النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
واحدةٍ منهما حتى يكفِّر كفَّارة أخرى. ولو عيَّن الكفَّارة عن إحداهما، جاز له أن
يطأها قبل أن يكفِّر الكفَّارة عن الأخرى.
ولو ظاهر من أربع نسوة، فأعتق عنهنَّ ثلاث رقاب، وصام شهرين، لم يجزه
العتق ولا الصيام؛ لأنَّه إنَّما صام عن كلِّ واحدة خمسة عشر يومًا، فإن كفَّر عنهنَّ
بالإطعام، جاز أن يطعم عنهنَّ مئتي مسكين [وأربعين مسكيناً]، وإن لم يَقدْر، فرّق،
بخلاف العتق والصيام؛ لأنَّ صيام الشهرين لا يفرق، والإطعام يفرق(١).
فصل وفيه ستُّ مسائل:
الأولى: ذكر الله عزَّ وجلَّ الكفَّارة هنا مرتَبةً، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند
العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام،
فمن لم يطق الصيام، وجب عليه إطعام ستِّين مسكيناً، لكلِّ مسكين مُدَّان بمُدِّ
النبيِّ ﴾. وإن أطعم مدّاً بمدِّ هشام، وهو مدَّان إلا ثلثاً، أو أطعم مدّاً ونصفًا بمدٍّ
النبيِّ #، أجزأه. قال أبو عمر بن عبد البر(٢): وأفضل ذلك مدَّان بمدِّ النبيِّ﴾؛ لأنَّ
الله عزَّ وجلَّ لم يقل في كفَّارة الظهار: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] فواجب
قصد الشبع.
قال ابنُ العربيِّ(٣): وقال مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: مُدٌّ بمدٍ
هشام، وهو الشبع ها هنا؛ لأنَّ الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط. وقال في
رواية أشهب: مدَّان بمدِّ النبيِّ ◌َ﴾: [قيل له: ألم تكن قلت: مدّ هشام؟ قال: بلى،
ومدَّان بمدِّ النبيِّ ◌َ#] (٤) أحبُّ إليَّ. وكذلك قال عنه ابن القاسم أيضًا.
قلت: وهي رواية ابن وهب ومطرِّف عن مالك: أنَّه يُعطي مدَّين لكلِّ مسكين،
(١) الكافي ٦٠٨/٢ - ٦٠٩، وما بين حاصرتين لم يرد في النسخ، واستدركناه منه ، وكذلك كلمة :
فرَّق. لم ترد في النسخ الخطية ولا الكافي ، وهي من (م)، ولا بدَّ منها.
(٢) في الكافي ٢ / ٦٠٧، وما قبله منه أيضاً .
(٣) في أحكام القرآن له ١٧٤٤/٤، وكلام مالك - الآتي - في المدونة ٦٨/٣ -٦٩.
(٤) ما بين حاصرتين لم يرد في (٥) .

٣٠٢
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
بمدِّ النبيِّ ﴾(١). وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه(٢). ومذهب الشافعيِّ(٣) وغيره: مدٌّ
واحد لكلِّ مسكين، لا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأنَّه يكفِّر بالإطعام، ولم يلزمه صرف
زيادة على المدِّ، أصله كفَّارة الإفطار واليمين. ودليلنا قوله تعالى: ((فَإِطْعَامُ سِتِّينَ
مِسْكِيناً)) وإطلاق الإطعام يتناول الشّبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمدٍّ واحد إلا بزيادة
علیه.
وكذلك قال أشهب: قلت لمالك: أيختلف الشِّبع عندنا وعندكم؟ قال: نعم،
الشِّبع عندنا مدٍّ بمدِّ النبيِّ ﴾، والشِّبع عندكم أكثر؛ لأنَّ النبي # دعا لنا بالبركة
دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن(٤).
وقال أبو الحسن القابسيُّ: إنَّما أخذ أهل المدينة بمدِّ هشام في كفَّارة الظهار؛
تغليظاً على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنَّهم يقولون منكراً من القول وزورًا.
قال ابنُ العربيّ(٥): وقع الكلام ها هنا في مدِّ هشام كما ترون، وَوَدِدْتُ أن يهشم
الزمانُ ذِكْره، ويمحوَ من الكتب رَسْمه؛ فإنَّ المدينة التي نزل الوحيُّ بها، واستقرَّ
الرسول بها، ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه : ((فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً)) فهموه
وعرفوا المراد به وأنَّه الشّبع. وقَدْره معروف عندهم، متقرِّر لديهم، وقد ورد ذلك
الشِّبع في الأخبار كثيراً، واستمرّت الحال على ذلك أيَّام الخلفاء الراشدين
المهديِّين، حتى نفخ الشيطانُ في أذن هشام، فرأى أنَّ مدَّ النبيِّ﴾ لا يُشبِعه، ولا مثله
من حواشيه ونظرائه، فسوّل له أن يتخذ مدّاً يكون فيه شبعه، فجعله رِظلين، وحمل
الناس عليه، فإذا ابتلَّ عاد نحو الثلاثة أرطال؛ فغيَّر السُّنَّة، وأَذْهبَ محلَّ البركة. قال
(١) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ٣٠٧/٥، والبيان والتحصيل لابن رشد ١٧٠/٥.
(٢) المبسوط ١٦/٧.
(٣) الأم ٥/ ٢٧٢ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٤٤/٤، ودعاؤه # لأهل المدينة بالبركة ، سيأتي قريباً.
(٥) في أحكام القرآن له ١٧٤٤/٤ - ١٧٤٥، وهشام هو: ابن عبد الملك الخليفة الأموي، كما صرَّح
بذلك أبو داود في سننه (٣٢٨٠) عن محمد بن محمد بن خلاد.

٣٠٣
سورة المجادلة: الآيتان ٣ - ٤
النبيُّ﴾ حين دعا ربَّه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدِّهم وصاعهم، مثل ما
بارك لإبراهيم بمكّة (١)، فكانت البركة تجري بدعوة النبيِّ﴿ في مدِّه، فسعى الشيطان
في تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هِشام، فكان من
حقِّ العلماء أن يُلْغُوا ذِكْره، ويمحوا رسمه، إذا لم يُغيِّروا أمره، وأما أن يحيلوا على
ذِكْره في الأحكام، ويجعلوه تفسيراً لما ذَكَره الله ورسوله بعد أن كان مفسَّراً عند
الصحابة الذين نزل عليهم، فخَطْبٌ جسيم، ولذلك كانت رواية أشهب في ذِكْر مدَّین
بمدِّ النبيِّ# في كفَّارة الظهار أحبُّ إلينا من الرواية بأنَّها بمدِّ هشام. ألا ترى كيف
نبّه مالك على هذا العِلْم بقوله لأشهب: الشّبع عندنا بمدِّ النبيِّ﴾، والشّبع عندكم
أكثر؛ لأنَّ النبيَّ # دعا لنا بالبركة. وبهذا أقول، فإنَّ العبادة إذا أُديت بالسنة، فإن
كانت بالبدن، كانت أسرعَ إلى القَبول، وإن كانت في المال، كان قليلُها أثقلَ في
الميزان، وأبركَ في يد الآخذ، وأطيبَ في شْقه، وأقلَّ آفة في بطنه، وأكثر إقامة
لصلبه. والله أعلم.
الثانية: ولا يجزئ عند مالك والشافعيّ أن يُطعِم أقلَّ من ستِّين مسكيناً. وقال أبو
حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكيناً واحداً كلَّ يوم نصف صاع حتى يكمل العدد،
أجزأه(٢).
الثالثة: قال القاضي أبو بكر العربيّ(٣): من غريب الأمر أنَّ أبا حنيفة قال: إنَّ
الحَجْرَ على الحرِّ باطل. واحتجَّ بقوله تعالى: ((فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ)) ولم يفرِّق بين الرشيد
والسفيه؛ وهذا فِقْهٌ ضعيفٌ لا يناسب قَدْرَه، فإنَّ هذه الآية عامَّة، وقد كان القضاء
بالحَجْرِ في أصحاب رسول اللـه # فاشياً، والنظر يقتضيه، ومن كان عليه حَجْر لِصغَرِ
أو لولاية، وبلغ سفيهاً، قد نهي عن دَفْع المال إليه، فكيف ينفذ فعله فيه، والخاصُ
يقضي على العامِ.
(١) أخرجه مسلم (١٣٦٠): (٤٥٥) عن عبد الله بن زيد ﴾.
(٢) المسألة في الإشراف ٢٥٣/٤، والمدونة ٦٨/٣، والأم ٢٧٢/٥، والمبسوط ١٧/٧.
(٣) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٤٦ .

٣٠٤
سورة المجادلة: الآيات ٤ - ٦
الرابعة: وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون الظهار
طلاقاً، وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس وأبي قِلابة وغيرهما(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهٍ﴾ أي: ذلك الذي وصفنا من
التغليظ في الكفَّارة ((لِتُؤْمِنُوا)) أي: لتصدِّقوا أنَّ الله أمر به(٢). وقد استدلَّ بعض
العلماء على أنَّ هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه وتعالى؛ لما ذكرها وأوجبها قال:
((ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ)) أي: ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى، واقفين عند حدوده
لا تتعدّوها، فسمَّى التكفير - لأنَّه طاعة ومراعاة للحدِّ - إيماناً، فثبت أنَّ كلَّ ما أشبهه
فهو إيمان. فإن قيل: معنى قوله: ((ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ)) أي: لئلا تعودوا للظهار
الذي هو منكر من القول وزور. قيل له: قد يجوز أن يكون هذا مقصودًا، والأول
مقصوداً، فيكون المعنى: ذلك لئلا تعودوا للقول المنكر والزور، بل تَدَعونهما؛
طاعةً لله سبحانه وتعالى إذ كان قد حرَّمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تُكفِّروا،
إذ كان الله منع من مسيسها، وتكفّروا إذ كان الله تعالى أَمَرَ بالكفَّارة وألزم إخراجها
منكم، فتكونوا بهذا كلِّه مؤمنين بالله ورسوله؛ لأنَّها حدود تحفظونها، وطاعات
تؤدُّونها، والطاعة لله ولرسوله # إيمان. وبالله التوفيق.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: بيَّن معصيته وطاعته، فمعصيته
الظهار، وطاعته الكفارة. ﴿وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمن لم يصدِّق بأحكام الله
تعالی عذاب جهنم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبُواْ كَمَا كُمْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِزَّ وَقَدْ
أَنْزَلْنَآ ءَايَتِ بَيِنَتٍّ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ @ يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا
عَمِلُواْ أَحْصَنْهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده،
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٢/٣ - ٥٣، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٤٥٥/٢٢، وقول أبي قلابة
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٥٧٨)، والطبري ٤٥٦/٢٢ .
(٢) الوسيط ٤/ ٢٦١.

٣٠٥
سورة المجادلة: الآيتان ٥ - ٦
ذكر المحادِّين المخالفين لها. والمحادّة: المعاداة والمخالفة في الحدود، وهو مثل
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]. وقيل: ((يُحَادُّونَ اللهَ)) أي:
أولياءَ الله(١)، كما في الخبر: ((من أهان لي وليًّا، فقد بارزني بالمحاربة))(٢). وقال
الزجَّاج(٣): المحادّة أن تكون في حدٍّ يخالف حدَّ صاحبك. وأصلها الممانعة، ومنه:
الحديد، ومنه: الحدَّاد للبوَّاب(٤).
{كُاْ﴾ قال أبو عبيدة والأخفش: أُهلكوا. وقال قتادة: اخْزُوا كما أُخزي الذين
من قبلهم. وقال ابن زيد: عذِّبوا. وقال السُّدِّيُّ: لعنوا(٥). وقال الفرَّاء (٦): غيظوا يوم
الخندق. وقيل: يوم بدر. والمراد المشركون(٧). وقيل: المنافقون. ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن
قَّلِهِزْ﴾. وقيل: (كُبِتُوا)) أي: سَيُكْبَتون، وهو بِشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر،
وأُخرج الكلام بلفظ الماضي؛ تقريبًا للمخبّر عنه. وقيل: هي بلغة مَذْحج (٨). ﴿وَقَدْ
أَنزَلْنَا ءَايَتٍِ بَيِّنَتْ﴾ فيمن حادَّ اللهَ ورسولَه من الذين مِن قبلهم فيما فعلنا بهم.
﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ﴾ نصب بـلعَذَابِ مُهِينٍ)) أو بفعل مضمر، تقديره: واذكر
تعظيمًا لليوم(٩). ﴿يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أي: الرجال والنساء يبعثهم من قبورهم في
(١) تفسير أبي الليث ٣٣٥/٣.
(٢) سلف ١٨/ ٤٧٥.
(٣) ونقله عنه الماوردي في النكت والعيون ٤٨٩/٥ .
(٤) الصحاح (حدد) .
(٥) النكت والعيون ٤٨٩/٥ دون قول ابن زيد، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢٥٥/٢، وقول
قتادة أخرجه الطبري ٢٢/ ٤٦٦ .
(٦) في معاني القرآن له ١٣٩/٣.
(٧) الوسيط ٤/ ٢٦٣ .
(٨) النكت والعيون ٤٨٩/٥ .
(٩) الكشاف ٤ / ٧٣ .

٣٠٦
سورة المجادلة: الآيات ٥ - ٧
حالة واحدة(١) ﴿فَيُكِّئُهُمْ﴾ أي: يخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ في الدنيا ﴿أَحْصَنَهُ اللَّهُ﴾ عليهم
في صحائف أعمالهم ﴿وَنَسُوهُ﴾ هم حتى ذكَّرهم به في صحائفهم؛ ليكون أبلغَ في
الحجَّة عليهم. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ مطّلع وناظر لا يخفى عليه شيء.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن
تَّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ
إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَ يُكَبِئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ فلا يخفى عليه سرٌّ ولا
علانية. ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى﴾ قراءة العامة بالياء؛ لأجل الحائل بينهما. وقرأ أبو
جعفر بن القَعْقاع والأعرج وأبو خَيْوة وعيسى: ((مَا تَكُونُ)) بالتاءِ(٢)؛ لتأنيث الفعل.
والنَّجوى: السِّرَار(٣)، وهو مصدر، والمصدر قد يوصف به، يقال: قوم نجوى،
أي: ذوو نجوى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُ تَجْوٌَ﴾(٤) [الإسراء: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿ثَلَثَةٍ﴾ خفض بإضافة (نَجْوَى)) إليها(٥). قال الفرَّاء(٦): ((ثَلَاثَةٍ))
نعت للنجوى فانخفضت، وإن شئت أضفتَ ((نَجْوَى)) إليها. ولو نصبت على إضمار
فعل، جاز. وهي قراءة ابن أبي عبلة: (ثَلَاثَةً)) و((خَمْسَةً)) بالنصب على الحال، بإضمار
يتناجون؛ لأنَّ نجوى يدلُّ عليه، قاله الزمخشريُّ(٧). ويجوز رفع (ثلاثة)) على البدل
من موضع ((نَجْوَى))(٨). ثم قيل: كلُّ سِرَار نجوى. وقيل: النجوى: ما يكون من خلوة
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٧٤ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٥٣، والمحتسب ٣١٥/٢، والنشر ٣٨٥/٢.
(٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٧ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٧٦/٥ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٧٥ .
(٦) في معاني القرآن له ١٤٠/٣ .
(٧) في الكشاف ٧٣/٤، وينظر البحر المحيط ٢٣٥/٨.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٥/٤ .

٣٠٧
سورة المجادلة: الآية ٧
ثلاثة يُسرُّون شيئًا ويتناجون به. والسِّرار: ما كان بين اثنين(١).
﴿إِلَّ هُوَ رَبِعُهُمْ﴾ يعلم ويسمع نجواهم؛ يدلُّ عليه افتتاح الآية بالعِلْم ثم ختمها
بالعِلْم. وقيل: النجوى: من النَّجْوة: وهي ما ارتفع من الأرض(٢)، فالمتناجيان
يتناجيان ويخلوان بسرِّهما، كخلو المرتفع من الأرض عمَّا يتصل به، والمعنى: أنَّ
سَمْع الله محيطٌ بكلِّ كلام، وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها.
﴿وَلََّ أَدْنَ مِنْ ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ﴾ قرأ سلَّام ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى
بالرفع(٣) على موضع ((مِنْ نَجْوَى)) قبل دخول ((مِنْ)) لأنَّ تقديره: ما يكون نجوى،
و(ثَلَاثَةٍ)) يجوز أن يكون مرفوعًا على محلِ ((لَا)) مع ((أَذْنَى)) كقولك: لا حولَ ولا قوّةٌ
إلا بالله، بفتح الحول ورَفْع القوَّة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك:
لا حولٌ ولا قوَّةٌ إلا بالله (٤). وقد مضى في ((البقرة)»(٥) بيان هذا مستوفّى.
وقرأ الزهريُّ وعكرمة: ((أكبر)) بالباء(٦). والعامَّة بالثاء وفتح الراء على اللفظ،
وموضعها جرٌّ. وقال الفرَّاء(٧) في قوله: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثة إلا هو رابعهم ولا
خمسةٍ إلا هو سادسُهم)) قال: المعنى غير مصمود(٨)، والعدد غير مقصود؛ لأنَّه تعالى
إنَّما قصد - وهو أعلم - أنَّه مع كلِّ عدد، قلَّ أو كثر، يعلم ما يقولون سرًّا وجهرًا، ولا
تخفى عليه خافية، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد دون بعض. وقيل: معنى
ذلك أنَّ الله معهم بعلمه حيث كانوا من غير زوال ولا انتقال.
(١) النكت والعيون ٤٩٠/٥ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٣٧/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٥٣، والنشر ٣٨٥/٢.
(٤) الكشاف ٤/ ٧٤ .
(٥) ٤ /٢٦٠ - ٢٦١.
(٦) الكشاف ٧٤/٤، والبحر المحيط ٢٣٥/٨ .
(٧) في معاني القرآن له ٣/ ١٤٠، وما قبله منه أيضاً.
(٨) في (ظ): مضمر. وفي (د): مضمور. وكذا هي في معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٠. ولعلَّ الصواب ما
أثبتناه من (ق)، و(ز)، و(م)، يقال: صَمّد صَمْدَ الأَمْر: قصد قصده واعتمده. اللسان (قصد).

٣٠٨
سورة المجادلة: الآيتان ٧ - ٨
ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئاً سرًّا، فأعلم الله أنَّه لا يخفى
عليه ذلك، قاله ابن عباس(١). وقال قتادة ومجاهد: نزلت في اليهود . ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم﴾
يخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ من حسَن وسَيِّئ ﴿يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَجَوْنَ
بَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَءُوكَ حَيَّوَكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اَللَّهُ وَيَقُولُونَ فِّ
أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذُِّنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ
٨
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى﴾ قيل: إنَّ هذا في اليهود
والمنافقين حسب ما قدَّمناه. وقيل: في المسلمين(٢). قال ابن عباس: نزلت في اليهود
والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول
المؤمنون: لعلَّهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قَتْل أو مصيبة أو
هزيمة، ويسوءهم ذلك، فكثرت شكواهم إلى النبيِّ ﴾، فنهاهم عن النجوى، فلم
ينتهوا، فنزلت(٣). وقال مقاتل: كان بين النبيِّ﴾ وبين اليهود موادعة، فإذا مرَّ بهم
رجل من المؤمنين، تناجوا بينهم حتى يظنّ المؤمن شرًّا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم
رسولُ الله﴾(٤) فلم ينتهوا، فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل
يأتي النبيَّ ﴾ فيسأله الحاجة، ويناجيه، والأرض يومئذٍ حرب، فيتوهّمون أنَّه يناجيه
في حرب، أو بليَّةٍ، أو أمر مهمٌّ، فيفزعون لذلك، فنزلت(٥).
(١) تفسير الرازي ٢٩/ ٢٦٥ بنحوه .
(٢) النكت والعيون ٤٩٠/٥ .
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٣٦، وتفسير البغوي ٣٠٨/٤ .
(٤) في النسخ الخطية: فنهاهم الله. والمثبت من (م)، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٣٤٣/١٠ (١٨٨٤٢)،
وزاد المسير ١٨٨/٨ - ١٨٩ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٢ / ٤٧٤ - ٤٧٥ بنحوه .

٣٠٩
سورة المجادلة: الآية ٨
الثانية: روى أبو سعيد الخدريُّ قال: كنّا ذاتَ ليلةٍ نتحدَّث، إذ خرج علينا
رسولُ الله ﴾ فقال: ((ما هذه النجوى، ألم تُنهوا عن النجوى))؟ فقلنا: تبنا إلى الله يا
رسولَ الله؛ إِنَّا كنَّا في ذِكْر المسيخ - يعني الدجال - فَرَقًا منه. فقال: ((ألا أخبركم بما
هو أخوف عندي منه))؟ قلنا: بلى يا رسولَ الله. قال: ((الشرك الخفيُّ أن يقوم الرجل
يعمل لمكان رجل)) ذكره الماورديُّ(١).
وقرأ حمزة وخلف ورُوَيس عن يعقوب: ((وَيَنْتَجُونَ)(٢) في وزن يفتعلون، وهي
قراءة عبد الله وأصحابه(٣). وقرأ الباقون: ((وَيَتَنَاجَوْنَ)) في وزن يتفاعلون، واختاره
أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: ((إِذَا تَنَاجَيْتُمْ)) و((تَنَاجَوْا)). النخَّاس: وحكى سيبويه
أنَّ تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنّى واحد، نحو تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا
واقتتلوا، فعلى هذا ((يَتَنَاجَوْنَ)) و((يَنْتُجُون)) واحد (٤).
ومعنى ﴿يِآَلَاثِمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: الكذب والظلم. ﴿ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي:
مخالفته. وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد: ((وَمَعْصِيَاتِ الرَّسُول))(٥) بالجمع.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُبَّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ لا خلافَ بين النقلة أنَّ
المراد بها اليهود، كانوا يأتون النبيَّ﴾ فيقولون: السَّامُ عليك. يريدون بذلك السلام
ظاهراً، وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبيُّ ﴾: ((عليكم)) في رواية، وفي رواية
أخرى: ((وعليكم))(٦). قال ابن العربيّ(٧): وهي مُشْكِلَة. وكانوا يقولون: لو كان
(١) في النكت والعيون ٤٩٠/٥ - ٤٩١، والحديث أخرجه أحمد (١١٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢٠٤). قال
البوصيري في الزوائد ٢/ ٢٣٧: إسناده حسن. اهـ. وورد في المصادر: المسيح ، بدل : المسيخ .
(٢) السبعة ص ٦٢٨، والتيسير ص ٢٠٩، والنشر ٣٨٥/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٦/٤.
(٤) المحرر الوجيز ٢٧٦/٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٧/٥، والبحر المحيط ٢٣٦/٨.
(٦) سيأتي تخريجهما قريباً .
(٧) في أحكام القرآن له ١٧٤٦/٤ - ١٧٤٧، وما قبله منه أيضاً .

٣١٠
سورة المجادلة: الآية ٨
محمد نبيًّا لما أَمهلنا الله بسبِّه والاستخفاف به، وجهلوا أنَّ البارئ تعالى حليم لا
يعاجل من سبَّه، فكيف من سبَّ نبيَّه. وقد ثبت أنَّ النبيَّ لَ﴿ قال: ((لا أحدَ أصبر على
الأذى من الله، يدعون له الصاحبةَ والولدَ، وهو يعافيهم ويرزقهم)»(١) فأنزل الله
تعالى هذا؛ كشفًا لسرائرهم، وفضحًا لبواطنهم، ومعجزةً لرسوله ێ ..
وقد ثبت عن قتادة، عن أنس: أنَّ يهوديًّا أتى على رسول الله ﴾ وعلى أصحابه
فقال: السامُ عليكم. فردَّ عليه النبيُّ ﴾ وقال: ((أتدرون ما قال هذا))؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم. قال: ((قال كذا، ردُّوه عليَّ))، فَرَدُّوه، قال: ((قلتَ: السامُ عليكم)»؟
قال: نعم. فقال النبيُّ﴾ عند ذلك: ((إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليكَ ما
قلتَ)) فأنزل الله تعالى: ((وَإِذَا جَاءُ وكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ))(٢). قلت: خرَّجه
الترمذيُّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وثبت عن عائشة أنَّها قالت: جاء أناس من اليهود إلى النبيِّ # فقالوا: السامُ
عليكَ يا أبا القاسم. فقلت: السامُ عليكم، وَفَعَلَ اللهُ بكم وفَعَلَ. فقال عليه السلام:
((مَهْ يا عائشة، فإنَّ الله لا يحبُّ الفُخْش ولا التّفخُّش)) فقلت: يا رسولَ الله، ألستَ
ترى ما يقولون؟! فقال: ((ألستِ تَرَيْنَ أردُّ عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم)) فنزلت
هذه الآية: ((بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ)) أي: إنَّ الله سلَّم عليك، وهم يقولون: السامُ
عليكَ. والسامُ: الموت(٣). خرَّجه البخاريُّ ومسلم بمعناه(٤).
وفي ((الصحيحين)) من حديث أنس بن مالك قال: قال النبيُّ#: ((إذا سلّم
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٤٦/٤ وما بعده منه أيضاً ، ولم نقف على الحديث عند غيره .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٤٦/٤ - ١٧٤٧، والحديث أخرجه الترمذي (٣٣٠١) ، والواحدي في
أسباب النزول ص٤٣٦ - ٤٣٧ .
(٣) الوسيط ٢٦٤/٤.
(٤) البخاري (٦٢٥٦)، ومسلم (٢١٦٥)، والحديث بلفظه عند الطبري ٢٢/ ٤٧٠ - ٤٧١، ومن طريقه
الواحدي في أسباب النزول ص٤٣٦ .

٣١١
سورة المجادلة: الآية ٨
عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)) كذا الرواية: ((وعليكم)) (١) بالواو، وتكلّم
عليها العلماء؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التشريك، فيلزم منه أن نَدْخُلَ معهم فيما
دَعَوْا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا، وهو الملال(٢). يقال: سئم يسأم سآمةً
وسآماً. فقال بعضهم: الواو زائدة، كما زيدت في قول الشاعر:
فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى (٣)
أي: لما أجزنا، انتحى، فزاد الواو. وقال بعضهم: هي للاستئناف، كأنَّه قال:
والسامُ عليكم. وقال بعضهم: هي على بابها من العطف ولا يضرُّنا ذلك؛ لأنَّا نجاب
عليهم، ولا يجابون علينا، كما قال النبيُّ ◌َ﴾، روى [أبو] الزبير أنَّه سمع جابر بن
عبد الله يقول: سلّم ناس من يهود على رسول اللـه﴾، فقالوا: السامُ عليكَ يا أبا
القاسم، فقال: ((وعليكم)) فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ((بلى،
قد سمعتُ فَرَدَدْتُ عليهم، وإنَّا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا)) خرَّجه مسلم (٤).
ورواية الواو أحسن معنّى، وإثباتها أصحُ روايةً وأشهر (٥).
وقد اختلف في ردِّ السلام على أهل الذمة، هل هو واجب كالردِّ على المسلمين،
وإليه ذهب ابن عباس والشَّعبيُّ وقتادة؛ للأَمْرِ بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه
أشهب وابن وهب إلى أنَّ ذلك ليس بواجب، فإن رَدَدْتَ، فقل: عليكَ. وقد اختار
(١) البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣): (٧)، وهو عند أحمد (١١٩٤٨)، ورواية: ((عليكم)) بدون
الواو عند مسلم (٢١٦٥): ( ... ) عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) هذا تأويل قتادة، كما في المفهم ٥/ ٤٩٠، وسلف ٦/ ٤٩٩.
(٣) المفهم ٥/ ٤٩٠ - ٤٩١، وما بعده منه أيضاً، وصدر البيت لا مرئ القيس ، وهو في ديوانه ص ١٥ ،
وعجزه :
بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
(٤) في صحيحه برقم (٢١٦٦)، وما بين حاصرتين منه، ولم ترد في النسخ، وسلف ٤٩٩/٦.
(٥) المفهم ٤٩١/٥، وسلف الكلام في سورة النساء ٦/ ٥٠٠ .

٣١٢
سورة المجادلة: الآية ٨
ابن طاوس أن يقول في الردِّ عليهم: علاكَ السلامُ، أي: ارتفع عنك. واختار بعض
أصحابنا: السِّلام - بكسر السين - يعني: الحجارة. وما قاله مالك أولى، اتباعًا
للسنة، والله أعلم(١).
وروى مسروق عن عائشة قالت: أتى النَّبِيَّ # ناسٌ من اليهود، فقالوا: السامُ
عليك يا أبا القاسم. قال: ((وعليكم)). قالت عائشة: قلت: بل عليكم السَّامُ والذَّامُ.
فقال رسول الله ﴾: ((يا عائشة لا تكوني فاحشة)) فقالت: ما سمعتَ ما قالوا! فقال:
((أوليسَ قد رَدَدْتُ عليهم الذي قالوا، قلتُ: وعليكم)). وفي رواية قال: ففطنت بهم
عائشة، فسبَّتهم، فقال رسول اللـه ﴾: ((مَهْ يا عائشة، فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الفُخْش
والتفخُّش)) وزاد: فأنزل الله تبارك وتعالى: ((وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ)»
إلى آخر الآية (٢). الذام بتخفيف الميم، هو: العيب، وفي المثل: لا تَعْدَم الحسناءُ
ذامًا. أي: عيباً، ويهمز ولا يهمز، يقال: ذَأَمَهُ يَذْأمُه، مثل دأب عليه يدأب(٣)،
والمفعول مذءوم مهموزًا، ومنه: ﴿مَذْهُومَا مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] ويقال: ذامَهُ يَذُومُه
مخفّفًا، كَرَامَهُ یَرُومُه.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ◌َللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ قالوا: لو كان محمد نبيًّا
لعذَّبنا اللهُ بما نقول، فهلَا يُعذِّبنا اللـه (٤). وقيل: قالوا: إنَّه يردُّ علينا، ويقول:
وعليكم السامُ، والسام: الموت، فلو كان نبيًّا لاستُجيب له فينا ومتنا (٥). وهذا موضع
تعجّب منهم؛ فإنَّهم كانوا أهل الكتاب، وكانوا يعلمون أنَّ الأنبياء قد يُغْضَبون، فلا
(١) المفهم ٤٩٢/٥، وكلام مالك في المنتقى للباجي ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١، وقول ابن طاوس أخرجه ابن أبي
شيبة ٨/ ٦٣٢، وسلفا ٦/ ٥٠٠ .
(٢) أخرجهما مسلم (٢١٦٥): (١١) و( ... ) على الترتيب.
(٣) في (م): ذاب يذاب. والمثبت من النسخ الخطية والمفهم ٤٩٣/٥، والكلام - وما بعده - منه أيضاً.
والمثل في جمهرة الأمثال للعسكري ٣٩٨/٢ ومعناه: لا يخلو أحدٌ من شيء يُعاب به.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٣٧/٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ١٤١/٣.

٣١٣
سورة المجادلة: الآيات ٨ - ١٠
يُعاجَل من يُغضبهم بالعذاب. ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: كافيهم جهنَّم، عقابًا غدًا ﴿فَبْسَ
الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَا تَنْتَجَوْأْ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ وَتَجّأْ بِلْبِرِ وَالنَّقْوَىِّ وَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ مُحُشَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَجَّهُمْ﴾ نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم
كفعل المنافقين واليهود فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ)) أي: تساررتم. ﴿فَلَ
تَنْتَجَواْ﴾ هذه قراءة العامة. وقرأ يحيى بن وثَّاب وعاصم ورويس عن يعقوب: ((فلا
تَنْتَجُوا))(١) من الانتجاء ﴿بَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَجَّأْ بِأَلْبِّ﴾ أي: بالطاعة
﴿ وَالنَّقْوَى﴾ بالعفاف عما نهى الله عنه. وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيُّها الذين
آمنوا بزعمهم (٢). وقال: أي يا أيها الذين آمنوا بموسى. ﴿وَتَّقُواْ اَللَّهُ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُشَرُونَ﴾
أي: تجمعون في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنََّا النَّجْرَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾ أي: من تزيين الشياطين
﴿لَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إذا توهَّموا أنَّ المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذ رَأَوْا(٣)
اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربَّما كانوا يناجون النبيَّ ﴾ فيظنَّ المسلمون أنَّهم
ينتقصونهم عند النبيِّ﴾ ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ﴾ أي: التناجي ﴿شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ﴾ أي:
بمشيئته(٤) وقيل: بعِلْمِه. وعن ابن عباس: بأَمْرِه. ﴿وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي:
(١) النشر ٣٨٥/٢ .
(٢) زاد المسير ٨/ ١٩٠ وعزاه لعطاء ومقاتل.
(٣) في (م) : إذا أجروا .
(٤) الكشاف ٤/ ٧٥ .

٣١٤
سورة المجادلة: الآية ١٠
يكلون أمرهم إليه(١)، ويفوِّضون جميعَ شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان
ومن كلِّ شرِّ، فهو الذي سلَّط الشيطان بالوساوس؛ ابتلاءً للعبد، وامتحاناً، ولو شاء
لصَرَفه عنه.
الثانية: في ((الصحيحين))(٢) عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﴿ قال: «إذا كان ثلاثةٌ،
فلا يتناجى اثنان دون الواحد)». وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله *:
((إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أَجْلٍ أن
يُخْزِنَه))(٣). فبَيَّن في هذا الحديث غايةَ المنع، وهي أن يَجِدَ الثالثُ من يتحدَّث معه،
كما فعل ابن عمر، وذلك أنَّه كان يتحدَّث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم
يناجه حتى دعا رابعًا، فقال له وللأوَّل: تأخّرا، وناجى الرجلَ الطالبَ للمناجاة.
خرَّجه ((الموطأ))(٤).
وفيه أيضاً التنبيه على التعليل بقوله: ((من أجل أن يحزنه)) أي: يقع في نفسه ما
يَحزن لأَجْله. وذلك بأن يقدِّر في نفسه أنَّ الحديث عنه بما يكره، أو أنَّه لم يَرَوْهُ أهلًا
ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من أُلْقِيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل
ذلك كلُّه من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره، أُمِن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك
كلُّ الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحدٍ، ولا عشرة، ولا ألف، مثلًا؛ لوجود ذلك
المعنى في حقِّه؛ بل وجوده في العدد الكثير أَمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنَّما
خصَّ الثلاثة بالذِّكْر؛ لأنَّه أوَّل عددٍ يتأتّى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث یعمُّ جميع
الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في
(١) الوسيط ٢٦٥/٤ .
(٢) البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٢١٨٣) واللفظ له .
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤) واللفظ له .
(٤) ٩٨٨/٢، والمصنف نقله عنه بواسطة القرطبي في المفهم ٥٢٤/٥ - ٥٢٥، والكلام - وما بعده - منه
أيضًا.

٣١٥
سورة المجادلة: الآيتان ١٠ - ١١
مندوبٍ أو مباح أو واجب، فإنَّ الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس إلى أنَّ ذلك
كان في أوَّل الإسلام؛ لأنَّ ذلك كان في حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون
المؤمنين، فلمَّا فشا الإسلام، سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاصٌّ بالسفر في
المواضع التي لا يَأْمن الرجل فيها صاحبه، فأمَّا في الحَضَر وبين العمارة، فلا(١)؛
فإنَّه يَجِدُ من يعينه، بخلافِ السفر فإنَّه مظنَّة الاغتيال وعدم المغيث. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَّفَسَّحُواْ فِى الْمَجَِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ
اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ أَنْشُرُواْ فَأَنْشُرُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ
دَرَحَتٍّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فیه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَحُواْ فِ اَلْمَجَئِسِ﴾ لما
بيَّن أنَّ اليهود يحيُّونه بما لم يحيِّه به الله، وذمَّهم على ذلك، وصل به الأمر
بتحسين الأدب في مجالسة رسولِ اللـه﴾، حتى لا يضيِّقوا عليه المجلس، وأَمَرَ
المسلمین بالتعاطف والتآلف حتی یفسح بعضهم لبعضٍ، حتى يتمگّنوا من الاستماع
من رسول الله 8%. والنظر إليه.
قال قتادة ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبيِّ #، فأَمِروا أن يفسح بعضهم
لبعض(٢). وقاله الضحَّاك(٣).
وقال ابن عباس: المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب(٤).
قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبيُّ ﴿ إذا قاتل المشركين تشاعَّ أصحابه
(١) المفهم ٥٢٥/٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٤٧٦/٢٢ - ٤٧٧، وقول مجاهد في تفسيره
٦٦٠/٢ ٠
(٣) أخرجه الطبري ٢٢/ ٤٧٧ .
(٤) زاد المسير ١٩١/٨ - ١٩٢، وأخرجه عنه الطبري ٤٧٨/٢٢ .

٣١٦
سورة المجادلة: الآية ١١
على الصف الأوَّل، فلا يُوسع بعضهم لبعض؛ رغبةً في القتال والشهادة، فنزلت(١).
فيكون كقوله: ﴿مَقَعِدَ لِلْقِتَالٍ﴾ [آل عمران: ١٢١].
وقال مقاتل: كان النبيُّ:﴿ في الصُّفَّة، وكان في المكان ضِيْقٌ يومَ الجمعة، وكان
النبيُّ ◌َ﴿ يُكرِم أهلَ بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت
ابن قيس بن شماس، وقد سُبِقوا في المجلس، فقاموا حيالَ النبيِّ # على أرجلهم،
ينتظرون أن يُوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقَّ ذلك على النبيِّ ﴾، فقال لمن حوله
من [غير] أهل بدر: ((قم يا فلان، وأنت يا فلان)) بعدد القائمين من أهل بدر، فشقَّ
ذلك على من أُقيم، وعرف النبيُّ# الكراهيةَ في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلَّموا
بأن قالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبُّوا القربَ من نبيِّهم فَسبقوا إلى المكان؛ فأنزل
الله عزَّ وجلَّ هذه الآية(٢).
(تَفَسَّحُوا)): أي: توسَّعوا. وفَسَحَ فلان لأخيه في مجلسه، يَفْسَحِ فَسْحًا، أي:
وسَّع له؛ ومنه قولهم: بلد فَسِيح، ولك في كذا فُسْحة، وفَسَح يَفْسَح - مثل منع يَمْنَع -
أي: وسَّع في المجلس، وفَسُح يَفْسُح فَسَاحةٌ مثل كَرُم يَكْرُمُ كرامة أي: صار واسعًا؛
ومنه: مكان فسيح(٣).
الثانية: قرأ السُّلَميُّ وزِرُّ بن حُبَيش وعاصم: ((في الْمَجَالِسِ)) (٤). وقرأ قتادة وداود
ابن أبي هند والحسن باختلاف عنه: ((إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَاسَحُوا»(٥)، الباقون: «تَفَسَّحُوا
فِي الْمَجْلِس)) فمن جمع؛ فلأنَّ قوله: (تَفَسَّحُوا في الْمَجَالِسِ)) يُنْبِئُ أنَّ لكلِّ واحد
مجلسًا. وكذلك إن أريد به الحرب. وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبيِّ #، وجمع؛
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٤ بنحوه مختصراً، وتفسير البغوي ٣٠٩/٤ بنحوه.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٤٣٧ دون ذكر : ثابت بن قيس ، وما بين حاصرتين منه ومن (م) ،
وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٤٣/١٠ - ٣٣٤٤ (١٨٨٤٦).
(٣) الصحاح (فسح)، وتهذيب اللغة ٣٢٧/٤، ولسان العرب (فسح) .
(٤) السبعة ص ٦٢٨، والتيسير ص ٢٠٩ عن عاصم.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٥٣، والمحتسب ٣١٥/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٤.

٣١٧
سورة المجادلة: الآية ١١
لأنَّ لكلِّ جالس مجلسًا. وكذلك يجوز إن أُريد بالمجلس المفرد مجلس النبيِّ ﴾،
ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس، كقولهم: كثر الدينار والدرهم(١).
قلت: الصحيح في الآية أنَّها عامَّة في كلِّ مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير
والأجر، سواء كان مجلس حربٍ أو ذِكْر أو مجلس يوم الجمعة؛ فإنَّ كلَّ واحد أحقُّ
بمكانه الذي سبَق إليه، ولكن يُوسِّع لأخيه ما لم يتأذَّ بذلك، فيخرجه الضيق عن
موضعه(٢). روى البخاريُّ ومسلم عن ابن عمر، عن النبيِّ ﴾ قال: ((لا يُقِيم الرجلُ
الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه))(٣). وعنه عن النبيِّ ﴾ أنَّه نهى أن يُقام الرجل من
مجلسه ويجلسَ فيه آخر، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا. وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل
من مجلسه ثم يجلس مكانه. لفظ البخاريّ(٤).
الثالثة: إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه
حتى يقعدَ مكانه؛ لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبيِّ# قال: ((لا
يقيمنَّ أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده، فيقعدَ فيه، ولكن يقول:
افسحوا))(٥).
فرع: القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه، نُظِر؛ فإن كان الموضع
الذي قام إليه مثل الأوَّل في سماع كلام الإمام، لم يكره له ذلك، وإن كان أبعدَ من
الإمام، كره له ذلك؛ لأنَّ فيه تفويت حظّه.
الرابعة: إذا أَمَر إنسان إنسانًا أن يبكِّر إلى الجامع، فيأخذ له مكانًا يَقعد فيه، لا
يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع؛ لما روي: أنَّ ابنَ سيرين كان يُرسِل غلامَه
(١) الحجة للفارسي ٦/ ٢٨٠.
(٢) المفهم ٥/ ٥١٠ - ٥١١ بنحوه .
(٣) البخاري (٦٢٦٩)، ومسلم (٢١٧٧) ، واللفظ للبخاري .
(٤) في صحيحه (٦٢٧٠)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢١٧٧): (٢٨) و(٢٩)، وهو عند أحمد (٤٦٥٩).
(٥) مسلم (٢١٧٨) .

٣١٨
سورة المجادلة: الآية ١١
إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه(١).
فرع: وعلى هذا من أرسل بساطًا أو سجادةً فتُبسط له في موضع من المسجد(٢) ...
الخامسة: روى مسلم(٣) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ # قال: ((إذا قام أحدكم
- وفي حديث أبي عوانة: من قام - من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحقُّ به)). قال
علماؤنا: هذا يدلُّ على صحَّة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم
منه؛ لأنَّه إذا كان أولى به بعد قيامه، فقَبْله أولى به وأَحرى. وقد قيل: إنَّ ذلك على
الندب؛ لأنَّه موضع غيرُ متملّك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعده. وهذا فيه نظر؛ وهو
أن يقال: سلَّمنا أنَّه غيرُ متملَّك، لكنه يختصُّ به إلى أن يَفرُغ غَرضُه منه، فصار كأنَّه
يملك منفعته؛ إذ قد مُنع غيره من أن يزاحمه عليه(٤). والله أعلم.
السادسة: قوله تعالى: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: في قبوركم. وقيل: في قلوبكم.
وقيل: يوسِّع عليكم في الدنيا والآخرة(٥). ﴿وَإِذَا قِيلَ آنشُرُواْ فَانشُزُواْ﴾ قرأ نافع وابن
عامر وعاصم بضمِّ الشين فيهما (٦). وكسر الباقون، وهما لغتان مثل: ﴿يَعَكُونَ﴾
[الأعراف: ١٣٨] و﴿يَعْرِشُونَ﴾(٧) [الأعراف: ١٣٧] والمعنى: انهضوا إلى الصلاة والجهاد
وعمل الخير، قاله أكثر المفسرين(٨). وقال مجاهد والضحَّاك: إذا نوديَ للصلاة
(١) أورده ابن قدامة في المغني ٢٣٣/٣.
(٢) بعدها في النسخ الخطية بياض، وعبَّر عنه بعض النُّسَّاخ بقوله: بياض في الأم . اهـ. وأورد المسألة
العجيلي - الشهير بالجمل - في الفتوحات الإلهية ٣٠٥/٤ وجاءت تتمَّتها هكذا : حتى يحضر هو
فيجلس عليها فذلك حرام لما فيه من تحجير المسجد بلا فائدة ، وقيل : مكروه . والأول هو المعتمد
كما في حواشي المنهج . اهـ.
(٣) في صحيحه (٢١٧٩)، وهو عند أحمد (٧٥٦٨).
(٤) المفهم ٥/ ٥١١ .
(٥) الكشاف ٤ / ٧٥ بنحوه .
(٦) السبعة ص ٦٢٩، والتيسير ص ٢٠٩ .
(٧) معاني القرآن للفراء ١٤١/٣، وسلفت القراءة فيهما ٣١٧/٩.
(٨) تفسير البغوي ٣٠٩/٤ .

٣١٩
سورة المجادلة: الآية ١١
فقوموا إليها. وذلك أنَّ رجالًا تثاقلوا عن الصلاة، فنزلت(١). وقال الحسن ومجاهد
أيضًا: أي: انهضوا إلى الحرب(٢). وقال ابن زيد: هذا في بيت النبيِّ﴾، كان كلُّ
رجل منهم يحبُّ أن يكون آخر عهدِه بالنبيِّ﴾، فقال الله تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا))
عن النبيِّ﴾ ((فَانْشُزُوا)) فإنَّ له حوائجَ، فلا تمكثوا(٣). وقال قتادة: المعنى: أجيبوا إذا
دعيتم إلى أمرٍ بمعروف. وهذا هو الصحيح(٤)؛ لأنَّه یعمُّ.
والنشز: الارتفاع، مأخوذ من نشز الأرض، وهو ارتفاعها، يقال: نَشَزَ يَنشُز
ويَنْشِز: إذا انتحى من موضعه، أي: ارتفع منه. وامرأة ناشز: منتحية عن زوجها.
وأصل هذا من النَّشَز، والنَّشَز: هو ما ارتفع من الأرض وتنخَّى(٥)، ذكره النخَّاس.
السابعة: قوله تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ أي:
في الثواب في الآخرة، وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن،
والعالم على من ليس بعالم(٦). وقال ابن مسعود: مدح اللهُ العلماءَ في هذه الآية،
والمعنى: أنَّه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم
((دَرَجاتٍ))(٧) أي: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أُمِروا به (٨). وقيل: كان أهل الغنى
يكرهون أن يُزاحمهم من يلبس الصوف، فيسْتَبِقون إلى مجلس النبيِّ # فالخطاب
لهم. ورأى عليه الصلاة والسلام رجلًا من الأغنياء يقبض ثوبَه نفورًا من بعض الفقراء
أراد أن يجلس إليه فقال: ((يا فلان خشيت أن يتعدَّى غناكَ إليه أو فقره إليك))(٩). وبيَّن
(١) تفسير البغوي ٣٠٩/٤ عن عكرمة والضحاك، وأخرجه الطبري ٤٧٩/٢٢ عن الضحاك.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٩٢، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٦٠، وأخرجه عنه الطبري ٤٧٩/٢٢ .
(٣) النكت والعيون ٥/ ٤٩٢، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٤٨٠ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٨ .
(٥) تهذيب اللغة ٣٠٤/١١ - ٣٠٥ ، والصحاح واللسان (نشز) بنحوه .
(٦) زاد المسير ٨/ ١٩٣.
(٧) تفسير أبي الليث ٣٣٧/٣ .
(٨) أخرجه الطبري ٢٢/ ٤٨١ عن ابن زيد .
(٩) لم نقف عليه .

٣٢٠
سورة المجادلة: الآية ١١
في هذه الآية أنَّ الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور
المجالس. وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم: الذين قرؤوا القرآن.
وقال يحيى بن يحيى عن مالك: ((يَرفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)) الصحابة ((وَالَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) يرفع الله بها العالم والطالب للحقِّ.
قلت: والعموم أوقع في المسألة وأَولى بمعنى الآية، فيرفع المؤمن بإيمانه أوَّلًا،
ثم بعِلْمه ثانياً(١).
وفي ((الصحيح)) أنَّ عمر بن الخطاب ﴾ كان يقدِّم عبد الله بن عباس على
الصحابة، فكلَّموه في ذلك، فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ
اَللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أَجَلُ رسولِ اللهِ﴾ أعلمه اللهُ
إيّاه. فقال عمر: ما أَعلم منها إلا ما تعلم(٢).
وفي ((البخاري)) عن عبد الله بن عباس، قال: قدم عُيَينة بن حصن بنِ حذيفة بنِ
بدرٍ فنزل على ابنٍ أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر،
وكان القُرَّاءُ أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كُهولًا كانوا أو شبانًا. الحديث وقد
مضى في آخر ((الأعراف))(٣).
وفي (صحيح مسلم)) أن نافع بن عبد الحارث لقيَ عمر بعُسْفَان، وكان عمر
يستعمله على مكّة، فقال: من استعملته على أهل الوادي؟ فقال: ابن أَبزى. فقال:
ومن ابنُ أَبزى؟ قال: مَوْلَّى من موالينا. قال: فاستخلفتَ عليهم مولّى! قال: إنَّه قارئٌ
لكتاب الله، وإنَّه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إنَّ نبيَّكم ﴿ قد قال: ((إنَّ الله يرفع
بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين))(٤) وقد مضى أول الكتاب، ومضى القول في
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٤٩/٤ .
(٢) البخاري (٣٦٢٧).
(٣) ٩ /٤٢١ - ٤٢٢.
(٤) سلف ١٧ / ٢٢٤.