النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة القمر: الآيات ٣٧ - ٤٢
﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ يُروى أنَّ جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فَعموا(١). وقيل:
صارت أعينهم كسائر الوجه لا يُرى لها شقٌّ، كما تطمس الريحُ الأعلامَ بما تسفي
عليها من التراب(٢). وقيل: لا، بل أعماهم اللهُ مع صحَّة أبصارهم، فلم يروهم (٣).
قال الضخَّاك: طمس اللهُ على أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين
دخلوا البيتَ، فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم(٤). ﴿فَذُوقُاْ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾ أي: فقلنا
لهم: ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر، أي: فأَذقتهم عذابي الذي أَنذرهم به
لوط(٥).
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكَّرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ﴾ أي: دائم عامٌّ استقرَّ فيهم حتى يفضي بهم إلى
عذاب الآخرة(٦). وذلك العذاب قَلْب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسفلها. و((بُكْرَةً»
هنا نکرة، فلذلك صرفت(٧) . ﴿فَذُوقُا عَذَابٍ وَنُلُرٍ﴾ العذاب الذي نزل بهم من طمس
الأَعين غير العذاب الذي أُهلكوا(٨) به، فلذلك حسُن التكرير. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ تقدَّم.
كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِهَا فَأَخَذْتَهُ أَنْذَ عَزِيزٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
٤٢
مُقْتَدِرِ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَّةَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يعني: القبط(٩)، و((النُّذُرُ)) موسى
(١) معاني القرآن للزجاج ٩١/٥، وأخرجه الطبري ٢٢/ ١٥٠ عن قتادة.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤١/٢، وتفسير الطبري ١٤٩/٢٢ - ١٥٠.
(٣) النكت والعيون ٤١٨/٥ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٣ .
(٥) تفسير الطبري ٢٢/ ١٥٢ بنحوه.
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٣ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٤.
(٨) تفسير الرازي ٢٢/ ٦٣ .
(٩) الوسيط ٤/ ٢١٢ .

١٠٢
سورة القمر: الآيات ٤١ - ٤٦
وهارون(١) وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. ﴿كَذَّبُواْ بِشَايَقِنًا﴾ معجزاتنا الدَّالَّة على
توحدينا ونبوَّة أنبيائنا (٢)، وهي العصا، واليد، والسِّنون، والطمسة، والطوفان،
والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم. وقيل: ((النُّذُرُ)): الرسل، فقد جاءهم يوسف
ويَنُوهُ إلى أن جاءهم موسى، وقيل: ((النذر)) الإنذار(٣). ﴿فَأَخَذْتَهُ أَنْذَ عَزِيزٍ﴾ أي:
غالب في انتقامه ﴿مُقْنَدِرٍ﴾ أي: قادر على ما أَراد.
قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَرٌ مِنْ أُوْلَتِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءٌَ فِ الزُّبْرِ (٨٢) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ
سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى
٤٤
جَمِيعٌ مُنَصِرُ
وَأَمَرُ (4)
قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَرٌ مِنْ أُوْلَكُمْ﴾ خاطب العرب. وقيل: أراد كفَّار أمَّة
محمَّد((٤). وقيل: استفهام، وهو استفهام إنكار(٥)، ومعناه النفي، أي: ليس
كفاركم خيراً من كفَّار مَن تقدَّم من الأُمم الذين أهلكوا بكفرهم(٦). ﴿أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ
الزّيرِ﴾ أي: في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة(٧). وقال ابن عباس:
أم لكم في اللوح المحفوظ براءةٌ من العذاب. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَميعُ مُنَصِيرٌ﴾ أي:
جماعة لا تطاق؛ لكثرة عددهم وقوَّتهم(٨)، ولم يقل: منتصرين؛ اتباعاً لرؤوس
الآي(٩)، فردَّ اللهُ عليهم فقال: ﴿سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ﴾ أي: جَمْعُ كفَّار مَّة، وقد كان ذلك
یوم بدر وغيره(١٠) .
(١) تفسير أبي الليث ٢٠٣/٣.
(٢) الوسيط ٤/ ٢١٢.
(٣) زاد المسير ١٠٠/٨.
(٤) أخرجه الطبري ١٥٦/٢٢ عن الربيع بن أنس.
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٤ .
(٦) النكت والعيون ٤١٩/٥ .
(٧) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٤ .
(٨) النكت والعيون ٤١٩/٥ .
(٩) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٤ .
(١٠) تفسير أبي الليث ٣٠٣/٣، والنكت والعيون ٤١٩/٥.

١٠٣
سورة القمر: الآيتان ٤٥ - ٤٦
وقراءة العامة: ((سَيُهْزَمُ)) بالياء، على ما لم يُسَمَّ فاعله، ((الْجَمْعُ)) بالرفع. وقرأ
رُوَيس عن يعقوب: (سَنَهْزِم)) بالنون وكسر الزاي ((الْجَمْعَ)) نصباً(١).
﴿وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ﴾ قراءة العامة بالياء؛ على الخبر عنهم. وقرأ عيسى وابن إسحاق
ورُوَيس عن يعقوب: ((وَتُوَلُّونَ)) بالتاء؛ على الخطاب(٢).
و ((الدُّبُرَ)) اسم جنس، كالدرهم والدينار، فوحّد، والمراد الجمع(٣)؛ لأجل
رؤوس الآي. وقال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسَه يوم بدر فتقدَّم من الصَّفِّ وقال:
نحن ننتصر اليوم من محمَّد وأصحابه؛ فأنزل اللهُ تعالى: ((نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِر. سَيُهْزَمُ
الْجَمْعُ وَيُؤَلُّونَ الدُّبُرَ))(٤).
وقال سعيد بن جبير: قال سعد بن أبي وقّاص: لما نزل قوله تعالى: ﴿سَيُّهْزَمُ
اَلْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبْرَ﴾ كنت لا أدري أيَّ الجَمْع ينهزم، فلما كان يوم بَدْر رأيتُ النبيَّ ﴾
يَئِب في الدرع ويقول: «اللَّهمَّ إنَّ قريشاً جاءتك تُحَادُّك وتُحادّ رسولَك بفخرها
وخيلها(٥) فَأَحِنْهُم(٦) الغداةَ)). ثم قال: ((سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)) فعرفتُ
تأويلها(٧). وهذا من معجزات النبيِّ ﴾؛ لأنَّه أخبر عن غيب، فكان كما أخبر(٨).
(١) النشر ٣٨٠/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢٠/٥، وزاد المسير ١٠٠/٨، والبحر المحيط ١٨٣/٨.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٤ .
(٤) الکشاف ٤/ ٤١ ولم ينسبه.
(٥) في (م): وخيلائها.
(٦) في (م): فأخنهم. ولم تنقط في النسخ الخطية، والمثبت من مصادر التخريج، والحَيْنُ: الهلاك، وقد
حان، وأحانه الله. القاموس (حين)، وأخنى عليهم بمعناه. القاموس (خني)، وسيذكره المصنف قريباً.
ودعاؤه # على قريش ورد في خبر آخر عند ابن هشام في السيرة ١/ ٦٢، والواقدي في المغازي ٥٩/١
عن سعد بن معاذ.
(٧) لم نقف عليه من رواية سعد بن أبي وقاص، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٥٩/٢ ، والطبري
١٥٧/٢٢، من طريق عكرمة، أن عمر قال: لما نزلت: ﴿سَيُّهْزَمُ لْجَمْعُ﴾ .. بنحوه.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٨٤١) من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس: أن عمر بن الخطاب
قال: لما نزلت: ﴿سَيُّهْزَمُ لْتَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ﴾ .. بنحوه. وبرقم (٩١١٧) عن أبي هريرة مطولاً، وذكرهما
الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٧٨، وقال عن الأول: وفيه محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، ولم
أعرفه. وقال عن الثاني: وفيه عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف.
(٨) تفسير أبي الليث ٣٠٢/٣ .

١٠٤
سورة القمر: الآيات ٤٥ - ٤٩
أخنى عليه الدهر. أي: أتى عليه وأَهلكَه، ومنه قول النابغة:
أَخْنَى عليه الذي أَخْنَى على لُبَدٍ
وأخنيت عليه: أفسدت(١). قال ابن عباس: کان بین نزول هذه الآية وبين بدر سبع
سنين، فالآية على هذا مكِيَّة. وفي ((البخاري))(٢) عن عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها
قالت: لقد أُنزِل على محمَّد # بمكّة وإنِّي لجارية أَلعب: ((بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ
وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ)). وعن ابن عباس أنَّ النبيَّ # قال - وهو في قبَّة له يوم بدر -:
((أَنْشِدُكَ عهدك ووعدك، اللَّهمَّ إن شئتَ لم تُعبد بعد اليوم أبداً» فأخذ أبو بكر ﴾ بیده
وقال: حَسْبُك يا رسولَ الله، فقد أَلححتَ على ربِّك؛ وهو في الدِّرْع، فخرج وهو
يقول: ((سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُؤَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ))(٣) يريد القيامة.
((وَالسَّاعَةُ أَذْهَى وَأَمَرُّ) أي: أدهى وأمرُّ مما لحقهم يوم بدر (٤). و((أَذْهَى)) من
الداهية، وهي الأمر العظيم، يقال: دهاه أَمْرُ كذا، أي: أصابه دهواً ودهياً. وقال ابن
السكِّيت: دَهَتْه داهيةٌ دَهْواء ودَهْياء، وهي توكيدٌ لها(٥).
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى رُجُوهِهِمْ
٤٧
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
٤٩٦
ذُوقُواْ مَسََّ سَقَّرَ ٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَمُعُرٍ﴾ فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ((إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ)) أي: في حَيْدةٍ عن الحقِّ
و((سُعُرٍ)) أي: احتراق(٦). وقيل: جنون(٧)، على ما تقدَّم في هذه السورة.
(١) الصحاح (خني)، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص٣١ ، وروايته هكذا:
أمست خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا
أخنى عليها الذي أخنى على لبد
(٢) برقم (٤٨٧٦).
(٣) البخاري (٤٨٧٧)، وهو عند أحمد (٣٠٤٢).
(٤) معاني القرآن للفراء ١١٠/٣.
(٥) الصحاح (دهي)، وكلام ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ١٥٧ .
(٦) تفسير الطبري ٢٢ / ١٥٩ .
(٧) المحرر الوجيز ٢٢١/٥ .

١٠٥
سورة القمر: الآيتان ٤٨ - ٤٩
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُودِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ﴾: في ((صحيح مسلم)) عن أبي
هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسولَ الله# في القَدَر، فنزلت: ((يَوْمَ
يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)). خرَّجه
الترمذيُّ أيضاً وقال: حديث حسن صحيح(١).
وروى مسلم عن طاوس قال: أدركتُ ناساً من أصحاب رسولِ الله ﴾ يقولون:
كلُّ شيءٍ بقَدَر. قال: وسمعت عبد الله بنَ عمر يقول: قال النبيُّ﴾: ((كلُّ شيءٍ بقَدر
حتى العَجْز والكَيْس، أو: الكَيْسِ والعَجْز))(٢). وهذا إبطال لمذهب القدَريَّة.
(ذُوقُوا)) أي: يقال لهم: ذوقوا(٣). ومسُّها: ما يجدون من الألم عند الوقوع
فيها (٤). و((سَقَر)) اسم من أسماء جهنّم لا ينصرف؛ لأنَّه اسم مؤنَّث معرفة(٥)، وكذا:
لَظَى، وجهنَّم. وقال عطاء: ((سَقَر)): الطبق السادس من جهنّم. وقال قُظْرب: ((سَقَر))
من سَقَرته الشمسُ وصَّقَرته: لَوَّحَتْه. ويوم مُسَمْقِرٌ ومُصَمْقِرٌ: شديدُ الحرِّ(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ﴾ قراءة العامَّة: ((كُلَّ)) بالنصب. وقرأ أبو
السَّمَّالِ: ((كُلُّ) بالرفع على الابتداء (٧). ومن نصب؛ فيإضمار فعل، وهو اختيار
الكوفيين؛ لأنَّ ((إنَّ) تطلب الفعل، فهي به أَولى(٨)، والنصب أدلُّ على العموم في
المخلوقات لله تعالى؛ لأنَّك لو حذفت ((خَلَقْنَاهُ)) المفسِّر، وأَظهرتَ الأوَّل، لصار إنَّا
(١) مسلم (٢٦٥٦)، والترمذي (٢١٥٧)، وهو عند أحمد (٩٧٣٦)، وابن ماجه (٨٣)، والواحدي في
أسباب النزول ص٤٢٥ .
(٢) مسلم (٢٦٥٥)، وهو عند أحمد (٥٨٩٣).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٩٢/٥ .
(٤) الكشاف ٤ / ٤١ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٤٧/٥ .
(٦) الصحاح (سقر) و(صقر).
(٧) القراءات الشاذة ص١٤٨، والمحتسب ٢/ ٣٠٠ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٠٠ .

١٠٦
سورة القمر: الآية ٤٩
خلقنا كلَّ شيءٍ بقَدَر. ولا يصحُّ كون خلقناه صفة لشيء؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيما قبل
الموصوف، ولا تكون تفسيراً لما يعمل فيما قبله (١).
الثالثة: الذي عليه أهل السنة أنَّ اللـه سبحانه قدَّر الأشياء، أي: عَلِمَ مقاديرها
وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أَوجد منها ما سبق في عِلْمه أنَّه يوجده على نحو
ما سبق في عِلْمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويِّ والسفليِّ إلا وهو صادر عن
عِلْمه تعالى وقدرته وإرادته دون خَلْقه، وأنَّ الخَلْق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب
ومحاولة ونسبة وإضافة، وأنَّ ذلك كلَّه إنَّما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقُدرته
وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالقَ غيرُه، كما نصَّ عليه القرآن
والسنة، لا كما قالت القدَريَّة وغيرهم من أنَّ الأعمال إلينا، والآجال بيد غيرنا.
قال أبو ذَرِّ ﴾: قدم وفد نجران على رسولِ الله ﴾ فقالوا: الأعمال إلينا،
والآجالُ بيد غيرنا، فنزلت هذه الآيات إلى قوله: ((إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)) فقالوا:
يا محمَّد يَكتُب علينا الذنبَ ويُعذِّبنا؟! فقال: ((أنتم خصماء الله يوم القيامة))(٢).
الرابعة: روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ
مجوسَ هذه الأمَّة المكذّبون بأقدار الله، إن مرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا
تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلِّموا عليهم)). خرَّجه ابن ماجه في ((سننه))(٣). وخرَّج
أيضاً عن ابن عباس وجابر قالا: قال رسول الله ﴾: ((صنفان من أمتي ليس لهم في
الإسلام نصيب: أهلُ الإرجاء والقَدَر))(٤).
(١) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧٠٢/٢ .
(٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٤٢٦ عن عطاء مرسلاً بنحوه.
(٣) برقم (٩٢)، وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في السنة (٣٢٨)، والطبراني في الأوسط (٤٤٥٢) من طريق
ابن جريج، عن أبي الزبير، به. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٥٥/١ : هذا إسناد ضعيف، فيه بقية
ابن الوليد، وهو مدلِّس، وقد عنعنه. اهـ. وفي الباب عن ابن عمر وعن حذيفة، وهما عند أبي داود
(٤٦٩١) و(٤٦٩٢)، وينظر كلام المنذري في مختصر السنن ٥٨/٧ - ٦١ حول الحدیثین.
(٤) سنن ابن ماجه (٧٣)، وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في السنة (٩٤٨). قال البوصيري في مصباح =

١٠٧
سورة القمر: الآيات ٤٩ - ٥٥
وأسند النّاس: وحدَّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال: حدَّثنا عقبةُ بنُ مكرم
الضَّبيُّ قال: حدَّثنا يونس بنُ بكير، عن سعيد بن ميسرة، عن أنس قال: قال
رسول الله: ((القدَريَّة الذين يقولون: الخير والشرُّ بأيدينا. ليس لهم في شفاعتي
نصيب ولا أنا منهم ولا هم منّي)) (١).
وفي ((صحيح مسلم))(٢) أنَّ ابن عمر تبرَّأ منهم، ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أَّد
هذا بقوله: والذي يَحلِفُ به عبدُ الله بنُ عمر لو أنَّ لأحدهم مثلَ أُحُد ذهباً فأَنفقه، ما
قِبَلَ اللهُ منه حتى يؤمن بالقَدَر. وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ
تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَّتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِلَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] وهذا واضح. وقال
أبو هريرة: قال النبيُّ#: ((الإيمان بالقَدَر يُذهِب الهمَّ والحزن))(٣).
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْبَاعَكُمْ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَهُ كَلَمْجٍ بِالْبَصَرِ
٥٠
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُّ
فَهَلْ مِن مُذَكِرِ ﴾ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ٥
﴿﴿ إِنَّ الْتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَنَهَرِ ( فِ مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكِ مُقْنَدِرٍ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إلَّا وَحِدَةُ﴾ أي: إلا مرَّةً واحدة (٤). ﴿كَلَيَجِ بِلْبَصَرِ﴾
أي: قضائي في خلقي أسرعُ من لَمْح البصر(٥). واللَّمْحُ: النظر بالعَجَلة، يقال: لَمَح
= الزجاجة ٥٢/١ : هذا إسناد ضعيف، نزار بن حيان الأسدي قال ابن حبان في الضعفاء: يأتي عن
عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق القلب أنه المتعمِّد، لذلك لا يجوز الاحتجاج به بحال، وعبد الله
ابن محمد الليثي مجهول. قاله الذهبي. اهـ
وأخرجه أيضاً الترمذي (٢١٤٩) عن ابن عباس وحده. قال الترمذي عقبه: وهذا حديث غريب حسن
صحیح.
(١) وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ١٢٢٤/٣ بإسناده ومتنه، وورد في مطبوعه: عتبة، بدل: عقبة.
وهو خطأ. قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١٦١/١ - ١٦٢: هذا حديث لا يصح، وقال ابن
حبان: سعيد بن ميسرة [من رجال السند] يروي الموضوعات. اهـ
(٢) برقم (٨).
(٣) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٢٧٧)، وفيه مجاهيل.
(٤) معاني القرآن للفراء ١١٠/٣.
(٥) الوسيط ٢١٦/٤ وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما.

١٠٨
سورة القمر: الآيات ٥٠ - ٥٥
البرقَ ببصره(١). وفي ((الصحاح)) (٢): لمَحَه وأَلمحه: إذا أَبصره بنَظَر خفيف،
والاسم: اللَّمْحة، ولمَحَ البَرِقُ والنجمُ لَمْحاً، أي: لمَع.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أي: أشباهكم في الكفر من الأُمم
الخالية(٣). وقيل: أتباعكم وأعوانكم(٤). ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ أي: مَن يتذكَّر.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ﴾ أي: جميع ما فعلته الأمم قبلهم مِن
خير أو شرِّ كان مكتوباً عليهم، وهذا بيان قوله: ((إِنَّا كُلَّ شيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدٍ)).
(في الزُّبُرِ)) أي: في اللوح المحفوظ. وقيل: في كتب الحفظة(٥). وقيل: في أُمِّ
الكتاب(٦). ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ﴾ أي: كلُّ ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله
قَبْلَ أن يفعله؛ ليجازى به، ومكتوب إذا فعله(٧). سَطَرَ يَسْطُرُ سَظْراً: كَتَب، واستطَرَ
مثله(٨).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْثَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ﴾ لما وصَفِ الكفَّار وصَف المؤمنين أيضاً.
(وَنَهَرٍ)) يعني: أنهار الماء والخمر والعسل واللَّبن، قاله ابن جريج(٩). ووحِّد؛ لأنَّه
رأس الآية (١٠)، ثم الواحد قد يُنبِئُ عن الجميع (١١). وقيل: في (نَهَرٍ)): في ضياء
وسَعة، ومنه النهار؛ لضيائه، ومنه: أَنهرتُ الجُرْحَ، قال الشاعر:
(١) تهذيب اللغة ٩٨/٥ .
(٢) مادة (لمح).
ماءٍ
(٣) الوسيط ٢١٦/٤.
(٤) تفسير أبي الليث ٣٠٣/٣ .
(٥) تفسير البغوي ٢٦٦/٤ .
(٦) تفسير الطبري ٢٢/ ١٦٤ - ١٦٥ وأخرجه عن ابن زيد.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٩٢.
(٨) الصحاح (سطر).
(٩) النكت والعيون ٤٢٠/٥ .
(١٠) معاني القرآن للفراء ١١٠/٣ - ١١١.
(١١) معاني القرآن للزجاج ٩٣/٥.

١٠٩
سورة القمر: الآيات ٥٠ - ٥٥
مَلَكْتُ بها كَفِّي فأنهرتُ فَتقَها يَرَى قائمٌ من دونها ما وراءَها(١)
وقرأ أبو مِجْلز وأبو نَهيك والأَعرج وطلحة بنُ مصرِّف وقتادة: ((وَنُهُرٍ))
بضمَّتين(٢)، كأنَّه جمع نهار، لا ليلَ لهم، كسحاب وسُحُب. قال الفراء (٣): أنشدني
بعض العرب:
إِنْ تَكُ لَيْلِيًّا فإِنِّي نَهِرُ
مَتَى أَرى الصُبحَ فلا أَنتَظِرُ
أي: صاحب النهار. وقال آخر:
لَوْلا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنا بِالضُمُرْ
ثَرِيدُ ليْلٍ وَثَرِيدٌ بالنُّهُرْ(٤)
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: مجلس حقِّ لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنَّة ﴿عِندَ مَلِيكٍ
مُقْنَدِرٍ﴾ أي: يقدر على ما يشاء. و((عِنْدَ)) هاهنا عنديَّة القُربة والزلفة والمكانة والرتبة
والكرامة والمنزلة(٥). قال الصادق: مدح اللهُ المكانَ الصدقَ فلا يَقعُد فيه إلا أهل
الصدق. وقرأ عثمان البَتِّي: ((فِي مَقَاعِدٍ صِدْقٍ)) بالجمع(٦)، والمقاعد: مواضع قعود
الناس في الأسواق وغيرها .
قال عبد الله بن بريدة: إنَّ أهل الجنَّة يدخلون كلَّ يوم على الجبّار تبارك وتعالى،
فيقرؤون القرآنَ على ربِّهم تبارك وتعالى، وقد جلس كلُّ إنسان مجلسه الذي هو
مجلسه، على منابر من الدُّرِّ والياقوت والزَّبرجد والذَّهب والفضّة بقَدْر أعمالهم، فلا
(١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٥، والقائل: قيس بن الخطيم، وسلف ٣٦٠/١.
(٢) القراءات الشاذة ص١٤٨، والمحتسب ٢/ ٣٠٠، والمحرر الوجيز ٢٢٢/٥، والبحر المحيط ١٨٤/٨.
(٣) في معاني القرآن له ١١١/٣، وينظر تفسير الطبري ١٦٧/٢٢.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٤٢٠، والبيت سلف ٤٩٢/٢ .
(٥) لفظ العِنْد فيما يضاف إلى الله تعالى يختلف حاله ومعناه حسب وروده في الكلام وما يحفّ به من
قرائن، فما كان ظاهره إرادة المكان ولم يرد ما يحمله على معنى آخر فينبغي أن يحمل على ظاهره وهو
العلوّ والقرب من الله عز وجل، وينظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٢٦/٥.
(٦) تفسير البغوي ٢٦٦/٤، والمحرر الوجيز ٢٢٢/٥.

١١٠
سورة القمر: الآية ٥٥
تَقَرّ أعينهم بشيء قظٌ كما تَقَرّ بذلك، ولم يسمعوا شيئاً أعظم ولا أحسن منه، ثم
ينصرفون إلى منازلهم، قريرةً أعينُهم إلى مثلها من الغد(١).
وقال ثور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان: بلغنا أنَّ الملائكة يأتون المؤمنين يومَ
القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا. فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة.
فيقول المؤمنون: إنكم تذهبون بنا إلى غير بغيتنا. فيقولون: فما بغيتكم؟ فيقولون:
مقعد صِدْق عند مليك مقتدر(٢). وقد روي هذا الخبر على الخصوص بهذا المعنى؛
ففي الخبر: أنَّ طائفةٌ من العقلاء بالله عزَّ وجلَّ تزقُّها الملائكة إلى الجنَّة والناس في
الحساب، فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون إلى الجنَّة. فيقولون: إنَّكم
لتحملوننا إلى غير بغيتنا. فيقولون: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصِّدْق مع الحبيب
كما أَخبر: (فِي مَفْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ))، والله أعلم.
تم تفسير سورة ((القمر)) والحمد لله.
(١) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص١٥٦ عن النبي #، من غير إسناد، وأورده السيوطي في
الدر المنثور ١٣٩/٦ وعزاه الحكيم الترمذي بإسناده عن بريدة مرفوعاً.
(٢) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص١٥٦ دون عزوٍ، والسيوطي في الدر المنثور وعزاه للحكيم
التر مذي بإسناده عن ثور بن یزید.

سورة الرحمن عزَّ وجلَّ
مكِّيَّة كلُّها في قول الحسن وعُرْوة بن الزبير وعِكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن
عباس: إلا آيَةً منها، هي قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الآية [٢٩]، وهي
ستّ وسبعون آيةً. وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنيَّة كلُّها(١).
والقول الأوَّل أصحُ(٢)؛ لما روى عُرْوة بن الزبير قال: أوَّل من جهر بالقرآن بمكّة
بعد النبيِّ # ابنُ مسعود، وذلك أنَّ الصحابة قالوا: ما سمعت قريشٌ هذا القرآنَ يُجهَر
به قطٌّ، فمَن رجلٌ يُسْمِعْهُمُوه؟ فقال ابن مسعود: أنا. فقالوا: إنَّا نخشى عليك، وإنَّما
نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه، فأبى، ثم قام عند المقام فقال: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن
الرَّحِيمِ. الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ القُرْآنَ)) ثم تمادى رافعاً بها صوته وقريش في أنديتها، فتأمَّلوا
وقالوا: ما يقول ابنُ أُمِّ عَبْد؟ قالوا: هو يقول: الذي يزعم محمَّد أنَّه أُنزل عليه، ثم
ضربوه حتى أثَّروا في وجهه(٣).
وصحَّ أنَّ النبيَّ ﴾ قام يُصلِّي الصبح بنخلةَ، فقرأ سورة ((الرَّحْمَن)) ومرَّ النفر من
الجنَّ فآمنوا به (٤). وفي ((الترمذي) عن جابر قال: خرج رسول الله# على أصحابه
فقرأ عليهم سورةَ ((الرَّحْمَن)) من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: ((لقد قرأتها على
الجنِّ ليلةَ الجنِّ، فكانوا أحسنَ مردوداً منكم، كنتُ كلَّما أتيتُ على قوله: ﴿فَأَتِ
ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ قالوا: لا بشيء من نِعَمِك ربَّنا نُكذِّب، فلك الحمدُ)) قال: هذا
حديث غريب(٥). وفي هذا دليل على أنَّها مكيَّة، والله أعلم.
(١) النكت والعيون ٥/ ٤٢٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٢٣/٥.
(٣) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٥٣٥) عن عروة بن الزبير مرسلاً.
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٢١)، ومسلم (٤٤٩)، وأحمد (٢٢٧١) عن ابن عباس دون ذكر سورة الرحمن،
وذُكرت في الخبر الآتي.
(٥) الترمذي (٣٢٩١).

١١٢
سورة الرحمن: الآيات ١ - ١٣
وروي أنَّ قيس بنَ عاصم المِنْقري قال للنبيِّ ﴾: اثْلُ عليَّ ممَّا أُنزِل عليك، فقرأ
عليه سورة ((الرَّحْمن)) فقال: أَعِدْها. فأعادها ثلاثاً، فقال: واللهِ إنَّ له لطلاوةً، وإنَّ
عليه لحلاوةً، وأَسفلَه لَمُغْدِقٌ، وأَعلاه مثمرٌ، وما يقول هذا بشرٌ، وأنا أَشهدُ أنْ لا إلهَ
إلا اللهُ وأنَّكَ رسولُ الله (١). وروي عن عليٍّ﴾ أنَّ رسول الله ﴾ قال: ((لكلِّ شيء
عَروس، وعَروس القرآن سورة الرحمن))(٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمِ
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿ الشَّمْسُ
٣
﴿الرَّحْمَنُ ) عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ٣ خَلَقَ الْإِنسَنَ
وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ
أَلَّا تَطْفَوْا فِىِ اَلْمِيزَانِ ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْبِرُوا الْمِيزَانَ
٧
وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴿ فِهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ ﴾ وَاَلْحَبُّ ذُو
اَلْعَصْفِ وَالرَّتْجَانُ ٧) فَأَقِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
قوله تعالى: ﴿الََّرِ. عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ قال سعيد بن جبير وعامر الشَّعْبيُّ:
((الرَّحْمَنُ)) فاتحةُ ثلاث سور إذا جُمِعْنَ كنَّ اسماً من أسماء الله تعالى: ((الّر)) و((حمّ)»
و(نّ)) فيكون مجموع هذه ((الرَّحْمَنُ))(٣). ((عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) أي: علَّمه نبيَّه ◌َ ﴾ حتى أدَّاه إلى
جميع الناس (٤).
ونزلت حين قالوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ وقيل: نزلت جواباً لأهل مكَّة حين قالوا: إنَّما
(١) لم نقف عليه هكذا، بل جاء وصف القرآن هكذا في خبر الوليد بن المغيرة، وسلف ١٢/ ٤١١، وذكر
ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٧٣ بهامش الإصابة) خبراً عن خالد بن عقبة بنحوه، إلا أن فيه أن النبي
* قرأ عليه قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. ﴾ الآية، بدل سورة الرحمن.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٩٤). قال المناوي في فيض القدير ٢٨٦/٥: فيه علي بن الحسن
دبيس، عدَّه الذهبي في الضعفاء والمتروكين. وقال الدار قطني: ليس بثقة. اهـ
(٣) النكت والعیون ٤٢٤/٥ ونسبه لا بن جبير و ابن عباس.
(٤) النكت والعيون ٤٢٣/٥.

١١٣
سورة الرحمن: الآيات ١ - ١٣
يعلِّمه بشر(١)، وهو رحمان اليمامة، يعنون مسيلِمَة الكذَّاب، فأنزل الله تعالى:
(الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ))(٢). وقال الزجَّاجِ(٣): معنى ((عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) أي: سهّله لأَنْ يُذكّر
ويُقرأ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧]. وقيل: جعله علامةً لما تعبّد
الناس به.
﴿خَلَقَ الْإِسَنَ﴾ قال ابن عباس وقتادة والحسن: يعني آدمَ عليه السلام(٤).
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أسماءَ كلِّ شيء. وقيل: علَّمه اللغاتِ كلَّها(٥). وعن ابن عباس أيضاً
وابن كيسان: الإنسان هاهنا يُراد به محمَّد﴾(٦)، والبيان: بيانُ الحلال من
الحرام(٧)، والهدى من الضلال(٨). وقيل: ما كان وما يكون؛ لأنَّه بَيّن عن الأوَّلين
والآخِرِين ويوم الدِّين(٩). وقال الضحَّاك: ((البيان)): الخير والشرُّ(١٠). وقال الربيع بن
أنس: هو ما ينفعه وما يضرُّه، وقاله قتادة.
وقيل: ((الْإِنْسَان)) يُراد به جميع الناس، فهو اسمٌ للجنس، و((الْبَيَان)) على هذا:
الكلامُ والفهم، وهو مما فُضِّل به الإنسان على سائر الحيوان(١١). وقال السُّدِّيُّ: علَّم
(١) تفسير البغوي ٢٦٦/٤ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٠٤/٣.
(٣) في معاني القرآن له ٩٥/٥ .
(٤) النكت والعيون ٤٢٣/٥ عن الحسن وقتادة، وتفسير البغوي ٢٦٦/٤ عن ابن عباس، وأخرجه الطبري
١٦٨/٢٢ - ١٦٩ عن قتادة.
(٥) تفسير البغوي ٢٦٦/٤.
(٦) تفسير البغوي ٢٦٨/٤، والمحرر الوجيز ٢٢٣/٥ عن ابن كيسان.
(٧) النكت والعيون ٤٢٣/٥ وعزاه لقتادة، وأخرجه عنه الطبري ١٦٩/٢٢.
(٨) النكت والعيون ٤٢٣/٥ وعزاه لابن جريج.
(٩) تفسير البغوي ٢٦٧/٤ .
(١٠) النكت والعيون ٤٢٣/٥.
(١١) معاني القرآن للزجاج ٩٥/٥، وتفسير البغوي ٢٦٧/٤، وقوله: البيان: الكلام والفهم. أخرجه
الطبري ٢٢/ ١٧٠ عن ابن زید.

١١٤
سورة الرحمن: الآيات ٤ - ١٣
كلَّ قوم لسانهم الذي يتكلَّمون به(١). وقال يمان: الكتابة والخظُّ بالقلم (٢). نظيره:
﴿عَلَّمْ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤-٥].
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي: يجريان بحساب معلوم، فأَضمر الخبر(٣). قال
ابن عباس وقتادة وأبو مالك: أي: يجريان بحساب في منازل لا يعدوانها ولا يَحيدان
عنها (٤). وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني أنَّ بهما تحسب الأوقات والآجال
والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يَدْرِ أحدٌ كيف يَحسُب شيئاً لو كان
الدهر كلُّه ليلاً أو نهاراً (٥). وقال السُّدِّيُّ: ((بِحُسْبَانٍ» تقدير آجالهما، أي: تجري
بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما أهلكا(٦)، نظيره: ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَنََّّ﴾
[الرعد: ٢]. وقال الضخَّاك: بقَدَر(٧). مجاهد: ((بِحُسْبَانٍ)) كحسبان الرَّحَى(٨). يعني
قطبها يدوران في مثل القطب.
والحُسْبان قد يكون مصدر حَسَبته أحْسُبُه - بالضَّمِّ - حَسْباً وحُسْباناً، مثل الغُفْران
والكُفْران والرُّجْحان، وحِسابة أيضاً، أي: عَدَدْته. وقال الأخفش: ويكون جماعة
الحِسَاب مثل شِهاب وشُهبان. والحُسْبان، أيضاً بالضمّ: العذابُ، والسهامُ القصار،
وقد مضى في ((الكهف))(٩) الواحدة حُسْبانة، والحُسْبانة أيضاً: الوسادة الصغيرة،
تقول منه: حَسَّبتُه، إذا وسَّدْته، قال:
(١) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٧ .
(٢) زاد المسير ١٠٦/٨.
(٣) معاني القرآن للأخفش ٢/ ٧٠١ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٢٤/٥، وأخرجه عنهم الطبري ٢٢/ ١٧٠ - ١٧١.
(٥) النكت والعيون ٢٢٣/٥ - ٢٢٤، وتفسير البغوي ٢٦٧/٤، وأخرجه الطبري ١٧١/٢٢ عن ابن زيد.
(٦) النكت والعيون ٤٢٣/٥ .
(٧) النكت والعيون ٤٢٤/٥ ولم يعزه.
(٨) تفسير مجاهد ٦٣٩/٢، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ١٧٢، وعلَّقه البخاري في كتاب التفسير قبل حديث
(٤٨٧٨)، قال ابن حجر في فتح الباري ٢٩٨/٦ عن قول مجاهد: ومراده أنهما يجريان على حسب
الحركة الرحوية الدورية، وعلى وضعها.
(٩) عند الآية (٤١).

١١٥
سورة الرحمن: الآيات ٥ - ١٣
... لَثَوَيْتَ غيرَ مُحَسَّب
أي: غير موسَّد، يعني: غيرَ مكَرَّم ولا مكَفَّن(١).
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال ابن عباس وغيره: النجم: ما لا ساقَ له،
والشجر: ما له ساق(٢)، وأنشد ابنُ عباس قولَ صفوان بن أسد التميمي:
وتَمَّ به حيّا تَميم ووَائلٍ (٣)
لَقَد أَنْجَمَ الْقَاعُ الكَبِيرُ عِضَاهه
وقال زهير بن أبي سُلْمی:
مُكَلَّلٌ بأُصولِ النَّجْم تَنْسِجُه
ريحُ الجَنوب لِضاحِي مائه حُبُكُ (٤)
واشتقاق النجم من نَجَم الشيءُ ينجُم بالضَّمِّ نجوماً: ظهر وطلَع(٥).
وسجودهما بسجود ظلالهما، قاله الضخَّاك (٦). وقال الفرَّاء(٧): سجودهما أنَّهما
يستقبلان الشمس إذا طلعت، ثم يميلان معها حتى ينكسر الفَيْء. وقال الزجَّاج(٨):
سجودهما: دوران الظُّلِّ معهما، كما قال تعالى: ﴿يَنَّفَيَّوْاْ ظِلَلُ﴾ [النحل: ٤٨]. وقال
الحسن ومجاهد: النجم: نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد دوران ظلِّه، وهو
(١) الصحاح (حسب)، والبيت لنهيكة الفزاري يخاطب عامر بن الطفيل، وتمامه:
حرَّان أو لثويت غير محسب
للمست بالرصعاء طعنة فاتك
وأورده ابن منظور في لسان العرب (حسب) وجاءت روايته هكذا:
لَتَقیتَ بالوَجْعاء طعنة مرهف
مُرَّان أو لثويتَ غيرَ محسِّب
والوجعاء: الاست، أي: لو طَعتُكَ لوليتني دبرك.
(٢) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٩٦/١، وما بعده منه أيضاً، والمحرر الوجيز ٢٢٤/٥ ونسبه
لابن عباس والسدي وسفيان، وأخرجه الطبري ١٧٤/٢٢ - ١٧٦ عن ابن عباس وسفيان وسعيد، وابن
أبي حاتم ٣٣٢٢/١٠ (١٨٧١٧) عن ابن عباس.
(٣) أورده الشوكاني في فتح القدير ١٣١/٥ ولم ينسبه.
(٤) سلف ١٩/ ٤٧٢ .
(٥) الصحاح (نجم).
(٦) النكت والعيون ٤٢٤/٥ .
(٧) في معاني القرآن له ١١٢/٣ .
(٨) في معاني القرآن له ٩٦/٥ .

١١٦
سورة الرحمن: الآيات ٦ - ١٣
اختيار الطبريٌّ(١)، حكاه المهدويُّ. وقيل: سجود النجم: أُفوله، وسجود الشجر:
إمكان الاجتناء لثمرها، حكاه الماورديُّ(٢). وقيل: إنَّ جميع ذلك مسخَّر لله(٣)، فلا
تعبدوا النجم كما عَبَدَ قوم من الصابئين النجومَ، وعَبَدَ كثير من العجم الشجرَ.
والسجود: الخضوع، والمعنيُّ به آثار الحدوث، حكاه القشيريُّ. النَّاس: أصل
السجود في اللغة: الاستسلام والانقياد لله عزَّ وجلَّ، فهو من الموات كلِّها:
استسلامها لأمر الله عزَّ وجلَّ وانقيادها له، ومن الحيوان كذلك، ويكون من سجود
الصلاة، وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم قال:
فباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحيرة .
سَرِيعٍ بِأَيْدِي الْآكِلينَ جُمُودُهَا(٤)
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ وقرأ أبو السَّمَّال: ((والسَّمَاءُ)) بالرفع على الابتداء(٥)، واختار
ذلك؛ لما عطف على الجملة التي هي: ((وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)) فجعل المعطوف
مركباً من ابتداء وخبر كالمعطوف عليه. الباقون بالنصب؛ على إضمار فعل يدلُّ عليه
ما بعده.
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ أي: العدل، عن مجاهد وقتادة والسديٌّ(٦). أي: وضع في
الأرض العدل الذي أَمر به، يقال: وضع اللهُ الشريعةَ، ووضع فلانٌ كذا، أي: ألقاه.
وقيل على هذا: الميزان: القرآن؛ لأنَّ فيه بيان ما يحتاج إليه، وهو قول الحسين بن
الفضل. وقال الحسن وقتادة - أيضاً - والضحَّاك: هو الميزان ذو اللسان الذي يوزن
به؛ لينتصف به الناس بعضهم من بعض(٧).
(١) في التفسير ١٧٤/٢٢ - ١٧٧ وأخرجه عنهما، وقول مجاهد في تفسيره ٦٣٩/٢.
(٢) في النكت والعيون ٤٢٤/٥، وأَفَل: غاب. اللسان (أفل).
(٣) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٣٢٣ .
(٤) القائل الراعي النميري، وسلف ص ٧ من هذا الجزء.
(٥) القراءات الشاذة ص١٤٨، والمحتسب ٣٠٢/٢ .
(٦) النكت والعيون ٤٢٤/٥، وأخرجه الطبري ١٧٨/٢٢ عن مجاهد، وهو في تفسيره ٦٤٠/٢ .
(٧) زاد المسير ٨/ ١٠٧.

١١٧
سورة الرحمن: الآيات ٧ - ١٣
وهو خبر بمعنى الأَمر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ))
والقسط: العدل(١).
وقيل: هو الحكم(٢). وقيل: أراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل
ميزان مِوزان، وقد مضى في ((الأعراف))(٣) القول فيه.
﴿أَلَّا تَطْفَوا فِى الْمِيزَانِ﴾ موضع ((أَنْ)) يجوز أن یکون نصباً علی تقدیر حذف حرف
الجرِّ، كأنَّه قال: لئلا تطغوا، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾
[النساء: ١٧٦]. ويجوز ألا يكون لـ ((أن)) موضع من الإعراب، فتكون بمعنى ((أي))
و(تَظْغَوْا)) على هذا التقدير مجزوماً(٤)، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُوا﴾
[ص: ٦] أي: امشوا.
والطغيان: مجاوزة الحدِّ. فمن قال: الميزان: العدل، قال: طغيانه: الجَوْر.
ومن قال: إنَّه الميزان الذي يُوزَن به، قال: طغيانه: البَخْس. قال ابن عباس: أي: لا
تخونوا من وزنتم له. وعنه أنَّه قال: يا معشرَ الموالي! وُلِّيتم أَمرَيْنِ بهما هلك الناسُ:
المكيال والميزان. ومن قال: إنَّه الحُكْم قال: طغيانه: التحريف(٥). وقيل: فيه
إضمار، أي: وضَع الميزانَ وأَمرَكم ألا تَطْغَوْا فيه.
﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِلْقِسْطِ﴾ أي: افعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء ﴾:
أقيموا لسانَ الميزان بالقسط والعدل. وقال ابن عيينة: الإقامة باليد، والقِسْط
بالقلب(٦). وقال مجاهد: القسط: العدل(٧)، بالروميَّة. وقيل: هو كقولك: أقام
(١) الوسيط ٢١٨/٤.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٢٤ .
(٣) ١٥٨/٩ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٠٤ .
(٥) النكت والعيون ٥/ ٤٢٥، وعزا القول الأول لمجاهد، والثاني لمقاتل، وقول ابن عباس أخرجه
الطبري ١٧٨/٢٢ .
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٧ .
(٧) النكت والعيون ٤٢٥/٥ .

١١٨
سورة الرحمن: الآيات ٩ - ١٣
الصلاة، أي: أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم، أي: أَتَوْها لوقتها. أي: لا
تدعوا التعامل بالوزن بالعدل.
﴿وَلَا تُخِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ولا تنقصوا الميزان(١)، ولا تبخسوا الكيل والوزن، وهذا
كقوله: ﴿وَلَا تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانٌ﴾ [هود: ٨٤]. وقال قتادة في هذه الآية: اعْدِل
يا ابنَ آدمَ كما تحبُّ أن يُعدَل عليك، وأَوْفِ كما تحبُّ أن يُوفى لك؛ فإنَّ بالعدل
صلاحَ الناس(٢). وقيل: المعنى: ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة(٣)، فيكون
ذلك حسرة عليكم. وكرّر الميزان؛ لحال رؤوس الآي. وقيل: التكرير؛ للأمر بإيفاء
الوزن ورعاية العدل فيه (٤) .
وقراءة العامة: ((تُخْسِرُوا)) بضمِّ التاء وكسر السين. وقرأ بلال بن أبي بُرْدة وأبان
عن عثمان: (تَخْسَرُوا)) بفتح التاء والسين(٥)، وهما لغتان، يقال: أَخْسَرت الميزان
وخَسَرْته، كأَجْبَرته وجَبَرْته. وقيل: (تَخْسَرُوا)) بفتح التاء والسين؛ محمول على تقدير
حذف حرف الجرِّ، والمعنى: ولا تخسروا في الميزان.
﴿وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ الأنام: الناس، عن ابن عباس. الحسن: الجنُّ
والإنس(٦). الضحَّاك: كلُّ ما دبَّ على وجه الأرض. وهذا عامٌّ.
وَفِيهَا فَكِهَةٌ﴾ أي: كلُّ ما يتفكّه به الإنسان من ألوان الثمار(٧). ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ
اُلْأَكْثَامِ﴾ الأكمام: جمع كِمٍّ، بالكسر (٨). قال الجوهريُّ(٩): والكِمَّة - بالكسر -
(١) زاد المسير ٨/ ١٠٧.
(٢) أخرجه الطبري ١٧٨/٢٢.
(٣) النكت والعيون ٤٢٥/٥ .
(٤) الكشاف ٤/ ٤٤ .
(٥) المحتسب ٣٠٣/٢، وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة عن بلال أنه قرأ: ولا تَخْسِر الميزان.
بالمفرد، وعنه أيضاً: تَخْسِروا.
(٦) النكت والعيون ٤٢٥/٥، وأخرجه عنهما الطبري ١٨٠/٢٢.
(٧) الوسيط ٢١٨/٤ .
(٨) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٥٦/٢ .
(٩) في الصحاح (كمم).

١١٩
سورة الرحمن: الآيات ١١ - ١٣
والكِمَامة: وعاء الطّلْع وغِطاء النَّوْر، والجمع: كِمَام وأَكِمَّة وأَكْمَام والأكاميم أيضاً.
وكُمَّ الفصيلُ: إذا أُشفق عليه فَسُتِرِ حتى يَقْوَى، قال العجَّاج:
بَلْ لَوْ شَهِدْتَ الناسَ إِذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ لَوْلَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا (١).
وتُكُمُّوا، أي: أُغمي عليهم وغُطُّوا.
وأَكَمَّت [النَّخلةُ] وكَمَّمَتْ، أي: أَخرجت أكمامها. والكِمَام - بالكسر - والكِمَامة
أيضاً: ما يُكَمُّ به فمُ البعير؛ لئلا يعضّ، تقول منه: بعير مكموم، أي: مَحْجوم.
وكّمَمْتُ الشيءَ: غّيته. والكُمُّ: ما ستر شيئاً وغظَّاه، ومنه كُمُّ القميص بالضمِّ،
والجمع: أَكْمَام وكِمَمَة، مثل حُبِّ وحِبَبَة، والكُمَّة: القَلَنْسوة المدوَّرة؛ لأنَّها تُغطّي
الرأس(٢). قال:
فقلتُ لهمْ كِيلو بكُمَّةِ بعضِكُمْ دَرَاهِمَكُمْ إِنِّي كذلك أَكْيَلُ(٣)
قال الحسن: ((ذَاتُ الْأَكْمَام)) أي: ذات الليف، فإنَّ النخلة قد تُكَمَّم بالليف،
وكِمَامها: ليفها الذي في أعناقها. ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتَّق(٤). وقال
عكرمة: ذات الأحمال.
﴿وَلَلَبُ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّبْحَانُ﴾ الحبُّ: الحِنطة والشعير ونحوهما(٥). والعصف:
التِّبْن، عن الحسن وغيره (٦). مجاهد: ورق الشجر والزرع. ابن عباس: تِبْنُ الزرعِ
(١) ديوان العجاج ص٣٧٤، والرجز يذكر فيه مقتل مسعود بن عمرو العتكي من الأزد، وروايته هكذا:
بل لو شَهْتَ الناس إذ تكمُّوا
بقَدَر حمَّ لهم وحمُّوا
إذ زعمت ربيعةُ القِشْعَمُ
وغُمَّةٍ لو لم تفرَّج غمُّوا
قال شارحه: قوله: تكمُّوا: أي: اعْتُمِدوا وستروا بهذا القَدَر وغمُّوا به. أي: قُدِّر القَدَر لهم، وقُدِّروا له.
والغمَّة: ما غطَّك من شيءٍ وغمَّك. والقِشْعُّ: المُسِنُّ.
(٢) الصحاح (كمم)، وما بين حاصرتين منه.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) النكت والعيون ٤٢٥/٥، وأخرجه عنهما الطبري ٢٢/ ١٨١ - ١٨٢.
(٥) الوسيط ٢١٨/٤ .
(٦) تفسير البغوي ٢٦٨/٤ عن ابن عباس والضحاك وقتادة، وأخرجه عنهم الطبري ١٨٣/٢٢ - ١٨٥ .

١٢٠
سورة الرحمن: الآيات ١٢ - ١٣
وورقُه الذي تَعصِفه الرياح(١). سعيد بن جبير: بَقْل الزرع، أي: أوَّل ما ينبت منه،
وقاله الفرَّاء(٢). والعرب تقول: خرجنا نَعصِف الزرع: إذا قطعوا منه قبل أن يُدرِك.
وكذا في ((الصحاح)) (٣): وعَصَفتُ الزَّرعَ، أي: جززته قبل أن يُدرِك. وعن ابن عباس
أيضاً: العصف: ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: ﴿َعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (٤) [الفيل: ٥]. الجوهريُّ: وقد أَعصفَ الزرعُ، ومكان مُعْصِف،
أي: كثير الزرع. قال أبو قيس بن الأَسْلت الأنصاريُّ:
إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَظْرَهَا زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ(٥)
والعَضْف أيضاً: الگَسْب، ومنه قول الراجز:
بغيرِ ما عَصْفٍ ولا اصْطِرَافٍ (٦)
وكذلك: الاعتصاف. والعَصِيفة: الورق المجتمع الذي يكون فيه السُّنبل. وقال
الهرويُّ: والعصف والعَصِيفة: ورق السُّنْبل(٧). وحكى الثعلبيُّ: وقال ابن السِّكِّيت:
تقول العرب لورق الزرع: العصف، والعَصِيفة، والجِلُّ، بكسر الجيم. قال عَلْقَمة بن
عَبَدة :
تَسْقِي مَذَانِبَ قد مَالتْ عَصِيفَتُهَا حَدُورُها من أَتِيِّ الماءِ مَظْمُومُ (٨)
(١) النكت والعيون ٤٢٦/٥، وزاد المسير ١٠٨/٨ .
(٢) في معاني القرآن له ١١٣/٣، وما بعده منه.
(٣) مادة: (عصف).
(٤) تفسير البغوي ٢٦٨/٤، وأخرجه عنه الطبري ١٨٣/٢٢ .
(٥) الصحاح (عصف) وما بعده منه أيضاً، والبيت ذكره المرزوقي في الأزمنة والأمكنة ١/ ٢٧٥ دون نسبة،
وقال ابن بري: هو لأحيحة بن الجلاح لا لأبي قيس. لسان العرب (عصف).
(٦) الصحاح (عصف)، والرجز في ديوان العجاج ص ١٤٧ ، قال شارحه: والاصطراف: التقلُّب في
الأمور، والتصرُّف في المعيشة.
(٧) تهذيب اللغة ٢/ ٤٢ دون عزو إلى الهروي.
(٨) ديوان علقمة بن عبدة ص ٥٥ .