النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة الواقعة: الآيات ٨ - ١٢ منه، كما يُشاكِل الزوج الزوجة. ثم بيَّن من هم فقال: ﴿فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾، ﴿وَأَصْحَبُ المَشْعَةِ﴾، ﴿وَالسَِّقُونَ﴾ فأصحاب الميمنة: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنَّة. وأصحاب المشأمة: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. قاله السُّدِّيُّ(١). والمَشْأَمة: الميسرة، وكذلك الشأمة. يقال: قعد فلانٌ شأمةً. ويقال: يا فلان شائِمْ بأصحابك، أي: خُذْ بهم شَأمةً، أي: ذات الشمال(٢). والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم (٣). وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليُمْن، ولما جاء عن الشّمال: الشؤم(٤). وقال ابن عباس والسُّدِّيُّ: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرِّيَّة من صُلْبه فقال الله لهم: هؤلاء في الجنَّة ولا أبالي(٥). وقال زيد بن أسلم(٦): هم الذين أُخِذوا من شقِّ آدم الأيمن يومئذ. وأصحاب المشأمة: الذين أُخِذوا من شقِّ آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: أصحاب الميمنة: من أُوتِيَ كتابه بيمينه. وأصحاب المشأمة: من أوتيَ كتابه بشماله. وقال ابن جريح: أصحاب الميمنة: هم أهل الحسنات. وأصحاب المشأمة: هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: أصحاب الميمنة: الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة. وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة القبيحة(٧). وفي ((صحيح مسلم))(٨) من حديث الإسراء عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ # قال: ((فلما (١) النكت والعيون ٤٤٨/٥ . (٢) الصحاح (شأم). (٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٨/٢ . (٤) زاد المسير ٨/ ١٣٢. (٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) بعدها في (م): أصحاب الميمنة. ولم ترد في النسخ الخطية. (٧) النكت والعيون ٤٤٨/٥ دون ذكر عطاء والربيع، وذكره عن الربيع ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٠/٥، وابن الجوزي في زاد المسير ١٣٢/٨ مقتصرين على الشِّق الأول من قوله. (٨) برقم (١٦٣)، هو عند البخاري أيضاً (٣٤٩). ١٨٢ سورة الواقعة: الآيات ٨ - ١٢ عَلَونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسْوِدة، وعن يساره أسْوِدة - قال : - فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبل شماله بكى - قال : - فقال: مرحباً بالنبيِّ الصالح والابنِ الصالح - قال : - قلت: يا جبريل مَن هذا؟ قال: هذا آدم عليه السلام، وهذه الأسودِة التي عن يمينه وعن شماله نَسَم بَنِيْه، فأهل اليمين أهل الجنّة، والأسوِدة التي عن شماله أهل النار)) وذكر الحديث. وقال المبرِّد: وأصحاب الميمنة: أصحاب التقدُّم. وأصحاب المشأمة: أصحاب التأخّر. والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي: اجعلني من المتقدِّمين ولا تجعلنا من المتأخِّرين. والتكرير في ((مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)) و((مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)) للتفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿اٌلْمَقَّةُ. مَا الْمَفَّةُ﴾ [الحاقة: ١- ٢] و﴿ اَلْقَارِعَةُ. مَا الْقَارِعَةُ﴾(١) [القارعة: ١-٢] كما يقال: زيد ما زيد(٢)! وفي حديث أمِّ زَرْعٍ رضي الله عنها: مالِكٌ ومَا مَالِكٌ(٣)! والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب، ولأصحاب المشأمة من العقاب. وقيل: ((أصْحَابُ)) رفع بالابتداء، والخبر: ((مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)) كأنَّه قال: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)) ما هم؟ المعنى: أيُّ شيء هم (٤). وقيل: يجوز أن تكون ((ما)) تأكيداً، والمعنى: فالذين يعطون(٥) كتابَهم بأيمانهم هم أصحاب التقدُّم وعلوِّ المنزلة. قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ﴾ روي عن النبيِّ :﴿ أَنَّه قال: ((السابقون الذين إذا أُعطوا الحقَّ قبلوه، وإذا سُئِلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» ذكره المهدويُّ(٦). وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: إنَّهم الأنبياء. الحسن وقتادة: السابقون (١) معاني القرآن للزجاج ١٠٨/٥- ١٠٩ . (٢) معاني القرآن للأخفش ٧٠١/٢ . (٣) سلف ٢٩٣/١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٤/٤ . (٥) في (ظ): يؤتون. (٦) وأخرجه أحمد (٢٤٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية ١٦/١ و١٨٦/٢-١٨٧ عن عائشة رضي الله عنها. وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. ١٨٣ سورة الواقعة: الآيات ١٠ - ١٢ إلى الإيمان من كلِّ أمَّة (١). ونحوه عن عكرمة. محمد بن سيرين: هم الذين صَلُّوا إلى القِبْلتَيْن؛ دليله قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾(٢) [التوبة: ١٠٠]. وقال مجاهد وغيره: هم السابقون إلى الجهاد، وأوَّل الناس رواحاً إلى الصلاة. وقال عليٍّ ﴾: هم السابقون إلى الصلوات الخمس. الضخَّاك: إلى الجهاد. سعيد بن جُبير: إلى التوبة وأعمال البِرِّ، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أُوْلََّكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَزَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ (٣) [المؤمنون: ٦١]. وقيل: إنَّهم أربعة، منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمَّة عيسى وهو حبيب النجَّار صاحب أنطاكيَّة، وسابقان في أمَّة محمد # وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قاله ابن عباس، حكاه الماورديُّ(٤). وقال شُمَيْط بن العجلان: الناس ثلاثة، فرجل ابتكر للخير في حداثة سِنِّه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السابق المقرَّب، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طوَّل الغفلة، ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال(٥). وقيل: هم كلُّ من سَبق إلى شيء من أشياء الصلاح. ثم قيل: ((السَّابِقُونَ)) رفع بالابتداء، والثاني توكيد له، والخبر: ﴿ أُوْلَكَ الْمُقَرَُّنَ﴾. وقال الزجَّاج (٦): ((السَّابِقُونَ)) رفع بالابتداء، والثاني خبره، والمعنى: السابقون إلى (١) النكت والعيون ٤٤٨/٥ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٠، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٢٩٠ عن ابن سيرين. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٠ . (٤) في النكت والعيون ٤٤٨/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٢٩/١٠ (١٨٧٧٣) عن ابن عباس بنحوه. (٥) الکشاف ٤/ ٥٢ دون عزو. (٦) في معاني القرآن له ١٠٩/٥ وما قبله منه أيضاً. : ١٨٤ سورة الواقعة: الآيات ١٢ - ١٦ طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، ((أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)) من صفتهم. وقيل: إذا خرج رجل من السابقين المقرَّبين من منزله في الجنَّة كان له ضوء یعرفه به من دونه. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ﴿ عَلَى سُرُرٍ قَوْضُونَةِ ١٥ (١٦) مُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَقَِلِينَ قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَِّلٌ مِّنَ اَلْآَخِرِينَ﴾ أي: ممَّن آمن بمحمَّد﴾(١). قال الحسن: ثُلَّة ممن قد مضى قبل هذه الأمَّة، وقليل من أصحاب محمَّد ﴾(٢). اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسُمُّوا قليلاً، بالإضافة إلى مَن كان قبلهم؛ لأنَّ الأنبياء المتقدِّمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمَّتنا (٣). وقيل: لما نزل هذا شَقَّ على أصحاب رسولِ الله ﴿ فنزلت: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)) فقال النبيُّ ﴾: «إنِّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنَّة، بل ثلثَ أهل الجنَّة، بل نصفَ أهل الجنَّة، وتقاسمونهم في النصف الثاني)) رواه أبو هريرة، ذكره الماورديُّ(٤) وغيره. ومعناه ثابت في ((صحيح مسلم))(٥) من حديث عبد الله بن مسعود. وكأنَّه أراد أنَّها منسوخة، والأشبه أنَّها محكمة؛ لأنها خبر(٦)؛ ولأنَّ ذلك في جماعتين مختلفتين. قال الحسن: سابِقُو مَن مضى أكثرُ مِن سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِلٌ مِّنَ آلْآَخِرِينَ﴾ وقال في أصحاب اليمين وهم سوى السابقين: ( ثُلَّةٌّ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)) ولذلك قال النبيُّ ﴾. (إنِّي لأرجو أن تكون أمَّتي شطر أهل الجنَّة، ثم تلا قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ (١) تفسير الطبري ٢٩١/٢٢. (٢) المحرر الوجيز ٢٤١/٥ بنحوه. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٠٩/٥ بنحوه. (٤) في النكت والعيون ٤٤٩/٥-٤٥٠، والحديث سلف ١٢/ ٢ . (٥) برقم (٢٢١)، وهو عند البخاري أيضاً (٦٥٢٨)، وأحمد (٣٦٦١). (٦) الكشاف ٤/ ٥٣، وتفسير الرازي ١٤٨/٢٩ بنحوه. ١٨٥ سورة الواقعة: الآيات ١٤ - ١٦ مِّنَّ الْآخِرِينَ)) قال مجاهد: كلٌّ من هذه الأمّة. وروى سفيان: عن أبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيِّ #: ((الثُّلْتان جميعاً من أمتي))(١) يعني: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)). وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق ﴾. قال أبو بكر ﴾: كِلَا الثُّلتين من أمَّ محمَّد ﴿، فمنهم من هو في أوَّل أمَّته، ومنهم من هو في آخرها، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقيل: ((ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ)) أي: من أوَّل هذه الأمَّة. (وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)) يسارع في الطاعات حتى يلحقَ درجة الأوَّلين. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((خيركم قرْني))(٢) ثم سَوَّى في أصحاب اليمين بين الأوَّلين والآخرين. والثُّلَّة: من تَّلْت الشيء، أي: قطعته، فمعنى ثُلَّة كمعنى فرقة، قاله الزجَّاج. قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أي: السابقون في الجنَّة ((عَلَى سُرُرٍ))، أي: مجالسهم على سرر، جمع سرير (٣). (موْضُونَةٍ)) قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّرِّ والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: ((موْضُونَةٍ)) مصفوفة(٤)، كما قال في موضع آخر: ﴿عَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَّةٍ﴾ [الطور: ٢٠]. وعنه أيضاً وعن مجاهد: مَرْمولة بالذهب(٥). وفي التفاسير: ((موْضُونَةٍ)) أي: منسوجة بقضبان الذَّهب(٦)، مشبكة بالدُّرِّ والياقوت والزَّبرجد. والوضْن: النسج المضاعف والنَّضد، يقال: وَضَن فلانٌ الحجرَ والآجُرَّ بعضه فوق بعض، فهو موضون، ودرع موضونة، أي: مُحكّمة النَّسْج، مثل مصفوفة(٧)، قال الأعشى : (١) الکشاف ٤/ ٥٣ بدون إسناد. (٢) سلف ٤/ ٤٥٥ . (٣) معاني القرآن للزجاج ١١٠/٥. (٤) زاد المسير ١٣٥/٨، وأخرجه عنهما الطبري ٢٩٢/٢٢، ٢٩٤. (٥) أخرجه عنهما الطبري ٢٢/ ٢٩٢، وهناد في الزهد (٧٧) و(٧٦). وقول مجاهد في تفسيره ٦٤٦/٢. (٦) الوسيط ٤/ ٢٣٣ . (٧) تهذيب اللغة ١٢ /٦٨ - ٦٩ . : ١٨٦ سورة الواقعة: الآيات ١٥ -٢٦ وَمِن نَسْجِ دَاوُدَ مَوضُونَةً تُسَاقُ مع الحيِّ ◌ِيراً فَعِيرًا(١) وقال أيضاً(٢): لها قَوْنَسٌ فوقَ جَيْبِ البَدَنْ وبَيْضَاء كالنَّهْي مَوْضُونَةً والسرير الموضون: الذي سطحه بمنزلة المنسوج، ومنه الوَضِين: بِطانٌ من سُيور ینسج فيدخل بعضه في بعض؛ ومنه قوله: إليك تَعْدُوا قَلِقًا وَضِينُها(٣) ﴿مُتِّكِينَ عَلَّهَا﴾ أي: على السرر. ﴿مُتَّقَيِلِينَ﴾ أي: لا يرى بعضهم قَفَا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة، وهذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتَّكئون متقابلين. قاله مجاهد وغيره(٤). وقال الكلبيُّ: طول كلِّ سرير ثلاث مئة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. لَّا قوله تعالى: ﴿يَطُوُفُ عَلَهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِنْ مَعِينٍ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴿ وَفَكِهَةٍ مِّمَا يَتَخَُّونَ ﴿ وَمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينُ (٣) جَزَاءْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا ٢٣ كَأَمْثَلِ اللُُّلُوِ الْمَكْتُنِ لَفْوَاً وَلَا تَأْتِيمًا (٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَّهِمْ وِلْدَانُ تُخُلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون، قاله مجاهد(٥). الحسن والکلميُّ: لا یھْرَمون ولا یتغیرون، ومنه قول امرئ القيس: (١) ديوان الأعشى الكبير ص١٤٩، قال شارحه: والدروع الكثيفة قد نسجت نسجاً مضاعفاً، تُحمل فوق الجمال عِيراً من ورائها عیر. (٢) أي: الأعشى الكبير، والبيت سلف ٤٩/١١ . (٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٨/٢، والرجز ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٥٧٤ ونسبه لرجل من نجران، وقال: الوضين: الحزام، وذكره أيضاً ابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٣٣٣/٥ ، عن عمر بن الخطاب فيما يرتجز به من شعر. (٤) سلف ٢١٩/١٢ - ٢٢٠ . (٥) تفسير مجاهد ٦٤٦/٢، وأخرجه عنه الطبري ٢٩٥/٢٢ . ١٨٧ سورة الواقعة: الآيات ١٧ - ٢٦ وهَل يَنْعَمْن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوجَالٍ(١) وقال سعيد بن جبير: مُخلَّدون: مُقرَّطون(٢)، يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُليّ : الخِلدة(٣). وقيل: مسؤَّرون ونحوه، عن الفراء(٤)، قال الشاعر: ومخلَّداتٌ بِاللُّجينِ كَأَنَّمَا أعْجَازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبَانِ(٥) وقيل: مقرَّطون، يعني: مُمَنْطَقون من المناطق. وقال عكرمة: ((مُخَلَّدُونَ)): منعَّمون. وقيل: على سنٍّ واحدة (٦)، أنشأهم الله لأهل الجنَّة يطوفون عليهم كما شاء من غير ولادة. وقال عليٍّ بن أبي طالب ﴾ والحسن البصريُّ: الولدان هاهنا: ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً ولا حسنة لهم ولا سيئة (٧). وقال سلمان الفارسيُّ: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنَّة(٨). قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يُجزَون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع(٩). والمقصود: أنَّ أهل الجنَّة على أتمِّ السرور والنعمة، والنعمة إنَّما تتمُّ باحتفاف الخدم والولدان بالإنسان. ﴿يَأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ﴾ أكواب: جمع كوب، وقد مضى في ((الزخرف))(١٠). وهي الآنية (١) النكت والعيون ٥/ ٤٥٠ دون ذكر الكلبي، والبيت في ديوان امرئ القيس ص٢٧، وفيه: يَعِمَنْ، بدل: ينعمن. ومعناه: يقيم. وقال شارح الديوان: الأوجال: جمع وَجَل، وهو الفزع. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٨١ . (٣) تهذيب اللغة ٢٧٩/٧ . (٤) في معاني القرآن له ١٢٣/٣، والمصنف نقله عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٤٥٠، وما بعده منه أيضاً. (٥) ذكره ابن قتيبة في غريب القرآن ص ٤٤٧ ولم ينسبه، وابن دريد في الاشتقاق ص١٦٣ وعزاه إلى أبي عبيدة، والأقاوز: جمع قوز، والقوز من الرمل: صغير مستدير، تشبَّه به أرداف النساء. اللسان (قوز). (٦) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢٢. (٧) الكشاف ٤/ ٥٣ . (٨) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٧٩). (٩) زاد المسير ١٣٥/٨ . (١٠) ٧٩/١٩ . ١٨٨ سورة الواقعة: الآيات ١٨ - ٢٦ التي لا عُرى لها ولا خراطيم. والأباريق: التي لها عُرى وخراطيم، واحدها: إبريق، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يبرق لونه من صفائه(١). ﴿وَكَأْسِ مِنْ مَعِيرٍ﴾ مضى في ((والصافات))(٢) القول فيه. والمعين: الجاري من ماء أو خمر، غير أنَّ المراد في هذا الموضع الخمرُ الجاريةُ من العيون(٣). وقيل: الظاهرة للعيون، فيكون ((معين)) مفعولاً من المعاينة. وقيل: هو فعيل من المَعْن، وهو الكثرة(٤). وبيَّن أنَّها ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصر وتكلُّف ومعالجة. قوله تعالى: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: لا تنصدع رؤوسهم من شربها(٥)، أي: إنّها لذَّة بلا أذّى، بخلاف شراب الدنيا. ﴿وَلَا يُتْرِفُونَ﴾ تقدَّم في ((والصافات))(٦) أي: لا يسكرون فتذهب عقولهم. وقرأ مجاهد: (لَا يُصَدَّعُونَ)) بمعنى: لا يتصدَّعون: أي: لا يتفرَّقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾(٧) [الروم: ٤٣]. وقرأ أهل الكوفة: ((يُنزِفُونَ)) بكسر الزاي، أي: لا ينفد شرابهم(٨)، ولا تفنى خمرهم، ومنه قول الشاعر: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفِتُم أو صَحَوْتُمُ لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتِمُ آل أَبْجَرَا(٩) وروى الضخَّاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكْر والصُّداع (١) الوسيط ٤/ ٢٣٣ . (٢) ٢٩/١٨ - ٣٠. (٣) النكت والعيون ٤٥١/٥ . (٤) المحرر الوجيز ٢٤٢/٥ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٨١ . (٦) عند الآية (٤٧). (٧) الكشاف ٤/ ٥٤، والقراءة في البحر المحيط ٢٠٥/٨ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٨١، والقراءة في السبعة ص ٥٤٧، والتيسير ص ٢٠٧، والنشر ٣٨٣/٢ عن ابن کثیر ونافع وأبي عمرو وابن عامر. (٩) النكت والعيون ٤٥١/٥، وما بعده منه أيضاً، والبيت للحطيئة وسلف ٣٢/١٨. ١٨٩ سورة الواقعة: الآيات ١٩ - ٢٦ والقيء والبول، وقد ذكر الله تعالى خمرَ الجنَّة فنزَّهها عن هذه الخصال(١). قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَا يَتَُّونَ﴾ أي: يتخيَّرون ما شاؤوا؛ لكثرتها. وقيل: وفاكهة متخيرة مرضيَّة، والتخير: الاختيار. ﴿وَلَِّ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ﴾ روى الترمذيُّ عن أنس بن مالك قال: سُئلَ رسولُ اللـه﴾ ما الكوثر؟ قال: ((ذاك نهر أعطانِيْه الله تعالى - يعني في الجنَّة - أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر)) قال عمر: إنَّ هذه لناعِمةٌ. قال رسول الله ﴾: «أكَلَتُها أنعم منها)) قال: هذا حدیث حسن(٢). وخرَّجه الثعلبيُّ من حديث أبي الدرداء أنَّ النبيَّ # قال: ((إنَّ في الجنَّة طيراً مثل أعناق البُخْت تصطفُّ على يدي وليِّ الله، فيقول أحدها: يا وليَّ الله رَعيتُ في مُرُوج تحت العرش، وشربت من عیون التَّسنیم، فكُلْ منِّي، فلا یزلن يفتخرنَ بین یدیه حتى يخطر على قلبه أَكْلُ أحدها، فتخرُّ بين يديه على ألوان مختلفة فيأكل منها ما أراد، فإذا شبع تُجمع عظام الطائر، فطار يرعى في الجنَّة حيث شاء)). فقال عمر: يا نبيَّ الله إنَّها لناعِمة. فقال: ((آكلُها أنْعمُ منها))(٣). وروي عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((إنَّ في الجنة لطيراً، في الطائر منها سبعون ألف ريشة، فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنَّة، ثم ينتفض فيخرج من كلِّ ريشة لون، طعام أبيض من الثلج، وأبرد وألين من الزبد، وأعذب من الشَّهد، ليس فيه لون يشبه صاحبه، فيأكل منه ما أراد، ثم يذهب فيطير))(٤). (١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٢١١/١٠ (١٨١٧٧). (٢) الترمذي (٢٥٤٢) وفيه: حديث حسن غريب. وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٦٣٩)، وأحمد (١٣٣٠٦)، ووقع عند الترمذي: أحسن، بدل: أنعم. وهذه وردت هكذا في التذكرة ص ٤٨٥، والنقل منه. والجُزُر: جمع جزور، وهي الإبل. وقوله: لناعمة: أي: سمان مترفّة. النهاية (نعم). (٣) التذكرة ص ٤٨٥ . (٤) أخرجه هناد في الزهد (١١٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٤٠)، وفي إسناده: عبيد الله بن الوليد الوصّافي وعطية بن سعد العوفي، وهما ضعيفان. تقريب التهذيب. ١٩٠ سورة الواقعة: الآيات ٢٢ - ٢٦ قوله تعالى: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ قرئ بالرفع والنصب والجرِّ؛ فمن جرَّ - وهو حمزة والكسائي وغيرهما(١) - جاز أن يكون معطوفاً على (بِأكْوَابٍ)) وهو محمول على المعنى؛ لأنَّ المعنى: يتنعَّمون بأكواب وفاكهة ولحم وحُور، قاله الزجاج (٢). وجاز أن يكون معطوفاً على ((جَنَّت)) أي: هم في ((جَنَّاتِ النَّعِيمِ)) وفي حور، على تقدير حذف المضاف، كأنَّه قال: وفي معاشرة حور(٣). الفرَّاء(٤): الجرُّ على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأنَّ الحور لا يطاف بهنَّ، قال الشاعر: إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يوماً وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيونا(٥) والعين لا تُزجَّج وإنَّما تكحل. وقال آخر: ورأيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا(٦) وقال قُظْرب: هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى. قال: ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور ويكون لهم في ذلك لذَّةَ(٧). ومن نصب - وهو الأشهب العقيلي والنّخعي وعيسى بن عمر الثّقَفي، وكذلك هو في مصحف أُبَيِّ(٨) - فهو على تقدير إضمار فعل؛ كأنَّه قال: ويزوَّجون حُوراً عِيناً(٩). والحمل في النصب على المعنى أيضاً حسن؛ لأنَّ معنى يطاف عليهم به: يُعطّونه(١٠) . (١) السبعة ص٦٢٢، والتيسير ص ٢٠٧ عن حمزة والكسائي، وزاد ابن الجزري في النشر ٣٨٣/٢ أبا جعفر. (٢) في معاني القرآن له ١١١/٥. (٣) الحجة للفارسي ٢٥٧/٦، والكشف لمكي ٢/ ٣٠٤ . (٤) في معاني القرآن له ١٢٣/٣ . (٥) البيت للراعي النميري، وهو في شعره ص ١٥٦ . (٦) البيت لعبد الله بن الزبعرى، وسلف ٢٩١/١ . (٧) الكشف لمكي ٣٠٤/٢ . (٨) القراءات الشاذة ص١٥١، والمحتسب ٣٠٩/٢، والبحر المحيط ٢٠٦/٨. (٩) معاني القرآن للفراء ١٢٤/٣. : (١٠) معاني القرآن للزجاج ١١١/٥. ١٩١ سورة الواقعة: الآيات ٢٢ - ٢٦ ومن رفع - وهم الجمهور، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم - فعلى معنى: وعندهم حور عين؛ لأنَّه لا يُطاف عليهم بالحور. وقال الكسائيُّ: ومن قال: ((وَحُورٌ عِينٌ)) بالرفع، وعلَّل بأنَّه لا يطاف بهنَّ، يلزمه ذلك في فاكهة ولحم؛ لأنَّ ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلا بالخمر وحدها(١). وقال الأخفش: يجوز أن يكون محمولاً على المعنى؛ لأنَّ المعنى: لهم أكواب، ولهم حور عين(٢). وجاز أن يكون معطوفاً على (ثُلَّة))، و(ثُلَّةٌ)) ابتداء، وخبره: ((عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ)) وكذلك ((وَحُورٌ عِينٌ)) وابتدأ بالنكرة؛ لتخصيصها بالصفة. ﴿كَأَمْثَلٍ﴾ أي: مثل أمثال ﴿اَلُُّلُرِ الْمَكْتُنِ﴾ أي: الذي لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدُّ ما يكون صفاءً وتلألؤاً، أي: هنَّ في تشاكل أجسادهنَّ في الحسن من جميع جوانبهنَّ، كما قال الشاعر: كأنَّمَا خُلِقَتْ في قِشْرٍ لُؤُلُؤةٍ فَكُلُّ أَكْنَافِها وَجْهٌ لِمِرْصادٍ(٣) ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: ثواباً، ونصْبهُ على المفعول له. ويجوز أن يكون على المصدر (٤)؛ لأنَّ معنى ((يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ)»: يجازون. وقد مضى الكلام في الحور العين في ((والُّور)) وغيرِها(٥). وقال أنس: قال النبيُّ ﴾: ((خلَق الله الحور العين من الزعفران))(٦). وقال خالد (١) معاني القرآن للفراء ١٢٤/٣ بنحوه. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٨١ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٥٢، والبيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٤٣/٢، والكنّفّ: الجانب والناحية: اللسان (کنف). (٤) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧١٢/٢ . (٥) ٥٢٣/١٩ و١٣٧/١٩. (٦) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٨١٢)، وفي الأوسط (٢٩٠)، ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (٣٨٣) و(٣٨٥) عن أبي أمامة﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤١٩/١٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفي إسنادهما ضعفاء. اهــ. ولم نقف عليه من حديث أنس ﴾. ١٩٢ سورة الواقعة: الآيات ٢٤ - ٢٦ ابن الوليد: سمعتُ النبيَّ # يقول: ((إنَّ الرجل من أهل الجنَّة ليمسك التفّاحة من تفاح الجنَّة، فتنفلق في يده، فتخرج منها حوراء لو نظرت للشمس لأَخجلت الشمس من حُسْنها، من غير أن ينقص من التفاحة)) فقال له رجل: يا أبا سليمان إنَّ هذا لعجبٌ ولا يُنقَص من التفّاحة؟ قال: نعم، كالسِّراج الذي يوقد منه سِراج آخر وسُرُجٌ ولا ينقص، والله على ما يشاء قدير. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: خلَق اللهُ الحور العينَ من أصابع رجليها إلى ركبتَيْها من الزعفران، ومن ركبتَيْها إلى ثديَيْها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العَنْبر الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حُلَّة مثل شقائق النعمان، إذا أَقبلَتْ يتلألأ وجهها نوراً ساطعاً كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أدبرت يرى كبدها من رقَّة ثيابها وجِلْدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك الأذفر، لكلِّ ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها وهي تنادي: هذا ثواب الأولياء ((جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))(١). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ قال ابن عباس: باطلاً ولا كذباً(٢). واللغو: ما يُلغى من الكلام، والتأثيم مصدر أثَّمته، أي: قلت له: أثمت(٣). محمد ابن كعب: ((وَلا تَأْثِيِماً)) أي: لا يؤثّم بعضُهم بعضاً. مجاهد: ((لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا)): شتماً ولا مأثماً (٤). ﴿إِلَّ قِيْلًا سَلَمًا سَلَمًا﴾ ((قِيلاً)) منصوب بـ((يَسْمَعُونَ))، أو استثناء منقطع، أي: لكن يقولون قِيلاً أو يسمعون. و((سَلَاماً سلاماً)) منصوبان بالقول، أي: إلا أنَّهم يقولون الخير. أو على المصدر، أي: إلا أن يقول بعضهم لبعض: سلاماً. أو يكون وصفاً (١) التذكرة ص ٤٨١ . (٢) النكت والعيون ٥/ ٤٥٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٤٣/٥ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٤٥٢ . ١٩٣ سورة الواقعة: الآيات ٢٦ - ٤٠ لـ((قيلاً))، والسلام الثاني بدل من الأوَّل، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو. ويجوز الرفع على تقدير: سلام عليكم (١). قال ابن عباس: أي: يُحيِّي بعضهم بعضاً. وقيل: تحيِّهم الملائكة، أو يُحيِّهم ربُّهم عزَّ وجلَّ. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ (٤٧) فِ سِدْرٍ تَخْضُودٍ وَطَلْح ٢٨ مَنْضُوبِ وَظِلِ تَمْدُورِ ﴾ وَمَآءِ مَّسْكُوپٍ ٣١ وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةِ ([®َ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَ مَمْتُوعَةٍ فَعَلْتَهُنَّ أَبْكَارًا ( عُرْبًا ١٣٥ وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ ﴿ إِنَّ أَنشَأْتَهُنَّ إِنِشَاءُ (٣٣) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (9َ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ٣٨ أَقْرَبَا (٣٧) لِّأَصْحَبِ اَلْيَمِينِ قوله تعالى: ﴿وَأَعْخَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ آلْيَمِينِ﴾ رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة وهم السابقون على ما تقدَّم، والتكرير؛ لتعظيم شأن النعيم الذي هم فيه .﴿في سِدْرٍ تَّخْضُورٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شوكه، أي: قطع، قاله ابن عباس وغيره(٢). وذكر ابن المبارك: حدثنا صفوان، عن سليم بن عامر، قال: كان أصحابُ النبيِّ # يقولون: إنَّه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابيٍّ يوماً، فقال: يا رسول الله! لقد ذكر الله في القرآن شجرةً مؤذيةً، وما كنت أرى في الجنَّة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله﴾: ((وما هي))؟ قال: السِّدر؛ فإنَّ له شوكاً مؤذياً. فقال ﴾: ((أَوَليس يقول: ((فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ)) خَضد اللهُ شوكَه، فجعل مكان كلِّ شوكة ثمرةً، فإنَّها تنبت ثمراً تَفتَّق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر))(٣). وقال أبو العالية والضخَّاك: نظر المسلمون إلى وَجِّ - وهو وادٍ بالطائف مُخْصِب - (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/٤، ومعاني القرآن للزجاج ١١٢/٥. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٢ عن ابن عباس وعكرمة، وأخرجه عنهما الطبري ٣٠٧/٢٢ . (٣) الزهد لابن المبارك (٢٦٣ زوائد نعيم). قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤٣٤/٤: رواه ابن أبي الدنیا بسند حسن. ١٩٤ سورة الواقعة: الآيات ٢٨ - ٤٠ فأعجبهم سِذْره، فقالوا: يا ليتَ لنا مثلَ هذا، فنزلت(١). قال أميَّة بن أبي الصَّلْت(٢) يصف الجنَّة: إن الحدائقَ في الجِنانِ ظليلةٌ فيها الكَوَاعِبُ سِدرُها مَخْضودُ وقال الضخَّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: ((فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ)): وهو الموقَر حَمْلاً(٣). وهو قريب مما ذكرنا في الخبر. سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القِلال(٤). وقد مضى هذا في سورة ((النجم))(٥) عند قوله تعالى: ﴿عِندَ سِدْرَوْ اْنُنَفَى﴾ [الآية: ١٤] وأنَّ ثمرها مثل قلال هَجَر، من حديث أنس عن النبيِّ ﴾. قوله تعالى: ﴿وَطَلْح تَنفُورٍ﴾ الطّلْح: شجر الموز، واحده: طلحة. قاله أكثر المفسرين(٦) عليّ(٧) وابن عباس(٨) وغيرهم(٩). وقال الحسن: ليس هو موز، ولكنَّه شجر له ظِلٌّ بارد رطب(١٠). وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك(١١). قال بعض الحداة وهو الجعديُّ: (١) أسباب النزول للواحدي ص٤٢٨، وتفسير البغوي ٢٨٢/٤. (٢) ديوانه ص٥٩ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٥٢، وتفسير البغوي ٢٨٢/٤ عن مجاهد والضحاك، وأخرجه عنهما الطبري : ٣٠٨/٢٢-٣٠٩. (٤) تفسير البغوي ٢٨٢/٤، وأخرجه عنه الطبري ٣٠٩/٢٢. (٥) ص٢٥ من هذا الجزء. (٦) تفسير البغوي ٢٨٢/٤ . (٧) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٧٠، وهناد في الزهد (١١٢)، والطبري ٣١١/٢٢ . (٨) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٧٠، وهناد في الزهد (١١١)، والطبري ٣١١/٢٢. (٩) منهم أبو سعيد الخدري وأبو هريرة والحسن وعكرمة. النكت والعيون ٥/ ٤٥٤، وأخرجه الطبري ٣١١/٢٢ - ٣١٢ عن مجاهد وعطاء وقتادة وابن زيد، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٤٧. (١٠) المحرر الوجيز ٢٤٤/٥ . (١١) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٢، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢٥٠/٢، وما بعده منه، والبيت ذكره أيضاً الطبري ٣١٠/٢٢، والماوردي في النكت والعيون ٤٥٤/٥ ، وابن الجوزي في زاد المسير ١٤٠/٨ ولم ينسبوه، ولم نقف عليه عند النابغة الجعدي. ١٩٥ سورة الواقعة: الآيات ٢٩ - ٤٠ غداً تَرِيْنَ الظَّلْحَ والأحْبَالَا بَشَّرَهَا دَليلُها وقَالًا فالطَّلْح: كلُّ شجر عظيم كثير الشوك(١). الزجَّاج(٢): يجوز أن يكون في الجنَّة وقد أُزيل شوكه. وقال الزجَّاج أيضاً: كشجر أمِّ غيلان [له] نَوْر طيّب جدًّا، فخوطبوا ووعدوا بما يُحبُّون مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على ما في الدنيا. وقال السُّدِّيُّ: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من (٣) العسل(٣). وقرأ عليُّ بن أبي طالب ﴾: ((وَطَلْع مَّنضُودٍ)) بالعين(٤)، وتلا هذه الآية: ﴿وَنَخْلِ طَلْعُهَا حَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] وهو خلاف المصحف. وفي رواية أنه قُرئ بين يديه: ((وطلح منضود)) فقال: ما شأن الطلح؟ إنَّما هو ((وَطَلْعِ مَّنضُودٍ)) ثم قال: ﴿لَا طَلَعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فقيل له: أفلا نحوّلها؟ فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن ولا يحوَّل(٥). فقد اختار هذه القراءةً ولم يَرَ إثباتها في المصحف؛ لمخالفة ما رَسْمُه مجمَع عليه. قاله القشيريُّ. وأسنده أبو بكر الأنباريُّ قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الحسن بن سعد، عن قيس بن عُبَاد، قال: قرأتُ عند عليَّ، أو قُرِئت عند عليٍّ - شَكَّ مجالد -: ((وَطَلْحِ مَّنضُودٍ))، فقال عليٍّ ﴾: ما بال الطلح؟ أما تقرأ: ((وَطَلْع)) ثم قال: ﴿لَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] فقال له: يا أمير المؤمنين أنحكّها من المصحف؟ فقال: لا يهاج القرآن اليوم(٦). قال أبو بكر: ومعنى هذا أنَّه رجع إلى ما في المصحف، وعَلِمَ أنَّه هو الصواب، وأَبطل الذي كان فَرَطَ من قوله. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/٤ . (٢) في معاني القرآن له ١١٢/٥، وما بعده منه أيضاً، وما بين حاصرتين منه ومن (م). (٣) الكشاف ٤/ ٥٤ . (٤) القراءات الشاذة ص ١٥٠ . (٥) الكشاف ٤/ ٥٤، وهاج الشيء: ثار لمشقّة أو ضرر. اللسان (هيج). (٦) وأخرجه الطبري ٣٠٩/٢٢-٣١٠ من طريق مجالد، به، وبنحوه، وأورده البغوي في التفسير ٢٨٢/٤ عن مجاهد، عن الحسن بن سعيد، عن علي ﴾. ١٩٦ سورة الواقعة: الآيات ٢٩ - ٤٠ والمنضود: المتراكب الذي قد نُضدَ أوَّله وآخره بالحمل، ليست له سُوقٌ بارزة(١)، بل هو مرصوص، والنَّصْد: هو الرصُّ، والمنضَّد: المرصوص، قال النابغة: خَلَّتْ سَبِيلَ أتِيٍّ كان يَخْبِسُهُ ورَفَّعَتْهُ إلى السَّجْفَيْنِ فالنَّضَدِ(٢) وقال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كلُّه(٣). كلَّما أكل ثمرة، عاد مكانها أحسن منها. قوله تعالى: ﴿وَظِلَ تَُّورٍ﴾ أي: دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس(٤)، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا﴾ [الفرقان: ٤٥] وذلك بالغداة وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، حسب ما تقدَّم بيانه هناك(٥). والجنَّة كلُّها ظِلٌّ لا شمسَ معه. قال الربيع بن أنس: يعني ظلَّ العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة(٦): تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل والشيء الذي لا ينقطع: ممدود، وقال لبيد(٧): دَهرٌ طويلٌ دَائِمٌ مَمْدودُ غلبَ العَزَاءُ وكنتُ غيرَ مُغَلَّبٍ وفي ((صحيح الترمذيِ)) وغيره من حديث أبي هريرة عن النبيِّ #: ((وفي الجنَّة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍ تََّدُورِ)))(٨). ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: جارٍ لا ينقطع(٩)، وأصل السّكب: الصبُّ، يقال: سكبه (١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٤٨، وتهذيب اللغة ١٢/ ٤ . (٢) ديوان النابغة الذبياني ص٣١، والأتيُّ: سَيْلٌ لا يدرى من أين أتى. والسجفان: الستران المقرونان بينهما فرجة. اللسان (أتي) و(سجف). (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٢ . (٤) الوسيط ٢٣٤/٤ . (٥). ١٥/ ٤١٩ . (٦) في مجاز القرآن له ٢/ ٢٥٠ . (٧) شرح ديوان لبيد ص٣٦ . (٨) الترمذي (٣٢٩٢) مطولاً، وقال: هذا حديث حسن صحيح. اهـ وهو عند البخاري (٣٢٥٢)، ومسلم (٢٨٢٦)، وأحمد (١٠٢٥٩). (٩) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٤٨ . ١٩٧ سورة الواقعة: الآيات ٣١ - ٤٠ سَكْباً، والسُّكُوب: انصبابه؛ يقال: سَكَب سُكُوباً، وانْسكَب انسكاباً(١). أي: وماء مصبوب يجري الليلَ والنهار في غير أُخدود لا ينقطع عنهم(٢). وكانت العرب أصحابَ بادية وبلادٍ حارَّة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزةً لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرَّشاء، فوعدوا في الجنَّة خلاف ذلك، ووصف لهم أسباب النزهة المعروفة في الدنيا، وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار واطرادها. قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَذِ كَثِيرَةٍ﴾ أي: ليست بالقليلة العزيزة، كما كانت في بلادهم ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ﴾ أي: في وقت من الأوقات كانقطاع فواكه الصيف في الشتاء ﴿وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾ أي: لا يُحظَر عليها كثمار الدنيا(٣). وقيل: ((وَلَا مَمْنُوعَةٍ)) أي: لا يُمنع من أرادها بشوك ولا بُعْدٍ ولا حائط (٤)، بل إذا اشتهاها العبد دَنَتْ منه حتى يأخذَها، قال الله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا﴾ (٥) [الإنسان: ١٤]. وقيل: ليست مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان(٦). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ روى الترمذيُّ عن أبي سعيد عن النبيِّ ﴾ في قوله تعالى: ((وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ)) قال: ((ارتفاعها لَكَمَا بين السماء والأرض مسيرةً خمسٍ مئةٍ سنةٍ)) قال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رِشدِين بن سعد. وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: الفُرُش في الدرجات، وما بين الدرجات كما بين السماء والأرض (٧). وقيل: إنَّ الفُرُش هنا كناية عن النِّساء اللواتي في الجنَّةِ، ولم يتقدَّم لهنَّ ذِكْر، (١) الصحاح (سكب). (٢) الوسيط ٤/ ٢٣٤ . (٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٤٩ . (٤) تفسير الطبري ٣١٨/٢٢. (٥) سيأتي ٢١/ ٤٧٣ . (٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٣ . (٧) الترمذي (٢٥٤٠) و(٣٢٩٤)، وهو عند أحمد (١١٧١٩). ١٩٨ سورة الواقعة: الآيات ٣٤ - ٤٠ ولكن قوله عزَّ وجلَّ: ((وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ)) دالٌّ؛ لأنَّها محلُّ النِّساء، فالمعنى: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهنَّ وكمالهنَّ، دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَاءُ﴾ أي: خلقناهنَّ خَلْقاً وأبدعناهنَّ إبداعاً. والعرب تُسمِّي المرأة فِراشاً ولِباساً وإزاراً، وقد قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾(١) [البقرة: ١٨٧] ثم قيل على هذا: هنَّ الحور العين، أي: خلقناهنَّ من غير ولادة(٢). وقيل: المراد نساء بني آدم، أي: خلقناهنَّ خَلْقاً جديداً(٣)، وهو الإعادة، أي: أعدناهنَّ إلى حال الشباب وكمال الجمال. والمعنى: أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاءً واحداً. وأُضمرن ولم يتقدَّم ذكرهنَّ؛ لأنهنَّ قد دخلن في أصحاب اليمين؛ ولأنَّ الفُرُش كناية عن النساء كما تقدَّم. وروي عن النبيِّ ﴿ في قوله تعالى: ((إنَّا أنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء)) قال: ((منهنَّ الِكْر والثَّيْب))(٤). وقالت أمُّ سلمة رضي الله تعالى عنها: سألتُ النبيَّ ﴾ عن قوله تعالى: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا)) فقال: ((يا أمَّ سلمة هنَّ اللواتي قُبِضن في الدنيا عجائزَ شُمْطاً عُمْشاً رُمْصاً، جعلهنَّ اللهُ بعد الكِبَر أتراباً على ميلاد واحد في الاستواء)»(٥). أسنده النخَّاس عن أنس قال: حدَّثنا أحمد بن عمرو، قال: حذَّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد الرقاشيِّ، عن أنس بن مالك رفَعه: ((إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء)) قال: ((هنَّ العجائزِ العُمْش الرُّمْص، كُنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصاً))(٦). وقال المسيِّب بن شريك: قال النبيُّ ﴾ في (١) التذكرة ص ٤٦٧ . (٢) معاني القرآن للزجاج ١١٢/٥ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٣ . (٤) أخرجه الطيالسي (١٣٠٧)، والطبراني ٣٢٠/٢٢ والطبراني في الكبير (٦٣٢٢)، عن سلمة بن يزيد مرفوعاً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٩/٧ : رواه الطبراني، وفيه: جابر الجعفي، وهو ضعيف. (٥) أخرجه الطبري ٣٢٢/٢٢، والطبراني في الكبير ٢٣/ (٨٧٠)، وفي الأوسط (٣١٦٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٩/٧ : رواه الطبراني، وفيه: سليمان بن أبي كريمة، ضعفه أبو حاتم وابن عدي. (٦) أخرجه الترمذي (٣٢٩٦)، والطبري ٣٢٠/٢٢ من طريق موسى بن عبيدة، به. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان يضعَّفان في الحديث. ١٩٩ سورة الواقعة: الآيات ٣٦ - ٤٠ قوله: ((إِنَّا أَنشَأْ نَاهُنَّ إِنشَاء)) الآية، قال: ((هنَّ عجائز الدنيا أنشأهنَّ الله خَلْقاً جديداً، كلَّما أتاهنَّ أزواجهنَّ وجدوهنَّ أبكاراً)) فلما سمعت عائشة ذلك قال: واوجعاه! فقال لها النبيُّ #: (ليس هناك وجع))(١). ﴿عُرْبً﴾ جمع عَرُوب(٢). قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب: العواشق لأزواجهنَّ (٣). وعن ابن عباس أيضاً: إنَّها العَرُوب المَلَقة. عكرمة: الغَنجة (٤). ابن زيد: بلغة أهل المدينة(٥). ومنه قول لبيد : وفي الخِبَاءِ عَرُوبٌ غيرُ فاحِشةٍ رَبَّا الروادِفِ يَعْشَى دُونَها البصرُ (٦) وهي الشَّكِلة، بلغة أهل مكّة(٧). وعن زيد بن أسلم أيضاً: الحسنة الكلام(٨). وعن عكرمة أيضاً وقتادة: العُرُب: المتحبِّبات إلى أزواجهنَّ(٩). واشتقاقه من أعرب إذا بَيَّن، فالعروب تُبيِّن محبتها لزوجها بشَكّل وغُنْج وحُسن كلام. وقيل: إنَّها الحسنة التَّبَعُل؛ لتكون ألذَّ استمتاعاً (١٠). وروى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((عُرُباً)) قال: ((كلامهنَّ عربيٍّ))(١١). (١) التذكرة ص ٥٠٤ - ٥٠٥، وأخرجه الثعلبي كما في الكافي الشاف ص ١٦٣، وأورده البغوي في التفسير ٢٨٣/٤ عن المسيب بن شريك موقوفاً. (٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٢٥١ . (٣) زاد المسير ٨/ ١٤٢ عن ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل والمبرد ومجاهد، وأخرجه الطبري ٣٢٣/٢٢-٣٢٥ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم. (٤) تفسير البغوي ٢٨٤/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٣٢٣/٢٢-٣٢٤، والمَلَق: الوُدُّ واللطف الشديد. اللسان (ملق). (٥) النكت والعيون ٤٥٥/٥ وما بعده منه أيضاً. (٦) شرح ديوان لبيد ص٦١ ، وفيه: الحُدُوج، بدل: الخباء. وهما بمعنى. (٧) أخرجه الطبري ٢٢/ ٣٢٥ عن ابن بريدة، والشكلة: ذات الدَّلُّ والحُسن والتغنُّج. اللسان (شكل). (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٤، وأخرجه عنه الطبري ٣٢٥/٢٢ . (٩) النكت والعيون ٥/ ٤٥٥ عن عكرمة، وأخرجه الطبري ٣٢٧/٢٢ عن قتادة. (١١) أورده ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٣٢/١٠ (١٨٧٩٣) بلفظ: وذكر عن سهل بن عثمان العسكري، = (١٠) النكت والعيون ٤٥٦/٥ . ٢٠٠ سورة الواقعة: الآيات ٣٧ - ٤٠ وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: ((عُرْباً))، بإسكان الراء(١). وضمَّ الباقون، وهما جائزان في جمع فَعُول. ((أَتْراباً)) على ميلاد واحد في الاستواء وسنّ واحدة، ثلاثٍ وثلاثين سنة. يقال في النساء: أتراب، وفي الرجال: أقران(٢). وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدَّ الصِّبًا من النساء وانحطت عن الكبر. وقيل: ((أتْراباً)) أمثالاً وأشكالاً، قاله مجاهد(٣). السُّدِّيُّ: أتراب في الأخلاق لا تباغضَ بينهنَّ ولا تحاسد. ﴿لِأَصْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾ قيل: الحور العين للسابقين، والأتراب العُرُب لأصحاب الیمین. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ رجع الكلام إلى قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ)) أي: هم (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)) وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحَّاك: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ)) يعني من سابقي هذه الأمَّة، و(ثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)) من هذه الأمّة من آخرها؛ يدلُّ عليه ما روي عن ابن عباس في هذه الآية (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)) فقال النبيُّ لَ﴾: ((هم جميعاً من أمَّتي)) (٤). = عن أبي علي، عن جعفر بن محمد، به. وبرقم (١٨٧٩٣) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، ... الخبر، ولم يذكر فيه: عن جدِّه. (١) السبعة ص ٦٢٢، والتيسير ص٢٠٧، والحجة للفارسي ٢٥٨/٦. (٢) النكت والعيون ٤٥٦/٥ . (٣) النكت والعيون ٤٥٦/٥ وما بعده منه أيضاً، وقول مجاهد في تفسيره ٦٤٨/٢، وأخرجه عنه الطبري ٣٢٩/٢٢. (٤) تفسير البغوي ٤ /٢٨٥، والحديث أخرجه ابن عدي في الكامل ٣٧٨/١، والواحدي في الوسيط ٢٣٥/٤، والبغوي في التفسير ٢٨٥/٤، وفي إسناده: إسماعيل بن أبي عياش قال عنه ابن عدي: وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو بيَّن الأمر في الضعف. اهـ. وأورده الطبري في التفسير ٣٣٣/٢٢ وضعَّفه.