأتأدَّب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة. فقال: إنِّي في
(١) التعريف والإعلام ص١٦٧، وأخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان (٦١)، وابن الجوزي في
المنتظم ١٥٨/٢ وفي تلبيس إبليس ص٢٦ من طريق عبد الرحمن بن يونس، عن سفيان بن عيينة، به.
ورواية عبيد بن رفاعة عن النبي # مرسلة. وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في المنتظم ١٥٨/٢ عن وهب
ابن منبِّه مطوَّلاً، وسيأتي.