النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة المجادلة: الآيتان ١١ - ١٢
فضل العِلْم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب(١)، والحمد لله.
وروي عن النبيِّ # أنَّه قال: ((بين العالم والعابد مئة درجة، بين كلِّ درجتين
حُضْرُ الجواد المُضَمَّر سبعين سنة))(٢). وعنه ◌َ﴾: ((فَضْل العالم على العابد، كفضل
القمر ليلة البدر على سائر الكواكب))(٣). وعنه عليه الصلاة والسلام: ((يشفع يوم
القيامة ثلاثةٌ: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء))(٤) فأعظم بمنزلة هي واسطة بين
النبوّة والشهادة، بشهادة رسول الله﴾. وعن ابن عباس: خُيِّر سليمان بين العِلْم
والمال والملك، فاختار العِلْم، فأُعطيَ المال والملك معه(٥).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ
ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرَّ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (ناجيتم)) ساررتم. قال
ابن عباس: نزلت بسبب أنَّ المسلمين كانوا يُكثرون المسائلَ على رسول الله :﴿ حتى
شقُّوا عليه، فأراد الله عزَّ وجلَّ أن يُخفّف عن نبيِّهِ﴿، فلمَّا قال ذلك، كفَّ كثير من
(١) ٤٣٠/١ و٦٣/٥ - ٦٤، وغيرها .
(٢) الكشاف ٧٦/٤، والحديث أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/ ١٤٥٣ من طريق عبد الله بن محرر ، عن
الزهري ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ، وقال : وهذا بهذا الإسناد منكر ، لا أعلم يرويه عن
الزهري إلا ابن محرر ومحمد بن عبد الملك ، وجميعاً ضعيفان . اهـ .
وذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٢٩) أن ابن عون رواه عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة
مرفوعاً، وقال : ومَن دون ابن عون لا يحتج به . اهـ. وسلف ٧/ ٦٠ من قول ابن محيريز.
(٣) سلف ٤٣١/١٠ .
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣١٣) عن عثمان بن عفان ، قال البوصيري في الزوائد : هذا إسناد ضعيف؛
لضعف علَّاق بن أبي مسلم. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص ١٦٥ : رواه ابن ماجه وأبو يعلى
والعقيلي والبيهقي في الشعب من حديث عثمان ، وفيه : عنبسة بن عبد الرحمن ، وهو متروك .
(٥) الكشاف ٧٦/٤، وقول ابن عباس ذكره الديلمي في الفردوس ١٩٢/٢، وأخرجه ابن عساكر في
تاريخ مدينة دمشق ٢٢/ ٢٧٥ عن ابن عباس مرفوعًا.

٣٢٢
سورة المجادلة: الآية ١٢
الناس، ثم وسَّع الله عليهم بالآية التي بعدها. وقال الحسن: نزلت بسبب أنَّ قومًا من
المسلمين كانوا يستخلون النبيَّ # ويناجونه، فظنَّ بهم قوم من المسلمين أنَّهم
ينتقصونهم في النجوى، فشقَّ عليهم ذلك، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى؛
ليقطعهم عن استخلائه(١).
وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أنَّ المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيَّ #
ويقولون: إنَّه أُذنٌ، يسمع كلَّ ما قيل له، وكان لا يمنع أحدًا مناجاته. فكان ذلك يشقُّ
على المسلمين؛ لأنَّ الشيطان كان يُلقي في أنفسهم أنَّهم ناجَوْه بأنَّ جموعًا اجتمعت
لقتاله. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّها الَّذين آمنوا إذا تَنَاجَيْتُم فلا تَتَنَّاجَوْا
بالإثم والعُدوانِ ومَعْصِيَتِ الرسولِ)) الآية [٩]، فلم ينتهوا، فأنزل الله هذه الآية،
فانتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنَّهم لم يُقدِّموا بين يدي نجواهم صدقة، وشقَّ
ذلك على أهل الإيمان، وامتنعوا من النجوى؛ لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة،
فخفّف الله عنهم بما بعد الآية.
الثانية: قال ابنُ العربي(٢): وفي هذا الخبر عن زيد ما يدلُّ على أنَّ الأحكام لا
تترتَّب بحسب المصالح، فإنَّ الله تعالى قال: ((ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرُ)) ثم نسخَه، مع
كونه خيرًا وأطهر. وهذا رَدٌّ على المعتزلة عظيم في التزام المصالح، لكن راوي
الحديث عن زيد ابنُه عبد الرحمن، وقد ضعَّفه العلماء. والأمر في قوله تعالى: ((ذَلِكَ
خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرُ)) نصٌّ متواتر في الردِّ على المعتزلة. والله أعلم.
الثالثة: روى الترمذيُ (٣) عن عليٍّ بن علقمة الأنماريِّ، عن عليٍّ بن أبي طالب ﴾
قال: لما نزلت: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾
(١) النكت والعيون ٤٩٣/٥، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٤٨٤/٢٢، وابن أبي حاتم في التفسير
١٠ / ٣٣٤٤ (١٨٨٤٨) .
(٢) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٥٠، وما قبله منه أيضًا .
(٣) في سننه (٣٣٠٠).

٣٢٣
سورة المجادلة: الآية ١٢
سألته(١)، قال لي النبيُّ#: ((ما ترى دينارًا))؟ قلت: لا يطيقونه. قال: ((فنصف
دينار))؟ قلت: لا يطيقونه .. قال: ((فكم)). قلت: شعيرة. قال: ((إنَّك لزهيد)). قال:
فنزلت: ((أَأَشْفَقْتُم أن تُقدِّموا بين يدي نَجْواكم صَدَقاتٍ)) الآية. قال: فَبِي خفَّف الله
عن هذه الأمَّة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، إنَّما نعرفه من هذا الوجه،
ومعنى قوله: شَعِيرة. يعني: وزنَ شعيرةٍ من ذهب. قال ابنُ العربيّ(٢): وهذا يدلُّ على
مسألتين حسنتين أصوليَّتَيْن: الأولى: نَسْجُ العبادة قبل فعلها. والثانية: النظر في
المقدَّرات بالقياس، خلافًا لأبي حنيفة.
قلت: الظاهر أنَّ النَّسْخ إنَّما وقع بعد فِعْل الصدقة. وقد روي عن مجاهد: أنَّ
أوَّل من تصدَّق في ذلك عليُّ بن أبي طالب ﴾، وناجى النبيَّ ﴾. روي أنَّه تصدَّق
بخاتم (٣). وذكر القشيريُّ وغيره عن عليّ بن أبي طالب أنَّه قال: في كتاب الله آية، ما
عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي: (يا أيُّها الّذين آمنوا إذا ناجَيْتُم
الرسولَ فقدِّموا بين يَدَي نجواكُم صَدَقةٌ)) كان لي دينار فبعته، فكنت إذا ناجيتُ
الرسولَ، تصدَّقت بدرهم حتى نفدَ؛ فنسخت بالآية الأخرى: ((أَأَشْفَقْتُم أن تُقدِّموا بين
يَدَي نجواكُم صَدَقاتٍ)»(٤). وكذلك قال ابن عباس: نسخها الله بالآية التي بعدها(٥).
(١) لم ترد هذه اللفظة في مطبوع الترمذي .
(٢) في أحكام القرآن له ١٧٤٩/٤ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٤٩/٤ - ١٧٥٠، وقال عقبها: وهذا كلَّه لا يصح. اهـ. وقول مجاهد
في تفسيره ٢/ ٦٦٠ - ٦٦١، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٠/٢، والطبري ٤٨٢/٢٢
- ٤٨٣ ، وفيه أنه تصدَّق بدينار .
(٤) أسباب النزول للواحدي ص ٤٣٨، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة ٨١/١٢، والطبري ٤٨٣/٢٢،
والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
ووافقه الذهبي. اهـ. إلا أنه وقع في مطبوع المستدرك - وهي طبعة مكتب المطبوعات الإسلامية، وكذا
ورد في طبعة دار الكتب العلمية - مرفوعاً، وهو خطأ ، لأن سياق الحديث يدلُّ على أنَّ قائله هو عليٍّ،
وهو الذي كان يتصدَّق عندما كان يناجي النبيَّ﴾، ولأنه لم يَرِدْ ذكر رسول الله # في تلخيص
المستدرك للذهبي ، ولا في إتحاف المهرة لابن حجر (١٤٥٨٥) عند ذكره لإسناد هذا الحديث وعزوه
للحاكم .
(٥) الكشاف ٧٦/٤، وما بعده منه أيضاً، وأخرجه عنه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٣٥ - ٢٣٦.

٣٢٤
سورة المجادلة: الآيتان ١٢ - ١٣
وقال ابن عمر: لقد كانت لعليٍّ﴾ ثلاثة، لو كانت لي واحدة منهنَّ كانت أحبَّ إليَّ
من حُمُر النَّعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى(١).
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: من إمساكها ﴿وَأَلْهَرُ﴾ لقلوبكم من المعاصي ﴿فَإِن لَّمْ
تَجِدُوا﴾ يعني الفقراء(٢) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَكُمْ صَدَقَنٍّ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اَللَّهُ
عَلَيْكُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٍ وَاللَّهُ خِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿ءَأَشْفَقْتُ﴾ استفهام معناه التقرير. قال ابن عباس:
((أَأَشْفَقْتُمْ)) أي: أبخلتم بالصدقة(٣)، وقيل: خفتم. والإشفاق: الخوف من
المكروه (٤). أي: خفتم وبخلتم بالصدقة، وشقَّ عليكم ﴿أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَكُمْ
صَدَقَتْ﴾. قال مقاتل بن حيان: إنَّما كان ذلك عشر ليالٍ، ثم نُسخ. وقال الكلبيُّ: ما
كان ذلك إلا ليلة واحدة(٥). وقال ابن عباس: ما بقي إلا ساعة من النهار حتى نُسخ.
وكذا قال قتادة (٦). والله أعلم.
(١) ذكره بهذا اللفظ الطبرسي في مجمع البيان ١٥/٢٨، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١١٩٩) إلا أنه
ورد فيه : وغلق الأبواب ، بدل : وآية النجوى . وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ١٤٩٦/٤ ، وابن
عساكر في تاريخ دمشق ١٢٠/٤٢ عن عمر ﴾ ، وفيه : وسكناه المسجد مع رسول الله ټ# يحل له فيه
ما يحل له ، بدل : وآية النجوى . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢١/٩ : رواه أبو يعلى في الكبير ،
وفيه : عبد الله بن جعفر بن نجيح ، وهو متروك .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٣١١.
(٣) الوسيط ٢٦٦/٤.
(٤) تفسير الطبري ٤٨٦/٢٢ .
(٥) تفسير البغوي ٣١١/٤، إلا أنه ورد عن الكلبي أنه قال: ما كانت إلا ساعة من نهار. وكذا أخرجه عنه
عبد الرزاق في التفسير ٢٨٠/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٨٠/٥، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٠/٢ عن قتادة.

٣٢٥
سورة المجادلة: الآيات ١٣ - ١٦
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِذَ لَ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: نسخ الله ذلك الحكم.
وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدَّق به ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ فنسخت فرضيَّةُ
الزكاة هذه الصدقةً (١). وهذا يدلُّ على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليٍّ ﴾
ضعيف(٢)؛ لأنَّ الله تعالى قال: ((فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا)) وهذا يدلُّ على أنَّ أحداً لم يتصدَّق
بشيء. والله أعلم. ﴿وَأَطِيعُوا الَّهَ﴾ في فرائضه ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سننه ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ
وَيَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٣ أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُواْ عَن سَيِلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
(١٦)
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَولَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ قال قتادة: هم المنافقون
تولَّوا اليهود(٣) ﴿َّا هُم مِّنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من
المسلمين، بل هم ﴿مُذَبْذَ بِينَ(٤). بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [النساء: ١٤٣] وكانوا يحملون أخبارَ
المسلمين إليهم.
قال السُّدِّيُّ ومقاتل: نزلت في عبد الله بنٍ أُبيِّ وعبد الله بن نَبْتَل المنافقَيْن؛ كان
أحدهما يجالس النبيَّ 8# ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا النبي {# في حُجْرة من
حُجُراته إذ قال: ((يدخل عليكم الآن رجلٌ قلبه قلب جبَّار، وينظر بعينَي شيطان))
فدخل عبد الله بن نَبْتَل - وكان أزرقَ أسمرَ قصيراً خفيف اللحية - فقال له عليه
الصلاة والسلام: ((علامَ تشتُمني أنتَ وأصحابُك؟)) فحلف بالله ما فعلَ ذلك. فقال له
(١) تفسير أبي الليث ٣٣٧/٣ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٥٠، كما مرَّ قريبًا .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٠/٢، والطبري ٢٢/ ٤٨٧.
(٤) في (م): مذبذبون. والمثبت من النسخ الخطية وتفسير البغوي ٣١١/٤، والكلام منه.

٣٢٦
سورة المجادلة: الآيات ١٤ - ١٦
النبيُّ﴾: ((فعلتَ)) فانْطَلقَ، فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبُّوه؛ فنزلت هذه الآية(١).
وقال معناه ابن عباس، روى عِكرمة عنه، قال: كان النبيُّ# جالساً في ظلِّ شجرة قد
كاد الظلُّ يتقلَّص عنه إذ قال: ((يجيئكم الساعة رجل أزرق، ينظر إليكم نظر شيطان))
فنحن على ذلك، إذ أقبل رجل أزرق، فدعا به النبيُّ# فقال: ((علامَ تشتمني أنتَ
وأصحابُك)) قال: دعني أَجيئك بهم. فمرَّ فجاء بهم، فحلفوا جميعاً أنَّه ما كان من
ذلك شيء؛ فأنزل الله عز وجل: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً)) إلى قوله: ((هُمُ
الْخَاسِرُونَ))(٢) واليهود مذكورون في القرآن بـ ((غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ)).
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المنافقين ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في جهنّم، وهو الدَّرْك
الأسفل. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس الأعمال أعمالهم ﴿أَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ
جُنَّةٌ﴾ يستجِنُّون بها من القتل(٣) .
وقرأ الحسن وأبو العالية: ((إِيمَانَهُمْ)) بكسر الهمزة هنا، وفي ((الْمُنَافقون))(٤). أي:
إقرارهم اتَّخذوه ◌ُنَّة، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ
مُهِينٌ﴾ في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. والصَّدُّ: المنع ((عَنْ سَبِيلِ اللهِ)) أي: عن
الإسلام. وقيل: في قتلهم بالكفر؛ لِمَا أَظهروه من النفاق. وقيل: أي: بإلقاء
الأراجيف، وتثبيط المسلمين عن الجهاد، وتخويفهم(٥).
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٣٨ - ٤٣٩، وتفسير البغوي ٣١١/٤.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٤٣٩ بإسناده عن ابن عباس، وأخرجه عنه أيضاً أحمد (٢٤٠٧)، والبزار
(٢٢٧٠ كشف الأستار)، والطبري ٤٨٩/٢٢، والطبراني في الكبير (١٢٣٠٩)، والحاكم ٤٨٢/٢ من
طرق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. ولم نقف على رواية عكرمة. وقال : هذا حديث
صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٢٢ : رواه أحمد
والبزار ، ورجال الجميع رجال الصحيح .
(٣) الوسيط ٢٦٧/٤.
(٤) المحتسب ٣١٥/٢.
(٥) النكت والعيون ٤٩٤/٥، وزاد المسير ١٩٧/٨ بنحوه.

٣٢٧
سورة المجادلة: الآيات ١٧ - ١٩
قوله تعالى: ﴿لَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئَّأْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ
هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٢ يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَعْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ
عَ شَىْءٍ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ ﴿٨ اُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَ
حِزْبُ الشَّيْطِنِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَِرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَنَ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَهُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: من عذابه
شيئًا. وقال مقاتل: قال المنافقون: إنَّ محمّدًا يزعم أنَّه يُنصَر يوم القيامة، لقد شقينا
إذًا! فواللهِ لنُنْصرَنَّ يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة. فنزلت: ﴿یَوْمَ
يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾(١) أي: لهم عذاب مهين يوم يبعثهم ﴿فَتْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾
اليومَ، وهذا أمر عجيب وهو مغالطتهم باليمين غدًا. وقد صارت المعارف ضرورية.
وقال ابن عباس: هو قولهم: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢) [الأنعام: ٢٣]. ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
عَلَى شَىْءٍ﴾ بإنكارهم وحلفهم. قال ابن زيد: ظنُّوا أنَّهم ينفعهم في الآخرة. وقيل:
((وَيَحْسَبُونَ)) في الدنيا ((أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) لأنَّهم في الآخرة يعلمون الحقَّ باضطرار.
والأوَّل أظهر. وعن ابن عباس قال: قال النبيُّ﴾: ((يُنادي منادٍ يومَ القيامة: أين
خصماءُ الله، فتقوم القَدَريَّة مسودَّة وجوههم، مزرقَّة أعينهم، مائل شدقهم، يسيل
لعابهم، فيقولون: واللهِ ما عَبَدْنَا مِن دونك شمسًا ولا قمرًا ولا صنمًا ولا وثَنّا، ولا
اتخذنا من دونك إلهًا)). قال ابن عباس: صدقوا واللهِ! أتاهم الشِّرْك من حيث لا
يعلمون؛ ثم تلا: ﴿وَنَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ هم واللهِ القَدَريَّةِ. ثلاثًا(٣).
قوله تعالى: ﴿أَسْتَعْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: غلب واستعلى (٤)، أي: بوسوسته في
الدنيا. وقيل: قَوي عليهم. وقال المفضَّل: أحاط بهم(٥). ويحتمل رابعًا، أي:
(١) الكشاف ٧٧/٤، والمحرر الوجيز ٢٨١/٥ بنحوه ودون عزوٍ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٣٨/٣ دون عزوٍ.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨١/٥ وعزاه للثعلبي، وأخرجه عنه ابن مردويه كما في الدر المنثور ١٣٨/٦ - ١٣٩.
(٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٨ .
(٥) النكت والعيون ٤٩٤/٥ .

٣٢٨
سورة المجادلة: الآيات ١٩ - ٢١
جَمَعَهُم(١) وضمَّهم. يقال: أَحوذَ الشيءَ، أي: جمعه وضمَّ بعضه إلى بعض، وإذا
جمعهم فقد غلبهم وقويَ عليهم وأحاط بهم. ﴿فَأَنَئُهُمْ ذِكِّرِ اللَّهِ﴾ أي: أوامره في العمل
بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن معصيته. والنسيان قد يكون بمعنى الغفلة،
ويكون بمعنى الترك (٢)، والوجهان محتملان هنا. ﴿أُوْلَكَ حِزَّبُ الشَّيْطِنِ﴾ طائفته
ورهطه ﴿أَّ إِنَّ حِزْبَ اٌلَّْطَّنِ عُمُ الْخَبِرُونَ﴾ في بيعهم؛ لأنَّهم باعوا الجنَّة بجهنّم،
وباعوا الهدى بالضلالة.
كَتَبَ اللَّهُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ فِىِ آلْأَذَلِّينَ
لَأَغْلِبََ أَنَا وَرُسُلٍّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
(٢١)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَاذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ تقدم أوَّل السورة. ﴿أُوْلَكَ فِ اٌلْأَذَلِينَ﴾
أي: من جملة الأذلَّاء، لا أذلَّ منهم ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلَ﴾ أي: قضى الله ذلك(٣).
وقيل: كتب في اللوح المحفوظ، عن قتادة (٤). الفرَّاء: كتب بمعنى ((قال)). ﴿أَنَا﴾
توكيد(٥) ﴿وَرُسُلِّ﴾ من بُعث منهم بالحرب؛ فإنَّه غالب بالحرب، ومن بُعث منهم
بالحجَّة، فإنَّه غالب بالحجَّة(٦). قال مقاتل: قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكَّة
والطائف وخيبر وما حولهنَّ رجَوْنا أن يظهرنا الله على فارس والروم. فقال عبد الله
ابن أُبيِّ ابن سَلُول: أتظنُّون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها؟! واللهِ إنَّهم
لأكثر عددًا، وأشدُّ بطئًا من أن تظُّوا فيهم ذلك؛ فنزلت: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)).
نظيره: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُ الْغَلِبُونَ﴾
[الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
(١) معاني القرآن للزجاج ١٤٠/٥.
(٢) النكت والعيون ٤٩٥/٥، ووقع في مطبوعه : الشرك، بدل : الترك. وهو خطأ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٣٩/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٢/٤، ولم ينسب القول الأول لقتادة، وكلام الفراء في معاني القرآن له
١٤٢/٣ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٨٢.
(٦) تفسير أبي الليث ٣٣٩/٣ .

٣٢٩
سورة المجادلة: الآية ٢٢
قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاَذَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ
كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَنَدَهُم بِرُوجٍ مِّنَةٌ وَيُدْيِلُهُمْ جَنَّتٍ نَّجْرِى مِن تَحْنِهَا
اَلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْةً أُوْلَهِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ
اللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ﴾ أي:
يحبُّون ويُوالون ﴿مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ تقدَّم ﴿وَلَوْ كَانُّوْ ءَابَآءَهُمْ﴾ قال السُّدِّيُّ:
نزلت في [عبد الله بن] عبد الله بن أبيّ، جلس إلى النبيِّ# فشرب النبيُّ# ماءً،
فقال له: باللهِ يا رسولَ الله ما أَبقيتَ من شرابك فضلةً أسقيها أبي؛ لعلَّ الله يُطهِّر بها
قلبه. فأَفْضَلَ له، فأتاه بها، فقال له عبد الله: ما هذا؟ فقال: هي فَضْلة من شراب
النبيِّ # جئتك بها تشربها، لعلَّ اللهَ يطهّر قلبَك بها. فقال له أبوه: فهلًا جئتني ببول
أمِّك، فإنَّه أطهر منها. فغضب، وجاء إلى النبيِّ ﴾، وقال: يا رسولَ الله! أما أَذنتَ
لي في قتل أبي؟ فقال النبيُّ ﴾: ((بل ترفق به، وتحسن إليه))(١).
وقال ابن جريج: حُدِّثتِ أنَّ أبا قُحافة سبَّ النبيَّ # فصكَّه أبو بكر - ابنُه - صكّةً
سقط منها على وجهه، ثم أتى النبيَّ فذكر ذلك له، فقال: ((أَوَفعلته! لا تَعُدْ إليه)»
فقال: والذي بعثك بالحقِّ نبيًّا، لو كان السيف منِّي قريباً لقتلته(٢). وقال ابن مسعود:
نزلت في أبي عبيدة بن الجرَّاح، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد(٣)، وقيل: يوم
بدر. وكان الجرَّاح يتصدَّى لأبي عبيدة، وأبو عبيدة يَحيدُ عنه، فلما أكثر، قصد إليه
أبو عبيدة فقتله؛ فأنزل الله حين قتل أباه: ((لا تَجِدُ قوماً يؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخِرِ))
(١) زاد المسير ١٩٩/٨، وما بين حاصرتين منه .
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٤٤٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١٨٦/٦ لابن المنذر.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٤٠، وأورده الزجاج في معاني القرآن له ١٤١/٥، والبغوي ٣١٢/٤ .

٣٣٠
سورة المجادلة: الآية ٢٢
الآية (١). قال الواقديُّ: كذلك يقول أهل الشام. ولقد سألتُ رجالاً من بني الحارث
ابن فهر فقالوا: تُوفّي أبوه من قبل الإسلام.
﴿أَوْ أَبْنَآءَهُمْ﴾ يعني: أبا بكر دعى ابنه عبدَ الله إلى البراز يوم بدر، فقال
النبيُّ﴾: ((مَتِّعْنَا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنَّك عندي بمنزلة السمع والبصر))(٢).
﴿أَوْ إِخْوَنَهُمْ﴾ يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيدَ بنَّ عمير يوم أُحُد(٣). ﴿أَوَ
عَشِيرَتَهُمْ﴾ يعني عمر بن الخطاب قتل خالَه العاصَ بنَ هشام بنِ المغيرة يوم بدر ،
وعليًّا وحمزة قتلا عُتبة وشيبة والوليد يوم بدر (٤). وقيل: إنَّ الآية نزلت في حاطب بن
أبي بَلْتَعة، لما كتب إلى أهل مكَّة بمسير النبيِّ :﴿ عامَ الفتح(٥)، على ما يأتي بيانه أوَّل
سورة ((الممتحنة)) إن شاء الله تعالى، بيَّن أنَّ الإيمان يفسد بموالاة الكفَّار، وإن كانوا
أقارب.
الثانية: استدلَّ مالك - رحمه الله - من هذه الآية على معاداة القَدَريَّة وتَرْك
مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالس القَدَريَّة وعادِهم في الله؛ لقوله تعالى:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥١/٤، وأخرجه الطبراني في الكبير (٣٦٠)، والحاكم في المستدرك
٢٦٤/٣ - ٢٦٥، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٠١ عن عبد الله بن شوذب مرسلاً. قال الحافظ في
التلخيص الحبير ١٠٢/٤: وهذا معضل ، وكان الواقدي ينكره .... .
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٤٤٠، وأخرجه الواقدي في المغازي ١/ ٢٥٧، وذكره عنه البيهقي في
السنن الكبرى ١٨٦/٨، وورد عند الواقدي أنَّ ابن أبي بكر اسمه: عبد الرحمن، ولم يصرِّح باسمه
الواحديُّ في أسباب النزول، ولعلَّ الصواب ما ذكره الواقدي؛ لأن ابن الجوزي ذكر في كتابه تلقيح
فهوم أهل الأثر ص١٠٧-١٠٨ أولادَ أبي بكر، وعدَّ منهم عبد الله وعبد الرحمن ... ، وبيَّن أن
عبد الرحمن هو الذي شهد يوم بدر مع المشركين، ثم أسلم، وأما عبد الله فإنه شهد مع النبي ﴾
الطائف فجرح وبقي إلى خلافة أبيه ... .
(٣) في (م): بدر ، والمثبت من النسخ الخطية ، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٤٠، والكلام منه.
(٤) أسباب النزول للواحدي ص ٤٤٠، والمغازي للواقدي ٦٩/١ .
(٥) تفسير البغوي ٣١٢/٤، وما بعده منه أيضاً.

٣٣١
سورة المجادلة: الآية ٢٢
((لا تَجِدُ قومًا يؤمنونَ بالله واليومِ الآخِرِ يُوادُّون من حادَّ اللهَ ورسوله)»(١).
قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. وعن الثوريِّ أنَّه قال:
كانوا يَرَوْنَ أنَّها نزلت في مَن كان يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي روَّاد(٢)
أنَّه لقيَ المنصورَ في الطواف، فلما عرفه هرب منه وتلاها. وعن النبيِّ ﴿ أنَّه كان
يقول: ((اللهمَّ لا تجعل لفاجر عندي نعمة، فإنّي وجدتُ فيما أوحيت: ((لَا تَجِدُ قَوْمًا
يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)) إلى قوله: ((أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِم الْإِيمَانَ)) (٣) أي: خلق
في قلوبهم التصديق(٤)، يعني من لم يُوالِ من حادَّ الله(٥). وقيل: كتب: أثبت، قاله
الربيع بن أنس. وقيل: جعل(٦)، كقوله تعالى: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل
عمران: ٥٣] أي: اجعلنا. وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقيل:
((كَتَبَ)) أي: جمع، ومنه: الكتيبة، أي: لم يكونوا ممن يقول: نؤمن ببعض ونكفر
ببعض(٧) .
وقراءة العامة: بفتح الكاف من ((كَتَبَ))، ونصب النون من ((الإيمان)) بمعنى: كَتَبَ
الله، وهو الأجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتَدَهُم بِرُوجٍ مِّنَةٌ﴾. وقرأ أبو العالية وزِرّ بن
حُبيش والمفضل عن عاصم: ((كُتِبَ)) على ما لم يُسمَّ فاعله، ((الْإِيمَانُ)) برفع النون (٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥١/٤، إلا أنه وقع فيه : ابن وهب ، بدل : أشهب . وقد وردت في
إحدى نسخه الخطية، كما أشار لذلك محققه .
(٢) في (د) و(م) : داود .
(٣) الكشاف ٧٨/٤ - ٧٩، والحديث أورده الديلمي في الفردوس (٢٠١١)، وابن مردويه كما في الكافي
الشاف لابن حجر ص ١٦٦ .
(٤) الوسيط ٢٦٨/٤ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٤٢/٥.
(٦) زاد المسير ١٩٩/٨ .
(٧) تفسير الرازي ٢٩/ ٢٧٧ .
(٨) السبعة ص ٦٣٠ .

٣٣٢
سورة المجادلة: الآية ٢٢
وقرأ زِرّ بن حُبيش: ((وَعَشِيرَاتِهِمْ)) بألف وكسر التاء على الجمع، ورواها الأعمش عن
أبي بكر عن عاصم (١). وقيل: ((كَتَبَ في قُلُوبِهِمْ)) أي: على قلوبهم، كما في قوله:
﴿فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وخصَّ القلوب بالذِّكْر؛ لأنَّها موضع الإيمان. ((وَأَيَّدَهُمْ))
قوَّاهم ونصرهم بروح منه، قال الحسن: وبنصر منه. وقال الربيع بن أنس: بالقرآن
وحججه. وقال ابن جريج: بنور وإيمان وبرهان وهدي. وقيل: برحمة من الله. وقال
بعضهم: أيَّدهم بجبريل عليه السلام (٢). ﴿وَيُدِْلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: قَبِلَ أعمالهم ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فرحوا بما أعطاهم
﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال سعيد بن أبي سعيد الجرجانيُّ،
عن بعض مشايخه، قال داود عليه السلام: إلهي! مَن حِزْبُكَ وحَوْلَ عرشِك؟ فأوحى
الله إليه: (يا داود الغاضَّةُ أبصارهم، النقيَّة قلوبهم، السليمة أكفّهم، أولئك حزبي
وحول عرشي))(٣).
ختمت السورة والحمد لله.
(١) القراءات الشاذة ص ١٥٤ عن علي ﴾، والبحر المحيط ٢٣٩/٨.
(٢) تفسير البغوي ٣١٣/٤، دون ذكر قول ابن جريج، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٢/٥ دون
نسبته إليه .
(٣) لم نقف عليه .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَمِ
سورة الحشر
مدنيّةٌ في قول الجميع. وهي أربع وعشرون آية (١)، روى ابن عباس أنَّ رسول الله ◌ِ﴾
قال: ((من قرأ سورة الحشر، لم يَبْقَ شيء من الجنَّة والنار والعرش والكرسيِّ
والسماوات والأرض والهوامِّ والريح والسحاب والطير والدوابِّ والشجر والجبال
والشمس والقمر والملائكة إلا صَلّوْا عليه، واستغفروا له. فإن مات من يومه أو
ليلته مات شهيداً)). خرَّجه الثعلبيُّ(٢). وخرَّج الثعالبيُّ عن يزيد الرقاشيِّ، عن أنس أنَّ
رسول الله ﴾ قال: ((من قرأ آخر سورة الحشر: ((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ)) - إلى
آخرها - فمات من ليلته مات شهيداً))(٣).
وروى الترمذيُّ عن مَعْقِل بن يسار قال: قال رسول الله ﴾: ((من قال حين يُصبح
ثلاثَ مرَّات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر
سورة الحشر، وَّلَ اللهُ به سبعين ألف مَلك يُصَلُّون عليه حتى يُمْسِي، وإن مات في
يومه مات شهيداً، ومن قرأها حين يُمْسِي فكذلك)). قال: حديث غريب (٤).
قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
تقدّم.
(١) تفسير البغوي ٤/ ٣١٣.
(٢) لم نقف عليه عند غيره.
(٣) أورده بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٢٠٢/٦ وعزاه إلى ابن مردويه.
(٤) وقعت العبارة في بعض النسخ الخطية و(م): حسن غريب، ولم ترد عند الترمذي (٢٩٢٢)، وهو عند
أحمد (٢٠٣٠٦) وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٦٣١/١، وقال: لم يحسِّنه الترمذي، وهو حديث
غريب جداً.

٣٣٤
سورة الحشر: الآية ٢
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَّرِجِ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ
مَا فَتَنْتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ فَتَنْهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ
لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْنَبِرُوا
يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ (
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ مِن دِيَِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾ فيه
ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ مِن دِيَرِمْ﴾ قال
سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النَّضير. وهم رهط
من اليهود من ذُرِّيَّة هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فِتن بني إسرائيل؛ انتظاراً
لمحمَّد ﴾، وكان من أمرهم ما نصَّ الله عليه(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿ِأَوَّلِ الْخَثْرِ﴾ الحشرُ: الجمعُ(٢)؛ وهو على أربعة أوجه:
حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة؛ أمَّا الذي في الدنيا فقوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي
أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)) قال الزهرِيُّ: كانوا من
سِبْطِ لم يصبهم جلاء، وكان الله عزَّ وجلَّ قد كتب عليهم الجلاء؛ فلولا ذلك لعذَّبهم
في الدنيا (٣). وكان أوَّلَ حشْر حُشِروا في الدنيا إلى الشام(٤). قال ابن عباس وعكرمة:
من شكَّ أنَّ المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأنَّ النبيَّ # قال لهم: ((اخرجوا))
قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر)). قال قتادة: هذا أوَّل المحشر. قال
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٢/٤، والأثر أخرجه البخاري (٤٠٢٩)، ومسلم (٣٠٣١).
(٢) من هنا إلى نهاية قول قتادة الآتي من التذكرة ص١٩٨.
(٣) تفسير البغوي ٣١٣/٤، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٢/٢، وأبو عبيد في الأموال (٨١)،
والطبري ٤٩٧/٢٢ - ٤٩٨ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٢/٢، والطبري ٤٩٨/٢٢ - ٤٩٩، والبيهقي في دلائل النبوة
١٧٦/٣ - ١٧٧ .

٣٣٥
سورة الحشر: الآية ٢
ابن عباس: هم أوَّل من حُشِر من أهل الكتاب وأُخرِج من دياره(١). وقيل: إنَّهم
أُخرجوا إلى خَيْبر، وأنَّ معنى ((لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)» إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره
إخراج عمر # إياهم من خَيْبر إلى نجد وأذرِعات. وقيل: تَيماء وأرِيحاء، وذلك
بكفرهم ونقض عهدهم(٢). وأما الحشر الثاني: فحشرهم قربَ القيامة. قال قتادة:
تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم
حيث قالوا، وتأكل منهم مَن تخلَّف(٣). وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في
كتاب ((التذكرة))(٤). ونحوه روى ابن وهب عن مالك قال: قلت لمالك: هو جلاؤهم
من ديارهم؟ فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود. قال: وإجلاء رسول الله ﴾.
اليهودَ إلى خَيْبر حين سُئلوا عن المال فكتموه، فاستحلَّهم بذلك. قال ابن العربيّ(٥):
للحشر أوَّل ووسط وآخِر؛ فالأوَّل: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء خيبر،
والآخِر: حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قُرَيظة. وخالفه بقيَّة المفسرين
وقالوا: بنو قُرَيظة ما حُشروا ولكنهم قتلوا. حكاه الثعلبيُّ.
الثالثة: قال الكيا الطبريُّ(٦): ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من
غير شيء لا يجوز الآن، وإنَّما كان ذلك في أوَّل الإسلام، ثم نُسخ. والآن فلابدَّ من
قتالهم، أو سَبْيِهم، أو ضرب الجزية عليهم.
قوله تعالى: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ﴾ يريد: لِعظم أَمْرِ اليهود ومَنَعتهم وقوَّتهم في
(١) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٥٩، عدا قول قتادة فمن النكت والعيون ٤٩٩/٥ ، وقول ابن عباس
أخرجه البزار (٣٤٢٦ كشف الأستار)، وابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٤٥/١٠ (١٨٨٥٠). قال الهيثمي
في مجمع الزوائد ٣٤٣/١٠: رواه البزار، وفيه: أبو سعد البقال، والغالب عليه الضعف.
(٢) التعريف والإعلام ص ١٦٥، وأذرعات وتيماء وأريحاء من بلاد الشام، كما قاله السهيلي.
(٣) النكت والعيون ٤٩٩/٥، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٢/٢، والطبري ٤٩٩/٢٢.
(٤) ص١٩٨ .
(٥) في أحكام القرآن له ١٧٥٢/٤، وما قبله منه أيضاً.
(٦) في أحكام القرآن له ٤/ ٤٠٥ .

٣٣٦
سورة الحشر: الآية ٢
صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم. ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ خُصُونُهُم﴾ قيل: هي
الوَطِيحِ والنَّطاة والسُّلالِم والكُتِيبة(١). ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي: من أمره، وكانوا أهل حَلْقة
- أي: سلاح كثير - وحصون منيعة، فلم يمنعهم شيء منها. ﴿فَأَنَئُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أمره
وعذابه(٢). ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَخْتَسِبُواْ أي: لم يظنوا(٣). وقيل: من حيث لم يعلموا.
وقيل: ((مِنْ حَيْثُ لَمْ يَخْتَسِبُوا)) بقتل كَعْب بن الأشرف، قاله ابن جُريج والسُّدِّئُّ
وأبو صالح(٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بقتل سَيِّدهم كعب بن الأشرف، وكان
الذي قتله هو محمد بن مَسْلمة، وأبو نائلة سِلْكان بن سلامة بن وَقْش - وكان أخا
كعب بن الأشرف من الرضاعة - وعبّاد بن بشر بن وَقْش، والحارث بن أَوْس بن
معاذ، وأبو عَبْس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة(٥). وفي ((الصحيح)): أنَّ النبيَّ ﴾
قال: ((نُصِرتُ بالرُّعْب بين يَدَي مَسِيرةٍ شهر))(٦) فكيف لا يُنْصر به مسيرة ميل من
المدينة إلى محلّة بني النضير. وهذه خصيصَة لمحمّد﴾ دون غيره(٧).
قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُوتَهُم﴾ قراءة العامة بالتخفيف من أخرب، أي: يهدمون.
وقرأ السُّلمِيُّ والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو: ((يُخَرِّبون))
بالتشديد(٨) من التخريب. قال أبو عمرو: إنَّما اخترت التشديد؛ لأنَّ الإخراب تركُ
الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النَّضير لم يتركوها خراباً، وإنما خرَّبوها بالهدم، يؤيده
(١) التعريف والإعلام ص ١٦٦ .
(٢) تفسير البغوي ٣١٥/٤.
(٣) تفسير أبي الليث ٣٤٢/٣ .
(٤) النكت والعيون ٤٩٩/٥ عن ابن جبير والسدي.
(٥) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٥ .
(٦) سلف ٢٥٨/٤ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٥٣ .
(٨) السبعة ص٦٣٢، والتيسير ص٢٠٩، والنشر ٣٨٦/٢، والمحرر الوجيز ٢٨٤/٥.

٣٣٧
سورة الحشر: الآية ٢
قوله تعالى: ((بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)). وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنَى
واحد، والتشديد بمعنَى التكثير(١). وحكى سيبويه: أنَّ معنى فَعَّلت وأَفعلت يتعاقبان،
نحو أخربته وخرَّبته، وأفرحته وفرَّحته (٢). واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأُولى.
قال قتادة والضخَّاك: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يُخربون
من داخل ليبنُوا به ما خُرِّب من حِصْنهم(٣). فرُوِيّ أنَّهم صالحوا رسولَ الله ◌ِ﴾
على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يومَ بَدْر قالوا: هو النبيُّ الذي نُعِت في
التوراة، فلا تُردُّ له راية. فلما هُزِم المسلمون يوم أُحُد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن
الأشرف في أربعين راكباً إلى مكَّة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأمر عليه الصلاة
والسلام محمد بن مسلمة الأنصاريَّ، فقتل كَعْباً غِيلةً، ثم صبَّحهم بالكتائب، فقال
لهم: اخرجوا من المدينة. فقالوا: الموت أحبُّ إلينا من ذلك، فتنادَوْا بالحرب.
وقيل: استمهلوا رسولَ الله ﴿ عشرة أيام ليتجهّزوا للخروج، فدسَّ إليهم عبدُ الله بن
أُبَيِّ المنافقُ وأصحابُه: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا
نخذلكم، ولئن أُخرِ جتم لنخرجنَّ معكم. فدُرِّبُوا على الأزقّة وحصنوها إحدى وعشرين
ليلةً، فلما قذف الله في قلوبهم الرُّعب، وأيِسُوا من نصر المنافقين، طلبوا الصلح،
فأبى عليهم إلا الجلاء(٤)، على ما يأتي بيانه.
وقال الزهريُّ وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبيُّ # على أنَّ لهم ما
أقلَّت الإبل، كانوا يستحسنون الخشَبَة والعمود فيهدمون بيوتهم، ويحملون ذلك على
إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها(٥). وعن ابن زيد أيضاً: كانوا يخربونها؛ لئلا يسكنها
(١) الحجة للفارسي ٢٨٣/٦، والنكت والعيون ٥٠٠/٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٦/٤.
(٣) تفسير البغوي ٣١٥/٤ عن قتادة، والنكت والعيون ٥/ ٥٠٠ عن الضحاك، وأخرجه عنهما الطبري
٥٠١/٢٢ - ٥٠٢ .
(٤) الكشاف ٤/ ٧٩ - ٨٠ .
(٥) النكت والعيون ٥/ ٥٠٠ عن ابن زيد وابن الزبير، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٢/٢، والطبري
٥٠١/٢٢ عن الزهري.

٣٣٨
سورة الحشر: الآية ٢
المسلمون بعدهم. وقال ابن عباس: کانوا كلما ظهر المسلمون علی دار من دورهم،
هدموها ليتَّسع موضع القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها؛
ليتحصَّنوا فيها، ويرموا بالتي أخرِجوا منها المسلمين(١). وقيل: ليسدُّوا بها أزِقَّتهم(٢).
وقال عِكرمة: ((بِأَيْدِيهِمْ)) في إخراب دواخلها وما فيها؛ لئلا يأخذه المسلمون.
وبـ((أيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)) في إخراب ظاهرها؛ ليَصِلُوا بذلك إليهم(٣). قال عكرمة: كانت
منازلهم مزخرفةً، فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، فخربوها من داخل، وخربها
المسلمون من خارج. وقيل: ((يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ)) بنقض الموادعة (٤) ((وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ))
بالمقاتلة، قاله الزهريُّ أيضاً. وقال أبو عمرو بن العلاء: ((بِأَيْدِيهِمْ)) في تركهم لها.
وبـ ((أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)) في إجلائهم عنها. قال ابن العربيّ(٥): التناول للإفساد إذا كان
باليد كان حقيقةً، وإذا كان بنقض العهد كان مجازاً؛ إلا أنَّ قول الزهريِّ في المجاز
أمْثل من قول أبي عمرو بن العلاء.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ أي: اتَّعِظُوا يا أصحابَ العقول والألباب.
وقيل: يا من عاين ذلك ببصره(٦)، فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنَّهم
اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنَّه سلَّط عليهم من كان
ينصرهم. ومن وجوهه أيضاً: أنَّهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره، اعتبر
في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: السَّعيد من وُعِظ بغيره(٧).
(١) تفسير البغوي ٣١٥/٤ .
(٢) الكشاف ٤/ ٨٠ .
(٣) النكت والعيون ٥/ ٥٠٠ دون نسبته إلى عكرمة، وما بعده منه أيضاً.
(٤) في النسخ: المواعدة، والمثبت من النكت والعيون ٥/ ٥٠٠ والكلام منه، والموادعة والتوادع: شبه
المصالحة والتصالح. اللسان (ودع).
(٥) في أحكام القرآن له ١٧٥٤/٤ .
(٦) معاني القرآن للفراء ١٤٣/٣.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٥٤/٤، والمثل في مجمع الأمثال للميداني ٣٤٣/١، وورد في حديث
مرفوع أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٧٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٦) عن عبد الله =

٣٣٩
سورة الحشر: الآيات ٣ - ٥
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأُ وَلَمْ فِ
اَلْأَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ شَاقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَآَقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ
(@)
آلْمِقَابِ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَآءَ﴾ أي: لولا أنَّه قضى أنَّه سَيُجْليهم
عن دارهم، وأنَّهم يبقون مدَّة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن. ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأُ﴾
أي: بالقتل والسَّبي(١)، كما فعل ببني قُرَيظة. والجلاء: مفارقة الوطن(٢)، يقال: جَلَا
بنفسه جلاءً، وأَجلاه غيرُه إجلاءً(٣). والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما
في الإبعاد واحداً - من وجهين: أحدهما: أنَّ الجلاء ما كان مع الأهل والولد،
والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني: أنَّ الجلاء لا يكون إلا لجماعة،
والإخراج يكون لواحد ولجماعة، قاله الماورديُّ(٤).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الجلاء ﴿بأَنَّهُمْ شَآتُواْ اللَّهَ﴾ أي: عادَوْه، وخالفوا
أمره(٥). ﴿وَمَن يُشَآقِّ اللَّهُ﴾ قرأ طلحة بن مُصَرِّف ومحمد بن السَّمَيْفَع: ((وَمَنْ يُشاقِقِ
الله))(٦) بإظهار التضعيف، كالتي في ((الأنفال))(٧)، وأدغم الباقون.
قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَبِمَةٌ عَلَىَ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ
وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ @)
فيه خمس مسائل :
= ابن مسعود﴾. وفي إسناده: أبو إسحاق وهو: عمرو بن عبد الله السبيعي كان اختلط، وهو مدلِّس،
وقد عنعنه ولم يصرِّح بالسماع. والمحفوظ أنه موقوف على ابن مسعود أخرجه مسلم (٢٦٤٥).
(١) تفسير أبي الليث ٣٤٣/٣ .
(٢) تفسير البغوي ٣١٥/٤ .
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٥٦/٢ .
(٤) في النكت والعيون ٥٠١/٥ .
(٥) تفسير أبي الليث ٣٤٣/٣ .
(٦) مجمع البيان للطبرسي ٢٢/٢٨، والبحر المحيط ٢٤٤/٨ .
(٧) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ﴾ [الآية: ١٣] وسلفت ٤٦٩/٩.

٣٤٠
سورة الحشر: الآية ٥
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ ((ما)) في محلِّ نصب بـ ((قَطَعْتُمْ))(١)،
كأنَّه قال: أيّ شيء قطعتم. وذلك أنَّ النبيَّ ﴾ لما نزل على حصون بني النضِير - وهي
الْبُوَيْرة - حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أُحُد، أمر بقَطْع نخيلهم وإحراقها.
واختلفوا في عدد ذلك، فقال قتادة والضحَّاك: إنَّهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ستَّ
نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنَّهم قطعوا نخلة، وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن
إقرار رسول الله ﴿ أو بأمره؛ إمَّا لإضعافهم بها، وإما لسعَة المكان بقَطْعها. فشقَّ ذلك
عليهم فقالوا - وهم يهود أهل الكتاب -: يا محمَّد، ألستَ تزعم أنَّك نبيٍّ تريد
الصلاح، أَفمن الصلاح قَطْع النخل وحرق الشجر؟(٢) وهل وجدتَ فيما أنزل الله
عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشقَّ ذلك على النبيِّ #، ووجد المؤمنون في
أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أَفاء الله علينا. وقال بعضهم:
اقطعوا؛ لنغيظهم بذلك. فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطع من
الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله(٣). وقال شاعرهم سماك اليهوديُّ في ذلك:
على عهد موسى ولم نَصْدِفٍ
ألَسْنَا وَرِثنا الكتاب الحكيم
بسَهْلٍ تِهامة والأَخْيَفِ
وأنتم رِعاءٌ لِشاءٍ عِجافٍ
لدى كلّ دهرٍ لكم مُجْحفٍ
تَرَونَ الرعايةَ مجداً لكم
عن الظلم والمنطق المُؤْنِفِ
فيا أيها الشاهدون انتهُوا
يُدِلْنَ من العادل المنصف
لعلَّ الليالي وصرف الدهور
وعَقْرِ النخيل ولم تُقْطفِ (٤)
بقتل النَّضِير وإجلائها ..
فأجابه حسان بن ثابت :
(١) الكشاف ٤/ ٨١ .
(٢) النكت والعيون ٥٠١/٥، وخبر قطع نخيل بني النضير وإحراقها أخرجه البخاري (٤٠٣٢)، ومسلم
(١٧٤٦): (٣٠) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٤٣ .
(٤) النكت والعيون ٥٠١/٥ .