النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة الحديد: الآية ١٠ قد خلَّلَها في صدره بِخِلال؟ فقال: ((قد أنفق عليَّ ماله قبل الفتح)) قال: فإنَّ الله يقول لك: اقرأ على أبي بكر السلام وقل له: أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله ﴾: ((يا أبا بكر إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقرأ عليك السلام، ويقول: أراضٍ أنتَ في فقرك هذا أم ساخط))؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربِّي؟ إِنِّي عن ربِّي لراضٍ! إنِّي عن ربِّي لراضٍ! إنِّي عن ربِّي لراضٍ! قال: «فإنَّ الله يقول لك: قد رضيتُ عنك كما أنتَ عنِّ راضٍ)) فبكى أبو بكر، فقال جبريل عليه السلام: والذي بعثكَ يا محمد بالحقِّ، لقد تَخلَّلت حملةُ العرش بالعُبِيّ منذ تَخلَّل صاحبك هذا بالعباءةُ(١). ولهذا قدَّمته الصحابة على أنفسهم، وأقرُّوا له بالتقدُّم والسَّبق. وقال عليُّ بن أبي طالب﴾: سبق النبيُّ ◌َ﴾ وصلَّى أبو بكر وَثَلَّثَ عمر؛ فلا أوتى برجل فَضَّلني على أبي بكر إلا جلدته حدَّ المفتري ثمانين جلدةً وطرح الشهادة(٢). فنال المتقدِّمون من المشقّة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ. الرابعة: التقدُّم والتأخّر قد يكون في أحكام الدنيا، فأمَّا في أحكام الدِّين فقد قالت عائشة رضي الله عنها: أَمَرَنا رسول اللـه ﴿ أن نُنْزِل الناسَ منازلهم. وأعظم المنازل مرتبةً الصلاة، وقد قال :﴿ في مرضه: ((مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس)) (١) الوسيط ٢٤٥/٤ - ٢٤٦، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٣١، وتفسير البغوي ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥، والحديث أخرجه ابن حبان في المجروحين ٢/ ١٨٥، وأبو نعيم في الحلية ١٠٥/٧ - ١٠٦، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٠٥/٢ من طرق ودون الزيادة الأخيرة ، وهي من قوله : فإن الله يقول لك: ((قد رضيت عنك ... )) إلى آخر الحديث، ولم نقف عليها . وفي إسناد بعض طرقه: العلاء بن عمرو ، قال عنه ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به بحال. اهـ. وفي بعضها الآخر : محمد بن بابشاذ ، قال عنه البغدادي : في حديثه غرائب ومناكير . (٢) أخرجه أحمد (١٠٢٠)، وابن سعد في الطبقات ١٣٠/٦، وأبو عبيد في غريب الحديث ٤٥٨/٣، والطبراني في الأوسط (١٦٦١) من طرق ومقتصرين على شطره الأول مع زيادة . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٤/٩: رواه أحمد، وقال : ثم خبطتنا فتنة ، يريد أن يتواضع بذلك. رواه الطبراني في الأوسط، ورجال أحمد ثقات. اهـ. ومعنى قوله : وصلَّى أبو بكر، أي: أتى ثانياً، والمصلِّي في خيل الحلبة هو الثاني، سُمِّي به؛ لأن رأسه يكون عند صَلَا الأول، وهو ما عن يمين الذَّنَب وشماله. النهاية (صلا). ٢٤٢ سورة الحديد: الآية ١٠ الحديث(١). وقال: ((يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله)) وقال: ((وليؤمّكما أكبركما)» من حديث مالك بن الحُوَيْرث وقد تقدَّم(٢). وفهم منه البخاري وغيره من العلماء أنه أراد كِبر المنزلة، كما قال﴾: ((الولاء لِلكبر))(٣) ولم يَعْنِ كِبَرَ السِّنِّ. وقد قال مالك وغيره: إنَّ للسنِّ حقاً. وراعاه الشافعيُّ وأبو حنيفة، وهو أحُّ بالمراعاة؛ لأنَّه إذا اجتمع العِلْم والسِّنُّ في خيِّرين، قُدِّم العِلْم، وأما أحكام الدنيا فهي مرتَّبة على أحكام الدِّين، فمن قُدِّم في الدين قُدِّم في الدنيا. وفي الآثار: ((ليس مِنَّا من لم يُوقِّر كبيرَنَا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقَّه))(٤). ومن الحديث الثابت في الأفراد: ((ما أكرم شابٌّ شيخاً لسِنِّه إلا قَيَّض الله له عند سنِّه من يُكرِمه))(٥). وأنشدوا: (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٢٩/٤، وما بعده منه أيضاً، وحديث عائشة أخرجه أبو داود (٤٨٤٢) وقال: ميمون لم يدرك عائشة. اهـ. وأورده مسلم في مقدمة صحيحه ٦/١ . والحديث الآخر سلف ٣٧/٢. (٢) الحديث الأول سلف ٣٦/٢، والثاني سلف ٨/ ٦٢ - ٦٣ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٠/٤، وما بعده منه أيضاً ، والحديث لم نقف عليه مرفوعاً ، وإنما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٢٣٨)، والدارمي (٣٠٢٢) عن علي وعمر وزيد بن ثابت أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبر. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٤٠٤/١١ عن عمر وعبد الله وزيد ، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٠٦/١٠ عن علي وعبد الله وزيد بن ثابت من قولهم. وورد عند بعضهم : الولاء للكبير . وذكره الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١٥٥ وعزاه للقاسم بن حزم السرقسطي في كتابه (غريب الحديث)) وقال : وقال في موضع آخر : قال يعقوب: الولاء للكُبْر - بضمِّ الكاف - وهو أكبر ولد الرجل المعتق . انتهى . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٠/٤، وقول مالك في المدونة ٨٣/١ ، والحديث أخرجه أحمد (٦٩٣٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٥٨)، والترمذي (١٩٢٠) من حديث عبد الله بن عمرو ، ودون قوله#: ((ويعرف لعالمنا حقَّه)) وأخرجها أحمد (٢٢٧٥٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٣٢٨) من حديث عبادة بن الصامت ، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٧/١ : رواه أحمد والطبراني في الكبير ، وإسناده حسن . اهـ. وقال الترمذي عن حديث عبد الله بن عمرو: حديث حسن صحيح . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٠/٤، والحديث أخرجه الترمذي (٢٠٢٢) ، والعقيلي في الضعفاء الكبير ٣٧٥/٤ عن أنس . قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ يزيد ابن بيان. اهـ. وقال العقيلي : لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به . ٢٤٣ سورة الحديد: الآيات ١٠ - ١٢ دَاخَلَهُ في الصِّبَا ومِن بَذَخِ يا عائبًا لِلشيوخ مِن أَشَر جَدَّكَ واذكر أباك يابن أخٍ اذكر إذا شئتَ أن تُعيِّبِهُمْ عنك وما وِزْرُه بمنسلِخِ واعلم بأن الشباب منسلِخٌ يوماً به سِنُّه إلى الشَّيَخِ(١) من لا يعزّ الشيوخَ لا بلغتْ الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ أي: المتقدِّمون المتناهون السابقون، والمتأخِّرون اللاحقون، وعَدَهم الله جميعاً الجنَّة مع تفاوت الدرجات(٢). وقرأ ابن عامر: ((وَكُلٌّ)) بالرفع، وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام (٣). الباقون: ((وَكُلَّا)) بالنصب على ما في مصاحفهم، فمن نصب؛ فعلى إيقاع الفعل عليه، أي: وَعد الله كلَّ الحسنى. ومن رفع؛ فلأنَّ المفعول إذا تقدَّم ضَعُفَ عمل الفعل، والهاء محذوفة من وَعَدَه(٤). قوله تعالى: ﴿َنِ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَِفَهُ لَهُ وَلَهُ، أَجْرٌ كَرِيمٌ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَيَأَيْفَتِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَأْ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ندب إلى الإنفاق في سبيل الله. وقد مضى في ((البقرة))(٥) القول فيه. والعرب تقول لكلِّ من فَعَلَ فِعْلًا حسنًا: قد أقرض. كما قال: وإذا جُوزِيتَ قَرْضاً فَاجْزِهِ إِنَّما يَجْزِي الفتى ليس الْجَمَلْ(٦) (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٣٠/٤ ، ونسبه لابن عبد الصمد السرقسطي ، وورد فيه وفي (م): تُعيِّرهم، بدل: تُعيِّبهم. (٢) الكشاف ٤ / ٦٣ . (٣) السبعة ص ٦٢٥، والتيسير ص ٢٠٨ . (٤) الحجة للفارسي ٢٦٦/٦ - ٢٦٧ . (٥) ٢١٩/٤. (٦) القائل لبيد، وسلف ٤/ ٢٢٢ . ٢٤٤ سورة الحديد: الآيتان ١١ - ١٢ وَسُمِّيَ قرضاً؛ لأنَّ القرض أُخرِج لاسترداد البدل. أي: من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدِله الله بالأضعافِ الكثيرة. قال الكلبي: ((قرضاً)) أي: صدقة (حَسَناً)) أي: محتسباً مِن قلبه بلا مَنَّ ولا أذى. ﴿فَيُضَِفَهُ لَمُ﴾ ما بين السبع إلى سبع مئة، إلى ما شاء الله من الأضعاف(١). وقيل: القرض الحسن هو أن يقول: سبحانَ الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، رواه سفيان عن أبي حيان. وقال زيد ابن أسلم: هو النفقة على الأهل. الحسن: التطوُّع بالعبادات. وقيل: إنَّه عمل الخير، والعرب تقول: لي عند فلان قرضُ صِدْقٍ، وقرضُ سُوءٍ (٢). القشيريُّ: والقرض الحسن أن يكون المتصدِّق صادقَ النّة، طيِّب النفس، يبتغي به وجه الله، دون الرياء والسُّمعة، وأن يكون من الحلال. ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَيْثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وأن يتصدَّق في حال يأمل الحياة؛ فإنَّ النبيَّ # سئل عن أفضلِ الصدقة فقال: ((أن تُعطِيَه وأنت صحيح شحيح تأمل العيشَ، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا))(٣). وأن يُخفيَ صدقته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وألَّ يَمُنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وأن يستحقرَ كثيرَ ما يُعطي؛ لأنَّ الدنيا كلَّها قليلة، وأن يكون من أحبُّ أمواله؛ لقوله تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩] وأن يكون كثيراً؛ لقوله :﴿: «أفضل الرِّقاب أغلاها ثمنًا، وأَنْفَسُها عند أهلها)) (٤). ((فَيُضَاعِفَهُ لَهُ)) وقرأ ابن كثير وابن عامر: ((فَيُضَعِّفُه)) بإسقاط الألف إلا ابنَ عامر (١) تفسير الرازي ٢٢١/٢٩ و٢٨/٣٠. (٢) النكت والعيون ٥/ ٤٧٢، وقول أبي حيان أخرجه ابن أبي شيبة ٥١٠/١٣، وابن أبي حاتم في التفسير ٤٦١/٢ (٢٤٣٣)، وقول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٤٦٠/٢ (٢٤٣٢). (٣) الوسيط ٢٤٧/٤، وما بعده منه أيضاً، والحديث سلف تخريجه ٣/ ٦٢ بالهامش. (٤) الوسيط ٢٤٧/٤، والحديث سلف تخريجه ٥٨/١٠ . ٢٤٥ سورة الحديد: الآيتان ١١ - ١٢ ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة: ((فَيُضَاعِفُهُ)) بالألف وتخفيف العين إلا أنَّ عاصماً نصب الفاء، ورفع الباقون(١) عطفاً على ((يُقْرِضُ)). وبالنصب جواباً على الاستفهام. وقد مضى في ((البقرة))(٢) القول في هذا مستوفى. ﴿وَلَهُ، أَبْرُ كِيمٌ﴾ يعني الجنَّة. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ العامل في ((يَوْمَ)): ((وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ))(٣)، وفي الكلام حذف، أي: ((وَلَّهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)) في ((يَوْم تَرَى)) فيه ﴿اٌلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم﴾ أي: يمضي على الصراط، في قول الحسن(٤)، وهو الضياء الذي يمرون فيه ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: قدَّامهم. ﴿ وَبِأَتِ﴾ قال الفرَّاء(٥): الباء بمعنى ((في)) أي: في إيمانهم. أو بمعنى ((عن)) أي: عن أيمانهم. وقال الضحَّاك(٦): ((نُورُهُم)) هُدَاهُم (وَبِأَيْمَانِهِمْ)) كتبهم، واختاره الطبريُّ(٧). أي: يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. فالباء على هذا بمعنى ((في)). ويجوز على هذا أن يوقف على (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) ولا يوقف إذا كانت بمعنى (عن)). وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة: ((وبِإِيمانِهِم)) بكسر الألف (٨)، أراد الإيمان الذي هو ضدُّ الكفر. وعطف ما ليس بظرف على الظرف؛ لأنَّ معنى الظرف الحال، وهو متعلّق بمحذوف. والمعنى: يسعى كائنًا ((بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) وكائنًا «بِيْمَانِهِمْ))، وليس قوله: ((بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) متعلِّقًا بنفس ((يَسْعَى)). (١) السبعة ص ٦٢٥، والتيسير ص ٨١، والنشر ٢٢٨/٢ . (٢) ٤ / ٢٢٧ . (٣) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧١٧/٢ . (٤) النكت والعيون ٤٧٣/٥ . (٥) في معاني القرآن له ١٢٢/٣ . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٥ . (٧) في تفسيره ٣٩٨/٢٢ بإسناده عنه. (٨) القراءات الشاذة ص ١٥٢، والمحتسب ٣١١/٢، وما بعده منه. ٢٤٦ سورة الحديد: الآية ١٢ وقيل: أراد بالنور: القرآن. وعن ابن مسعود: يُؤْتَوْنَ نورهم على قَدْر أعمالهم، فمنهم من يُؤتَى نوره كالنخلة، ومنهم من يُؤتَى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً مَن نوره على إبهام رِجْله، فيُطفأ مرَّةً ويُوقَد أخرى(١). وقال قتادة: ذكر لنا أنَّ نبيَّ الله ◌ِ﴾ قال: ((إنَّ مِن المؤمنين من يُضِيءُ نُورِه كما بين المدينة وعدنِ [أَبْيَنَ من اليَمَن أو صنعاء(٢)]، ودون ذلك، حتى يكون منهم من لا يُضِيءُ نوره إلا موضع قدميه)). قال الحسن: ليستضيؤوا به على الصراط، كما تقدَّم. وقال مقاتل: ليكون دليلاً لهم إلى الجنَّةُ(٣). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿بُشْرَّكُمُ الْيَوْمَ جَنٌَّ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهُ﴾ التقدير: يقال لهم: ((بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ)) دخول جنَّاتٍ. ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف؛ لأنَّ البشرى حدث، والجنَّة عين، فلا تكون هي هي(٤). (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) أي: من تحتهم أنهار اللبن والماء والخمر والعسل من تحت مساكنها. ﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ حال من الدخول المحذوف، التقدير: ((بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ)) دخول جنَّاتٍ (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)) مقدرين الخلود فيها، ولا تكون الحال من بشراكم؛ لأنَّ فيه فصلاً بين الصلة والموصول. ويجوز أن يكون مما دلَّ عليه البشرى، كأنَّه قال: تبشرون خالدين. ويجوز أن يكون الظرف الذي هو ((الْيَوْمَ)) خبراً عن ((بُشْرَاكُمُ))، و((جَنَّاتٌ)) بدلاً من البشرى، على تقدير حذف المضاف، كما تقدَّم. و((خَالِدِينَ» حال حسب ما تقدَّم. وأجاز الفرَّاء(٥) نصب ((جَنَّات)) على الحال، على أن يكون ((الْيَوْمَ)) (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٩/١٣، والطبري ٣٩٨/٢٢ . (٢) ما بين حاصرتين في (د) هكذا: أو ما بين اليمن وصنعاء . وفي (م): أو ما بين المدينة وصنعاء. والمثبت من (ظ)، وتفسير البغوي ٢٩٥/٤، وتفسير الطبري ٣٩٧/٢٢ - ٣٩٨ بإسناده عنه ، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٢٧٥/٢ . قال الحَمَوي في معجم البلدان ٨٩/٤: عَدَن، بالتحريك ، وآخره نون : مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن ... وتضاف إلى أَبْين ، وهو مخلاف عدن من جملته . (٣) النكت والعيون ٤٧٣/٥ . (٤) البيان لابن الأنباري ٢/ ٤٢١، والمشكل لمكي ٧١٧/٢ . (٥) في معاني القرآن له ١٣٢/٣، ونقله عنه المصنف بواسطة مكي بن أبي طالب في المشكل ٢/ ٧١٧ . ٢٤٧ سورة الحديد: الآيات ١٢ - ١٥ خبراً عن ((بُشْرَاكُمُ)) وهو بعيد، إذ ليس في ((جَنَّات)) معنى الفعل. وأجاز أن يكون (بُشْرَاكُمُ)) نصبًا على معنى: يبشرونهم بشرى، وينصب ((جنَّات)) بالبشرى، وفيه تفرقة بين الصلة والموصول . قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُتَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن ذُوِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَالِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن يُنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَقْتُمْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُوُ (٣) فَأَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ ١٥) مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَيِنْسَ الْمَصِبُرُ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ﴾ العامل في ((يَوْمَ)): ((ذَلِكَ هُوَ الْفَوزُ الْعَظِيمُ)). وقيل: هو بدل من اليوم الأول(١). ﴿أَنْظُرُونَا نَقْتِسْ﴾ قراءة العامَّة: بوصل الألف مضمومة الظاء، من نظر، والنظر: الانتظار، أي: انتظرونا. وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثَّاب: ((أَنْظِرُونَا)) بقطع الألف وكسر الظاء(٢)، من الإنظار. أي: أمهلونا وأخّرونا، أنظرته: أخّرته. واستنظرته أي: استمهلته(٣). وقال الفرَّاء(٤): تقول العرب: أنظرني: انتظرني، وأنشد لعمرو بنِ كُلْثوم: أبا هِندٍ فلا تَعْجلْ عَلَيْنَا وأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيقينَا أي: انتظرنا. ﴿نَقْتِسْ مِن ◌ُورِكُمْ﴾ أي: نستضيء من نوركم(٥). قال ابن عباس وأبو أمامة: يغشى الناسَ يوم القيامة ظلمةٌ - قال الماورديُّ (٦): أظنُّها بعد فصل القضاء - ثم يعطون نوراً يمشون فيه. قال المفسِّرون: يُعطي الله المؤمنين نوراً يوم القيامة على (١) المشكل لمكي ٧١٨/٢ . (٢) السبعة ص ٦٢٥ - ٦٢٦، والتيسير ص ٢٠٨، والنشر ٣٨٤/٢، وتفسير الطبري ٤٠٠/٢٢. (٣) الصحاح (نظر). (٤) في معاني القرآن له ١٣٣/٣، والبيت الآتي سلف ٢٩٨/٢. (٥) تفسير البغوي ٢٩٦/٤ . (٦) في النكت والعيون ٤٧٤/٥ وما قبله منه أيضاً، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٤٠١ عن ابن عباس. ٢٤٨ سورة الحديد: الآيات ١٣ - ١٥ قَدْر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويُعطي المنافقين أيضًا نوراً خديعةً لهم؛ دليله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾(١) [النساء: ١٤٢] وقيل: إنَّما يُعطّون النور؛ لأنَّ جميعَهم أهلُ دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره؛ لنفاقه، قاله ابن عباس (٢). وقال أبو أمامة: يُعطى المؤمن النور، ويُترَك الكافر والمنافق بلا نور (٣). وقال الكلبيُّ: بل يَستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يُعطّون النور، فبينما هم يمشون، إذ بعث الله فيهم ريحًا وظلمة، فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبََّآَ أَتْمِمْ لَنَا تُورَنَا﴾ يقوله المؤمنون؛ خشيةَ أن يُسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضعَ أقدامهم قالوا للمؤمنين: ((انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)). ﴿قِيلَ أَرْجِعُوا وَرَكُمْ﴾ أي: قالت لهم الملائكة: ((ارْجِعُوا)). وقيل: بل هو قول المؤمنين لهم(٤): ((ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ)) إلى الموضع الذي أخذنا منه النور، فاطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً، فإنَّكم لا تقتبسون من نورنا. فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور، ضرب بينهم بسور. وقيل: أي: هلَّا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا. ((بِسُورٍ)) أي: سُورٌ؛ والباء صلة(٥). قاله الكسائيُّ. والسُّور: حاجز بين الجنَّة والنار. وروي أنَّ ذلك السُّور ببيت المَقْدس عند موضع يعرف بوادي جهنّم (٦). ﴿بَالِتُ فِهِ الرَّحْمَةُ﴾ يعني: ما يلي منه المؤمنين ﴿وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ يعني: ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله ابن عمرو: إنَّه سُور بيت المقدس الشرقيُّ، باطنه فيه المسجد ((وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ (١) تفسير البغوي ٢٩٦/٤ . (٢) النكت والعيون ٤٧٤/٥ . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٢٧/١٠ (١٨٨٢٢) و(١٨٨٢٣) بنحوه. (٤) النكت والعيون ٤٧٥/٥ . (٥) تفسير البغوي ٢٩٦/٤ . (٦) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، وأخرج القول الأخير عن ابن عباس وكعب وعبد الله بن عمرو ، وسيوردهم المصنف قريباً . ٢٤٩ سورة الحديد: الآيات ١٣ - ١٥ الْعَذَابُ)) يعني: جهنّم. ونحوه عن ابن عباس(١). وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة بن الصامت على سُور بيت المقدس الشرقيّ فبكى، وقال: من هَاهُنَا أخبرنا رسول اللـه * أنَّه رأى جهنّم(٢). وقال قتادة: هو حائط بين الجنَّة والنار ((بَاطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ)) يعني: الجنَّة ((وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)) يعني: جهنّم(٣). وقال مجاهد: إنَّه حجاب كما في ((الأعراف)) وقد مضى القول فيه (٤). وقد قيل: إنَّ الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين(٥). قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين: ﴿أَلَمْ تَكُنْ مَّمَكُمْ﴾ في الدنيا، يعني: نصلّي مثل ما تصلُّون [ونغزوا مثل ما تغزون (٦)] ونفعل مثل ما تفعلون ﴿قَالُواْ بَ﴾ أي: يقول المؤمنون: ((بَلَى)) قد كنتم معنا في الظاهر ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتُرْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: استعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلكتموها بالنِّفاق. وقيل: بالمعاصي، قاله أبو سنان. وقيل: بالشهوات واللذات، رواه أبو نمير الهمدانيُّ(٧). (١) تفسير البغوي ٢٩٦/٤ عن كعب وابن عمرو، وسلف تخريجه عنهما - وعن ابن عباس - في التعليق السابق . (٢) المحرر الوجيز ٢٦٢/٥، والحديث أخرجه ابن حبان (٧٤٦٤)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٢٦٦)، وأبو نعيم في الحلية ١٢٩/٦ من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سوادة، به. وسعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وزياد بن أبي سوادة قال عنه أبو حاتم في الجرح والتعديل ٥٣٤/٣: لا أراه سمع من عبادة بن الصامت. اهـ. وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٤٧٨/٢-٤٧٩، عن محمد بن ميمون، عن بلال بن عبد الله، عن عبادة، به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: بل منكر، وآخره باطل؛ لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله # هناك، ثم من هو ابن ميمون وشيخه؟ وفي نسخة أبي مسهر: عن سعيد عن زياد بن أبي سوادة قال: رئي عبادة ... فهذا المرسَل أجود. اهـ. (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٧٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٤٠٤ مختصراً . (٤) ٢٢٦/١١. (٥) النكت والعيون ٥/ ٤٧٥ . (٦) ما بين حاصرتين جاءت في (ظ) و(د) هكذا: ونقرأ مثل ما تقرؤون. والمثبت من (م)، والنكت والعيون ٤٧٦/٥ والكلام منه . (٧) النكت والعيون ٤٧٦/٥، وقول مجاهد في تفسيره ٦٥٧/٢، وأخرجه عنه الطبري ٤٠٤/٢٢ - ٤٠٥ . ٢٥٠ سورة الحديد: الآيات ١٤ - ١٥ ﴿وَتَرَضْتُمْ وَأَرَْبْتُمْ﴾ أي: ((تَرَبَّصْتُمْ)) بالنبيِّ # الموت، وبالمؤمنين الدوائر. وقيل: (تَرَبَّصْتُمْ)) بالتوبة ((وارْتَبْتُمْ)) أي: شككتم في التوحيد والنبوَّة. ﴿وَغَرَّتَكُمُ الْأَمَانِهُ﴾ أي: الأباطيل(١). وقيل: طول الأمل(٢)، وقيل: هو ما كانوا يتمثَّونه من ضَعْفِ المؤمنين ونزول الدوائر بهم(٣). وقال قتادة: الأماني هنا: خِدَع الشيطان. وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس. وقال أبو سنان: هو قولهم: سَيُغْفَر لنا (٤). وقال بلال بن سعد: ذِكْرك حسناتِك، ونسيانك سيئاتِك غِرَّة. ﴿حَّ جَّةَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني: الموت. وقيل: نصرة نبيّه#. وقال قتادة: إلقاؤهم في النار(٥). ﴿وَغَزَّكُمْ﴾ أي: خدعكم ﴿ِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الشيطان، قاله عكرمة. وقيل: الدنيا، قاله الضحاك(٦). وقال بعض العلماء: إنَّ للباقي بالماضي معتَبَرًا، وللآخِر بالأوَّل مزدجَرًا، والسعيد من لا يغترُّ بالطمع، ولا يركن إلى الخُدَع، ومن ذكر المنيَّة نسي الأمنيّة، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل. وجاء ((الْغَرُورُ)) على لفظ المبالغة للكثرة(٧). وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السَّمَيْفَع وسِمَاك بن حرب: ((الغُرُورُ)) بضمِّ الغين(٨)، يعني : الأباطيل، وهو مصدر. وعن ابن عباس: أنَّ نبيَّ اللـه :﴿ خطَّ لنا خطوطًا، وخطَّ منها خطًّا ناحية فقال: «أتدرون ما هذا؟ هذا مَثَلُ ابنِ آدم ومثل التمنِّي، وتلك الخطوط الآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت))(٩). وعن ابن مسعود قال: خطَّ لنا رسول الله ﴾ خطًا مربعًا، (١) تفسير أبي الليث ٣٢٥/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٢٦٣/٥. (٣) الوسيط ٢٤٩/٤ . (٤) النكت والعيون ٤٧٦/٥، وأخرجه الطبري ٤٠٦/٢٢ عن قتادة. (٥) النكت والعيون ٤٧٦/٥، دون قوله: وقيل: نصرة نبيَّه#. فمن معاني القرآن للزجاج ١٢٥/٥. (٦) النكت والعيون ٤٧٦/٥ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٩/٤ . (٨) القراءات الشاذة ص١٥٢، والمحتسب ٣١١/٢. (٩) لم نقف عليه . ٢٥١ سورة الحديد: الآيات ١٤ - ١٧ وخطَّ وسطه خطًّا وجعله خارجًا منه، وخظّ عن يمينه ويساره خطوطًا صغارًا فقال: («هذا ابن آدم، وهذا أَجَلُه محيط به، وهذا أَمَلُه قد جاوز أجلَه، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أَخْطَأَه هذا نهشه هذا، وإن أَخْطَأَه هذا نهشه هذا))(١). قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةٌ ﴾ أيُّها المنافقون ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أَيْأَسَهم من النجاة. وقراءة العامة: ((يُؤْخَذُ)) بالياء؛ لأنَّ التأنيثَ غيرُ حقيقيٍّ؛ ولأنَّه قد فصل بينها وبين الفعل. وقرأ ابن عامر ويعقوب: (تُؤْخَذُ)) بالتاء(٢)، واختاره أبو حاتم؛ لتأنيث الفدية. والأوَّل اختيار أبي عبيد، أي: لا يقبل منكم بَدَل ولا عِوَض ولا نَفْس أخرى. ﴿مَأْوَنَكُمُ الَّارِ﴾ أي: مقامكم ومنزلكم ﴿هِىَ مَوْلَئِكُمْ﴾ أي: أَوْلَى بكم(٣)، والمولى: من يتولَّى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن كان ملازمًا للشيء. وقيل: أي: النار تملك أمرهم(٤)، بمعنى أنَّ الله تبارك وتعالى يُرَكِّب فيها الحياة والعقل فهي تتميَّز غيظًا على الكفّار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾. ﴿وَبِسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ساءت مرجعًا ومصيرًا. قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الَّْ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَّهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِفُونَ ﴿ أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: يقرب ويحين(٥)، قال الشاعر: (١) أخرجه البخاري (٦٤١٧)، قال ابن حجر في فتح الباري ٢٣٨/١١: الأعراض، جمع عرّض - بفتحتين -: وهو ما ينتفع به في الدنيا في الخير والشر. ونَهَشّه : أصابه . (٢) السبعة ص ٦٢٦، والتيسير ص ٢٠٦، والنشر ٣٨٤/٢، والكشف لمكي ٣١٠/٢ - ٣١١. (٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٥٢/٢، وغريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٣ . (٤) الوسيط ٢٤٩/٤. (٥) النكت والعيون ٤٧٨/٥، وما بعده منه . ٢٥٢ سورة الحديد: الآيتان ١٦ - ١٧ وأن يُحدِثَ الشَّيبُ المبينُ لنا عَقْلَا (١) أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْركَ الجهلا: وماضيه: أَنَى - بالقصر - يَأْنِي(٢). ويقال: آنَ لكَ ـ بالمد - أن تفعل كذا، يَئِينُ أَيْناً، أي: حَانَ، مثل أَنَى لك، وهو مقلوب منه(٣). وأنشد ابن السِّكِّيت: وأُقْصِرُ عن لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عَمَايَتِي فجمع بين اللغتين. وقرأ الحسن: ((أَلَمَّا يَأْنِ))(٤)، وأصلها ((أَلَمْ)) زيدت ((ما)) فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا، و((لم)) نفي لقوله: كان كذا. وفي ((صحيح مسلم))(٥) عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللهُ بهذه الآية: ((أَلَمْ يَأْنِ للذين آمنوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لذِكْرِ اللهِ» إلا أربعُ سنين. قال الخليل: العتاب: مخاطبة الإِدلال، ومذاكرة المَوْجِدة(٦). تقول: عاتبته معاتبة ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ أي: تذلَّ وتلين ﴿قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقِ﴾ روي أنَّ المزاح والضحك كثر في أصحاب النبيِّ ﴾ لما ترقَّهوا بالمدينة، فنزلت الآية(٧)؛ ولما نزلت هذه الآية قال #: ((إنَّ الله يستبطئكم بالخشوع))(٨) فقالوا عند ذلك: خَشَعنا. وقال ابن عباس: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاثة عشرة سنة من نزول القرآن(٩). (١) القائل كُثِيِّر عزَّة ، وهو في ديوانه ص ٢١٥ ، ورواية عجزه هكذا: وأن يُحدِث الشيب الملمُّ ليّ العقلا (٢) تهذيب اللغة ١٥/ ٥٥٣ . (٣) الصحاح (أين) ، وما بعده منه أيضاً . (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٢، والمحتسب ٣١٢/٢، وما بعده منه . (٥) برقم (٣٠٢٧). (٦) الصحاح (عتب)، وما بعده منه أيضًا، والمصنف نقله عنه بواسطة المفهم ٧/ ٤٠٦، وما بعده منه أيضاً . (٧) المحرر الوجيز ٢٦٤/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٣٨/١٠ (١٨٨٢٣) عن مقاتل بن حيان . (٨) لم نقف عليه . (٩) النكت والعيون ٤٧٧/٥، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٣٨/١٠ (١٨٨٢٥). ٢٥٣ سورة الحديد: الآيتان ١٦ - ١٧ وقيل: نزلت فِي المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك أنَّهم سألوا سلمانَ أن يُحدِّثهم بعجائب التوراة فنزلت: ﴿الَر ◌ِّكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُسُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية [يوسف: ١-٣]؛ فأخبرهم أنَّ هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأوَّل فنزلت: ((أَلَمْ يَأْنِ للذين آمنوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لذِكْر اللـهِ وما نَزَلَ من الحقِّ)) فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان(١). قال السديُّ وغيره: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) بالظاهر، وأسرُّوا الكفر ((أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ». وقيل: نزلت في المؤمنين(٢). قال سعد: قيل: يا رسول الله، لو قصصتَ علينا، فنزل: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ)) فقالوا بعد زمان: لو حدَّثْتَنَا، فنزل: ﴿اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] فقالوا بعد مدَّة: لو ذكَّرتنا، فأنزل الله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ للَّذِينَ آمَنُوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لِذِكْر اللهِ وما نَزَلَ من الحقِّ))(٣). ونحوه عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أَحدثنا؟ قال الحسن: استبطأهم وهم أحبُّ خَلْقه إليه (٤). وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام؛ لأنَّه قال عقيب هذا: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ)) أي: ألم يَأْنِ للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلينَ قلوبهم للقرآن، وألَّ يكونوا كمتقدِّمي قوم موسى وعيسى، إذ طال عليهم الأَمَد بينهم وبين نبيِّهم فقست قلوبهم. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُواْ﴾ أي: وألَّا يكونوا، فهو منصوب عطفاً على ((أَنْ (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٩٧ . (٢) النكت والعيون ٥/ ٤٧٧ وعزاه لابن عباس وابن مسعود والقاسم بن محمد. (٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٣٢ بإسناده عنه . (٤) النكت والعيون ٥/ ٤٧٧، وسلف تخريجه قريباً عن ابن مسعود . ٢٥٤ سورة الحديد: الآيتان ١٦ - ١٧ تَخْشَعَ)). وقيل: مجزوم على النهي(١)، مجازه: ولا يكونن، ودليل هذا التأويل رواية رُوَيس عن يعقوب: ((لَا تَكُونوا)) بالتاء(٢)، وهي قراءة عيسى وابن إسحاق. يقول: لا تسلكوا سبيلَ اليهود والنصارى، أُعطوا التوراةَ والإنجيلَ فطالت الأزمان بهم. قال ابن مسعود: إنَّ بني إسرائيل لما طال عليهم الأَمَد قست قلوبُهم، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، وکان الحقُّ يحول بينهم وبین کثیر من شهواتهم، حتى نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون، ثم قالوا: اغْرِضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم، وإلا فاقتلوهم. ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإن أَبَى قتلناه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتابَ الله في ورقة وجعلها في [قَرنٍ] وعَلَّقها فِي عنقه، ثم لبس عليه ثيابه، فأتاهم، فعرضوا عليه كتابَهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره، وقال: آمنتُ بهذا. يعني: المعلَّق على صدره. فافترقت بنو إسرائيل على بِضْع وسبعين مِلَّة، وخير مللهم أصحاب ذِي القَرْن. قال عبد الله: ومن يَعِشْ منكم فسيرى منكراً، وبحسب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيِّره أن يُعلِم اللهَ من قلبه أنَّه له كاره(٣). وقال مقاتل بن حيان: يعني: مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطؤوا بَعْثَ النّبِيِّ ﴾(٤). ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ يعني: الذين ابتدعوا الرهبانيَّة أصحاب الصوامع. وقيل: من لا يعلم ما يتديَّن به من الفقه ويخالف من يعلم. وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى، ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بُعِث النبيُّ# فآمنوا (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/٤. (٢) النشر ٣٨٤/٢. (٣) أخرجه بتمامه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٣٩/١٠ (١٨٨٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٥٨٩)، وأخرجه مختصراً الطبري ٢٢/ ٤١٠، وما بين حاصرتين من مصادر التخريج، والقَرَن: الجعبة . اللسان (قرن) . (٤) تفسير الرازي ٢٣٠/٢٩ عن مقاتل بن سليمان. ٢٥٥ سورة الحديد: الآيتان ١٦ - ١٧ به، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فَسَّقهم اللهُ. وقال محمد بن كعب : كانت الصحابة بمكّة مجدٍبِين، فلما هاجروا أصابوا الرِّيف والنعمة، ففتروا عمَّا كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا. وذكر ابن المبارك (١): أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أنَّ عيسى عليه السلام قال لقومه: لا تُكثِروا الكلام بغير ذِكْر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإنَّ القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنَّكم أرباب، وانظروا فيها - أو قال: في ذنوبكم - كأنَّكم عبيد، فإنَّما الناس رجلان، معانّى ومبتلّى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. وهذه الآية: ((أَلَمْ يَأْنِ للَّذين آمَنُوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لِذِكْرِ اللهِ)) كانت سببَ توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك - رحمهما الله تعالى. ذكر أبو المطرِّف عبد الرحمن ابن مروان القَلَانسيُّ قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق، قال: حدَّثنا علي بن يعقوب الزيَّات، قال: حدَّثنا إبراهيم بن هشام، قال: حدَّثنا زكريا بن أبي أبان، قال: حدَّثنا الليث بن الحارث، قال: حدَّثنا الحسن بن داهر، قال: سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال: كنت يوماً مع إخواني في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأَكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعًا بضَرْب العودِ والظُنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له: راشين السَّحَر، وأراد سنان يغنِّي، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان - يعني العود الذي بيده - ويقول: ((أَلَمْ يَأْنِ للَّذين آمَنُوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لِذِكْر اللهِ وما نَزَلَ من الحقِّ» قلت: بلى واللهِ!وكسرتُ العودَ، وصَرَفتُ مَن كان عندي، فكان هذا أوَّل زهدي وتشميري(٢). وبلغنا عن الشعر الذي أراد ابن المبارك أن يضرب به العود: أَلَمْ يَأْنِ لي منك أن تَرْحَمَا وَتَعْصِ العَواذِلَ واللُّؤَّما (١) في كتابه الزهد (١٣٥)، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية ٣٢٨/٦. (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٣١٧) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٠٧/٣٢ بإسناد آخر عن ابن المبارك ، ودون ذكر قوله : فضربت بصوت يقال له ... إلى قوله : يغني . ٢٥٦ سورة الحديد: الآيات ١٦ - ١٩ أقام على هجرِكم مَأْتَمَا وتَرْئِي لصَبِّ بكم مُغْرَم يُراعِي الكَواكِبَ والأَنْجُمَا يَبِيتُ إِذَا جَنَّهُ لَيْلُهُ أَحَلَّ مِن الوَصْلِ مَا حَرَّمَا وماذا على الظَّبيٍ لَوْ أَنَّهُ وأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنَّه عشق جاريةً، فواعدته ليلًا، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئًا يقرأ: ((أَلَمْ يَأْنِ للَّذين آمَنُوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لِذِكْر اللهِ)) فرجع القهقرى وهو يقول: بلى واللهِ قد آن! فآواه الليل إلى خَربَة وفيها جماعة من السابلة، وبعضهم يقول لبعض: إنَّ فضيلًا يقطع الطريق. فقال الفضيل: أوَّاه! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني! اللهمَّ إِنِّي قد تبتُ إليك، وجعلتُ توبتِي إليك جوار بيتك الحرام(١). قوله تعالى: ﴿ أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهُ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَأْ﴾ أي: ((يُخْبِي الْأَرْضَ)) الجَدْبة (بَعْدَ مَوْتِهَا)) بالمطر. وقال صالح المُرِّيُّ: المعنى: يُلِيِّن القلوب بعد قساوتها(٢). وقال جعفر بن محمد: يُحييها بالعدل بعد الجَوْر. وقيل: المعنى: فكذلك يُحيي الكافرَ بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالكفر والضلالة. وقيل: كذلك يُحيي الله الموتى من الأمم، ويميِّز بين الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه (٣). ﴿قَدّ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنَّه لمحيي الموتى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُقَلِّقَتِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٣١٦)، والخَرِبة: موضع الخراب. والسابلة: المارُّون على الطرقات المتردِّدون في حوائجهم . المعجم الوسيط (خرب) و(سبل). (٢) النكت والعيون ٤٧٨/٥ . (٣) المحرر الوجيز ٢٦٤/٥ بنحوه . ٢٥٧ سورة الحديد: الآيتان ١٨ - ١٩ الصاد فيهما(١)، من التصديق، أي: المصدِّقين بما أنزل الله تعالى. الباقون بالتشديد، أي: المتصدِّقين والمتصدِّقات، فأدغمت التاء في الصاد، وكذلك في مصحف أُبيِّ(٢). وهو حتٌّ على الصدقات، ولهذا قال: ﴿وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضَا حَسَنًا﴾ بالصدقة والنفقة في سبيل الله. قال الحسن: كلُّ ما في القرآن من القَرْض الحسن فهو التطوّع(٣). وقيل: هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبًا صادقًا. وإنَّما عطف بالفعل على الاسم؛ لأنَّ ذلك الاسم في تقدير الفعل، أي: إنَّ الذين صدَّقوا وأَقرضوا ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾ أمثالها. وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يُسَمَّ فاعله. وقرأ الأعمش: ((يُضَاعِفُه)) بكسر العين وزيادة هاء(٤). وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: ((يُضَغَّفُ)) بفتح العين وتشديدها(٥). ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: الجنَّة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَيْكَ هُمُ الصِّدِيِقُونٌ وَالشُّهَدَُّ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمَّ﴾ اختلف في ((الشُّهَدَاء)) هل هو مقطوع مما قبل، أو مثَّصل به. فقال مجاهد وزيد بن أسلم: إنَّ الشهداء والصدِّيقين هم المؤمنون، وأنَّه متصل، وروى معناه عن النبيِّ ﴾، فلا يُوقَف على هذا على قوله: ((الصِّدِّيقُونَ)) وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية (٦). قال القشيريُّ: قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فالصدِّيقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء هم الذين يتلون الصدِّيقين، والصالحون يتلون الشهداء، فيجوز أن تكون (١) السبعة ص ٦٢٦، والتيسير ص ٢٠٨ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٥٢ . (٣) سلف تخريجه عند الآية (١١) من هذه السورة . (٤) لم نقف عليها . (٥) السبعة ص ١٨٤ - ١٨٥، والتيسير ص ٨١، والنشر ٢٢٨/٢ . (٦) أخرجه عنهم الطبري ٤١٤/٢٢ - ٤١٥، إلا أن خبر زيد بن أسلم أخرجه عنه ، عن البراء بن عازب قال : سمعتُ رسول الله # يقول: مؤمنو أمتي شهدءُ. قال: ثم تلا النبيُّ: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله فأولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم﴾. وقول مجاهد في تفسيره ٦٥٨/٢، وينظر المكتفى في الوقف والابتداء للداني ص ٥٥٥ - ٥٥٦ . ٢٥٨ سورة الحديد: الآيتان ١٨ - ١٩ هذه الآية في جملة من صدَّق بالرسل، أعني: ((والَّذين آمَنُوا باللهِ ورسلِه أولئك هُمُ الصُّدِّيقونَ والشُّهداءُ)). ويكون المعنى بالشهداء، مَن شهِدَ لله بالوحدانية، فيكون صدِّيق فوق صدِّيق في الدرجات، كما قال النبيُّ ﴾: ((إِنَّ أهل الجنَّات العلا ليراهم مَن دونهم، كما يرى أحدكم الكوكب الذي في أُفق السماء، وإنَّ أبا بكر وعمر منهم وأنْعَمَا))(١). وروي عن ابن عباس ومسروق أنَّ الشهداءَ غيرُ الصدِّيقين(٢). فالشهداء على هذا منفصل مما قبله، والوقف على قوله: ((الصِّدِّيقُونَ)) حسن(٣). والمعنى: ((والشهداء عند ربِّهم لهم أجرهم ونورهم)) أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم. وفيهم قولان: أحدهما: أنَّهم الرسل يشهدون على أُممهم بالتصديق والتكذيب، قاله الكلبيُّ، ودليله قوله تعالى: ﴿وَحِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. الثاني: أنَّهم أُمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به قولان: أحدهما: أنَّهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية. وهذا معنى قول مجاهد(٤). الثاني: يشهدون لأنبيائهم بتبلغيهم الرسالة إلى أممهم، قاله الكلبيُّ. وقال مقاتل قولاً ثالثاً: إنَّهم القتلى في سبيل الله تعالى. ونحوه عن ابن عباس أيضاً قال: أراد شهداء المؤمنين. والواو واو الابتداء. والصدِّيقون على هذا القول مقطوع من الشهداء(٥). وقد اختلف في تعيينهم، فقال الضحَّاك: هم ثمانية نفر؛ أبو بكر وعليٍّ وزيد (١) المحرر الوجيز ٢٦٦/٥، والحديث لم نقف عليه مسنداً. (٢) تفسير البغوي ٢٩٨/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٤١٣/٢٢، وعن مسروق - وحده - أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٧٦/٢ . (٣) ذكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٢٥، والداني في المكتفى في الوقف والابتداء ص ٥٥٥ أن الوقف على قوله تعالى: ﴿الّذِیقُونٌ﴾ تام . (٤) النكت والعيون ٤٧٩/٥، وما بعده منه أيضاً. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦١/٤ . ٢٥٩ سورة الحديد: الآيات ١٨ - ٢١ وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة. وتابعهم عمر بن الخطاب ، ألحقه اللهُ بهم لما صدَّق نبيَّه ﴾(١). وقال مقاتل بن حبان: الصدِّيقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفةَ عين(٢)، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ياسين، وأبي بكر الصديق، وصاحب أصحاب الأخدود(٣). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآَ﴾ أي: بالرسل والمعجزات ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ فلا أجر لهم ولا نور. قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنََّا الْحَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَّوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كُمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اٌلْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ بَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًّاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ الغُرُورِ أُعِدَتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ﴾ وجه الاتصال أنَّ الإنسان قد يَتْرُك الجهاد خوفاً على نفسه من القتل، وخوفًا من لزوم الموت، فبيَّن أنَّ الحياة الدنيا منقضِية فلا ينبغي أن يترك أَمْرَ الله محافظةً على ما لا يبقى. و ((ما)) صلة، تقديره: اعلموا أنَّ الحياة الدنيا لعِب باطل ولهو فرح ثم ينقضي(٤). وقال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. وقيل: إنَّه على المعهود من اسمه. قال مجاهد: (١) الوسيط ٢٥١/٤، وتفسير البغوي ٢٩٨/٤، وجاءت تتمة العبارة فيهما هكذا: وتاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه الله بهم ؛ لما عرف من صدق نيته . (٢) الوسيط ٢٥١/٤، ونسبه إلى المقاتِلَيْن ابن حبان ، وابن حيان . (٣) في (م) : وأصحاب الأخدود . (٤) تفسير البغوي ٢٩٨/٤ . ٢٦٠ سورة الحديد: الآيتان ٢٠ - ٢١ كلُّ لعب لهو (١). وقد مضى هذا المعنى في ((الأنعام)) (٢)، وقيل: اللَّعب: ما رَغَّب في الدنيا. واللَّهو: ما ألهى عن الآخرة، أي: شَغل عنها. وقيل: اللعب: الاقتناء. واللهو: النساء(٣). ﴿وَزِينَةٌ﴾ الزينة: ما يتزيَّن به، فالكافر يتزيَّن بالدنيا ولا يعمل للآخرة(٤)، وكذلك من تزيّن في غیر طاعة الله. ﴿وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخِلْقة والقوَّة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء(٥). وفي ((صحيح مسلم)) عن النبيِّ﴿ قال: ((إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد))(٦). وصحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ((أربع في أمتي من أَمْرِ الجاهلية: الفخر في الأحساب)(٧) الحديث. وقد تقدَّم جميع هذا. ﴿ وَتَكَاثُرٌ فِىِ الْأَمْوَّلِ وَالْأَوْلِّدِ﴾ لأنَّ عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة(٨). قال بعض المتأخِّرين: (لَعِبٌ)) كلعب الصبيان ((وَلَهْوٌ) كلهو الفتيان ((وَزِينَةٌ)) كزينة النسوان ((وَتَفَاخُرٌ)) كتفاخر الأَقْران ((وَتَكَاثُرٌ)) كتكاثر الدُّهقان(٩). وقيل: المعنى أنَّ الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء(١٠). وعن عليٍّ ﴾ أنَّه قال لعمَّار: لا تحزن على الدنيا؛ فإنَّ الدنيا ستَّة أشياء: مأكول (١) النكت والعيون ٥/ ٤٨٠ . (٢) ٨/ ٣٦١. (٣) النكت والعيون ٤٨٠/٥ . (٤) زاد المسير ١٧١/٨. (٥) النكت والعيون ٤٨٠/٥ . (٦) مسلم (٢٨٦٥): (٦٤)، وسلف ١٢٩/١١. (٧) سلف ص٢٢٨ من هذا الجزء. (٨) النكت والعيون ٥/ ٤٨٠ . (٩) الدهقان، بكسر الدال وضمها : التاجر، فارسي معرَّب . اللسان (دهق). (١٠) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٦٢ .