النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة الذاريات: الآيات ١٧ - ١٩ ألوانهم، وعليهم الحُلَلُ من دون الخلائق، فقلت: ما بال هؤلاء مكتسون والناسُ عُراة، ووجوههُم مشرِقةٌ ووجوه الناس مغبرَّة! فقال لي قائل: الذين رأيتهم مكتسون(١) فهم المصلُّون بين الأذان والإقامة، والذين وجوهُهم مشرقة فأصحابُ السهر والتهجّد، قال: ورأيت أقواماً على نجائب، فقلت: ما بال هؤلاء ركباناً والناسُ مشاة حفاة؟ فقال لي: هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقرُّباً إلى الله تعالى، فأعطاهم الله بذلك خيرَ الثواب؛ قال: فصحت في منامي: واهاً للعابدين، ما أشرفَ مقامَهم! ثم استيقظت من منامي وأنا خائف. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَ بِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: مدحٌ ثان؛ أي: يستغفرون من ذنوبهم، قاله الحسن(٢). والسَّحَر وقتٌ يُرجى فيه إجابةُ الدعاء. وقد مضى في ((آل عمران)» القولُ فيه(٣). وقال ابن عمر ومجاهد: أي: يصلُّون وقت السَّحَر؛ فسمَّوا الصلاةَ استغفاراً. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿كَانُوْ قَلِلًا مِّنَ الَلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ مَدُّوا الصلاةَ من أوَّل الليلِ إلى السَّحَر، ثم استغفروا في السحر (٤). ابن وهب: هي في الأنصار؛ يعني أنهم كانوا يغدون من قُباء، فيصلُّون في مسجد النبيِّ ﴾. ابن وَهْب، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كانوا يَنْضَحون لناسٍ من الأنصار بالدِّلاء على الثمار، ثم يهجعون قليلاً، ثم يصلُّون آخرَ الليل. الضحَّاك: صلاة الفجر. وقال الأحنف بن قيس: عَرَضْتُ عملي على أعمال أهل الجنة؛ فإذا قومٌ قد (١) كذا في النسخ. (٢) النكت والعيون ٥/ ٣٦٦ بنحوه. (٣) ٥٩/٥ . (٤) أخرج أقوالهم الطبري ٢١/ ٥٠٥، ٥١٠ . ٤٨٢ سورة الذاريات: الآيات ١٨ - ١٩ باينونا بَوْناً بعيداً لا نبلغ أعمالهم؛ ((كانوا قليلاً من اللَّيل ما يهجعون)». وعرضتُ عملي على أعمال أهل النار، فإذا قومٌ لا خير فيهم، يكذِّبون بكتاب الله، وبرسوله، وبالبعث بعد الموت، فوجدنا خيرَنا منزلةً قوماً خلطوا عملاً صالحاً وآخَرَ سيِّئاً. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَآَبِلِ وَلْمَحْرُومِ﴾ مدحٌ ثالث. قال محمد بن سِيرِين وقتادة: الحقُّ هنا الزكاةُ المفروضة. وقيل: إنه حقٌّ سوى الزكاة؛ يَصِل به رَحِماً، أو يَقري به ضيفاً، أو يَحْمل به كَلّاً، أو يُغني به محروماً. وقاله ابن عباس(١)؛ لأن السورة مكِّية، وفُرضت الزكاة بالمدينة(٢). ابن العربي(٣): والأقوى في هذه الآيةِ أنها الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة ((سأل سائل)): ﴿وَالَّذِينَ فِيَّ أَفَوَهِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ لِلِسََّبِلِ وَلْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] والحقُّ المعلوم هو الزكاة التي بيَّن الشرعُ قَدْرَها وجنسها ووقتها، فأمَّا غيرُها لمن يقول به، فليس بمعلوم؛ لأنه غيرُ مقدَّرٍ ولا مجنّس ولا موقَّت. الخامسة: قوله تعالى: ((لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ))؛ السائل الذي يسأل الناس لفاقته؛ قاله ابن عباس وسعيد بن المسيّب وغيرهما. والمَحرُومِ الذي حُرم المال. واختلف في تعيينه؛ فقال ابن عباس وسعيد بن المسيّب وغيرهما: المحروم المُحارَف الذي ليس له في الإسلام سهم(٤). وقالت عائشة رضي الله عنها: المحروم المُحارَف الذي لا يتيسَّر له مكسبُه(٥)؛ يقال: رجل مُحارَف - بفتح الراء - أي: محدود محروم، وهو خلافُ قولك: مُبارَك. وقد حورف كسبُ فلان: إذا شُدِّد عليه في معاشه؛ كأنه مِيلَ برزقه عنه(٦). وقال قتادة والزُّهري: المحروم المتعفِّف الذي لا يسأل الناس شيئاً، (١) النكت والعيون ٣٦٦/٥ . (٢) المحرر الوجيز ١٧٥/٥. (٣) في أحكام القرآن ١٧١٨/٤ . (٤) أخرج قولهم الطبري ٢١/ ٥١١ - ٥١٤ . (٥) النكت والعيون ٣٦٦/٥ . (٦) الصحاح (حرف). ٤٨٣ سورة الذاريات: الآية ١٩ ولا يُعلم بحاجته. وقال الحسن ومحمد ابن الحنفية: المحروم الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم(١). روي أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ بعث سَرِيَّة، فأصابوا وغَنِموا، فجاء قومٌ بعد ما فرغوا، فنزلت هذه الآية: ((وَفِي أَمْوَالِهِمْ))(٢). وقال ◌ِكرمة: المحروم الذي لا يبقى له مال(٣). وقال زيد بن أسلم: هو الذي أُصيب ثمرُه أو زرعه أو نسل ماشيته. وقال القُرَظيّ: المحروم الذي أصابته الجائحة، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحَرُمُونَ﴾ (٤) [الواقعة: ٦٧] نظيرُه في قصة أصحاب الجنةِ حيث قالوا: ((بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)) [القلم: ٢٧]. وقال أبو قلابة: كان رجلٌ من أهل اليمامة له مال، فجاء سيلٌ فذهب بماله، فقال رجل من الصحابة: هذا المحروم، فاقسموا له(٥). وقيل: إنه الذي يطلب الدنيا وتُدِر عنه. وهو يُروَى عن ابن عباسٍ أيضاً. وقال عبد الرحمن بن حُمَيد: المحروم المملوك. وقيل: إنه الكلب؛ روي أنَّ عمر بنَ عبد العزيز كان في طريق مكة، فجاء كلب، فانتزع عمر رحمه الله گَتِفَ شاةٍ، فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم. وقيل: إنه من وجبت نفقته بالفقر من ذوي الأنساب؛ لأنه قد حُرِم كسبَ نفسه حتى وجبت نفقتُه في مال غيره(٦). وروى ابن وَهْب عن مالك: أنه الذي يُحرَم الرزق(٧)، وهذا قولٌ حسن؛ لأنه (١) النكت والعيون ٣٦٦/٥ دون ذكر الزهري. وأخرج قوله وقول قتادة الطبريُّ ٥١٤/٢١ - ٥١٥ . (٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٧٥٦)، والطبري ٢١/ ٥١٥ - ٥١٦ عن الحسن بن محمد ابن الحنفية، وهو مرسل. (٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٥١٧. (٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٣١ بنحوه. وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري ٢١/ ٥١٧ . (٥) أخرجه الطبري ٢١/ ٥١٣ بنحوه. (٦) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٣٦٦/٥ - ٣٦٧ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٨/٤. ٤٨٤ سورة الذاريات: الآيات ١٩ - ٢٣ يَعُمُّ جميع الأقوال. وقال الشعبي: لي اليوم سبعون سنةً منذ احتلمت أسأل عن المحروم، فما أنا اليومَ بأعلمَ مني فيه يومئذ. رواه شعبة عن عاصم الأحول، عن الشعبي(١). وأصله في اللغة: الممنوع؛ من الحرمان وهو المنع. قال علقمة(٢): ومُظْعَمُ الغُنْمِ يومَ الغُنْم مُظْعَمُهُ أَنَّى توجَّه والمحرومُ محرومٌ وعن أنس أنَّ النبيَّ ◌َ ﴾ قال: ((ويلٌ للأغنياء من الفقراء يوم القيامة؛ يقولون: ربَّنا ظلمونا حقوقَنا التي فرضتَ لنا عليهم، فيقول الله تعالى: وعزَّتي وجلالي لأُقرِّبتَّكم ولأُبْعِدنَّهم)). ثم تلا رسولُ اللـه لَ﴾: ﴿وَفِيَّ أَنْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِتَّبِلِ وَالْمَحْرُمِ﴾ ذكره الثعلبي(٣). قوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ ءَايَةٌ لِلُْوقِينَ ﴿ وَفِيّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُصِرُونَ * وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ ٢٣ قوله تعالى: ﴿وَفِ اٌلْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِينَ﴾ لمَّا ذَكَر أمر الفريقين، بَيَّن أنَّ في الأرض علاماتٍ تدلُّ على قدرته على البعث والنشور، فمنها: عَوْدُ النبات بعد أن صار هشيماً، ومنها: أنه قدَّر الأقوات فيها قِواماً للحيوانات، ومنها: سيرُهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثارَ الهلاك النازلِ بالأمم المكذِّبة. والموقنون: هم العارفون المحقّقون وحدانيَّةَ ربِّهم، وصِدْقَ نبوَّةِ نبيِّهم؛ خصَّهم بالذِّكْر لأنهم المنتفعون بتلك الآياتِ وتدبُِّها. قوله تعالى: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قيل: التقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم آياتٌ للموقنين. وقال قتادة: المعنى: مَن سار في الأرض رأى آياتٍ وعِبَراً، ومَن (١) بنحوه في زاد المسير ٣٣/٨، وأخرج الطبري ٥١٨/٢١ من طريق ابن علية، عن ابن عون، عن الشعبي قال: أعياني أن أعلم ما المحروم. (٢) هو علقمة الفحل، والبيت في ديوانه ص٦٦، وسلف ٥/١٠ . (٣) وأخرجه الطبراني في الصغير (٦٩٣)، والأوسط (٤٨١٠). قال الهيثمي في المجمع ٦٢/٣: فيه الحارث بن النعمان، وهو ضعيف. ٤٨٥ سورة الذاريات: الآيات ٢١ - ٢٣ تفكّر في نفسه علم أنه خُلق ليعبُدَ الله. ابنُ الزبير ومجاهد: المراد سبيلُ الخلاء والبول(١). وقال السائب بن شريك: يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين؛ ولو شرب لبناً مَحْضاً لخرج منه الماءُ ومنه الغائط؛ فتلك الآيةُ في النفس. وقال ابن زيد: المعنى: أنه خلقكم من تراب، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]. السدي: ((وفي أَنْفُسِكُم)) أي: في حياتكم وموتكم، وفيما يدخل ويخرج من طعامكم. الحسن: في الكِبَر بعد الشباب، والضَّعف بعد القوَّة، والشيبِ بعد السواد(٢). وقيل: المعنى: وفي خلق أنفسكم من نطفة، وعلقة، ومضغة، ولحم، وعظم، إلى نفخ الروح، وفي اختلاف الألسنة والألوان والصُّوَر، إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة (٣). وحسبُك بالقلوب وما رُكز(٤) فيها من العقول، وخُصَّت به من أنواع المعاني والفنون، وبالألسن والنُّطق ومخارج الحروف والأبصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتِّيها لما خُلِقت له، وما سُوِّيَ في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثنِّي، فإنه إذا جَسَا (٥) شيءٌ منها جاء العَجْز، وإذا استرخى أناخ الذُّلّ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ يعني: بصرَ القلب ليَعرفوا كمالَ قدرته . وقيل: إنه نُجْحُ العاجز، وحرمان الحازم (٦). (١) النكت والعيون ٣٦٧/٥، وقول ابن الزبير أخرجه الطبري ٥١٩/٢١. (٢) ذكر هذه الأقوال - عدا قول السائب - الماوردي في النكت والعيون ٣٦٧/٥ . وقول ابن زيد أخرجه الطبري ٥١٩/٢١ - ٥٢٠ . (٣) ذكره بنحوه مختصراً البغوي في تفسيره ٢٣١/٤، والواحدي في الوسيط ١٧٦/٤ ونسباه لابن عباس رضي الله عنهما. (٤) في النسخ الخطية: ذكر، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الكشاف ١٦/٤ - ١٧، والكلام منه. (٥) أي: صَلُبَ. القاموس (جسو). (٦) هذا أحد الأقوال في تفسير قوله: وفي أنفسكم أفلا تبصرون، كما ذكر الماوردي في النكت والعيون ٣٦٧/٥. ٤٨٦ سورة الذاريات: الآيات ٢١ - ٢٣ قلت: كلُّ ما ذُكر مرادٌ في الاعتبار. وقد قدَّمنا في آية التوحيد من سورة البقرة أنَّ ما في بدن الإنسان - الذي هو العالَم الصغير - شيءٌ إلَّا وله نظيرٌ في العالَم الكبير، وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ويُغني لمن تدبَّر(١). قوله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال سعيد بن جبير والضخَّاك: الرِّزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج يَنْبت به الزرعُ ويحيا به الخلق(٢). قال سعيد بن جبير: كلُّ عين قائمةٍ فإنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه واللهِ رزقُكم، ولكنكم تُحرَمونه بخطاياكم(٣). وقال أهل المعاني: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْفُكُمْ﴾ معناه: وفي المطر رزقكم؛ سُمِّي المطرُ سماءً؛ لأنه من السماء ينزل. قال الشاعر (٤): إذا سقطَ السماءُ بأرض قوم رعيناهُ وإِنْ كانوا غِضَابا وقال ابن كَيْسان: يعني: وعلى ربِّ السماءِ رزقُكم؛ نظيرُه: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وقال سفيان الثوريّ: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)) أي: عند الله في السماء رزقكم. وقيل: المعنى: وفي السماء تقديرُ رزقكم، وما فيه لكم مكتوبٌّ في أُمِّ الكتاب(٥) . وعن سفيان - أيضاً - قال: قرأ واصل الأحدب(٦): ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْفُكُمْ﴾ فقال: أَلَا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض! فدخل خَرِبة، فمكث ثلاثاً لا يصيب (١) ٢ /٥٠٤ - ٥٠٦ . (٢) النكت والعيون ٣٦٧/٥. وأخرجه عنهما الطبري ٢١/ ٥٢٠ - ٥٢١ مختصراً. (٣) الكشاف ١٧/٤. وأخرج قولهما الطبري ٢١/ ٥٢٠ - ٥٢١ . (٤) هو معاوية بن مالك (معوِّد الحكماء)، وسلف البيت ٣٢٧/١ . (٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٦٨/٥ . (٦) هو واصل بن حَيَّان الأحدب الأسدي الكوفي. مات سنة ١٢٠ أو ١٢٩. تهذيب التهذيب ٣٠١/٤. ٤٨٧ سورة الذاريات: الآيات ٢٢ - ٢٣ شيئاً، فإذا هو في الثالثة بدَوْخَلةِ رُطَب (١)، وكان له أخْ أحسنُ نيَّةً منه، فدخل معه، فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبَهما حتى فرَّق اللهُ بالموت بينهما(٢). وقرأ ابن محيصن ومجاهد: ((وفي السَّماءِ رازِقُكُمْ)) بالألف(٣)، وكذلك في آخرها : ((إِنَّ اللهَ هو الرَّازِقُ». ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال مجاهد: يعني من خير وشر. وقال غيره: من خير خاصة. وقيل: الشر خاصة. وقيل: الجنة؛ عن سفيان بن عيينة (٤). الضحَّاك: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) من الجنة والنار(٥). وقال ابن سيرين: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) من أمر الساعة. وقاله الربيع(٦). قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ ﴾ أكَّد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق، وأقسم عليه: إنَّه لَحقٌّ، ثم أَّده بقوله: ﴿مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ﴾. وخصَّ النُّطقَ من بين سائر الحواسّ؛ لأن ما سواه من الحواسِّ يدخله الشبيه(٧)، كالذي يُرى في المرآة، واستحالةِ الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها، والدَّويِّ والطنين في الأذن، والنطقُ سالمٌ من ذلك، ولا يُعتَرض بالصَّدَى؛ لأنه لا يكون إلَّا بعد حصول الكلام من الناطق غيرَ مَشُوبٍ بما يشكل به. وقال بعض الحكماء: كما أنَّ كلَّ إنسان ينطق بنفسه ولا يُمْكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كلُّ إنسان يأكل رزقه، ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره (٨). (١) الدَّوْخَلة؛ بتشديد اللام وتخفيفها: ما ينسج من الخُوص ويجعل فيه الرُّطَب، الصحاح (دخل). (٢) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٢١ . (٣) في القراءات الشاذة ص ١٤٥، والمحرر الوجيز ١٧٦/٥ عن ابن محيصن. (٤) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٢٣ عن سفيان الثوري. وأخرج قول مجاهد ٥٢٢/٢١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤ / ٢٤٠ - ٢٤١ . (٥) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٢٢ . (٦) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٣٦٨/٥، وقول ابن سيرين ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٦/٥ ٠ (٧) في (ز) و(ف) و(م): التشبيه، والمثبت من (ظ). (٨) تفسير البغوي ٢٣١/٤. ٤٨٨ سورة الذاريات: الآية ٢٣ وقال الحسن: بلغني أنَّ نبيَّ اللـه ﴾ قال: ((قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربُّهم بنفسه ثم لم يصدِّقوه) (١) قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾. وقال الأصمعي: أقبلتُ ذاتَ مرَّةٍ من مسجد البصرة، إذ طلع أعرابيٌّ جِلْفٌ جافٍ على قَعُود(٢) له، متقلِّداً سيفَه، وبيده قوسُه، فدنا وسلَّم، وقال: ممَّن الرجل؟ قلت: من بني أَضْمَع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم. قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يُتْلَى فيه كلامُ الرحمن؛ قال: وللرحمن كلامٌ يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم؛ قال: فاتْلُ عليَّ منه شيئاً؛ فقرأت: ((وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوا)) إلى قوله: ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)) فقال: يا أصمعيُّ حسبُك !! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال: أعنّي على توزيعها؛ ففرَّقناها على مَن أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرَّحل، وولَّى نحو البادية وهو يقول: ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ))، فمقتُّ نفسي ولُمتُها. ثم حججتُ مع الرشيد، فبينما أنا أطوف، إذا أنا بصوت رقيق، فالتفت، فإذا أنا بالأعرابيّ ناحلٌ مصفَرّ، فسلّم عليَّ وأخذ بيدي، وقال: أُتلُ عليَّ كلامَ الرحمن، وأجلسني وراء المقام، فقرأت: ((وَالذَّارِيَاتٍ))، حتى وصلت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فقال الأعرابي: لقد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقّاً، وقال: هل غيرُ هذا؟ قلت: نعم؛ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَوَرَبٍ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ﴾ فصاح الأعرابيُّ وقال: يا سبحان الله! مَن الذي أغضب الجليلَ حتى حلف! ألم يصدِّقوه في قوله حتى ألجؤوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثاً وخرجتْ بها نَفْسُه(٣). وقال يزيد بن مَرْثد(٤): إنَّ رجلاً جاع بمكان ليس فيه شيء، فقال: اللهم رزقَكَ (١) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٢٣ . (٢) القَعُود؛ بالفتح: البعير من الإبل، وهو البكر حين يُركب، أي: يمكّن ظهره من الركوب. وأقلُّه سنتان إلى أن يثني، فإذا أثنى سمّي جملاً. الصحاح (قعد). (٣) أخرجه البيهقي في الشعب (١٣٣٧). (٤) أبو عثمان الهمداني، الشامي الصنعاني، من صنعاء دمشق. تابعي، ذكره ابن حبان في الثقات. وكان كثير البكاء. تهذيب الكمال ٢٣٩/٣٢ . ٤٨٩ سورة الذاريات: الآية ٢٣ الذي وعدتني فأتني به؛ فشبع ورَوِي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال النبيُّ ◌َ﴾: «لو أنَّ أحدكم فرَّ من رزقه، لتَبعه كما يَتْبعه الموت)) أسنده الثعلبي رحمه الله(١)، وفي سنن ابن ماجه عن حَبَّة وسَوَاء ابنَي خالد قالا: دخلنا على النبيِّ :8# وهو يعالج شيئاً، فأعنَّاه عليه، فقال: ((لا تيأسا من الرزق ما تهزَّزت رؤوسكما؛ فإنَّ الإنسان تلده أُمُّه أحمرَ ليس عليه قِشر، ثم يرزقه الله))(٢). وروي أنَّ قوماً من الأعراب زرعوا زرعاً فأصابته جائحة، فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابيَّةٌ فقالت: ما لي أراكم قد نكستم رؤوسَكم، وضاقت صدورُكم، هو ربُّنا والعالم بنا، رِزْقُنا عليه، يأتينا به من حيث شاء! ثم أنشأت تقول: صَمّا مُلَمْلَمةٍ مُلْسٍ(٣) نواحيها لو كان في صخرةٍ في البحر راسيةٍ حتى تؤدِّي إليها كُلَّ ما فيها رِزقٌ لنفسٍ بَرَاها الله لا نفلقتْ لَسهَّلَ الله في المرقَى مَراقيها أو كان بين طباق السبعِ مسلكُها إنْ لم تَنلْه وإِلَّا سوف يأتيها (٤) حتى تنالَ الذي في اللوح خُطّ لها قلت: وفي هذا المعنى قِصَّةُ الأشعريين حين أرسلوا رسولَهم إلى النبيِّ ﴾، (١) وأسنده ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٠٤٥ من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد ﴾. وقال: لفضيل أحاديث حسان، وأرجو أن لا بأس به. (٢) سنن ابن ماجه (٤١٦٥)، وهو عند أحمد (١٥٨٥٥). قوله: تهززت رؤوسكما، أي: تحركت؛ كناية عن الحياة. قوله: أحمر، أي: كاللحم الذي لا قشر عليه، ويحتمل أن المراد بالقشر الثوب. وفي الزوائد: إسناده صحيح، وسلَّام بن شرحبيل ذكره ابن حبان في الثقات، ولم أر من تكلم فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات. شرح سنن ابن ماجه للسندي ٢/ ٥٤١ . (٣) في (م): ملساً. وقوله: ململمة، أي: مستديرة صلبة. الصحاح (لمم). (٤) قال ابن حبان في روضة العقلاء ص١٥٤ : أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش، فذكر الأبيات. وقال ابن عبد البر في بهجة المجالس ١٣٨/١: ومما يروى لعلي بن أبي طالب ، وفيه نظر، فذكر الأبيات. ٤٩٠ سورة الذاريات: الآية ٢٣ فسمع قولَه تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فرجع ولم يكلم النبيَّ ﴾، وقال: ليس الأشعريون بأَهونَ على الله من الدوابّ؛ وقد ذكرناه في سورة هود(١) . وقال لقمان: ﴿يَبُنَّىَّ إِنَّا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّتٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦]. وقد مضى في (لقمان))(٢). وقد استوفينا هذا الباب في كتاب ((قَمْع الحرص بالزهد والقناعة)) والحمد لله . وهذا هو التوُّل الحقيقيُّ الذي لا يشوبه شيء، وهو فراغ القلب مع الربّ؛ رَزَقنا اللهُ إياه، ولا أحالنا على أحد سواه، بمَنِّه وكرمه .. قوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ﴾ قراءة العامة: ((مِثْلَ)) بالنصب، أي: كمثل ما أَنَّكم، فهو منصوبٌ على تقدير حذف الكاف، أي: كمثل نطقكم، و((ما)) زائدة؛ قاله بعض الكوفيِين(٣). وقال الزجَّاج والفرَّاء: يجوز أن ينتصب على التوكيد، أي: لَحَقٌّ حقًّا مِثْلَ نطقكم (٤)؛ فكأنه نعتٌ لمصدر محذوف. وقول سيبويه: إنه مبني؛ بُني حين أُضيف إلى غير متمكّن(٥)، و((ما)) زائدة للتوكيد. المازني: ((مِثْلَ)) مع ((ما)) بمنزلة شيءٍ واحد، فبني على الفتح لذلك(٦). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ قال: ولأن مِن العرب مَن يجعل مِثْلاً منصوباً أبداً؛ فيقول: قال لي رجلٌ مثلَك، ومررت برجل مثلَك، نصب. وقرأ أبو بكر وحمزة والكِسائيُّ والأعمش: ((مِثلُ)) بالرفع على أنه صفةٌ لحقّ(٧)؛ (١) ١١ / ٧٣ - ٧٤ . (٢) ١٦/ ٤٧٦ وما بعدها. (٣) مشكل إعراب القرآن ٦٨٨/٢ بنحوه. قال السمين الحلبي في الدر المصون ٤٩/١٠: وفي هذا نظر، أيُّ حاجة إلى دخول الكاف ومثل تفيد فائدتها؟ (٤) المثبت من (ز)، وفي غيرها: نطقك، والكلام في معاني القرآن للزجاج ٥٤/٥، وللفراء ٨٥/٣. (٥) ذكر قوله النحاس في إعراب القرآن ٢٤١/٤ . (٦) ذكر قوله أبو علي في الحجة ٢١٨/٦، ومكي في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٨٧ . (٧) السبعة ص٦٠٩، والتيسير ص٢٠٣ . وهي عن الأعمش في معاني القرآن للفراء ٨٥/٣، والمحرر الوجيز ١٧٦/٥ . ٤٩١ سورة الذاريات: الآيات ٢٣ - ٢٨ لأنه نكرةٌ وإن أُضيف إلى معرفة، إذ لا يختصُّ بالإضافة؛ لكثرة الأشياءِ التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين. و((مِثْل)) مضافٌ إلى ((أَنْكُمْ))، و((ما)) زائدة، ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر؛ إذ لا فعل معها تكون معه مصدراً(١). ويجوز أن تكون بدلاً من (لَحَقٌّ)). إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَهًاً قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَمِينَ ﴾ ﴿ فَقَرَّبَهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ﴿٥ فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أَلَا تَأْكُونَ ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَّخَفَّ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ذَكَرَ قصةَ إبراهيم عليه السلام ليبيِّنَ بها أنه أهلك المكذِّبَ بآياته كما فعل بقوم لوط . ((هَلْ أَتَاكَ)) أي: ألم يأتك. وقيل: ((هَلْ)) بمعنى قد (٢)؛ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]. وقد مضى الكلامُ في ضيف إبراهيم في ((هود)) و ((الحجر))(٣). ﴿الْمُكْرَِينَ﴾ أي: عند الله (٤)؛ دليلُه قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ تُكْرُمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. قال ابن عباس: يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل(٥)؛ زاد عثمان بنُ مُحصِن(٦): ورفائيل، عليهم الصلاة والسلام(٧). وقال محمد بن كعب: كان جبريل (١) الكلام بنحوه في الحجة ٢١٦/٦ . (٢) الوسيط للواحدي ٤/ ٧٧ عن ابن عباس ومقاتل. (٣) ١٥٧/١١ فما بعد، ٢٢١/١٢ فما بعد. (٤) الوسيط للواحدي ١٧٧/٤، والنكت والعيون ٣٦٩/٥، وتفسير البغوي ٢٣٢/٤، والمحرر الوجيز ١٧٧/٥، وزاد المسير ٣٥/٨. (٥) الوسيط للواحدي ٤ / ١٧٧ . (٦) في (م): حصين، وهو خطأ. وعثمان بن محصن روى عن ابن عباس، مرسل. روى عنه نوح بن قيس الحداني. الجرح والتعديل ٦ / ١٦٧ . (٧) النكت والعيون ٣٦٩/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٥٤/٦ (١١٠١٢). ٤٩٢ سورة الذاريات: الآيات ٢٤ - ٢٨ ومعه تسعة(١). وقال عطاء وجماعة: كانوا ثلاثة: جبريل، وميكائيل، ومعهما مَلَكٌ آخَر (٢). قال ابن عباس: سمَّاهم مكرَمين لأنهم غيرُ مَدْعُوِّين(٣). وقال مجاهد: سمَّاهم مكرمين لخدمة إبراهيمَ إياهم بنفسه (٤). قال عبد الوهّاب: قال لي علي بن عياض(٥): عندي هريسة، ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسنَ رأيي فيها! قال: امضٍ بنا؛ فدخلت الدار، فنادى الغلام، فإذا هو غائب، فما راعني إلَّ به ومعه القُمْقُمة والطَّسْت، وعلى عاتقه المِنْديل، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو علمتُ يا أبا الحسن أنَّ الأمر هكذا. قال: هَوِّن عليك؛ فإنك عندنا مُكرم، والمُكرم إنما يُخدم بالنفس؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمًا﴾ تقدَّم في ((الحجر))(٦). ﴿قَالَ سَلَمْ﴾ أي: عليكم سلام. ويجوز بمعنى: أمري سلام، أو: ردِّي لكم سلام(٧). وقرأ أهل الكوفة إلَّا عاصماً: ((سِلْمٌ)) بكسر السين(٨). ﴿قَوٌّْ مُنكَرُونَ﴾ أي: أنتم قومٌ منكرون، أي: غرباء لا نعرفكم(٩). وقيل: لأنه رآهم على غير صورة البشر، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم، فنَكِرَهم، (١) مجمع البيان ٢٧ / ١٥ . (٢) ذكره في الكشاف ٤/ ١٧ دون نسبة. (٣) في (ظ) و(م): مذعورين، وهو خطأ، وينظر تفسير البغوي ٤/ ٢٣٢. (٤) النكت والعيون ٣٦٩/٥، وأخرجه الطبري ٥٢٥/٢١ بنحوه. (٥) في (ز): قال لي عياض. وعلي بن عياض ذكره ابن عساكر في تاريخه ١٦/٥ فيمن روى عن أحمد بن عطاء الروذباري الصوفي، فقال: القاضي أبو الحسن علي بن عياض بن أحمد بن أيوب بن أبي عقيل الصوري. (٦) ١٢ / ٢٢٢. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٣/٤ بنحوه. (٨) السبعة ص٣٣٧ ، والتيسير ص ١٢٥ . (٩) تفسير البغوي ٤/ ٢٣٢ . ٤٩٣ سورة الذاريات: الآيات ٢٥ - ٢٨ فقال: ((قَوْمٌ مُنْكَرُونَ))(١). وقيل: أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمانِ وفي تلك الأرض(٢). وقيل: خافهم؛ يقال: أنكرته إذا خفته، قال الشاعر: فأَنْكَرَتْنِي وما كان الذي نَكِرَتْ مِن الحوادث إلَّ الشَّيبَ والصَّلَعا(٣) قوله تعالى: ﴿فَاعَ إِلَ أَهْلِهِ﴾ قال الزجَّاجِ (٤): أي: عَدَلَ إلى أهله. وقد مضى في ((والصافَّات))(٥). ويقال: أراغ وارتاغ بمعنى طلب، وماذا تُرِيغ، أي: تريد وتطلب، وراغ(٦) إلى كذا، أي: مال إليه سِرًّا وحاد. فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى(٧) . ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي: جاء ضيفَه بعجل قد شواه لهم، كما في ((هود)): ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ [الآية: ٦٩]. ويقال: إنَّ إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتَّخذَ لهم من الطعام. قوله تعالى: ﴿فَقَرََّهُ: إِلَيْهِمْ﴾ يعني العجل. ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال قتادة: كان عامَّةُ مالٍ إبراهيم البقر. واختاره لهم سميناً زيادةً في إكرامهم(٨). وقيل: العِجل في بعض اللغات الشاة؛ ذكره القشيري. وفي الصحاح: العِجل ولد البقرة، والعِجَّوْل مثلُه، والجمع العَجاجيل، والأنثى عِجْلة، عن أبي الجرَّاح، وبقرة مُعْجِل: ذات عِجْل، وعِجْل قبيلةٌ من ربيعة. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أحسَّ منهم في نفسه خوفاً. وقيل: أضمر (١) النكت والعيون ٣٧٠/٥ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٣٢. (٣) النكت والعيون ٥/ ٣٧٠، والبيت في ديوان الأعشى ص١٥١، وفيه كلام؛ سلف ١٦٣/١١. (٤) في معاني القرآن ٥٤/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النكت والعيون ٣٧٠/٥ . (٥) ١٨/ ٥٣ . (٦) في النسخ: وأراغ، والمثبت من الصحاح وغيره. (٧) لم نقف عليه في كتب اللغة. (٨) النكت والعيون ٥/ ٣٧٠، وقول قتادة أخرجه الطبري ٥٢٦/٢١ . ٤٩٤ سورة الذاريات: الآيات ٢٨ - ٣٠ لمَّا لم يَتحرَّموا بطعامه(١). ومن أخلاق الناس أنَّ مَن تَحرَّم بطعام إنسانٍ أَمِنَه. وقال عمرو بن دينار: قالت الملائكة: لا نأكل إلَّا بالثمن. قال: كلوا وأدُّوا ثمنه. قالوا: وما ثمنُه؟ قال: تسمُّون اللهَ إذا أكلتم، وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: لهذا اتخذك الله خليلاً. وقد تقدَّم هذا في ((هود))(٢). ولمَّا رأوا ما بإبراهيم من الخوف ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ﴾ وأعلموه أنهم ملائكةُ الله ورسلُه. ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلٍَ عَلِيٍ﴾ أي: بولد يولد له مِن سارة زوجتِه. وقيل: لمَّا أخبروه أنهم ملائكةٌ لم يصدِّقهم، فدَعَوا الله، فأحيا العجلَ الذي قرَّبه إليهم. وروى عون بن أبي شدَّاد: أنَّ جبريل مسح العجل بجناحه، فقام يدرج حتى لَحِقَ بأمه، وأُمُّ العجل في الدار(٣). ومعنى ((عَلِيم)) أي: يكون بعد بلوغه مِن أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على أنَّ المبشَر به هو إسحاق. وقال مجاهدٌ وحده: هو إسماعيل، وليس بشيء؛ فإنَّ الله تعالى: يقول: ﴿وَبَثَّتْنَهُ بِإِسْحَقَ﴾ [الصافات: ١١٢]. وهذا نصّ (٤). قَالُواْ قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ آَمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَمُ عَقِيمٌ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ إِنَّهُ هُوَ اَلْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( قوله تعالى: ﴿فَأَقْلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرَّقِ﴾ أي: في صيحة وضجَّة؛ عن ابن عباس وغيره. ومنه أُخذ صريرُ الباب، وهو صوته(٥). وقال عكرمة وقتادة: إنها الرَّنَّة والتأوُّه(٦). ولم يكن هذا الإِقبالُ من مكان إلى مكان؛ قال الفرَّاء(٧): وإنما هو (١) الكشاف ١٨/٤، وقوله: يتحرموا بطعامه، أي: يحرم عليهم بسببه ما يريدون به من سوء. (٢) ١٦٦/١١. وينظر النكت والعيون ٥/ ٣٧٠، والمحرر الوجيز ٥/ ١٧٧ - ١٧٨. (٣) النكت والعيون ٣٧٠/٥ . (٤) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٣٧١/٥، والكشاف ١٨/٤، والمحرر الوجيز ١٧٨/٥. وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢١/ ٥٢٧ ورجح خلافه. (٥) النكت والعيون ٣٧١/٥ بنحوه، وأخرج قول ابن عباس الطبري ٥٢٨/٢١ - ٥٢٩ عنه وعن غيره. (٦) ذكر قول عكرمة الزمخشري في الكشاف ١٨/٤، وقول قتادة الماوردي في النكت والعيون ٣٧١/٥ ، وأخرجه الطبري ٥٢٨/٢١ - ٥٢٩ عن قتادة. (٧) في معاني القرآن ٨٧/٣ . ٤٩٥ سورة الذاريات: الآيتان ٢٩ - ٣٠ كقولك: أقبل يشتِمني، أي: أخذ في شتمي. وقيل: أقبلت في صَرَّة، أي: في جماعة من النساء تسمع كلامَ الملائكة(١). قال الجوهري: الصَّرَّة: الضَّجَّة والصيحة، والصَّرَّة: الجماعة، والصَّرَّة: الشِّدَّة مِن کرب وغيره، قال امرؤ القيس : فألحَقَه بالهاديات ودونَهُ جَوَاحِرُها في صَرَّة لم تَزَّيَّلِ يحتمل هذا البيتُ الوجوهَ الثلاثة. وصَرَّةُ القيظ: شِدَّة حَرِّه(٢). فلما سمعت سارة البِشارة، صَكَّت وجهها، أي: ضربت يدها على وجهها على عادة النِّسوان عند التعجُّب؛ قاله سفيان الثوريُّ وغيره(٣). وقال ابن عباس: صَكَّت وجهها : لطمته(٤). وأصل الصَّك: الضرب؛ صگّه، أي ضربه؛ قال الراجز: يا كَرَواناً صُكَّ فاكبأَنَّا(٥) قال الأموي: كَبَن الظّبي: إذا لطأ بالأرض، واكبَأَنَّ: انقبض (٦). وَقَالَتْ عَجُ عَقِيمٌ﴾ أي: أتلد عجوزٌ عقيم؟!(٧). (١) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٤/ ٢٤٤ . (٢) الصحاح (صرر). وبيت امرئ القيس في ديوانه ص٢٢، وروايته: فألحقنا .. قال شارحه: قوله: فألحقنا بالهاديات، أي: ألحقنا الفرس بالمتقدمات من البقر. والجواحر: ما تخلف منها. والصرة: الجماعة. ومعنى: لم تزيل: لم تفرق، أي: جمع الفرس بين أواخرها وأوائلها، فلم يفت منها شيء. (٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٣٠ عن الثوري وغيره. (٤) أخرجه الطبري ٥٢٩/٢١ . (٥) الصحاح (صكك)، وينظر (كبن). والرجز لمدرك بن حصن، وهو في إصلاح المنطق ص٩٦ ، والمعاني الكبير ٢٩٤/١، واللسان (كبن)، والخزانة ٣/ ١٨٧ (دار صادر). والكَرّوان: طائر، قيل: هو الحُبَارَى: الصحاح (كرى). والمقصود به هنا عامل الزكاة هجي به، كأنه قال: يا رجلاً كرواناً، أي: يا مثل الكروان بضعفه. الخزانة. (٦) الصحاح (كبن). (٧) النكت والعيون ٣٧١/٥ عن مجاهد والسدي. ٤٩٦ سورة الذاريات: الآيات ٣٠ - ٣٧ الزجَّاج(١): أي: وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟! كما قالت: ((يا وَيْلَتَا أَأَلد وأَنا عجوزٌ)) [هود: ٧٢]. ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ﴾ أي: كما قلنا لكِ وأخبرناك ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾ فلا تَشُكِّي فيه، وكان بين البشارة والولادة سَنَة، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك، فولدت وهي بنت تسعٍ وتسعين سنة، وإبراهيمٌ يومئذ ابن مئة سنة، وقد مضى هذا (٢). ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ اَلْعَلِمُ﴾ حكيم فيما يفعله، عليمٌ بمصالح خَلْقه. قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ (٣١ قوله تعالى: ﴿قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ فَأَخْرَجْنَا مَن تُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (g) لِتُرْسِلَ عَلَهِمْ حِجَارَةٌ مِّنْ طِينٍ وَتَرَّكْنَا فِيَهَآ ءَايَةً كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ () لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ لمَّا تيقَّن إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة، قال لهم: ((فَمَا خَطْبُكُمْ)) أي: ما شأنكم وقِصَّتكم ((أَيُّها المرسَلون)) ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ يريد قومَ لوط. ﴿لِتُسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّنْ طِينٍ﴾ أي: لنرجُمَهم بها. ﴿َُوَّمَةٌ﴾ أي: مُعَلَّمة. قيل: كانت مخطّطةٌ بسواد وبياض. وقيل: بسواد وحُمرة. وقيل: ((مُسَوَّمَةً)) أي: معروفة بأنها حجارة العذاب. وقيل: على كل حجر اسمُ من يَهلِك به. وقيل: عليها أمثالُ الخواتيم. وقد مضى هذا كلُّه في ((هود))(٣). فجعلت الحجارة تتبع مسافريهم وشُذَّاذَهم(٤)، فلم يُفلت منهم مُخْبِر. ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الله، وقد أعدَّها لرجم مَن قضى برجمه. ثم قيل: كانت مطبوخة طبخَ الآجُرّ، قاله (١) في معاني القرآن ٥٥/٥ . (٢) ١٦٨/١١ - ١٦٩ . (٣) ١٨٧/١١ -١٨٩ . (٤) المثبت من (م)، وفي غيرها: شدادهم. وفي القاموس: الشُّذَّاذ: الذين لم يكونوا في حيِّهم ومنازلهم. ٤٩٧ سورة الذاريات: الآيات ٣٣ - ٣٧ ابن زيد؛ وهو معنى قولِه تعالى: ﴿حِجَارَةُ مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢] على ما تقدَّم بيانُه في ((هود))(١). وقيل: هي الحجارة التي نراها، وأصلها طين، وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مرِّ الدهور. وإنما قال: ((مِنْ طِينٍ)) ليعلم أنها ليست حجارةً الماء التي هي البَرَد؛ حكاه القشيري(٢). قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لمَّا أردنا إهلاكَ قوم لوط، أخرجنا مَن كان في قومه من المؤمنين؛ لئلا يَهلِكَ المؤمنون، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١]. ﴿فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني لوطاً وبنتيه، وفيه إضمار؛ أي: فما وجدنا فيها غيرَ أهلٍ بيت. وقد يقال: بيت شريف، يراد به الأهل. وقوله: ((فِيهَا)) كناية عن القرية، ولم يتقدَّم لها ذِكْر؛ لأن المعنى مفهوم(٣). وأيضاً فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ يدلُّ على القرية؛ لأن القوم إنما يسكنون قرية. وقيل: الضمير فيها للجماعة(٤)، والمؤمنون والمسلمون هاهنا سواء، فجنَّس اللفظ لئلا يتكرر، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وقيل: الإيمان تصديق القلب، والإسلام الانقياد بالظاهر، فكلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كلُّ مسلم مؤمناً. فسمَّاهم في الآية الأولى مؤمنين؛ لأنه ما من مؤمن إلَّا وهو مسلم(٥). وقد مضى الكلام في هذا المعنى في ((البقرة)) وغيرها(٦). وقولُه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ [الحجرات: ١٤] يدل على الفرق بين الإيمان والإسلام، وهو مقتضى حديثٍ جبريل عليه السلام في صحيح مسلم(٧) وغيره. وقد بيَّناه في غير موضع. قوله تعالى: ﴿وَتَكْنَا فِيَهَآ ءَايَةً﴾ أي: عبرةٌ وعلامةً لأهل ذلك الزمانِ ومَن بعدهم؛ (١) ١٦٨/١١-١٦٩. (٢) وحكاه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٨/٥ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/٤، والكشاف ١٩/٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/٤ . (٥) الوسيط للواحدي ١٧٨/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٢٣٣ . (٦) ٢/ ٣٩٦، ٤٠٧ - ٤٠٨ و ٥ /٦٨ . (٧) برقم (٨) و(٩). وسلف ٦٨/٥ . ٤٩٨ سورة الذاريات: الآيات ٣٧ - ٤٠ نظيرُه: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]. ثم قيل: الآية المتروكة نفس القرية الخَرِبة (١). وقيل: الحجارة المنضودة التي رُجِموا بها هي الآية. وْلِلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ لأنهم المنتفعون. قوله تعالى: ﴿ وَفِىِ مُوسَىّ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ ﴿ فَتَوَّ بِّكِْهِ، وَقَالَ ٤٠ سَحِرْ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿﴿ فَأَخَذْنَهُ وَحُدَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْبِمِ وَهُوَ مُلِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَفِى مُوسَى﴾ أي: وتركنا أيضاً في قصة موسى آية. وقال الفراء: هو معطوف على قوله: ((وفي الأَرْض آياتٌ)) ((وفي مُوسَى))(٢). ﴿إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّينٍ﴾ أي: بحجَّة بيِّنة، وهي العصا. وقيل: أي: بالمعجزات؛ من العصا وغيرها. قوله تعالى: ﴿فَوَلَّ بِّكِْهِ﴾ أي: فرعون؛ أعرض عن الإيمان ((بِرُكْنِهِ)) أي: بجموعه وأجناده؛ قاله ابن زيد. وهو معنى قولٍ مجاهد (٣). ومنه قولُه: ((أَوْ آوِي إِلَى رُكُنٍ شَدِيدٍ)) [هود: ٨٠] يعني المَنَعة والعشيرة. وقال ابن عباس وقتادة: بقوته(٤). ومنه قول عنترة : فما أَوْهَى مِرَاسُ الحربِ رُكُني ولكنْ ما تقادَم مِن زماني (٥) (١) معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٧ بنحوه. (٢) لم نقف على كلام الفراء، وذكر الوجهين الزجاج في معاني القرآن ٥٦/٥ ، والزمخشري في الكشاف ١٩/٤. (٣) أخرجه وقولَ ابن زيد الطبري ٥٣٤/٢١ - ٥٣٥. (٤) في (ظ): لقومه (كذا) والأثر ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧٢/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه عنه الطبري ٢١/ ٥٣٤ على الشك فقال: بقوته أو بقومه. أبو جعفر يشك. أي: الطبري. وأما قتادة فقد أخرج عنه ٥٣٥/٢١ قوله: بقومه، وكذا أخرجه عبد الرزاق ٢٤٤/٢، وذكره النحاس في إعراب القرآن ٢٤٦/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٠/٥. (٥) ونسبه أيضاً لعنترة المبرِّد في الكامل ٢٨٥/١، وليس هو في المطبوع من ديوانه. والكلام في النكت والعيون ٥/ ٣٧٢ . ٤٩٩ سورة الذاريات: الآيات ٣٩ - ٤٢ وقيل: بنفسه. وقال الأخفش(١): بجانبه؛ كقوله تعالى: ﴿أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِبِةٍ﴾ [الإسراء: ٨٣] وقاله المؤرِّج. الجوهري(٢): ورُكْن الشيء جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد، أي: عِزِّ ومَنَّعة. القشيري: والركن جانب البدن. وهذا عبارةٌ عن المبالغة في الإعراض عن الشيء. ﴿وَقَالَ سَحِرْ أَوْ مَحْنُنٌ﴾ ((أو)) بمعنى الواو، لأنهم قالوهما جميعاً(٣). قاله المؤرِّج والفرَّاء، وأنشد بيت جرير(٤). أَثَعْلبةَ الفوارسَ أَو رِياحا عَدَلْتَ بِهِم ◌ُهَيَّةَ والخِشَابا وقد توضع ((أو)) بمعنى الواو؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. والواوُ بمعنى ((أو))، كقوله تعالى: ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌ﴾ [النساء: ٣] وقد تقدَّم جميع هذا(٥). ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ﴾ لكفرهم وتولِّيهم عن الإيمان. ﴿فَنَبَذْتَهُمْ﴾ أي: طرحناهم ﴿فِيِ اَلِّمِ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ يعني فرعون، لأنه أتى ما يلام عليه. قوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيَمَ ﴿٨ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ ٤٢ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَِّيمِ قوله تعالى: ﴿وَفِ عَارٍ﴾ أي: وتركنا في عاد آيةً لمن تأمَّل. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ اٌلْعَقِيمَ﴾ وهي التي لا تُلْقح سحاباً ولا شجراً، ولا رحمةً فيها ولا بركة ولا منفعة؛ (١) المصدر السابق. (٢) في الصحاح (ركن). (٣) مجاز القرآن ٢٢٧/٢. وقد ضعفه النحاس في إعراب القرآن ٢٤٦/٤ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ٠١٨٠/٥ (٤) أنشده أبو عبيدة في مجاز القرآن. وسلف ٣١٣/١٧ . (٥) ٣٢٥/١، ٣٣/٦ - ٣٥. ٥٠٠ سورة الذاريات: الآيتان ٤١ - ٤٢ ومنه: امرأة عقيم لا تحمل ولا تلد. ثم قيل: هي الجَنُوب؛ روى ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن، عن النبيِّ# قال(١): ((الريح العقِيم الجَنُوب)). وقال مقاتل: هي الدَّبُور (٢)، كما في الصحيح عن النبيِّ لَ﴾: ((نُصِرت بالصَّبًا، وأُهلِكت عادٌ بالدَّبُور))(٣). وقال ابن عباس: هي النَّكْباء(٤). وقال عُبيد بن عُمير: مسكنها الأرض الرابعة، وما فتح على عاد منها إلا كقَدْر مَنْخِر الثور. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنها الصَّبا(٥)؛ فالله أعلم. قوله تعالى: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَتْهُ كَالرَّيِيمٍ﴾ أي: كالشيء الهشيم؛ يقال للنبت إذا يبس وتفتَّت: رميم وهشيم. قال ابن عباس: كالشيء الهالك البالي؛ وقاله مجاهد(٦). ومنه قول الشاعر (٧): تركُتَني حين كَفَّ الدَّهرُ مِن بصري وإذ بَقِيتُ كعَظُم الرِّمَّة البالي وقال قتادة: إنه الذي دِيس من يابس النبات. وقال أبو العالية والسُّدِّيّ: كالتراب المدقوق. قُطْرب: الرَّمِيم: الرَّماد (٨). وقال يمان: ما رَمَته الماشية من الكلأ بمِرَمَّتها. ويقال للشَّفَة: المِرَمَّة والمِقَمَّة، بالكسر، والمَرَمَّة - بالفتح - لغةٌ فيه. وأصل الكلمة مِن: رَمَّ العظمُ: إذا بَلي؛ تقول منه: رَمَّ العظم يَرِمُّ - بالكسر - رِمَّة، فهو رمِيم، (١) كذا في النكت والعيون ٣٧٣/٥، وأخرجه الطبري ٥٣٨/٢١، وأبو الشيخ في العظمة (٨٥١) بهذا السند عن سعيد بن المسيب من كلامه. (٢) النكت والعيون ٣٧٣/٥. والدَّبُور: الريح التي تقابل الصَّبا. النهاية (دبر). (٣) صحيح البخاري (١٠٣٥)، وصحيح مسلم (٩٠٠). وسلف ٢/ ٤٩٩ . (٤) ذكر هذا القول الزمخشري في الكشاف ١٩/٤، وابن عطية في المحرر ١٨٠/٥ عن علي ﴾، وكذا أخرجه الفريابي وابن المنذر كما في الدر المنثور ١١٥/٦ . (٥) النكت والعيون ٣٧٣/٥ . (٦) أخرج قولهما الطبري ٢١/ ٥٤٠ . وقول مجاهد في النكت والعيون. (٧) هو جرير، والبيت في شرح ديوانه ٢/ ٥٨٤ باختلاف يسير، وهو براوية المصنف في النكت والعيون. (٨) النكت والعيون ٥/ ٣٧٣ دون ذكر أبي العالية، وقوله في تفسير البغوي ٢٣٣/٤ .