النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة الرحمن: الآيات ١٢ - ١٣ وفي ((الصحاح)) (١): والجِلُّ، بالكسر: قصب الزرع إذا حُصِد. والريحان: الرزق، عن ابن عباس ومجاهد(٢). الضحَّاك: هي لغة حِمْير(٣). وعن ابن عباس أيضاً والضحَّاك وقتادة: أنَّه الريحان الذي يشمُّ، وقاله ابن زيد (٤). وعن ابن عباس أيضاً: أنَّه خضرة الزرع(٥)، وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق(٦). وقال الفرَّاء(٧): العصف: المأكول من الزرع، والريحان: ما لا يؤكل. وقال الكلبيُّ: إنَّ العصف: الورق الذي لا يؤكل. والريحان: هو الحبُّ المأكول(٨). وقيل: الريحان: كلٌّ بقلة طيِّبة الريح، سميت رَيْحاناً؛ لأنَّ الإنسان يَراحُ لها رائحةً طيبة. أي: يشمُّ، فهو فَعْلان رَؤْحان من الرائحة، وأصل الياء في الكلمة واو قلب ياء؛ للفرق بينه وبين الرُّوحانيّ: وهو كلُّ شيء له رُوح. قال ابن الأعرابي: يقال: شيء رُوحاني وريحاني، أي: له روح. ويجوز أن يكون على وزن فَيْعَلان، فأصله رَيْوَحان، فأبدل من الواو ياء، وأدغم، كهَيِّن ولَيِّن، ثم ألزم التخفيف؛ لطوله، ولحاق الزائدتين الألفِ والنونِ، والأصل فيما يترگَّب من الراء والواو والحاء: الاهتزاز والحركة(٩). وفي ((الصحاح)): والرَّيْحان: نبت معروف، والريحان: الرزق، تقول: خرجت أبتغي رَيْحَانَ اللهِ، قال النَّمِرُ بن تَوْلَب(١٠): (١) مادة: (جلل). (٢) أخرجه عنهما الطبري ١٨٦/٢٢، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٤٠. (٣) تفسير أبي الليث ٣/ ٣٠٥ وفيه: الورق بلسان حمير. (٤) النكت والعيون ٤٢٦/٥ عن الحسن والضحاك وابن زيد، وزاد ابن الجوزي في زاد المسير ١٠٩/٨ ابن عباس، وأخرجه عنهم الطبري ١٨٧/٢٢. (٥) النكت والعيون ٤٢٦/٥، وأخرجه عنه الطبري ١٨٧/٢٢. (٦) المحرر الوجيز ٢٢٥/٥، وأخرجه عنه الطبري ١٨٨/٢٢. (٧) في معاني القرآن له ١١٤/٣ . (٨) النكت والعيون ٤٢٦/٥ . (٩) البيان لابن الأنباري ٤٠٨/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٧٠٥/٢ . (١٠) الصحاح (روح)، والبيت في ديوان النمر ص ٥٥ . ١٢٢ سورة الرحمن: الآيات ١٢ - ١٣ سلامُ الإلهِ ورَيْحانُهُ وَرَحْمَتُهُ وسَمَاءٌ دِرَرْ وفي الحديث: ((الولد من ريحانِ الله))(١). وقولهم: سبحانَ اللهِ وريحانَه، نصبوهما على المصدر، يريدون تنزيهاً له واسترزاقاً. وأما قوله: ((وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ)) فالعصف: ساق الزرع، والريحان: ورقه، عن الفرَّاء(٢). وقراءة العامة: ((وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيحَانُ)) بالرفع فيها كلِّها؛ على العطف على الفاكهة. ونصبها كلَّها ابن عامر وأبو حيوة والمغيرة(٣)؛ عطفاً على الأرض. وقيل: بإضمار فعل، أي: وخلق الحبَّ ذا العصف والريحان، فمن هذا الوجه یحسن الوقف على ((ذَاتُ الْأَكْمَام)» (٤). وجرَّ حمزة والكسائي: ((الريحان)»(٥)؛ عطفاً على العصف، أي: فيها الحبُّ ذو العصفِ والريحانِ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحانَ الرزقَ، فيكون كأنَّه قال: والحبُّ ذو الرزق. والرزق من حيث كان العصف رزقاً؛ لأنَّ العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس، ولا شبهةً فيه في قول من قال: إنَّه الريحان المشموم. قوله تعالى: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ خطاب للإنس والجنِّ؛ لأنَّ الأنام واقع عليهما(٦). وهذا قول الجمهور، يدلُّ عليه حديث جابر المذكور أوَّل السورة، وخرَّجه (١) أخرج أحمد (٢٧٣١٤)، والترمذي (١٩١٠) عن خولة بنت حكيم أن رسول الله # خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابْنَي ابنته وهو يقول: إنكم لتبخِّلون وتُجَبِّنون وتجهّلون، وإنکم لمن ریحان الله. قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعاً من خولة. (٢) الصحاح (روح)، والذي في معاني القرآن للفراء ١١٣/٣: العصف: بقل الزرع، والريحان: رزقه. (٣) السبعة ص٦١٩، والتيسير ص٢٠٦، والبحر المحيط ٨/ ١٩٠، وحجة القراءات لابن زنجلة ص ٦٩٠-٦٩١. (٤) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩١٥ - ٩١٦ . (٥) السبعة ص٦١٩، والتيسير ص٢٠٦ ، وحجة القراءات لابن زنجلة ص ٦٩٠ - ٦٩١ . (٦) المحرر الوجيز ٢٢٦/٥ . ١٢٣ سورة الرحمن: الآية ١٣ الترمذيُّ وفيه: ((لَلْجِنُّ أحسنُ منكم ردًّا))(١). وقيل: لما قال: (خَلَقَ الإنْسَانَ)) و((خَلَقَ الْجَانَّ) دلَّ ذلك على أنَّ ما تقدَّم وما تأخّر لهما (٢). وأيضاً قال: ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ)) وهو خطاب للإنس والجنِّ، وقد قال في هذه السورة: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)). وقال الجرجانيُّ: خاطب الجنَّ مع الإنس وإن لم يتقدَّم للجنِّ ذِكْر، كقوله تعالى: ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقد سبق ذكر الجنِّ فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، فإذا ثبت أنَّهم مكلَّفون كالإنس خُوطب الجنسان بهذه الآيات. وقيل: الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية(٣)، حسب ما تقدَّم من القول في ﴿أَلْقِيَا فِ جَهََّ﴾ (٤) [ق: ٢٤]. وكذلك قوله: قِفَا نَبْكِ(٥) ... خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي(٦) ... و : فأما ما بَعْدَ ((خَلَقَ الْإِنْسَانَ)) و((خَلَقَ الْجَانَّ) فإنَّه خطاب للإنس والجنِّ، والصحيح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ((وَالأَرْضَ وَضَعَهَا للآنَام)) والآلاء: النِّعم، وهو قول جميع المفسرين، واحدها إِلَى وَأَلَّ مثل مِعَى وعصاً، وإِلْيٌّ وأَلْيّ أربع لغات حكاها النَّاس (٧) قال: وفي واحد ((آنَاء اللَّيْلِ)) ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف، المسكنة (١) هذا لفظ الحاكم في مستدركه ٤٧٤/٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. اهـ، وسلف ص١١١ من هذا الجزء عن الترمذي بنحوه. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٦/٥ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٠٥ . (٤) ١٩ / ٤٤٧ . (٥) البيت مطلع معلقة امرئ القيس، وسلف ٣٦٤/١٠. (٦) القائل امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص٤١، وتمامه: نُقضِّ لبانات الفؤاد المعذَّب خليليَّ مُرَّا بي على أمِّ جندب قال شارحه: اللُّانات: جمع لُبانة، وهي الحاجة. (٧) في إعراب القرآن له ٤/ ٢٨٢ . ١٢٤ سورة الرحمن: الآية ١٣ اللام، وقد مضى في ((الأعراف)) و((النجم))(١). وقال ابن زيد: إنَّها القدرة، وتقدير الكلام: فبأيِّ قدرة ربِّكما تكذِّبان، وقاله الكلبيُّ(٢)، واختاره الترمذيُّ محمد بن عليٍّ، وقال: هذه السورة من بين السور عَلَم القرآن، والعَلَم إمام الجند، والجند تتبعه، وإنَّما صارت عَلَماً؛ لأنَّها سورة صفة الملك والقدرة، فقال: ((الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) فافتتح السورةَ باسم الرحمن من بين الأسماء؛ ليعلم العباد أنَّ جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته، خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال: ((الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) ثم ذكر الإنسانَ فقال: ((خَلَقَ الْإِنْسَانَ)) ثم ذكر ما صنع به وما منَّ عليه به، ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نَجَم وشَجَر، وذكر رَفْع السماء ووَضْع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام، فخاطب هذين الثقلين الجنَّ والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثانَ وكلَّ معبود اتَّخذوه من دونه، وجحدوا الرحمةَ التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم، فقال سائلاً لهم: ((فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ)) أي: بأيِّ قدرة ربِّكما تكذِّبان، فإنَّما كان تكذيبهم أنَّهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكاً يَملك معه ويقدر معه، فذلك تكذيبُهم. ثم ذكر خَلْق الإنسان من صلصال، وذكر خَلْق الجانٌّ من مارج من نار، ثم سألهم فقال: ((فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ)) أي: بأيِّ قدرة ربّكما تكذِّبان، فإنَّ له في كلِّ تحَلْق بعد خَلْق قدرة بعد قدرة، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، واتِّخاذ الحجّة عليهم بما وقفهم على خلقٍ خلق. وقال القُتَّبيُّ: إنَّ الله تعالى عذَّد في هذه السورة نعماءه، وذكّر خلقه آلاءه، ثم أَتبع كلَّ خَلَّة وصَفها ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلةً بين كلِّ نعمتين لينبِّههم على النِّعم ويقرِّرهم بها، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: أَلَّم تكن (١) ٢٦٤/٩ - ٢٦٥، وص ٦٥ من هذا الجزء. (٢) النكت والعيون ٤٢٦/٥ . ١٢٥ سورة الرحمن: الآيات ١٣ - ١٨ فقيراً فأغنيتك، أَفتنكر هذا؟! أَلَم تكن خاملاً فعززتك، أَفتنكر هذا؟! أَلَم تكن صَرُورة فحججتُ بك، أَفتنكر هذا!؟ أَلَم تكن راجلاً فحملتك، أَفتنكر هذا؟! والتكرير حَسن في مثل هذا (١). قال: كُمْ نِعْمَةٍ كانتْ لَكُمْ کَمْ کَمْ وَكَمْ(٢) وقال : إيَّاكِ مِنْ دَمِهِ إِيَّاكِ إِيَّاكِ(٣) لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إنْ كنتِ مُسْلِمَةٌ وقال آخر : عيناكَ من قول كاشح أشِرٍ لا تَقطعنَّ الصديقَ ما طَرَفتْ وزُرِ وزُرْهُ وزُرْ وزُرْ . ولا تَملَّنَّ من زيارته زُرْهُ وقال الحسين بن الفضل: التكرير؛ طرداً للغفلة، وتأكيداً للحجَّة. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَلْفَخَّارِ ﴾ وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن ﴿ رَبُّ الْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغْرِبَيْنِ مَّارِجِ مِن ثَّارٍ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا ثُكَذِّبَانِ فَبِأَقِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِسَنَ﴾ لما ذكر سبحانه خَلْق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذَكَر خَلْق العالم الصغير فقال: ((خَلَقَ الإنْسَانَ)) باتفاق من أهل التأويل يعني: آدم(٤). (١) تفسير البغوي ٢٦٨/٤، وزاد المسير ١١١/٨ - ١١٢، والصرورة: الرجل الذي لم يحجَّ قط. اللسان (صرر). (٢) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ١٨٣، وزاد المسير ١١١/٨، وأمالي المرتضى ١٢١/١ ولم ینسبوه. (٣) لم نقف عليه. (٤) المحرر الوجيز ٢٢٦/٥. ١٢٦ سورة الرحمن: الآيات ١٤ - ١٨ ﴿مِن صَلْصَلِ كَلْفَخَّارِ﴾ الصلصال: الطين اليابس الذي يُسمَع له صلصة، شبَّهه بالفَخَّار الذي طُبِخَ (١). وقيل: هو طين خُلطَ برمل(٢). وقيل: هو الطين المنتن، من صَلَّ اللحمُ وأَصلَّ: إذا أَنتنَ(٣)، وقد مضى في ((الحجر)) (٤). وقال هنا: ((مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ))، وقال هناك: ﴿مِن صَلْصَلٍ مِنْ حٍَ قَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]. وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]. وقال: ﴿كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وذلك متَّفق المعنى، وذلك أنَّه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحمٍ المسنون، ثم انتقل فصار صلصالاً كالفخَّار(٥). ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن ◌َّارِجٍ مِّن ثَّارٍ﴾ قال الحسن: الجانُّ: إبليس وهو أبو الجنِّ (٦). وقيل: الجانُّ: واحد الجنِّ. والمارج: اللهب، عن ابن عباس(٧)، وقال: خلق الله الجانَّ من خالص النار. وعنه أيضاً: من لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت(٨). وقال الليث: المارج: الشُّعْلة الساطعة ذات اللهب الشديد(٩). وعن ابن عباس أنَّه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر، ونحوه عن مجاهد(١٠)، وكلُّه متقارب المعنى. وقيل: المارج: كلُّ أمر مرسل غير ممنوع، ونحوه قول المبرِّد، قال المبرِّد: المارج: النار المرسلة التي لا تمنع(١١). وقال أبو عبيدة (١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٧. (٢) معاني القرآن للفراء ١١٤/٣، والنكت والعيون ٤٢٨/٥ وعزاه لابن عباس. (٣) النكت والعيون ٤٢٨/٥ وعزاه للضحاك. (٤) ١٠ / ٢١ . (٥) معاني القرآن للزجاج ٩٨/٥. (٦) زاد المسير ٣٩٩/٤ . (٧) النكت والعيون ٤٢٨/٥، وأخرجه عنه الطبري ١٩٥/٢٢. (٨) أخرجه عنه الطبري ١٩٥/٢٢ . (٩) تهذيب اللغة ١١/ ٧٢ . (١٠) المحرر الوجيز ٢٢٦/٥ عن ابن عباس، والنكت والعيون ٤٢٨/٥ عن مجاهد، وهو في تفسيره ٢/ ٦٤٠، وأخرجه عنه الطبري ١٩٦/٢٢ . (١١) النكت والعيون ٤٢٨/٥ . ١٢٧ سورة الرحمن: الآيات ١٥ - ٢٣ والحسن: المارج: خلط النار. وأصله من مرج: إذا اضطرب واختلط(١). ويروى أنَّ الله تعالى خلق نارَيْن فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم، فخلق منها إبليس. قال القُشَيريُّ: والمارج في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول، كقوله: ﴿مَّآءِ دَافٍِ﴾ [الطارق: ٦]، و﴿عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] والمعنى: ذو مرج، قال الجوهريُّ في ((الصحاح))(٢): و((مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)): نار لا دخانَ لها، خُلقَ منها الجانُّ . ﴿فَأَتِ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِيَّنِ﴾ أي: هو ربُّ المشرقين. وفي ((الصافات)): ﴿وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾ [الآية: ٥] وقد مضى الكلام في ذلك هنالك(٣). بَيْنَهُمَا بَرَْجٌ لَا يَغِيَانِ ٣٥ فَأَِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا ١٩ قوله تعالى: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ يَلْنَقِيَانِ تُكَذِّبَانِ ﴿ يَخْجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُ وَالْمَرْحَانُ ◌َ ٢٣) فَأَتِّ ءَلَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَفِيَانِ﴾ ((مَرَجَ)) أي: خَلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج السلطانُ الناسَ: إذا أهملهم. وأصل المَرْج: الإهمال، كما تُمْرَج الدابةُ في المرعى(٤). ويقال: مَرَجَ: خَلَطَ. وقال الأخفش: ويقول قوم: أَمْرَج البحرين، مثل مَرَج، فَعَل وأَفْعَل بمعنّی(٥). ((الْبَحْرَيْنِ)) قال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض، وقاله مجاهد وسعيد بن جبير (٦). ((يَلْتَقِيَانِ)) في كلِّ عام(٧). وقيل: يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر (١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٣/٢ . (٢) مادة: (مرج). (٣) ٨/١٨. (٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٣٨ . (٥) تهذيب اللغة ١١/ ٧٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/٤ عن ابن عباس وابن جبير، وأخرجه عنهما الطبري ٢٢/ ٢٠٠ . (٧) أخرجه الطبري ٢٢/ ٢٠٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما. ١٢٨ سورة الرحمن: الآيات ٢٠ - ٢٣ فارس والروم(١). وقال ابن جريج: إنَّه البحر المالح والأنهار العذبة. وقيل: بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهما. وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان(٢). (بيْنَهُمَا بَرْزَخٌ)) أي: حاجز، فعلى القول الأوَّل ما بين السماء والأرض، قاله الضخَّاك. وعلى القول الثاني: الأرض التي بينهما وهي الحجاز، قاله الحسن وقتادة(٣). وعلى غيرهما من الأقوال: القدرة الإلهية، على ما تقدَّم في ((الفرقان))(٤). وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبيِّ ◌َ﴾: ((أنَّ الله تعالى كلَّم الناحية الغربيّة فقال: إنِّي جاعل فيك عباداً لي يُسبِّحوني ويُكَبِّروني ويهلِّلُوني ويُمجِّدوني فكيف أنتِ لهم؟ فقالت: أُغرقُهم يا ربّ. قال: إنِّي أحملهم على يدي، وأجعل بأسك في نواحيك. ثم كَلَّم الناحية الشرقيّة فقال: إنِّي جاعل فيك عباداً لي يُسبِّحوني ويكَبِّروني ويهلِّلُوني ويمجِّدوني فكيف أنتِ لهم؟ قالت: أسبِّحكَ معهم إذا سَبَّحوكَ، وأكبرك معهم إذا كَبَّروك، وأُهلِلك معهم إذا هلَّلُوكَ، وأُمَجِّدُك معهم إذا مجَّدوك، فأثابها الله الْحِلية، وجعل بينهما برزخاً، وتحوَّل أحدهما مِلحاً أُجَاجاً، وبقي الآخر على حالته عذباً فُرَاتاً)) ذكر هذا الخبر الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله قال: حدَّثنا صالح بن محمد، حدَّثنا القاسم العمريُّ، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة. ((لَا يَبْغِيَانِ)) قال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم، جعل بينهما وبين الناس يَساً(٥). وعنه أيضاً ومجاهد: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. ابن زيد: المعنى (لَا يَبْغِيَانِ)) أن يلتقيا، وتقدير الكلام: مرج البحرين يلتقيان، لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا(٦). وقيل: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة(٧)، أي: بينهما مدَّة (١) تفسير البغوي ٢٦٩/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٢٠٠/٢٢ . (٢) النكت والعيون ٤٢٩/٥ - ٤٣٠. (٣) النكت والعيون ٤٣٠/٥ . (٤) ١٥ / ٤٥١ . (٥) تفسير البغوي ٢٦٩/٤، وأخرجه عنه الطبري ٢٠٣/٢٢. (٦) النكت والعيون ٥/ ٤٣٠، وأخرجه الطبري ٢٠٤/٢٢ عن ابن زيد. (٧) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٣/٢ . ١٢٩ سورة الرحمن: الآيات ٢٠ - ٢٣ قدَّرها الله وهي مدَّة الدنيا، فهما لا يبغيان، فإذا أذن الله في انقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]. وقال سهل ابن عبد الله: البحران: طريق الخير والشرِّ، والبرزخ الذي بينهما: التوفيق والعصمة(١). قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُ وَالْمَرْحَابُ﴾ أي: يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحَبّ والعصف والريحان. وقرأ نافع وأبو عمرو: ((يُخْرَجُ)) بضمِّ الياء وفتح الراء، على الفعل المجهول. الباقون: ((يَخْرُجُ)) بفتح الياء وضمِّ الراء على أنَّ اللؤلؤ هو الفاعل(٢). وقال: ((مِنْهُمَا)) وإنَّما يخرج من الملح لا العذب؛ لأنَّ العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما، كقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أُلِْنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإنَّما الرسل من الإنس دون الجنِّ، قاله الكلبيُّ وغيره(٣). قال الزجَّاج (٤): قد ذكرهما الله، فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى: ﴿أَلَرَ تَّرَوْأْ كَيْفَ خَقَ اللّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥] والقمر في سماء الدنيا ولكن أَجْمَلَ ذِكْر السبع، فكأنَّ ما في إحداهنَّ فيهنَّ. وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: هذا من باب حذف المضاف(٥). أي: من أحدهما، كقوله: ﴿عَ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أي: من إحدى القريتين(٦). وقال الأخفش سعيد(٧): (١) النكت والعيون ٤٣٠/٥ . (٢) المحرر الوجيز ٢٢٨/٥، والقراءة في السبعة ص٦١٩، والتيسير ص٢٠٦، والنشر ٣٨٠/٢، إلا أنه جاء في السبعة برفع الياء وكسر الراء. وقد أشار إلى هذه القراءة أبو الليث في التفسير ٣٠٧/٣ ، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٨/٥ إلى أبي عمرو في رواية حسين الجعفي عنه. (٣) منهم البغوي ٢٦٩/٤ . (٤) نقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ١١٣/٨ . (٥) زاد المسير ١١٣/٨. (٦) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧٠٥/٢ . (٧) في كتابه ((الحجة)) كما ذكره عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٨/٥ ١٣٠ سورة الرحمن: الآيات ٢٢ - ٢٥ زعم قوم أنَّه يخرج اللؤلؤ من العذب. وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان. ابن عباس: هما بحرا السماء والأرض(١). فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤاً فصار خارجاً منهما، وقاله الطبريُّ(٢). قال الثعلبيُّ: ولقد ذُكر لي أنَّ نواة كانت في جوف صدفة، فأصابت القطرةُ بعض النواة ولم تُصب البعضَ، فكانت حيث أصاب القطرة من النواة لؤلؤة، وسائرها نواة. وقيل: إنَّ العذب والملح قد يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، فنسب إليهما كما ينسب الولد إلى الذكر والأنثى وإن ولدته الأنثى، ولذلك قيل: إنَّه لا يخرج اللؤلؤ إلا من موضع يلتقي فيه العذب والملح. وقيل: المرجان: عظام اللؤلؤ وكباره، قاله عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهما(٣). واللؤلؤ: صغاره. وعنهما أيضاً بالعكس: إنَّ اللؤلؤ: كبار اللؤلؤ، والمرجان: صغاره، وقاله الضحَّاك وقتادة(٤). وقال ابن مسعود وأبو مالك: المرجان: الخرز الأحمر(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُشَآَتُ فِ الْبَحْرِ كَالْأَِ ﴿ فَأَِ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَارِ﴾ يعني: السفن(٦). ﴿الْمُشَآَتُ﴾ قراءة العامة: ((الْمُنْشَآتُ)) بفتح الشين، قال قتادة: أي: المخلوقات للجَري، مأخوذ من الإنشاء(٧). وقال مجاهد: هي السفن التي رُفع قِلْعها، قال: وإذا لم يُرفَع قِلْعها فليست بمنشَآت(٨). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٧/٤، والنكت والعيون ٤٣١/٥. (٢) في التفسير ٢٠٩/٢٢ - ٢١٠، وأخرجه عن ابن عباس وعكرمة. (٣) النكت والعيون ٤٣١/٥، وأخرجه الطبري ٢٠٦/٢٢ - ٢٠٧ عن ابن عباس، ومجاهد في التفسير ٦٤١/٢ عن علي ﴾. (٤) أخرجه عنهم الطبري ٢٠٥/٢٢ - ٢٠٦ . (٥) النكت والعيون ٤٣١/٥ عن ابن مسعود، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٣/٢. (٦) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٣٨ . (٧) النكت والعيون ٤٣١/٥ . (٨) تفسير مجاهد ٦٤١/٢، وأخرجه عنه الطبري ٢١٠/٢٢ - ٢١١، وعلَّقه البخاري في كتاب التفسير قبل حديث (٤٨٧٨)، والقِلْع: شراع السفينة. لسان العرب (قلع). ١٣١ سورة الرحمن: الآيات ٢٤ - ٢٨ وقال الأخفش: إنَّها المَجريات(١). وفي الحديث: أنَّ عليًّا ﴾ رأى سفناً مُقْلَعة، فقال: وربِّ هذه الجوارِي المنشآتِ ما قَتلتُ عثمان ولا مالَأْتُ في قتله(٢). وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم باختلاف عنه: ((الْمُنْشِآَتُ)) بكسر الشين(٣)، أي: المنشآت السير (٤)، أضيف الفعل إليها؛ على التجوُّز والاتساع. وقيل: الرافعات الشُّرُع، أي: القُلُع. ومن فتح الشين قال: المرفوعات الشُّرع(٥). ﴿كَالْأَعْلَمِ﴾ أي: كالجبال، والعَلَم: الجبل الطويل(٦)، قال: إذا قَطعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْ(٧) فالسفن في البحر كالجبال في البَرِّ، وقد مضى في ((الشورى))(٨) بيانه، وقرأ يعقوب: ((الْجَوَارِي)) بياء في الوقف، وحذف الباقون(٩). : فَأَيِّ قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (١٧) ءَالَِّ رَبِّكُمَا ثُّكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ الضمير في ((عَلَيْهَا)) للأرض(١٠)، وقد جرى ذكرها في أوَّل السورة في قوله تعالى: ((وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام)) وقد يقال: هو أكرم مَنْ (١) النكت والعيون ٤٣١/٥. (٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٧٣٩)، والبخاري في التاريخ الكبير ٦٨/٧ عن عميرة بن سعد. (٣) السبعة ص ٦٢٠، والتيسير ص٢٠٦ . (٤) الوسيط ٢٢٠/٤. (٥) الكشاف ٤/ ٤٦ . (٦) معاني القرآن للفراء ١١٥/٣ . (٧) القائل جرير يصف الإبل، والرجز في ديوانه ٥١٢/١، وبعده: فهنَّ بحثاً كمضلَّات الخدم قال شارحه: يريد أنهنَّ يبحثن بمناسمهن الأرض كما تبحث النساء المضلَّات خلاخيلهن في التراب. (٨) ٤٨١/١٨ . (٩) النشر ١٣٨/٢. (١٠) معاني القرآن للزجاج ٩٩/٥ . ١٣٢ سورة الرحمن: الآيات ٢٦ - ٢٨ عليها، يعنون الأرض وإن لم يَجْرِ لها ذِكْر. وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآيةُ قالت الملائكة: هَلَكَ أهل الأرض فنزلت: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨] فأيقنت الملائكة بالهلاك (١)، وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء الخَلْق التسويةُ بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة أنَّ الموت سببُ النقل إلى دار الجزاء والثواب. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ أي: ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه، قال الشاعر : قَضَى على خَلْقه المنايا. فكلُّ شيء سواه فانٍ (٢) وهذا الذي ارتضاه المحقّقون من علمائنا: ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم. وقال ابن عباس: الوجه عبارة عنه كما قال: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)). وقال أبو المعالي: وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجودُ الباري تعالى، وهو الذي ارتضاه شيخنا. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)) والموصف بالبقاء عند تعرُّض الخَلْق للفناء وجود الباري تعالى. وقد مضى في ((البقرة)) (٣) القول في هذا عند قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [الآية: ١١٥] وقد ذكرناه في الكتاب ((الأسنى))(٤) مستوفی. قال القشيريُّ: قال قوم: هو صفة زائدة على الذات لا تُكَيف، يحصل بها الإقبال على من أراد الربُّ تخصيصَه بالإكرام. والصحيح أن يقال: وجهه: وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب(٥). وقيل: أي: يبقى الظاهر بأدلَّته كظهور الإنسان (١) تفسير أبي الليث ٣/ ٣٠٧ دون عزو. (٢) القائل أبو العتاهية، وهو في ديوانه ص ٣٨٥ . (٣) ٣٣٠/٢ - ٣٣٢ وتقدم هناك قول ابن عباس وابن فورك وأبي المعالي. والصحيح: أن صفة الوجه من الصفات الذاتية لله سبحانه فيجب إثباتها له على وجه يليق به. (٤) لم نقف عليه في المطبوع منه. (٥) المحرر الوجيز ٢٢٩/٥ . ١٣٣ سورة الرحمن: الآيات ٢٧ - ٣٠ بوجهه (١). وقيل: وتبقى الجهة التي يتقرَّب بها إلى الله. ﴿ذُو الْجَلِ﴾ الجلال: عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح(٢)، يقال: جَلَّ الشيءُ، أي: عَظُم، وأجللته، أي: عظّمته، والجلال: اسم من جلَّ(٣). ﴿ وَآلْإِكْرَارِ﴾ أي: هو أهل لأَنْ يُكرَم عمَّا لا يليقُ به من الشرك، كما تقول: أنا أُكرمِك عن هذا، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء(٤). وقد أتينا على هذين الاسمين لغةً ومعنّى في الكتاب ((الأسنى))(٥) مستوفّى. وروى أنس أنَّ النبيَّ﴾ قال: ((أَلُِّوا بيا ذا الجلال والإكرام)»(٦). وروي أنَّه من قول ابن مسعود، ومعناه: الزموا ذلك في الدعاء(٧). قال أبو عبيد: الإلظاظ: لزوم الشيء والمثابرة عليه. ويقال: الإلظاظ: الإلحاح. وعن سعيد المقبريِّ: أنَّ رجلاً أَلَحَّ فجعل يقول: اللَّهُمَّ يا ذا الجلال والإكرام! اللَّهُمَّ يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إنِّي قد سمعتُ، فما حاجتك(٨)؟. فَأَتِ ءَالَآءِ قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِيِ شَأْنٍ رَیَّكُمَا ثُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿يَتْثَلُّمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قيل: المعنى يسأله من في السماوات (١) الوسيط ٢٢١/٤. (٢) الوسيط ٢٢١/٤ . (٣) تهذيب اللغة ٤٨٦/١٠ . (٤) الوسيط ٤/ ٢٢١. (٥) ص٣٢٤ - ٣٢٥. (٦) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) و(٣٥٢٥)، وقال: هذا حديث غريب. وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٥٩٦)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢٨٠/٣ عن ربيعة بن عامر ﴾، والحاكم ٤٩٩/١ عن أبي هريرة ﴾، وينظر الكافي الشاف ص ١٦٢ . (٧) الصحاح (لظظ)، وما بعده منه أيضاً. (٨) الأسنى ص٣٢٥ . ١٣٤ سورة الرحمن: الآيتان ٢٩ - ٣٠ الرحمةَ، ومن في الأرض الرزقَ(١). وقال ابن عباس وأبو صالح: أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً(٢). وقال ابن جريج: وتسأل الملائكةُ الرزقَ لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض(٣). وفي الحديث: ((إنَّ من الملائكة ملكاً له أربعة أوجه، وجه كوجه الإنسان وهو يسأل الله الرزقَ لبني آدم، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله الرزقَ للسباع، ووجه كوجه الثور وهو يسأل اللهَ الرزقَ للبهائم، ووجه كوجه النَّسر وهو يسأل الله الرزقَ للطير))(٤). وقال ابن عطاء: إنَّهم سألوه القوَّة على العبادة(٥). ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ هذا كلام مبتدأ. وانتصب: «كُلَّ يَوْمٍ)) ظرفاً، لقوله: ((فِي شَأْنٍ)) أو ظرفاً للسؤال، ثم يبتدئ: ((هُوَ فِي شَأْنٍ)). وروى أبو الدرداء# عن النبيِّ # قال: ((كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شَأْن)) قال: ((من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرِّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين))(٦). وعن ابن عمر عن النبيِّ ﴾ في قول الله عزَّ وجلَّ: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)) قال: ((يغفر ذنباً، ويكشف كرباً، ويجيب داعياً))(٧). وقيل: من شأنه أن يحيي ويميت، ويُعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع(٨). وقيل: أراد شأنه في يومي الدنيا والآخرة. قال ابن بحر: الدهر كلُّه يومان، (١) الوسيط ٢٢١/٤. (٢) الوسيط ٢٢١/٤ عن أبي صالح، وتفسير البغوي ٤/ ٢٧٠ عن ابن عباس. (٣) النكت والعيون ٥/ ٤٣٢. (٤) لم نقف عليه. (٥) النكت والعيون ٥/ ٤٣٢ . (٦) أخرجه ابن ماجه (٢٠٢)، قال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن. اهـ وعلّقه البخاري في صحيحه، في التفسير، قبل حديث (٤٨٧٨) عن أبي الدرداء موقوفاً. (٧) أخرجه البزار (٢٢٦٨ كشف الأستار)، وفي إسناده عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف. (٨) الوسيط ٢٢١/٤. ١٣٥ سورة الرحمن: الآيتان ٢٩ - ٣٠ أحدهما: مدة أيام الدنيا، والآخر: يوم القيامة، فشأنه سبحانه وتعالى في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب، والثواب والعقاب. وقيل: المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كلِّ يوم من أيام الدنيا (١). وهو الظاهر. والشأن في اللغة: الخطب العظيم، والجمع الشؤون(٢)، والمراد بالشأن هاهنا الجمع، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]. وقال الكلبيُّ: شأنه سوق المقادير إلى المواقيت(٣). وقال عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْنٍ)): من شأنه أن يميت حَيًّا، ويُقِرَّ في الأرحام ما شاء، ويُعزَّ ذليلاً، ويُذلَّ عزيزاً. وسأل بعض الأمراء وزيرَه عن قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شَأْنٍ)) فلم يَعرِفْ معناها، واستمهله إلى الغد، فانصرف کئیباً إلى منزله، فقال له غلام له أسود: ما شأنك؟ فأَخبره. فقال له: عُدْ إلى الأمير فإنِّي أُفسِّرها له، فدعاه فقال: أيُّها الأمير! شأنه أن يُولِجَ الليل في النهار، ويولجَ النهار في الليل، ويخرج الحيَّ من الميِّت، ويخرج الميِّت من الحيّ، ويَشفي سقيماً، ويُسقم سليماً، ويَبتلي معافى، ويعافي مبتلّى، ويُعزَّ ذليلاً، ويذلَّ عزيزاً، ويُفقر غنيًّا، ويغني فقيراً. فقال له: فَرَّجت عني، فَرَّج اللهُ عنك، ثم أَمَرَ بخَلْع ثياب الوزير، وكساها الغلام، فقال: يا مولاي! هذا من شأن الله تعالى(٤). وعن عبد الله بن طاهر: أنَّه دعا الحسين بنَ الفضل وقال له: أَشكلت عليَّ ثلاث آيات دَعوتُكَ لتكشفها لي: قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] وقد صحَّ أنَّ الندم توبة، وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ وقد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (١) النكت والعيون ٥/ ٤٣٢. (٢) تهذيب اللغة ٤١٥/١١ . (٣) تفسير البغوي ٢٧٠/٤، والمحرر الوجيز ٢٢٩/٥، ونسباه إلى الحسين بن الفضل. (٤) الكشاف ٤٦/٤، وما بعده منه أيضاً. ١٣٦ سورة الرحمن: الآيات ٢٩ - ٣٦ فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندمُ توبةً في تلك الأمَّة، ويكون توبةً في هذه الأمَّة؛ لأنَّ الله تعالى خصَّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إنَّ ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. وأما قوله: (كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شَأْنٍ)) فإنَّها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وأما قوله: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)) فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيَه بواحدة ألفاً فضلاً. فقام عبد الله وقبَّل رأسَه وسوَّغ خراجه. فَبِأَتِّ ءَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿ يَمَعْشَرَ ٢١ قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ اٌلِنِّ وَالْإِسِ إِنِ أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ لَا نَفُذُونَ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَارٍ وَثُمَاسُ فَلَاَ فَبِأَتِّ ءَالَِّ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ٣٣ إِلَّا بِسُلْطَانِ ) فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ () تَنَصِرَانِ ٥ قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُ لَكُمْ أَيَُّ الثَّقَانِ﴾ يقال: فَرَغت من الشغل أفرِغُ فُروغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغت لكذا، واستفرغت مجهودي في كذا، أي: بذلتُه(١). والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، إنَّما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، وهذا وعيد وتهديد لهم(٢)، كما يقول القائل لمن يريد تهديده: إذاً أتفرَّغ لك، أي: أَقْصِدُكَ. وفرغ بمعنى قصد(٣)، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا لجرير: ألَان وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فهذا حين كُنْتُ لها عَذابَا(٤) يريد: وقد قصدت. وقال أيضاً، وأنشده النَّاس: فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المقَيَّدِ في الحِجْلِ(٥) (١) الصحاح (فرغ). (٢) النكت والعيون ٤٣٤/٥. (٣) معاني القرآن للزجاج ٩٩/٥ . (٤) النكت والعيون ٤٣٤/٥، والحجة لأبي علي الفارسي ٢٥٦/٤ و٢٤٩/٦ ، ولم نقف على البيت في دیوان جرير. (٥) شرح ديوان جرير ٢/ ٩٥٢، إلا أن فيه: القين، بدل: العبد. ١٣٧ سورة الرحمن: الآيات ٣١ - ٣٦ وفي الحديث: أنَّ النبيَّ # لما بايع الأنصار ليلةَ العقبة، صاح الشيطان: يا أهل الجَبَاجِب! هذا مُذَمَّم يبايع بني قَيْلة على حربكم. فقال النبيُّ ﴾: «هذا أَزَبُّ العَقَّبة، أَمَا والله يا عدوَّ الله لأتفرغنَّ لك» (١) أي: أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار القتبيّ(٢) والكسائيّ وغيرهما(٣). وقيل: إنَّ الله تعالى وعَد على التقوى، وأَوعد على الفجور، ثم قال: ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ)) مما وعدناكم، ونوصل كُلَّ إلى ما وعدناه، أي: أَقْسِمُ ذلك وأَتفرَّغ منه. قاله الحسن ومقاتل وابن زيد(٤). وقرأ عبد الله وأُبَيِّ: ((سَنَفْرُغُ إِلَيْكُمْ))(٥)، وقرأ الأعمش وإبراهيم: ((سَيُفْرَغُ لَكُمْ)) بضمِّ الياء وفتح الراء، على ما لم يسمَّ فاعله. وقرأ ابن شهاب والأعرج: (سَنَفْرَغُ لَكُمْ)) بفتح النون والراء (٦)، قال الكسائيُّ: هي لغةُ تميم، يقولون: فَرِغْ يَفْرَغ، وحكى أيضاً: فَرِغَ يَفرُغ(٧)، ورواهما هُبيرة، عن حفص، عن عاصم(٨). وروى الجُعْفيُّ عن أبي عمرو: ((سَيَفْرَغُ)) بفتح الياء والراء(٩)، ورويت عن (١) أخرجه أحمد (١٥٧٩٨)، والفاكهي في أخبار مكة (٢٥٤٢)، والطبراني في الكبير ١٩/ (١٧٥) عن كعب بن مالك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٤٥ : رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرَّح بالسماع. اهـ ومعنى: هذا مذمَّم: أنَّ عدوَّ الله صرخ بما يضادُّ اسم محمد وزناً ومعنّى. والجباجب: جمع جُبْجُب - بالضمِّ - وهو المستوي من الأرض ليس بحَزْن، وهي أسماء منازل منى. وأَزَبُّ العقبة: اسم شيطان كان بالعقبة. النهاية (جبجب) و(أزب). (٢) في تأويل مشكل القرآن له ص ٧٧ . (٣) منهم الزجَّاج في معاني القرآن له ٩٩/٥ ، وابن الأعرابي كما في تهذيب اللغة ١١١/٨ . (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٧١ عن الحسن ومقاتل. (٥) الحجة للفارسي ٢٤٩/٦، والكشف لمكي ٣٠٢/٢، والكشاف للزمخشري ٤/ ٤٧ عن أُبَيٍّ، وذكر محقق الكشف أنَّ في إحدى النسخ الخطية: ابن مسعود، بدل: أُبيِّ. (٦) القراءات الشاذة ص١٤٩، والمحتسب ٣٠٤/٢، والبحر المحيط ١٩٤/٨. (٧) الحجة للفارسي ٢٤٩/٦ . (٨) المحرر الوجيز ٢٣٠/٥. (٩) المحتسب ٣٠٤/٢، وذكرها مجاهد في السبعة ص ٦٢٠ . ١٣٨ سورة الرحمن: الآيات ٣١ - ٣٦ ابن هُرْمز. وروي عن عيسى الثَّقفيِّ: ((سَنِفْرَغُ لَكُمْ)) بكسر النون وفتح الراء (١)، وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((سَيَفْرُغُ لَكُمْ)) بالياء، الباقون بالنون(٢)، وهي لغة تهامة. والثَّقلان: الجِنُّ والإنس، سُمِّيا بذلك؛ لعِظَم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف(٣). وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم ثِقَلٌ على الأرض أحياءً وأمواتاً، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] ومنه قولهم: أَعطِهِ ثِقَلَه، أي: وزنَه. وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن يُنافَسُ فيه، فهو ثقل. ومنه قيل لبيض النعام: ثقل؛ لأنَّ واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. وقال جعفر الصادق: سُمِّيا ثقلين؛ لأنَّهما مثقلان بالذنوب (٤). وقال: ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ)) فجمع، ثم قال: ((أَيُّه الثَّقَلَانِ)) لأنَّهما فريقان، وكلُّ فريق جمع، وكذا قوله تعالى: ((يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإِنسِ إِنِ استَطَعْتُمْ)) ولم يقل: إن استطعتما(٥)؛ لأنَّهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِقَانٍ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] و﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [الحج: ١٩] ولو قال: سنفرغ لکما، وقال: إن استطعتما، لجاز. وقرأ أهل الشام: ((أَيُّهُ الثَّقَلَانِ)) بضمِّ الهاء. الباقون بفتحها، وقد تقدَّم (٦). مسألة: هذه السورة و((الْأَحْقَاف)) و﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ [الجن: ١] دليلٌ على أنَّ الجِنَّ مخاطبون مكلَّفون(٧)، مأمورون منهيون، مثابون معاقبون، كالإنس سواء، مؤمنُهم کمؤمنهم، وكافرهم ککافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. (١) البحر المحيط ٨/ ١٩٤. (٢) السبعة ص ٦٠٢، والتيسير ص٢٠٦ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٧١ . (٤) المحرر الوجيز ٢٣٠/٥ . (٥) معاني القرآن للفراء ١١٦/٣ . (٦) ٢٢٨/١٥. (٧) التمهيد ١١٧/١١. ١٣٩ سورة الرحمن: الآيات ٣٣ - ٣٦ قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ اُلْنِ وَالْإِنِسِ﴾ الآية، ذكر ابن المبارك: وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أَمَرَ الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، فتكون الملائكة على حافَّاتها حتى يَأمرهم الربُّ، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك، فينزلون فيكونون صفًّا في جوف(١) ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فينزل الملَك الأَعلى في بهائه وملكه ومجَّبته اليسرى جهنّم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قُظْراً من أقطارها إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فذلك قوله تعالى: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ والْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) والسلطان: العذر. وقال الضخَّاك أيضاً: بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء، ونزلت الملائكة، فتهرب الجنُّ والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله تعالى: ((لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) ذكره النخَّاس. قلت: فعلى هذا، يكون في الدنيا، وعلى ما ذكر ابنُ المبارك، يكون في الآخرة. وعن الضحَّاك أيضاً: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا (٢). وقال ابن عباس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، أي: ببيِّنة من الله تعالى(٣). وعنه أيضاً أنَّ معنى: ((لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم (٤). قتادة: لا تنفذون إلا بمِلْك، وليس لكم مِلْك(٥). وقيل: لا تنفذون إلا إلى سلطان، الباء بمعنى ((إلى))، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: إليَّ(٦). قال الشاعر: (١) في (م): من خلف. والمثبت من (د) و(ظ)، والزهد لابن المبارك (٣٥٤ زوائد نعيم)، وأخرجه أيضاً الطبري ٢١٧/٢٢ - ٢١٨ من طريق الأجلح، عن الضحاك، به. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١٠/٤، وما بعده منه أيضاً. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٧١، وأخرجه عنه الطبري ٢١٩/٢٢ . (٤) أخرجه الطبري ٢١٩/٢٢. (٥) النكت والعيون ٤٣٤/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٢٠/٢٢. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٧١ . ١٤٠ سورة الرحمن: الآيات ٣٣ - ٣٦ لدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إِن تَقَلَّتِ(١) أَسِيئي بِنا أو أحسِنِي لا مَلُولَةٌ وقوله: ((فَانْفُذُوا)) أمر تعجيز. قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّنِ نَّارٍ وَتُهَاسُ﴾ أي: لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلِّقاً بالنفوذ، بل أخبر أنَّه يعاقب العصاة عذاباً بالنار. وقيل: أي: بآلاء ربكما تكذبان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس؛ عقوبة على ذلك التكذيب. وقيل: يحاط على الخلائق بالملائكة وبلسان من نار، ثم ينادون: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)»، فتلك النار قوله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُواظٌ مِنْ نَارٍ)) والشواظ في قول ابن عباس وغيره: اللهب الذي لا دخان له. والنُّحَاس: الدخان الذي لا لهبَ فيه(٢). ومنه قول أميَّة بن أبي الصَّلْت يهجو حسانَ بنَ ثابت ﴾، كذا وقع في تفسير الثعلبيِّ والماورديِّ(٣): ابن أبي الصَّلْت، وفي ((الصحاح)) (٤) و((الوقف والابتداء))(٥) لابن الأنباري: أميّة بن خَلَف قال: مُغَلْغَلَةً تَدُبُّ إلى عُكَاظِ أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عنِّي لَدَى الْقَيْئَاتِ فَسْلاً في الحِفَاظِ أَلَيْس أبوكَ فينا كان قَيْناً ويَنْفُخُ دَائِباً لَهَبَ الشُّواظِ (٦) يمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيراً فأجابه حسان ﴾ فقال: (١) القائل كُثِيِّر عزَّة، وهو في ديوانه ص ٨٠ . وقَلَته قِلَّى وقلاء ومَقْلية: أبغضته وكرهته غاية الكراهة. اللسان (قلا). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١١/٤، وأخرجه عنه الطبري ٢٢٢/٢٢، ٢٢٤. (٣) في النكت والعيون ٤٣٤/٥ - ٤٣٥ ومقتصراً على البيت الثالث. (٤) مادة (شوظ) ومقتصراً على البيتين الثاني والثالث. (٥) ١ / ٩٥ . (٦) ديوان أمية بن أبي الصلت ص١٦٨، والمغلغلة: الرسالة. والقين: العبد. والفسل: النذل. والكير: منفخ الحداد. اللسان (غلل) و(قین) و(فسل) و(كير).