النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة النجم: الآيات ٢٨ - ٣٢ ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ أي: ما يتَّبِعُونَ ﴿إِلَّا النَّنَّ﴾ في أنَّ الملائكةَ إناث. ﴿وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحِّ شَيْئًا﴾. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا﴾ يعني: القرآن والإيمان(١)، وهذا منسوخ بآية السيف(٢). ﴿وَ يُرِدٍ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنيا﴾ نزلت في النَّضر. وقيل: في الوليد. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلِّ﴾ أي: إنَّما يُبصرون أمر دنياهم، ويجهلون أمر دينهم. قال الفرَّاء(٣): صغَّرهم وازدرى بهم، أي: ذلك قَدْر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: أن جعلوا الملائكةَ والأصنامَ بناتِ الله. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهٍ﴾ أي: حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى﴾ فيجازي كُلَّا بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللَّهُمَّ إِنَّ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى رَّكَ وَبِعُ الْمَغْفِرَةَّ هُوَ أَعْلَمُ بِكُرْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُونٍ أُمَّهَنِّكُمْ فَلَ تُزَّكُوَاْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَنَّفَ (٣٣) قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ لِيَجْزِئَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَى﴾ اللام متعلِّقة بالمعنى الذي دلَّ عليه: ((وَلِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)) كأنَّه قال: هو مالك ذلك، يهدي من يشاء، ويضلُّ من يشاء؛ ليجزيَ المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته(٤). وقيل: ((لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)) معترض في الكلام، والمعنى: إنَّ ربَّك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى؛ ليجزي(٥). وقيل: هي لام العاقبة(٦)، أي: ولله ما في السماوات وما في الأرض، (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٥١ . (٢) الوسيط ٤ / ٢٠١ . (٣) في معاني القرآن له ٣/ ١٠٠ . (٤) مشكل إعراب القرآن لمكي ٦٩٣/٢ - ٦٩٤ . (٥) المحرر الوجيز ٢٠٣/٥ . (٦) زاد المسير ٨/ ٧٥ . ٤٢ سورة النجم: الآيتان ٣١ -٣٢ أي: وعاقبة أَمْرِ الخَلْق أن يكون فيهم مسئيْء ومحسن؛ فللمسِيْء السُّوأَى وهي جهنّم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّ اللََّمْ﴾ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ﴾ هذا نعت للمحسنين (١)، أي: هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشّرك؛ لأنَّه أكبر الآثام، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثَّاب وحمزة والكسائيُّ: ((كَبِيرَ)) على التوحيد(٢)، وفسَّره ابن عباس بالشّرك. ((وَالْفَوَاحِشَ)) الزنى(٣). وقال مقاتل: ((كَبَائِرَ الْإِثْم)»: كلُّ ذنب خُتمَ بالنار. ((وَالْفَوَاحِشَ)): كلُّ ذنب فيه الحدّ(٤). وقد مضى في ((النساء)»(٥) القول في هذا. ثم استثنى استثناءً منقطعاً وهي : المسألة الثانية: فقال: (إِلَّ اللَّمَمَ)): وهي الصغائر التي لا يَسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف في معناها، فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبيُّ: (اللَّمَمُ)): كلُّ ما دون الزنى(٦). وذكر مقاتل بن سليمان: أنَّ هذه الآيةَ نزلت في رجل كان يُسمَّى نبهان التمَّار، كان له حانوت يبيع فيه تمراً، فجاءته امرأة تشتري منه تمراً فقال لها: إنَّ داخل الدكان ما هو خيرٌ من هذا، فلما دخلت راودها، فأبت وانصرفت، فندم نبهان، فأتى رسولَ الله﴾ فقال: يا رسولَ الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد (١) المحرر الوجيز ٢٠٣/٥ . (٢) قراءة حمزة والكسائي في السبعة ص ٦١٥، والتيسير ص ١٩٥، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب في المحرر الوجيز ٥/ ٢٠٣ . (٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٦٠ . (٤) زاد المسير ٨/ ٧٥ ولم ينسبه. (٥) ٢٦٢/٦. (٦) الوسيط ٢٠١/٤ . ٤٣ سورة النجم: الآيتان ٣١ - ٣٢ فعلته إلا الجماع. فقال: ((لعلَّ زوجَها غازٍ)) فنزلت هذه الآية(١)، وقد مضى في آخر ((هود))(٢). وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخُدريُّ وحذيفة ومسروق: إنَّ اللمم ما دون الوطء من القُبلة والغَمْزة والنظرة والمضاجعة(٣). وروی مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرِّجلين المشي، وإنَّما يصدِّق ذلك أو يكذِّبه الفَرْجُ، فإن تقدَّم كان زنّى، وإن تأخّر كان لَمَماً (٤). وفي ((صحيح البخاري ومسلم))(٥) عن ابن عباس قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللَّمم مما قال أبو هريرة: إنَّ النبيَّ # قال: ((إنَّ اللهَ كتب على ابن آدَم حظّه من الزنى، أدرك ذلك لا محالةَ، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنَّى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه)). والمعنى: أنَّ الفاحشة العظيمة والزنى التامَّ الموجِب للحدِّ في الدنيا والعقوبة في الآخرة، هو في الفَرْج، وغيرُه له حظّ من الإثم(٦). والله أعلم. وفي رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ# قال: ((كُتِب على ابن آدمَ نصيبه من الزنى، مُدْرٌِ ذلك لا محالةَ، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطَا، والقلب (١) سلف ٣٢٢/٥. (٢) ٢٣٠/١١ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٢ . (٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٥٥، والطبري ٦٢/٢٢، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧٠، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٠٦٠) من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود به، ولم يرد: مسروق، في إسناد عبد الرزاق والطبري. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (٥) البخاري (٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧) واللفظ له، وهو عند أحمد (٧٧١٩). (٦) إكمال المعلم ٨/ ١٤٥ . ٤٤ سورة النجم: الآيتان ٣١ - ٣٢ يَهْوَى ويتمنَّى، ويصدِّق ذلك الفَرْجُ ويكذِّبه)). خرَّجه مسلم (١). وقد ذكر الثعلبيُّ حديثَ طاوس عن ابن عباس، فذكر فيه الأُذن واليد والرِّجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: ((وزنى الشفتين القُبلة))(٢). فهذا قول. وقال ابن عباس أيضاً: هو الرجل يُلِمُّ بذنب ثم يتوب. قال: أَلَم تسمع النبيَّ ﴾ کان یقول: إن تَغفر اللَّهُمَّ تَغفر جَمّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألَمَّا رواه عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس (٣). قال النخَّاس: هذا أصحُ ما قيل فيه وأجلُّها إسناداً. وروى شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله عزَّ وجلَّ: ((إِلَّ اللَّمَمَ)) قال: هو أن يُلِمَّ العبدُ بالذنب ثم لا يعاوده، قال الشاعر: وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلَمَّا (٤) إن تَغفِرِ اللَّهمَّ تغفر جَمَّا وكذا قال مجاهد والحسن: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده(٥). ونحوه عن (١) في صحيحه (٢٦٥٧): (٢١). (٢) وقد وردت هذه الزيادة في حديث ابن مسعود السالف الذكر، وثمة تخريجه هناك. (٣) أخرجه الترمذي (٣٢٨٤) من طريق زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، به. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. اهــ والبيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ص٥٨، ونسبه بعضهم لأبي خِراش الهذلي كما في أمالي ابن الشجري ٢/ ٥٣٦، وشرح أشعار الهذليين ١٣٤٦/٣ وغيرها من المصارد، لكن قال البغدادي في خزانة الأدب ٢٩٥/٢: وزعم العيني أنه لأبي خراش الهذلي، وهذا خطأ، وإنما هو لأمية بن أبي الصلت، قاله عند موته، وقد أخذه أبو خراش منه. وينظر التعليق الآتي. (٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٨٥/١٠، وفي شعب الإيمان (٧٠٥٧) من طريق آدم بن أبي إياس، عن شعبة، به. وقال: هذا هو المحفوظ موقوف. اهـ. وأخرجه أيضاً الطبري ٢٢/ ٦٤ من طريق محمد ابن جعفر، عن شعبة، به. إلا أنه لم يذكر ابن عباس في إسناده. (٥) النكت والعيون ٤٠٠/٥، وأخرجه الطبري ٦٤/٢٢ عن مجاهد بنحو قول ابن عباس الآنف الذكر، وأخرجه مجاهد في التفسير ٢/ ٦٣١، والطبري ٦٤/٢٢ - ٦٥ عن الحسن بنحوه. ٤٥ سورة النجم: الآيتان ٣١ -٣٢ الزهري، قال: اللَّمم: أن يزنيَ ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرقَ أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [١٣٥ من آل عمران]. ثم قال: ﴿أُوْلَبِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦] فضمن لهم المغفرة، كما قال عقيبَ اللَّمم: ﴿إِنَّ رَّكَ وَمِيعُ الْمَغْفِرَؤُ﴾ فعلى هذا التأويل يكون ((إِلَّ اللَّمَمَ)) استثناء متصل. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمم: ما دون الشرك (١). وقيل: اللَّمم: الذنب بين الحدَّين، وهو ما لم يأتِ عليه حدٌّ في الدنيا، ولا تُوعِّد عليه بعذاب في الآخرة، تكفِّره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة (٢). ورواه العوفيُّ والحكم بن عتيبة عن ابن عباس(٣). وقال الكلبيُّ: اللَّمم على وجهين: كلُّ ذنب لم يَذكر اللهُ عليه حدًّا في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة، فذلك الذي تكفِّره الصلوات الخمس، ما لم يبلغ الكبائرَ والفواحشَ. والوجه الآخر: هو الذنب العظيم يُلِمُّ به الإنسان المرَّة بعد المرَّة فيتوب منه(٤). وعن ابن عباس أيضاً وأبي هريرة وزيد بن ثابت: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أنَّ المشركين قالوا للمسلمين: إنَّما كنتم بالأمسِ تعملون معنا، فنزلت، وقاله زيد بن أسلم وابنه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَّ﴾ (٥) [النساء: ٢٣]. (١) تفسير البغوي ٢٥٢/٤، وأخرجه عنه الطبري ٦٦/٢٢ . (٢) المحرر الوجيز ٥/ ٢٠٤ وعزاه إلى أبي هريرة وابن عباس، والنكت والعيون ٥/ ٤٠١ وعزاه إلى ابن عباس وقتادة، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٦٧ - ٦٨ عن ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وقتادة والضحاك. (٣) أورده ابن كثير في التفسير ٧/ ٤٦٢ عن العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٦٧ عن الحكم بن عتيبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) تفسير البغوي ٢٥٢/٤ - ٢٥٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢٠٤/٥ ولم ينسبه لأبي هريرة، وذكره عنه أبو الليث السمر قندي في التفسير ٢٩٣/٣. ٤٦ سورة النجم: الآيتان ٣١ - ٣٢ وقيل: اللَّمم: هو أن يأتيَ بذنب لم يكن له بعادة، قاله نفطويه (١). قال: والعرب تقول: ما يأتينا إلَّا لِمَاماً؛ أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون أن يُلِمَّ ولا يفعل؛ لأنَّ العرب لا تقول: ألمّ بنا، إلا إذا فعل الإنسان، لا إذا همَّ ولم يفعله. وفي ((الصحاح))(٢): وألمَّ الرجل، من اللَّمم: وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهريِّ: وقُلْ إِنْ تَمَلِّينَا فما مَلَّكِ الْقَلْبُ(٣) بِزينَب أَلْمِمْ قبل أن يَرْحَلَ الرَّکبُ أي: اقرب. وقال عطاء بن أبي رباح: اللَّهم: عادة النفس الحين بعد الحين(٤). وقال سعيد ابن المسيّب: هو ما ألمَّ على القلب، أي: خطر(٥). وقال محمد ابن الحنفيّة: كلُّ ما هممتَ به من خير أو شرِّ، فهو لمَمَ (٦). ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ للشيطان لَمَّة، وللملَك لَمَّة)) الحديث. وقد مضى في ((البقرة))(٧) عند قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ﴾ [الآية: ٢٣٨]. وقال أبو إسحاق الزجَّاج: أصل اللَّمم والإلمام: ما يعمله الإنسان المرَّة بعد المرَّة ولا يتعمَّق فیه ولا یقیم عليه(٨). يقال: ألممت به، إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لَمَماً وإلماماً، أي: الحين بعد الحين. وإنَّما زيارتك إلمام(٩)، (١) المحرر الوجيز ٢٠٤/٥ . (٢) مادة: (لمم). (٣) القائل نُصَيْب بن رباح، والبيت في ديوانه ص٦٠ . (٤) الكشاف ٤/ ٣٢ . (٥) المحرر الوجيز ٢٠٤/٥ . (٦) زاد المسير ٧٦/٨ . (٧) ٤ / ٣٥٥. (٨) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٧٤، والوسيط ٢٠٢/٤ بنحوه. (٩) لسان العرب (لمم) بنحوه. :. سورة النجم: الآيتان ٣١ - ٣٢ ٤٧ ومنه إلمام الخيال، قال الأعشى(١): ألَمّ خَيَالٌ مِن قُتَيْلَةَ بَعْدَ مَا وَهَى حَبْلُها مِن حَبْلِنَا فَتَصَرَّمَا وقيل: ((إلا)) بمعنى الواو(٢). وأنكر هذا الفرَّاء(٣) وقال: المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. وقيل: اللَّمم: النظرة التي تكون فجأة(٤). قلت: هذا فیه بعدٌ، إذ هو معفو عنه ابتداءً، غير مؤاخذ به؛ لأنه يقع من غير قصد واختيار، وقد مضى في ((النور)) بيانه(٥). واللَّمم أيضاً: طَرَفٌ من الجنون، ورجل ملموم، أي: به لَمَمٌ. ويقال أيضاً: أصابت فلاناً لمَّةٌ من الجنِّ، وهي المسُ، والشيء القليل، قال الشاعر: فإذا وذَلِك يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالٍ(٦) الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لمن تاب من ذنبه واستغفر، قاله ابن عباس(٧). وقال أبو ميسرة عمرو بن شَرَخْبيل وكان من أفاضل أصحاب ابنٍ مسعود: رأيتُ في المنام كأنِّي دخلتُ الجنَّة، فإذا قِباب مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: الذي الكَلَاعِ وحَوْشَب - وكانا ممن قتل بعضهم بعضاً - فقلت: وكيف ذلك؟ فقالوا : إنَّهما لقيا اللهَ فوجداه واسعَ المغفرة. فقال أبو خالد: بلغني أنَّ ذا الكَلَاع أعتق اثني عشَر ألف بيت(٨). (١) في ديوانه ص٥٥ . (٢) تفسير أبي الليث ٢٩٣/٣ . (٣) في معاني القرآن له ١٠٠/٣. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٤/٥ ونسبه للحسين بن الفضل. (٥) ٢٠٩/١٥ - ٢١٠. (٦) الصحاح (لمم) ولم ينسب البيت فيه، ونسب في لسان العرب (لمم) إلى ابن مقبل، ولم نقف عليه في ديوانه. (٧) الوسيط ٤/ ٢٠٢ . (٨) أخرجه سعيد بن منصور في السنن ٢/ ٣٤٠، وابن أبي شيبة ٢٩٠/١٥، وأبو نعيم في الحلية = ٤٨ سورة النجم: الآيتان ٣١ - ٣٢ قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ من أنفسكم ﴿إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أباكم آدم من الطين(١)، وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذيُّ أبو عبد الله: وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنّا جميعاً في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذَرْوِ النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صُلْبها على اختلاف الهيئات، منهم كالدُّرِّ يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحُمَمَة، وبعضهم أشدُّ سواداً من بعض، فكان الإنشاء واقعاً علينا وعليه. حدَّثنا عيسى بن حماد العسقلانيُّ قال: حدَّثنا بِشر بنُ بَكرٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: قال رسول اللـه﴾: ((عُرض عليَّ الأوَّلون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة)) فقال قائل: يا رسولَ الله! ومَن مضى من الخَلْق؟ قال: ((نعم، عُرض عليَّ آدم فمن دونه، فهل كان خُلِقَ أحد)» قالوا: ومن في أصلاب الرجال وبطون الأُمَّهات؟ قال: ((نعم، مثلوا في الطين فعرفتهم، كما علم آدم الأسماء كلَّها))(٢). قلت: وقد تقدَّم في أوَّل ((الأنعام))(٣) أنَّ كلَّ إنسان يُخلَق من طين البقعة التي يدفن فيها. ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَِنَّةٌ﴾ جمع جَنِين: وهو الولد ما دام في البطن، سُمِّيَ جنِيناً؛ لاجتنانه واستتاره(٤). قال عمرو بن كُلْثوم: هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأُ جَنِينَا(٥) = ١٤٣/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٤/٨. وقول أبي خالد - وهو يزيد بن هارون من رجال الإسناد - جاء عقب رواية البيهقي هكذا : ... فإن ذا الكلاع وحوشب أعتقا اثني عشر ألف أهل بيت، وذكر من محاسنهم أشياء. اهـ وجاء في (م) و(د): بنت، بدل: بيت. (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٣ . (٢) لم نقف عليه. (٣) ٣١٩/٨. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٣ . (٥) سلف ٣٨/٤ . ٤٩ سورة النجم: الآيتان ٣١ -٣٢ وقال مكحول: كثَّا أجنّة في بطون أمهاتنا، فسقط منَّا من سقط، وكنّا فيمن بقي، ثم صرنا رُضَّعاً، فهلك منَّا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يَفَعةً، فهلك منَّا من هلك، وكنّا فيمن بقي، ثم صرنا شباباً، فهلك منَّا من هلك، وكنّا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخاً - لا أَبًا لك ! - فما بعد هذا ننتظر (١)؟ !. وروى ابنُ لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبيٍّ صغير: هو صِدِّيق. فبلغ ذلك النبيَّ# فقال: (كذبت يهود، ما من نَسَمة يخلقها الله في بطن أمِّه إلا أنَّه شقيٍّ أو سعيد)) فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: ((هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)) إلى آخرها(٢). ونحوه عن عائشة: ((كان اليهود)). بمثله(٣). ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تمدحوها ولا تثنُوا عليها(٤)، فإنَّه أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَتَّقَ﴾ أي: أَخْلَصَ العمل، واتَّقی عقوبةَ الله، عن الحسن وغيره(٥). قال الحسن: قد عَلِمَ اللهُ سبحانه كلَّ نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة (٦). وقد مضى في ((النساء))(٧) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [الآية: ٤٩] فتأمَّله هناك. وقال ابن عباس: ما من أحد من هذه الأمّة أزكِّيه غير رسول الله ﴾(٨). والله تعالى أعلم. (١) النكت والعيون ٤٠٢/٥ . (٢) أسباب النزول للواحدي ص ٤٢٢، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٣٦٨) من طريق يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة، به. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٤/٥ . (٤) تفسير أبي الليث ٢٩٣/٣. (٥) زاد المسير ٨/ ٧٧ . (٦) النكت والعيون ٥/ ٤٠٢ . (٧) ٦ / ٤٠٧ . (٨) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٢٥)، والطبراني في الكبير (١١٠٢٤). ٥٠ سورة النجم: الآيات ٣٣ - ٣٥ ﴿ أَعِنْدَمُ عِلْمُ الْغَيْبِ، وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْدَى قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِىِ تَوَلَّى ٣٥ فَهُوَ يَرَََ قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَلَّ وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْدَةَ﴾ الآيات، لما بيَّن جهل المشركين في عبادة الأصنام، ذكر واحداً منهم معيَّناً بسوء فعله. قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتَّبع رسولَ الله ﴾ على دينه، فعيَّره بعض المشركين، وقال: لِمَ تركتَ دينَ الأشياخ وضَلَّتهم (١) وزعمت أنَّهم في النار؟! قال: إنِّي خشيتُ عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمَّل عنه عذاب الله(٢)، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن [له] ثم بَخِلَ ومنعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: كان(٣) الوليد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل: ((وَأَعْطَى قَلِيلاً)) أي: من الخير بلسانه ((وَأَكْدَى)) أي: قطع ذلك وأمسك عنه(٤). وعنه: أنَّه أعطى رسولَ الله لَ﴾ عقد الإيمان ثم تولَّى، فنزلت: ((أَفَرَ أَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى)) الآية. وقال ابن عباس والسُّدِّيُّ والكلبيُّ والمسيّب بن شريك: نزلت في عثمان بن عفان كان يتصدَّق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سَرْح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألَّ يبقى لك شيء. فقال عثمان: إنَّ لي ذنوباً وخطايا، وإنِّي أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه! فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برَحْلها وأنا أتحمَّل عنك ذنوبك كلّها. فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن (١) في (ظ): وملكهم، وفي (د): وملتهم، وفي (ف): ومللهم، والمثبت من (م)، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٢٣ ، والكلام منه دون نسبته إلى مقاتل، وما بين حاصرتين منه أيضاً، والخبر أخرجه الطبري ٧٢/٢٢ عن ابن زيد بتمامه، وعن مجاهد مختصراً، وهو في تفسير مجاهد ٦٣١/٢. (٢) بعدها في (د) و(ظ) و(ف): ففعل. ولم ترد في أسباب النزول. (٣) في (م): كال. وهو خطأ. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٣ . ٥١ سورة النجم: الآيات ٣٣ - ٣٥ بعض ما كان يصنع [من الصدقة] فأنزل الله تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى)) فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله. ذكر ذلك الواحديُّ(١) والثعلبيُّ. وقال السُّدِّيُّ أيضاً: نزلت في العاص بن وائل السَّهْميّ، وذلك أنَّه كان ربَّما يوافق النبيَّ# في بعض الأمور(٢). وقال محمد بن كعب القرظيُّ: نزلت في أبي جهل ابن هشام، قال: واللهِ ما يأمر محمدٌ إلا بمكارم الأخلاق، فذلك قوله تعالى: (وَأَغْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى))(٣). وقال الضخَّاك: هو النَّضْر بن الحارث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حتى(٤) ارتدَّ عن دينه، وضمن له أن يتحمّل عنه مأثم رجوعه. وأصل ((أَكْدَى)) من الكُذْية، يقال لمن حَفَر بئراً ثم بلغ إلى حَجَرٍ لا يتهيَّ له فيه حَفْر: قد أَكْدَى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يُتَمِّم، ولمن طلب شيئاً ولم يبلغ آخره(٥). وقال الخُطَيْئة(٦): فأعطى قليلاً ثم أَكْدَى عطاءَه ومن يَبْذُلِ المعروفَ في الناسِ يُحمَدِ قال الكسائيُّ وغيره: أَكْدَى الحافرُ وأَجْبل: إذا بلغ في حَفْره كُذْية أو جبلاً، فلا يمكنه أن يَحفِر. وحفر فَأَكْدَى: إذا بلغ إلى الصُّلْب. ويقال: كدِيت أصابعه: إذا كَلَّتْ من الحفر(٧). (١) في أسباب النزول ص٤٢٢-٤٢٣، وما بين حاصرتين منه، وذكر الخبر أيضاً الزمخشري في الكشاف ٣٣/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٥/٥ ونسبه للثعلبي، ولكنَّ ابن عطية ردَّ الخبرَ بقوله: وذلك کله عندي باطل، وعثمان منزَّه عن مثله. (٢) قوله: في بعض الأمور. لم يرد في (م). (٣) تفسير البغوي ٢٥٣/٤، وزاد المسير ٧٨/٨ . (٤) في (م): حين. والمثبت من النسخ الخطية وزاد المسير ٧٨/٨، والكلام منه. (٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٢٩ . (٦) لم نقف عليه في ديوانه. (٧) الصحاح (كدي). ٥٢ سورة النجم: الآيات ٣٥ -٤٢ وكَدِيت يدهُ: إذا كَلَّتْ، فلم تعمل شيئاً. وأَكْدَى النَّبتُ: إذا قلَّ رَيْعه. وكَدَتٍ الأرض تَكْدُو كَذْواً فهي كَادِيَةٌ: إذا أبطأ نباتها، عن أبي زيد (١). وأَكْدَيْتُ الرجلَ عن الشيء: رددتُه عنه. وأَكْدَى الرجلُ: إذا قلَّ خيره. وقوله: ((وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى)) أي: قطع القليل(٢). قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ أي: أعند هذا المكدِي علمُ ما غاب عنه من أمر العذاب؟! ((فَهُوَ يَرَى)) أي: يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة، وما يكون من أمره حتى يضمن حَمْلَ العذاب عن غيره(٣)؟! وكفى بهذا جهلاً وحمقاً. وهذه الرؤية هي المتعدِّية إلى مفعولين، والمفعولان محذوفان، كأنَّه قال: فهو يرى الغيبَ مثلَ الشهادة. وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَ () أَلَّا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُثَبَأْ بِمَا فِ صُحُفِ مُوَسَى (٣) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى ◌ُمَّ يُجْزَئِهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَى ﴾ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى ٤٢ ﴾ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِىِ صُحُفٍ مُوسَى. وَإَِّهِيمَ﴾ أي: وصحف إِبْرَاهيمَ ﴿الَّذِى وَلَّىَ﴾ كما في سورة ((الأعلى)): ﴿مُحُفِ إِبْزَهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الآية: ١٩] أي: لا تؤخذ نفس بدلاً عن أخرى، كما قال: ﴿أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أَثْرَى﴾ وخصَّ صحف إبراهيم وموسى بالذِّكْر؛ لأنَّه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة ابنه وأبيه(٤)، قاله الهذيل بن شرحيبل. (١) تهذيب اللغة ٣٢٥/١٥ . (٢) الصحاح (كدي). (٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٢٩ . (٤) في (د) و(م): أخيه وابنه وأبيه. والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في النكت والعيون ٤٠٣/٥ والكلام منه. ٥٣ سورة النجم: الآيات ٣٦ - ٤٢ و ((أنْ)) هذه المخفَّفة من الثقيلة، وموضعها جرٌّ بدلاً من ((ما))، أو يكون في موضع رفع على إضمار ((هو))(١). وقرأ سعيد بن جبير وقتادة: ((وَفَى)) خفيفة(٢)، ومعناها: صَدَق في قوله وعمله، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة: (وَفَّى)) بالتشديد، أي: قام بجميع ما فُرض عليه فلم يَخْرم منه شيئاً. وقد مضى في ((البقرة))(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَإِ أَبْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَيُّهُ بِكَلِمَةٍ فَتَفَّهُنِّ﴾ [الآية: ١٢٤] والتوفية: الإتمام. وقال أبو بكر الورَّاق: قام بشرط ما ادَّعى، وذلك أنَّ الله تعالى قال له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فطالبه الله بصحّة دعواه، فابتلاه في ماله وولده ونفسه، فوجده وافياً بذلك، فذلك قوله: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)) أي: ادَّعى الإسلام، ثم صحَّح دعواه. وقيل: ((وفَّى عمله كلَّ يوم بأربع ركعات في صدر النهار)) رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي ﴾(٤). وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه: ((أَلَا أُخبركم لم سَمَّى الله تعالى خليله إبراهيمَ: ((الَّذِي وَنَّى))؛ لأنَّه كان يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٥) الآية [١٧ من سورة الروم]. ورواه سهل بن معاذ بن(٦) أنس، عن أبيه، عن النبيِّ ﴾(٧). (١) الكشاف ٣٣/٤ . (٢) القراءات الشاذة ص١٤٧ ونسبها إلى ابن جبير واليماني، والمحتسب ٢٩٤/٢ ونسبها إلى ما نسبه ابن خالويه في القراءات الشاذة، وزاد: أبا أمامة وأبا مالك. البحر المحيط ٨/ ١٦٧ . (٣) ٣٥١/٢ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٤٠٣، وأخرجه أيضاً الدوري في جزء فيه قراءات النبي # (١٠٩)، والطبري ٧٨/٢٢، والبغوي في التفسير ٢٥٤/٤، من طريق القاسم، عن أبي أمامة، به. وفي إسناده: جعفر ابن الزبير، قال عنه ابن حجر في التقريب ٢١٧/١: متروك الحديث، وكان صالحاً في نفسه. (٥) لم نقف عليه، وينظر الحديث الآتي. (٦) في النسخ عدا (ف): عن: والمثبت من (ف) ومصادر التخريج. (٧) أخرجه أحمد (١٥٦٢٤)، والطبري ٧٧/٢٢-٧٨، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٤٢٧) و (٤٢٨)، وابن. عدي في الكامل ١٠١١/٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٧/١٠: رواه الطبراني، وفيه ضعفاء وثقوا. ٥٤ سورة النجم: الآيات ٣٨ - ٤٢ وقيل: ((وفَى)) أي: وَفَّى ما أُرسل به(١)، وهو قوله: ((أَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذَنْب غيره، ويأخذون الوليَّ بالولِيِّ في القتل والجراحة، فيُقتَل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده، فبلَّغهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى: ((أَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))(٢). وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى ((وَفَّى)): عمل بما أُمر به، وبلَّغ رسالات ربِّه(٣). وهذا أحسن؛ لأنه عام. وكذا قال مجاهد: ((وَفَى)) بما فُرض عليه (٤). وقال أبو مالك الغفاريُّ: قوله تعالى: ((أَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) إلى قوله: ((فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى)) في صحف إبراهيم وموسى(٥). وقد مضى في آخر ((الأنعام)» (٦) القول في: ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى)) مستوفّی. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ روي عن ابن عباس (٧) أنَّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنْهُم بِإِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفِّع اللهُ تعالى الآباءَ في الأبناء، والأبناء في الآباء، يدلُّ ذلك على قوله تعالى: ﴿َابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْبُ لَكُنْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. (١) زاد المسير ٨/ ٨٠ وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٤ بنحوه. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٣ . (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٣ . (٥) أخرجه الطبري ٧٩/٢٢ إلا أن فيه: إلى قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُوَلَ﴾. (٦) ٩ /١٤٥ . (٧) أخرجه الطبري ٨٠/٢٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٦/٣، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٦/٥ بعد أن أورد الخبر: وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً. ٥٥ سورة النجم: الآيات ٣٩ - ٤٢ وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة، ولا ينفع أحداً عملُ أحدٍ، وأجمعوا أنَّه لا يُصلِّي أحد عن أحد. ولم يُجِز مالك الصيام والحجَّ والصدقة عن الميت، إلا أنَّه قال: إن أوصى بالحجِّ ومات، جاز أن يُحَجَّ عنه. وأجاز الشافعيُّ وغيره الحجّ التطوّع عن الميّت(١). وروي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأَعتقت عنه(٢). وروي أنَّ سعد بن عبادة قال للنبيِّ ﴾: إنَّ أمِّي توفيت أَفأتصدَّقُ عنها؟ قال: ((نعم)) قال: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء))(٣). وقد مضى جميع هذا مستوفَّى في ((البقرة)) (٤) و ((آل عمران)»(٥) و ((الأعراف»(٦). وقد قيل: إنَّ الله عز وجل إنَّما قال: ((وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلَّا ما سعى)) ولام الخفض معناها في العربية المِلْكُ والإيجاب، فليس يجب للإنسان إلا ما سعى، فإذا تصدَّق عنه غيرُه، فليس يجب له شيء، إلا أنَّ الله عزَّ وجلَّ يتفضَّل عليه بما لا يجب له، كما يتفضَّل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل(٧). وقال الربيع بن أنس: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى)) يعني: الكافر، وأما المؤمن فله ما سَعَى، وما سعى له غیرُه(٨). قلت: وكثير من الأحاديث يدلُّ على هذا القول، وأنَّ المؤمن یصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره، وقد تقدَّم كثير منها لمن تأملها، وليس في الصدقة اختلاف، كما في صدر ((كتاب مسلم))(٩) عن عبد الله بن المبارك. وفي ((الصحيح)) (١٠): ((إذا (١) قول مالك في المدونة ٥٨/٦، وقول الشافعي في الأم ٤/ ٤٦ . (٢) أخرجه سعيد بن منصور في السنن ١٢٥/١، وابن أبي شيبة ٩٤/٣ . (٣) سلف ٩/ ٢٣٣ . (٤) ٤ / ٥٠٠ . (٥) ٢٢٧/٥ . (٦) ٢٣٣/٩. (٧) المحرر الوجيز ٢٠٦/٥-٢٠٧ بنحوه. (٨) المحرر الوجيز ٢٠٦/٥ . (٩) في مقدمة كتابه ١٦/١ . (١٠) مسلم (١٦٣١)، وسلف ٨/١. ٥٦ سورة النجم: الآيات ٣٩ - ٤٢ مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)) وفيه: ((أو ولد صالح يدعو له)) وهذا كلُّه تفضُّل من الله عزَّ وجلَّ، كما أنَّ زيادة الأَضعاف فَضْلٌ منه؛ كتب لهم بالحسنة الواحدة عَشْراً إلى سبع مئة ضعف إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعتَ رسولَ الله * يقول: ((إنَّ الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة))؟ فقال سمعته يقول: ((إنَّ الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة)) (١) فهذا تفضُّل. وطريق العدل: ((أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)). قلت: ويحتمل أن يكون قوله: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى)) خاصٌّ في السيئة؛ بدليل ما في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، عن رسول الله # قال: ((قال الله عزَّ وجلَّ: إذا همَّ عبدي بحسنة ولم يعملها، كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عَشْر حسنات إلى سبع مئة ضِعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها، لم أكتبها عليه، فإن علمها كتبتها سيئةً واحدة))(٢). وقال أبو بكر الورَّاق: ((إِلَّا مَا سَعَى)) إلا ما نوى(٣). بيانه قوله﴿: ((يُبعَث الناس يوم القيامة على نيَّتهم)) (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ أي: يُريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة(٥) ثُمَّ يُجْزَنُهُ﴾ أي: يُجزَى به ﴿الْجَزَآءَ الْأَوْنَى﴾. قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء، سواء لا فَرْقَ بينهما، قال الشاعر: لم أَجْزِهِ ببَلاءِ يَوْمِ واحِدِ إِنْ أَجْزِ عَلْقَمَةَ بنَ سعْدٍ سَعْيَه (١) سلف ٣٢٤/٦. (٢) سلف ٣١٥/١١. (٣) زاد المسير ٨/ ٨١. (٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩) عن أبي هريرة ﴾، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده ليث بن سليم، وهو ضعيف، ويشهد له حديث جابر، وقد رواه مسلم [(٢٨٧٨)].اهـ. وأخرجه أيضاً مسلم (٢٨٨٤) عن عائشة رضي الله عنها بنحوه. (٥) معاني القرآن للزجاج ٧٦/٥ . ٥٧ سورة النجم: الآيات ٤٢ - ٤٦ فجمع بين اللغتين(١). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ اٌلْمُنَهَى﴾ أي: المرجع والمردَّ والمصير، فيعاقب ويثيب. وقيل: منه ابتداء المِنَّة، وإليه انتهاء الأمان. وعن أبيّ بن كعب قال: قال النبيُّ﴿ في قوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)) قال: ((لا فكرة في الربِّ))(٢). وعن أنس: قال النبيُّ﴿: ((إذا ذُكِرَ اللهُ تعالى فانْتَهِ))(٣). قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: من خَلَق كذا وكذا، حتى يقول له: مَن خَلَق ربَّكَ. فإذا بلغ ذلك، فلْيستعِذْ بالله ولْيَنْتِهِ)) وقد تقدَّم في آخر ((الأعراف))(٤). ولقد أحسن من قال: ولا تُفْكِرنْ في ذِي العُلَا عَزَّ وجهُهُ فإنَّكَ تردَى إنْ فعلتَ وتُخْذَلُ وقُلْ مِثَل ما قال الخلِيلُ المبَجَّلُ ودونك مصنوعَاتِه فاعتّپِرْ بِها ﴿ وَأَنَُّ خَلَقَ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَمْيَا ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبِّكَئ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (٢٥ مِن تُطْفَةٍ إِذَا تُعْنَى (٤٦ ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق لله سبحانه ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ قوله تعالى : وتعالى فلا فاعلَ إلا هو. وفي ((صحيح مسلم) (٥) عن عائشة رضي الله عنها قالت: (١) تفسير البغوي ٢٥٤/٤-٢٥٥ بنحوه، والبيت لرجل من بهراء اسمه فدكى كما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٧٠/٤، وسماه المرزبانيُّ في معجم الشعراء ص٤٤٦ المرفاقَ الطائيَّ وقال: وأحسبه لقباً. اهـ. وجاء فيهما: سيف، بدل: سعد. (٢) أخرجه البغوي في التفسير ٤/ ٢٥٥، وأخرجه أيضاً أبو الشيخ في العظمة (٦) عن سفيان، قوله. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١١٩٣/٣ عن أنس، وفي إسناده: سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وقد اختلف فيه فقال النسائي عنه: منكر الحديث. وقال أحمد بن حنبل: روى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها، ما أعرف منها واحداً. تهذيب التهذيب ١/ ٦٩٢ - ٦٩٣ . وأخرجه أيضاً إسحاق بن راهويه في المسند (٣٩٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٣٥٠) من طريق عطاء الخراساني، عن أبي هريرة مرفوعاً. وإسناده منقطع، لأن عطاء لم يسمع من أبي هريرة. (٤) ٩/ ٤٢٣ . (٥) برقم (٩٢٩)، وهو عند أحمد (٢٨٨). ٥٨ سورة النجم: الآيات ٤٣ - ٤٦ لا والله ما قال رسولُ الله قطُ: إنَّ المَيِّتَ يعذَّب ببكاء أحدٍ، ولكنَّه قال: ((إنَّ الكافرَ يزيدُه اللهُ ببكاء أهله عذاباً، وإنَّ اللهَ لهو أضحك وأبْكَى، وما تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)). وعنها قالت: مَرَّ النبيُّ # على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) فنزل عليه جبريلُ فقال: يا محمد! إنَّ الله يقول لك: ((وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى)). فرجع إليهم فقال: ((ما خطوتُ أربعين خطوةً حتى أتاني جبريلُ فقال: إيتِ هؤلاء فقل لهم: إنَّ اللهَ تعالى يقول: هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى))(١). أي: قضى أسبابَ الضحك والبكاء. وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني: أفرح وأحزن؛ لأنَّ الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء(٢). وقيل لعمر: هل كان أصحابُ رسولِ الله ﴿ يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان واللهِ أثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي(٣). وقد تقدّم هذا المعنى في ((النمل)) (٤) و ((براءة)) (٥). قال الحسن: أضحك اللهُ أهلَ الجنة في الجنة، وأَبكى أهل النار في النار (٦). وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سَرَّه، وأَبكى من شاء بأن غَمَّه(٧). الضحَّاك: أَضحك الأرض بالنبات، وأَبكى السماء بالمطر (٨). وقيل: أَضحك الأشجار بالنُّوَّار، وأبكى السحاب بالأمطار(٩). وقال ذو النون: أَضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأَبکی قلوبَ الكافرين والعاصين بظلمة نکرته ومعصیته. وقال سهل (١) زاد المسير ٨٣/٨، وأخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٦/ ١٣٠. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٥ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٥ عن ابن عمر بنحوه. (٤) عند الآية (١٩). (٥) ٣١٨/١٠. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٥ لكن عزاه إلى مجاهد والكلبي. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/٤ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٥٥ . (٩) مجمع البيان للطبرسي ٥٩/٢٧، والنُّوَّار: الزهر. اللسان (نور). ٥٩ سورة النجم: الآيات ٤٣ - ٤٦ ابن عبد الله: أضحك اللهُ المطيعين بالرحمة، وأبكى العاصين بالسخط. وقال محمد ابن علي الترمذيُّ: أضحك المؤمنَ في الآخرة، وأبكاه في الدنيا. وقال بسام بن عبد الله (١): أضحك اللهُ أسنانهم وأَبكى قلوبهم. وأنشد: وإنَّما ضِحْكُها زُورٌ ومُخْتَلَقُ السِّنُّ تَضحَكُ والأحشاءُ تَحْتَرِقُ ورُبَّ ضاحِكِ سنِّ ما بِهِ رَمَقُ يا رُبَّ باكِ بِعِيْنٍ لا دموعَ لها وقيل: إنَّ الله خصَّ الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان. وقد قيل: إنَّ القِرْدَ وحده يضحك ولا يبكي، وإنَّ الإبل وحدها تبكي ولا تضحك(٢). وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسيُّ: أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كلُّ مَن دون العرش منذ خُلِقت جهنّم. ﴿وَأَنَّمُ هُوَ أَمَاتَ وَأَنْيَا﴾ أي: قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: خَلَق الموت والحياة كما قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَاَلَيَّوَةَ﴾ [تبارك: ٢] قاله ابن بحر(٣). وقيل: أَمات الكافر بالكفر، وأَحيا المؤمن بالإيمان(٤)، قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيّنًا فَأَحْيَبْنَهُ﴾ الآية [١٢٢ من سورة الأنعام]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونُ وَالْمَوْنَ يَبْعَثُّهُمُ اللهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] على ما تقدّم، وإليه يرجع قول عطاء: أَمات بِعَدْله، وأَحيا بفضله. وقول من قال: أَمات بالمَنْع والبخل، وأَحيا بالجود والبذل. وقيل: أمات النطفة، وأحيا النَّسَمة. وقيل: أَمات الآباء، وأَحيا الأبناء. وقيل: يريد بالحياة: الخصب، (١) هو: بسام بن عبد الله الأسدي الكوفي الصيرفي، سمع عكرمة وأبا جعفر محمد بن علي، روى عنه أبو أحمد الزبيري وأهل الكوفة، وعنده مراسيل. التاريخ الكبير ١٤٤/٢، والثقات لابن حبان ١١٩/٦. (٢) النكت والعيون ٤٠٤/٥ . (٣) النكت والعيون ٤٠٤/٥ . (٤) المحرر الوجيز ٢٠٧/٥ وعزاه إلى الثعلبي. ٦٠ سورة النجم: الآيات ٤٤ - ٥٥ وبالموت: الجدب. وقيل: أَنام وأيقظ(١). وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث(٢). ﴿وَنَُّ خَلَقَ الزَّوْجَبْنِ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَى﴾ أي: من أولاد آدم، ولم يُرِدْ آدم وحوَّاء بأنَّهما خُلقا من نُظْفة. والنطفة: الماء القليل، مشتقٌّ من نطفَ الماءُ: إذا قَطَر(٣). ﴿تُنَ﴾ تُصبُّ في الرحم وتُراق، قاله الكلبيُّ والضحَّاك وعطاء بن أبي رباح(٤)، يقال: مَنَّى الرجل وأَمْنى من الْمَنِيِّ. وسُمِّيت مِنّى بهذا الاسم؛ لما يُمْنَى فيها من الدماء، أي: يُراق(٥). وقيل: ((تُمْنَى)) تُقدَّر، قاله أبو عبيدة(٦). يقال: مَنَيت الشيء: إذا قَدَّرته، ومُنِي له، أي: قُدِّر له، قال الشاعر: حَتّى تُلَاقِيَ ما يَمْنِي لَكَ الْمَانِي أي: ما يُقدِّر لك القادر(٧). وَأَنَُّ هُوَ رَبُّ ٤٨١ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ٤٧ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىِ ﴿ وَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا أَلْأُوْلَى ﴾ وَثَمُودَا فَمَآ أَبْقَى ﴾ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبّلٌ إِنَّهُمْ الشِّعْری كَانُواْ هُمْ أَنْظَمَ وَأَطْنَى وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى ٥٣ فَفَشَّنْهَا مَا غَتَّى (@) فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيِّكَ نَتَمَاری قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ أي: إعادة الأرواح في الأشباح للبعث (١) النكت والعيون ٥/ ٤٠٤ . (٢) تفسير أبي الليث ٢٩٤/٣ . (٣) تهذيب اللغة ٣٦٦/١٣ . (٤) تفسير البغوي ٢٥٥/٤، ولم يعزه للكلبي، وعزاه إليه الماوردي في النكت والعيون ٤٠٥/٥. (٥) تهذيب اللغة ١٥/ ٥٣١ . (٦) في مجاز القرآن له ٢٣٨/٢ . (٧) الصحاح (مني)، والبيت سلف ٢١٩/٢ .