النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة ق: الآيات ١٨ - ١٩ فيقولُ الله تعالى: إنَّ أرضي مملوءةٌ من خلقي يسبِّحونني، فيقولان: ياربِّ، فأين نكون؟ فيقولُ الله تعالى: قوما(١) على قبر عبدي، فكبِّراني وهلِّلاني وسبحاني(٢)، واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة))(٣). قوله تعالى: ﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِأَلَقِّ﴾ أي: غمرتُه وشدَّتُه؛ فالإنسانُ مادام حيًّا تُكتَبُ عليه أقواله وأفعاله، ليُحاسَبَ عليها، ثم يجيئُهُ الموت، وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحقِّ فيما كان الله تعالى وعدَه وأوعده. وقيل: الحقُّ هو الموت، سُمِّي حقًّا؛ إمَّا لاستحقاقه، وإمَّا لانتقاله إلى دار الحقّ، فعلى هذا يكون في الكلام تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وجاءت سكرةُ الحقِّ بالموت(٤)، وكذلك في قراءة أبي بكر وابن مسعود رضي الله عنهما(٥)؛ لأنَّ السَّكرة هي الحقّ، فأُضيفتْ إلى نفسها لاختلاف اللفظين. وقيل: يجوز أنْ يكون الحقُّ على هذه القراءة هو الله تعالى؛ أي: جاءت سكرةٌ أمر الله تعالى بالموت. وقيل: الحقُّ هو الموتُ، والمعنى وجاءت سكرةُ الموت بالموت(٦)؛ ذكره المهدويُّ. وقد زعم من طعن على القرآن فقال: أُخالفُ المصحفَ كما خالفه (٧) أبو بكر (١) في (م): كونا. (٢) في (ف) و(ق): واذكراني، وفي (ظ): وسبحاني واذكراني. (٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٩٣١). وفي إسناده عثمان بن مطر. قال ابن الجوزي في الموضوعات ٩٧/٤ : وهذا لا يصح، وقد اتفقوا على تضعيف عثمان بن مطر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الإثبات، لا يحلُّ الاحتجاج به. (٤) النكت والعيون ٣٤٧/٥-٣٤٨ . (٥) القراءات الشاذة ص١٤٤، والمحتسب ٢٨٣/٢ عن أبي بكر ، وهي عن ابن مسعود في إعراب القرآن للنحاس ٢٢٥/٤، والنكت والعيون ٣٤٨/٥ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٥/٤. (٧) في (م): خالف. ٤٤٢ سورة ق: الآية ١٩ الصدِّيقُ، فقرأ: وجاءت سكرة الحقِّ بالموت. فاحتجَّ عليه بأنَّ أبا بكر رُويت عنه روايتان: إحداهما موافقةٌ للمصحف، فعليها العمل، والأخرى مرفوضةٌ، تجري مَجرى النسيان منه إنْ كان قالها، أو الغلط من بعض من نَقَل الحديث. قال أبو بكر الأنباريّ: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق قال: لما احتُضِرَ أبو بكرٍ أرسلَ إلى عائشةَ، فلما دخلتْ عليه قالت: هذا كما قال الشاعر: إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدْرُ(١) فقال لها أبو بكر: هلَّا قُلتِ كما قال الله: ﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحِّ ذَلِكَ مَا كُتَّ مِنْهُ تِيدٌ﴾ وذكر الحديث(٢). والسَّكْرة واحدة السَّكَرات. وفي الصحيح عن عائشة أنَّ رسول اللـه ﴾ كانت بين يديه رَكوةٌ - أو عُلْبَةٌ - فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسحُ بهما وجهه ويقول: ((لا إله إلّا اللـه، إنَّ للموت سكرات)). ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قُبض ومالتْ يده. خرَّجه البخاري(٣). ورُوي عن النبيِّ :﴿ أَنَّه قال: ((إنَّ العبدَ الصالح لَيُعالجُ الموتَ وسكراته، وإنَّ مفاصله لَيُسلُمُ بعضُها على بعض، تقول: السَّلامُ عليك، تفارقني وأفارقُك إلى يوم القيامة)) (٤). (١) هو عجز بيت لحاتم الطائي، وهو في ديوانه ص ٥٠ ، وفيه: النفس. بدل: يوماً. وصدره: أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى والحشرجة: هي الغرغرة عند الموت وتردد النفَس. الصحاح (حشرج). (٢) وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ١٩٥، وأحمد في الزهد ص١٣٦ من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي مولى الزبير عن عائشة رضي الله عنها. (٣) في صحيحه (٤٤٤٩)، وسلف ٤٠٨/٧ . (٤) لم نقف عليه. ٤٤٣ سورة ق: الآيات ١٩ - ٢٢ وقال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين، ادعوا الله أن يهوِّن عليكم هذه السَّكْرة. يعني : سَكَرات الموت. وروي: إنَّ الموتَ أشدُّ مَن ضربٍ بالسيوف، ونشرٍ بالمناشير، وقرضٍ (١) بالمقاریض . ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَجِدُ﴾ أي: يقال لمن جاءته سكرةُ الموت: ذلك ما كنتَ تفرُّ منه، وتميلُ عنه. يقال: حادَ عن الشيء يَحيدُ حُيُوداً وحَيْدَة وحَيْدُودَةً: مال عنه وعَدَل، وأصلُه: حَيَدَودة بتحريك الياء فسكنت؛ لأنَّه ليس في الكلام فَعْلُولٌ غير صَعْفُوق(٢). وتقولُ في الإِخبار عن نفسك: حِدْتُ عن الشيء أَحِيد حَيْداً ومَحِيداً : إذا ملتَ عنه(٣)؛ قال طَرَفة: أبا منذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ فَهِبتَهُ وحِدْتَ كما حادَ البعيرُ عن الذَّحْضِ (٤) قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿ وَحَآَمَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَأَبِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿ لَقَدْ كُتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (®]﴾ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ﴾ هي النفخةُ الآخرة للبعث ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾: الذي وعده الله للكفار أنْ يعذُّبهم فيه. وقد مضى الكلام في النفخ في الصور مستوفّى. والحمد لله(٥). قوله تعالى: ﴿وَحَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَأَبِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ اختُلِف في السائق والشهيد؛ فقال ابن عباس: السائقُ من الملائكة، والشهيدُ من نفسه. وقال الضَّحَّاك: السائقُّ من (١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١٦/٢٢ من قول شداد بن أوس. (٢) الصحاح (حيد)، والصَّعفُوق اللئيم. (٣) تفسير البغوي ٢٢٣/٤. (٤) سلف ١٣/ ٣١٢. (٥) ٤٣٠/٨-٤٣١. ٤٤٤ سورة ق: الآيات ٢١ - ٢٢ الملائكة، والشهيدُ(١) من أنفسهم؛ الأيدي والأرجل (٢)؛ رواه العوفيُّ عن ابن (٣) عباس(٣). وقال أبو هريرة: السائقُ: الملَك، والشهيدُ: العمل(٤). وقال الحسن وقتادة: المعنى: سائقٌ يسوقها، وشاهدٌ يشهدُ عليها بعملها(٥). وقال ابنُ مسلم: السائقُ قرينها من الشياطين؛ سُمِّي سائقاً؛ لأنَّه يتبعها وإنْ لم يحثَّها(٦). وقال مجاهد: السائقُ والشهيدُ ملّكان(٧). وعن عثمان بن عفان أنَّه قال وهو على المنبر: ﴿وَمَتْ كُلُّ نَفْسِ تَعَهَا سَأَبِقٌ وَشَهِيدٌ﴾؛ سائقٌ: مَلَكٌ يسوقُها إلى أمر الله، وشهيدٌ: ملكٌ(٨) يشهدُ عليها بعملها(٩). قلت: هذا أصحُّ؛ فإنَّ في حديث جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﴾ يقول: ((إنَّ ابنَ آدم لفي غفلة ممَّا (١٠) خلقَه الله عزَّ وجلَّ له، إنَّ الله لا إله غيرُه إذا أراد خَلْقَهُ قال للملَك: اكتبْ رزقَه وأثرَه وأجلَه، واكتب (١١) شقيًّا أو سعيداً، ثم يرتفعُ ذلك المَلَك، ويَبعثُ الله ملكا آخر فيحفظه حتى يُذْرِك، ثم يبعث الله ملكين يكتبان (١) من قوله: من نفسه. إلى هذا الموضع ساقط من (م). (٢) أخرج القولين الطبريُّ ٤٣٠/٢١-٤٣١. (٣) تفسير البغوي ٢٢٣/٤ . (٤) المحرر الوجيز ٥/ ١٦١ . (٥) أخرج قولهما الطبري ٢١/ ٤٣٠-٤٣١ . (٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٣/٨ دون نسبة. (٧) تفسير مجاهد ٢/ ٦١١، وأخرجه الطبري ٤٣٠/٢١. (٨) لفظة: ملك. ليست في (م). (٩) أخرجه الطبري ٤٢٩/٢١ . (١٠) في (م): عما. (١١) في (م): واكتبه. ٤٤٥ سورة ق: الآيات ٢١ -٢٢ حسناتِهِ وسيئاتِه، فإذا جاءه الموتُ ارتفعَ ذلك الملَكان، ثم جاءَه(١) ملك الموت عليه السلام فيقبِضُ روحَه، فإذا أُدْخِل حفرتَه ردَّ الروح في جسده، ثم يرتفعُ ملك الموت، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحظّ عليه ملَك الحسنات وملك السيئات، فأنشطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائقٌ، والآخر شهيد، ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَتَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. قال رسول اللـه ◌َ﴾: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] قال: ((حالاً بعد حال))، ثم قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ قُدَّامكم أمراً عظيماً، فاستعينوا بالله العظيم)). خرَّجه أبو نعيم الحافظ من حديث [أبي] جعفر محمد(٢) بن علي، عن جابر. وقال فيه هذا حديثٌ غريبٌ من حديث [أبي] جعفر، وحديثُ جابرٍ تفرَّد به عنه جابر الْجُعفيُّ وعنه المفضَّل(٣). ثم في الآية قولان: أحدُهما: أنَّها عامةٌ في المسلم والكافر؛ وهو قول الجمهور. الثاني: أنَّها خاصةٌ في الكافر؛ قاله الضحاك(٤). قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَتَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ﴾ قال ابنُ زيد: المراد به النبيُّ#؛ أي: لقد كنتَ يا محمدُ في غفلةٍ من الرسالة في قريش في جاهليتهم(٥). وقال ابن عباس والضحاك: إنَّ المرادَ به المشركون، أي: كانوا في غفلةٍ من عواقب أمورهم(٦). وقال أكثر المفسرين: إنَّ المرادَ به البرُّ والفاجر. وهو (١) في (م): جاء. (٢) في النسخ: من حديث جعفر بن محمد بن علي. وهو خطأ، والمثبت من المصادر. (٣) حلية الأولياء ٣/ ١٩٠، وأخرجه أيضاً أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٦١ والدر المنثور ١٠٦/٦. قال ابن كثير: هذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء، ولكن معناه صحيح. (٤) النكت والعيون ٣٤٩/٥ . (٥) أخرجه الطبري ٢١/ ٤٣٤، وضعَّفه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٢/٥. (٦) أخرجه عن ابن عباس الطبريُّ ٤٣٤/٢١. ٤٤٦ سورة ق: الآية ٢٢ اختيار الطبري(١). وقيل: أي لقد كنتَ أيُّها الإنسان في غفلةٍ عن أنَّ كلَّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيد؛ لأنَّ هذا لا يُعرف إلا بالنصوص الإلهية(٢). ﴿فَكَتَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ﴾ أي: عَمَاك؛ وفيه أربعة أوجه: أحدها: إذا كان في بطن أمه فؤُلد؛ قاله السدِّيّ. الثاني: إذا كان في القبر فنُشر. وهذا معنى قول ابن عباس. الثالث: وقت العَرْض في القيامة؛ قاله مجاهد. الرابع: أنه نزول الوحي وتحمُّل الرسالة. وهذا معنى قول ابن زيد(٣). ﴿فَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ قيل: يراد به بصرُ القلب، كما يقال: هو بصيرٌ بالفقه؛ فبصرُ القلب وبصيرته تبصرتُه شواهدَ الأفكار ونتائج الاعتبار، كما تُبصر العين ما قابلها من الأشخاص والأجسام. وقيل: المراد به بصرُ العين وهو الظاهر(٤)، أي: بصر عينك اليوم حديد، أي: قويُّ نافذٌ يرى ما كان محجوباً عنك. قال مجاهد: ﴿فَصَرُكَ الَْوْمَ حَدِيدٌ﴾ يعني: نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن سيئاتك وحسناتك(٥). وقاله الضَّحَّاك. وقيل: يعاينُ ما يصيرُ إليه من ثواب وعقاب. وهو معنى قول ابن عباس(٦). وقيل: يعني أنَّ الكافر يُحشر وبصره حديد، ثم يزرقُّ ويَعْمَى. وقُرِئ: (لَقَدْ كُنْتِ))، ((عَنْكِ))، ((فَبَصَرُكِ))؛ بالكسر على خطاب النفس(٧). (١) في تفسيره ٢١/ ٤٣٣. واختاره أيضاً ابن عطية في المحرر ١٦٢/٥. (٢) النكت والعيون ٣٤٩/٥ . (٣) المصدر السابق. (٤) المصدر السابق. (٥) تفسير البغوي ٢٢٣/٤، وزاد المسير ١٤/٨. (٦) النكت والعيون ٣٥٠/٥ . (٧) القراءات الشاذة ص ١٤٤ . ٤٤٧ سورة ق: الآيات ٢٣ - ٢٩ ٢٤ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فَرِيُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِدُ ﴿ أَلْفِيَا فِىِ جَهَنََّ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِدٍ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَأَلْفِيَاهُ فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ مَّنَّاعِ لِلْغَيْرِ مُعْتَدٍ قُرِبٍ ٢٦ قَالَ قَينُهُ رَبََّ مَا أَطْغَيَّتُهُ وَلَكِن كَانَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ ﴾ قَالَ لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ وَقَّدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿٨ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَذَىَّ وَمَّ أَنَاْ بِظَلَّمِ لِلْمَبِيدِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فَرِيتُهُ﴾ يعني: الملَك الموثَّل به في قول الحسن وقتادة والضَّخَّاكِ(١). ﴿هَذَا مَا لَدَىَّ عَنِيدٌ﴾ أي: هذا ما عندي من كتابة(٢) عمله مُعَذِّ محفوظ. وقال مجاهد: يقول: هذا الذي وكَّلتني به من بني آدم قد أَحضرتُه، وأَحضرتُ ديوان عمله(٣). وقيل: المعنى: هذا ما عندي من العذاب حاضر. وعن مجاهد أيضاً: قرينه الذي قُيِّض له من الشياطين (٤). وقال ابنُ زيد في رواية ابن وهب عنه: إنَّه قرينُه من الإنس(٥). فيقول الله تعالى لقرينه: ﴿أَلْفِيَا فِ جَهَنَّمْ﴾ قال الخليلُ والأخفش: هذا كلامُ العرب الصحيح(٦)؛ أنْ تُخاطب الواحد بلفظ الاثنين فتقول: ويلك ارحَلاها وازجُراها، وخُذاه وأطلقاه؛ للواحد. قال الفرَّاء(٧): تقول للواحد: قُوما عنَّا، وأصلُ ذلك أنَّ أدنى أعوان الرجل في إيله وغنمه ورفقته في سفره اثنان، فجرى كلامُ الرجل على صاحبيه، ومنه قولُهم للواحد في الشعر: خليليَّ(٨)، ثم يقول: يا صاح. قال امرؤ القيس: (١) النكت والعيون ٥/ ٣٥٠ دون ذكر الضحاك. (٢) في (ظ): كتاب. (٣) تفسير البغوي ٢٢٣/٤. (٤) تفسير مجاهد ٢ / ٦١١ . (٥) النكت والعيون ٣٥٠/٥ . (٦) في (م): الفصيح. (٧) في معاني القرآن ٧٨/٣ . (٨) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤/ ٢٢٣-٢٢٤ . ٤٤٨ سورة ق: الآيات ٢٤ - ٢٩ نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفؤادِ المُعَذَّبِ(١) خَلِيليَّ مُرَّا بي على أُمِّ جُنْدَبٍ وقال أيضاً : بِسَقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلٍ(٢) قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْری حَبِیبٍ ومَنْزِلِ وقال آخر: وإنْ تَدَعاني(٣) أخْمٍ عِرْضًا مُمنَّعًا (٤) فإِنْ تَزْجُراني يا ابنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْ وقيل: جاء كذلك؛ لأنَّ القرين يقع للجماعة والاثنين. وقال المازنيُّ: قوله: (أَلْقِيَا)) يدلُّ على أَلْقِ أَلْقِ (٥). وقال المبرد: هي تثنيةٌ على التوكيد، المعنى: أَلْقِ أَلْقِ، فناب ((أَلْقِيَا)) مناب التكرار(٦). ويجوز أن يكون ((ألْقِيَا)) تثنيةً على خطاب الحقيقة من قول الله تعالى يخاطبُ به الملَكين. وقيل: هو مخاطبةٌ للسائق والحافظ(٧). وقيل: إنَّ الأصل: أَلْقِينْ؛ بالنون الخفيفة؛ تُقلب في الوقف ألفاً؛ فَحُمِل الوصلُ على الوقف (٨). وقرأ الحسنُ: ((أَلْقِيَنْ)) بالنون الخفيفة(٩)، نحو قوله: ﴿وَلَيَكُونَا مِّنَ الصَّغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] وقوله: ﴿لَنَسْفَمًا﴾ [العلق: ١٥]. ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عِيدٍ﴾ أي: معاند؛ قاله مجاهد وعكرمة(١٠). وقال بعضهم: العنيدُ: (١) ديوان امرئ القيس ص٤١ . واللبانات. جمع لُبانة، وهي الحاجة. (٢) ديوان امرئ القيس ص٨، وسلف ١٠/ ٣٦٤ . (٣) في النسخ الخطية: تدعواني، والمثبت من المصادر. (٤) البيت في معاني القرآن للفراء ٧٨/٣، وتفسير الطبري ٢١/ ٤٣٧. (٥) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/٤، وينظر مشكل إعراب القرآن ٦٨٤/٢. (٦) ينظر الكشاف ٨/٤، والمحرر الوجيز ١٦٣/٥. (٧) المحرر الوجيز ١٦٣/٥، والقول الأخير اختاره الزجاج في معاني القرآن ٤٥/٥. (٨) الكشاف للزمخشري ٨/٤ . (٩) المحتسب ٢٨٤/٢ . (١٠) ينظر تفسير البغوي ٢٢٤/٤ . ٤٤٩ سورة ق: الآيات ٢٤ - ٢٩ المعرض عن الحق. يقال: عَنَد يَعنِد - بالكسر - عُنُوداً، أي: خالف وردَّ الحقَّ وهو يعرفه، فهو عَنِيد وعانِد، وجمع العَنِيد عُنُد (١)، مثل: رغِيف ورُغُف. ﴿َنَّعِ لِلْخَيْرِ﴾ يعني: الزكاة المفروضة، وكلَّ حقٍّ واجب(٢). ﴿مُعْتَدٍ﴾ في منطقه وسيرته وأمره، ظالم، ﴿تُرِيبٍ﴾: شاٌ في التوحيد؛ قاله الحسن وقتادة (٣). يقال: أراب الرجلُ فهو مُرِيب: إذا جاء بالريبة(٤)؛ وهو المشرك (٥). يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهًا ءَاخَرَ﴾. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وأراد بقوله: ((مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ)) أنَّه كان يمنعُ بني أخيه من الإسلام(٦). ﴿فَلَّفِيَاءُ فِ اٌلْعَذَابِ الثَّدِيدِ﴾ تأكيدٌ للأمر الأول. ﴿قَالَ فَيُ رَبََّ مَآ أَطْغَيَّتُهُ﴾ يعني: الشيطان الذي قُيِّضَ لهذا الكافر العنيد؛ تبرَّأ منه وكذَّبه. ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحقِّ وكان طاغياً باختياره، وإنما دعوتُهُ فاستجابَ لي. وقرينُه هنا هو شيطانُه بغير اختلاف. حكاه المهدويُّ. وحكى الثعلبيُّ: قال ابنُ عباس ومقاتل: قرينُهُ المَلَك؛ وذلك أنَّ الوليد بن المغيرة يقول للملَك الذي كان يكتب سيئاته: ربِّ إنَّه أعجلني، فيقول الملَك: ربَّنا ما أطغيتُه، أي: ما أعجلتُه. وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر: ربِّ إنَّه زاد عليَّ في الكتابة، فيقول الملَك: ربَّنا ما أطغيتُه، أي: ما زدتُ عليه في الكتابة؛ فحينئذٍ يقولُ (١) الصحاح (عند). (٢) تفسير البغوي ٢٢٤/٤ . (٣) أخرجه عن قتادة الطبري ٤٣٩/٢١. (٤) الصحاح (ريب). (٥) في (ظ): وهذا للمشرك، وفي (ق): وهذا المشرك. (٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٣٥٢، ونسبه للضحاك. ٤٥٠ سورة ق: الآيات ٢٨ - ٣٥ الله تعالى: ﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ﴾ يعني: الكافرين وقرناءهم من الشياطين(١). قال القشيريّ: وهذا يدلُّ على أنَّ القرينَ الشيطان. ﴿وَقَدْ فَذَمْتُ إِلَيْكُرُ بِالْوَعِيدِ﴾ أي: أرسلتُ الرسل. وقيل: هذا خطابٌ لكلِّ من اختصم. وقيل: هو للاثنين، وجاء بلفظ الجمع. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَذَنَّ﴾ قيل: هو قوله: ﴿مَنْ جَءَ بِالْحَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّئِشَةِ فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقيل: هو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وقال الفرَّاء(٢). ما يكذَّب عندي، أي: ما يُزَاد في القول ولا يُنْقَص؛ لعلمي بالغيب. ﴿وَمَّ أَنْ يِظَلَِّ لِعِيدِ﴾ أي: ما أنا بمعذِّبٍ من لم يُجرم؛ قاله ابنُ عباس(٣). وقد مضى القولُ في معناه في ((الحج)) وغيرها (٤). وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ ® هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَابٍ حَفِيظِ ﴿٣ ◌َّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبٍ ٢١ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ٣٣ أَدْخُلُوهَا بِسَلٍَْ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٦) لَمُ مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٢٥) قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ قرأ نافع وأبو بكر: ((يَوْمَ يَقُولُ)) بالياء اعتباراً بقوله: ﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَنَّ﴾. الباقون بالنون على الخطاب من الله تعالى(٥)، وهي نون التعظيم(٦). وقرأ الحسن: ((يَوْمَ أَقُولُ)). وعن ابن مسعود (١) ينظر تفسير البغوي ٤ /٢٢٤. (٢) في معاني القرآن ٧٩/٣ . (٣) النكت والعيون ٣٥٢/٥ . (٤) ٣٢٩/١٤، وعند تفسير الآية ٤٦ من سورة فصلت. (٥) السبعة ص٦٠٧، والتيسير ص٢٠٢ . (٦) في (م): العظمة. ٤٥١ سورة ق: الآيات ٣٠ - ٣٥ وغيره: ((يَوْمَ يُقَالُ))(١). وانتصب ((يَوْم)) على معنى: ما يبذَّل القولُ لديَّ يومَ. وقيل: بفعلٍ مقدَّرٍ معناه: وأنذرهم يومَ نَقُولُ لِجهنَّمَ هل امتلأتِ(٢)، لِما سبقَ من وعده إيَّاها أنَّه يملؤها. وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده(٣)، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده. ((وتَقُولُ)) جهنم: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) أي: ما بقي فيَّ موضعٌ للزيادة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: ((هل تَرَك لنا عَقِيلٌ من رَبْع أو منزل)) (٤) أي: ما ترك؛ فمعنى الكلام: الجحد. ويحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى الاستزادة(٥)؛ أي: هل من مزيد فأُزاد (٦)؟ وإنمَّا صَلَح هذا للوجهين (٧)؛ لأنَّ في الاستفهام ضرباً من الجَحد. وقيل: ليس ثَمَّ قولٌ، وإنَّما هو على طريق المثل، أي: إنَّها فيما يَظهرُ من حالها، بمنزلة الناطقة بذلك؛ كما قال الشاعر: امتلأَ الحوضُ وقال قَطني مَهْلاً رويداً قد ملأتَ بطني(٨) وهذا تفسيرُ مجاهد وغيره؛ أي: هل فيَّ من مسلك، قد امتلأت(٩). وقيل: يُنطِقُ الله النار حتى تقول هذا؛ كما تنطق الجوارح. وهذا أصحُ على ما بيَّنَّه في سورة الفرقان (١٠). (١) قراءة ابن مسعود في المحتسب ٢٨٤/٢، وزاد نسبتها فيه للأعمش والحسن. (٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٦/٥ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٤ . (٤) أخرجه البخاري (٣٠٥٨) من حديث أسامة بن زيد، وعقيل هو ابن أبي طالب. (٥) ينظر تفسير البغوي ٢٢٤/٤، والمحرر الوجيز ١٦٥/٥. (٦) في (م) فأزداد. (٧) في (ظ) هذين الوجهين. (٨) البيت في الصحاح (قطط)، وسلف ٢/ ٢٥٥. (٩) تفسير مجاهد ٢/ ٦١٢ . (١٠) ٣٧٨/١٥ . ٤٥٢ سورة ق: الآيات ٣٠ - ٣٥ وفي صحيح البخاري ومسلم والترمذي(١) عن أنس بن مالك، عن النبيِّ# قال: ((لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضعَ ربُّ العزة فيهَا قَدَمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَظْ(٢)، بعزَّتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فَضلٌ، حتى يُنشئَ الله لها خلقاً، فيُسكِنَهُم فَضْلَ الجنة)) لفظ مسلم. وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة: ((وأمَّا النَّار فلا تمتلئ حتى يضعَ الله عليها رِجْله تقول(٣): قَطْ قَطْ. فهنالَك تمتلئ، ويُزوى (٤) بعضُها إلى بعض، فلا يظلمُ اللـه من خلقه أحداً، وأما الجنة فإنَّ الله ينشئُ لها خلقاً))(٥). قال علماؤنا رحمهم الله: أما معنى القدم هنا (٦): قومٌ يقدِّمهم الله إلى النار، قد سبق في علمه أنَّهم من أهل النار. وكذلك الرِّجْل؛ وهو العددُ الكثير من الناس وغيرهم؛ يقال: رأيتُ رِجْلاً من النَّاس، ورِجْلاً من جَراد(٧)، قال الشاعر: إليهم من الحيِّ اليمانينَ أرْجُلٌ فمرَّ بنا رِجْلٌ من النَّاس وانْزَوَى على ابْنَيْ نِزارٍ بالعَدَاوة أحْفَلُ (٨) قبائلُ من لَحْمٍ وعُكْلٍ وحِمْيٍَ ويَبَيِّنُ هذا المعنى ما روي عن ابن مسعود أنَّه قال: ما في النار بيتٌ، ولا (١) صحيح البخاري (٧٣٨٤)، وصحيح مسلم (٢٨٤٨): (٣٨)، وسنن الترمذي (٣٢٧٢)، وهو عند أحمد (١٣٤٥٧)، وسلف عند تفسير الآيتين (٤٩ - ٥٠) من سورة الشورى. (٢) قط بمعنى حسب، فهي مبنيةٌ على السكون، وقد تكسر، وتلحقها نون الوقاية إذا أضيفت، وتقال: بالدال، ويصحُّ فيها ما يصحُّ في الطاء. المفهم ١٩٦/٧ . (٣) في (م) و(ظ): يقول لها، والمثبت من (ف) و(ق) وهو الموافق للمصادر. (٤) في (م) و(ظ) وينزوي. (٥) أخرجه أحمد (٨١٦٤)، والبخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦): (٣٦). وفي البخاري ومسلم تكرار لفظة: قط. ثلاث مرات. (٦) بعدها في (م) لفظة: فهم. (٧) ينظر مشكل الحديث لابن فورك ص١٢٦، ١٣٠. (٨) ذكر البيت الأول منهما ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٦/٥. ٤٥٣ سورة ق: الآيات ٣٠ - ٣٥ سلسلةٌ، ولا مِقمَع، ولا تابوت، إلا وعليه اسمُ صاحبه، فكلُّ واحدٍ من الخزنة ينتظرُ صاحبَه الذي قد عرفَ اسمه وصفته، فإذا استوفى كلُّ واحدٍ منهم ما أُمر(١) به وما ينتظره، ولم يبقُ منهم أحد، قال الخَزَنَةُ: قَطْ قَظْ، حسبُنا حسبُنا، أي: اكتفينا اكتفينا، وحينئذٍ تنزوي جهنمُ على من فيها وتنطبق، إذ لم يبق أحدٌ ينتظر. فعبّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرِّجل والقَدَم؛ ويشهدُ لهذا التأويل قولُه في نفس الحديث(٢): ((ولا يزالُ في الجنَّة فضلٌ حتى ينشئَ اللهُ لها خلقاً، فيسكنَهم فضل الجنة)). وقد زدنا هذا المعنى بياناً ومهَّدناه في كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى، والحمدُ لله. وقال النضرُ بن شُمَيل في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((حتى يَضَع الجبَّار فيها قَدمَهُ)) أي: مَن سَبَقَ في علمه أنَّه من أهل النار. قوله تعالى: ﴿وَأَزْلِغَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: قُرِّبت منهم. وقيل: هذا قبلَ الدخول في الدنيا؛ أي: قُرِّبت من قلوبهم، حين قيل لهم: اجتنبوا المعاصي. وقيل: بعد الدخول؛ قُرِّبتْ لهم مواضعُهم فيها فلا تبعد. ((غَيْرَ بَعِيدٍ)) أي: منهم، وهذا تأكید. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: ويُقال لهم: هذا الجزاء الذي وُعِدتم في الدنيا على ألسنة الرسل. وقراءة العامة: ((تُوعَدُونَ))، بالتاء على الخطاب. وقرأ ابنُ كثير بالياء على الخبر (٣)؛ لأنَّه أتى بعد ذكر المتقين. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أوَّاب، أي: رَجَّاع إلى الله عن المعاصي، يذنب(٤) ثم يرجع، ويذنب ثم يرجع، هكذا قاله الضَّحَّاكُ وغيره. وقال ابنُ عباس وعطاء: (١) في (ظ): فإذا استوفى ما أمر، وفي (ف) و(ق): فإذا استوفى منهم ما أمر. والمثبت من (م)، وهو الموافق للمفهم ١٩٥/٧ -١٩٦ . والكلام منه. (٢) يعني حديثَ أنس ﴾ السالف قريباً. (٣) التيسير ص٢٠٢ . (٤) قوله: يذنب. ليس في (م). ٤٥٤ سورة ق: الآيات ٣٢ - ٣٥ الأوَّابُ المسْبِّح؛ من قوله: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾(١) [سبأ: ١٠]. وقال الحَكّم بن عُتيبة: هو الذاكرُ لله تعالى في الخلوة. وقال الشعبيُّ ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبَه في الخلوة، فيستغفر الله منها(٢). وهو قول ابن مسعود. وقال ◌ُبيد بن عُمير: هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله تعالى فيه(٣). وعنه قال: كنا نحدَّث أنَّ الأوَّاب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال: سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك مما أصبتُ في مجلسي هذا (٤). وفي الحديث: ((من قال إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، غفر الله له ما كان في ذلك المجلس))(٥). وهكذا كان النبيُّ ټ# يقول. وقال بعض العلماء: أنا أُحبُّ أن أقول: أستغفرك وأسألك التوبة، ولا أحبُّ أنْ أقول: وأتوبُ إليك، إلا على حقيقته. قلت: هذا استحسان، واتِّباعُ الحديث أولى. وقال أبو بكر الورَّاق: هو المتوكّل على الله في السرَّاء والضرَّاء. وقال القاسم: هو الذي لا يَشتغلُ إلَّا بالله عزَّ وجلَّ. ﴿حَفِيظُ﴾ قال ابن عباس: هو الذي حفظ ذنوبه حتى رجع(٦) عنها. وقال قتادة: حفيظٌ لِمَا استودَعه الله من حقٌّه ونعمته وأُتَمنه عليه(٧). (١) المحرر الوجيز ١٦٦/٥، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٤٥٠/٢١ . (٢) أخرج أقوالهم الطبري ٢١/ ٤٥٠-٤٥١. (٣) النكت والعيون ٣٥٣/٥. (٤) المحرر الوجيز ١٦٦/٥. (٥) أخرجه أحمد (١٠٤١٥)، والترمذي (٣٤٣٣)، والنسائي في الكبرى (١٠١٥٧) من حديث أبي هريرة. وسيرد ص٥٤٢ من هذا الجزء. (٦) في (م): يرجع. (٧) تفسير الطبري ٢١/ ٤٥٢ . ٤٥٥ سورة ق: الآيات ٣٢ - ٣٥ وعن ابن عباس أيضاً: هو الحافظُ لأمر الله(١). مجاهد: هو الحافظ لِحقِّ الله تعالى بالاعتراف، ولنعمه بالشكر. قال الضَّخَّاك: هو الحافظُ لوصيّة الله تعالى بالقبول. وروى مكحولٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((من حافظ على أربعٍ ركعاتٍ من أوَّل النهار، كان أوَّاباً حفيظاً)) ذكره الماوردي(٢). قوله تعالى: ﴿َّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ ((مَنْ)) في محل خفضٍ على البدل من قوله: ((لِكُلِّ أوَّابٍ))، أو في موضع الصفة لـ ((أوّابٍ)). ويجوزُ الرفع على الاستئناف، والخبر ((ادْخُلُوها)) على تقدير حذف جواب الشرط، والتقدير فيقال لهم: ((ادْخُلُوهَا))(٣). والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره. وقال الضحاك والسُّدِّي: يعني في الخلوة حين لا يراه أحد. وقال الحسن: إذا أرخى السترَ وأغلق الباب (٤). ﴿وَجَةَ بِقَلٍْ مُنِيبٍ﴾: مقبلٍ على الطاعة. وقيل: مخلص. وقال أبو بكر الورَّاق: علامةُ المنيب أنْ يكون عارفاً لحرمته، موالياً له، متواضعاً لجلاله، تاركاً لهوى نفسه. قلت: ويحتمل أنْ يكون القلبُ المنيبُ القلب السليم؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] على ما تقدَّم؛ والله أعلم. ﴿أَدْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لأهل هذه الصفات: ﴿ آدْخُلُهَا بِسٍَْ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: بسلامةٍ من العذاب. وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامةٍ من زوال النّعم (٥). (١) تفسير البغوي ٢٢٥/٤ . (٢) في النكت والعيون ٥/ ٣٥٣-٣٥٤، ومكحول لم يسمع من أبي هريرة كما ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٤٩/٤ عن البزار. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٠/٥-٢٣١، ومشكل إعراب القرآن ٦٨٥/٢ . (٤) تفسير البغوي ٢٢٥/٤ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٥ . ٤٥٦ سورة ق: الآيات ٣٤ - ٣٥ وقال: ((ادْخُلُوهَا)) وفي أوَّل الكلام: ((مَنْ خَشِيَ))؛ لأنَّ ((مَنْ)) تكون بمعنى الجمع. قوله تعالى: ﴿لَمُ مَا يَشَآءُونَ فِيهًا﴾ يعني: ما تشتهي(١) أنفسهم وتلذَّ أعينهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ من النعم ممَّا لم يخطر على بالهم. وقال أنس وجابر: المزيدُ: النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف(٢). وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعةٍ إلى النبيِّ# في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: ((الزيادةُ النظر إلى وجه الله الكريم)) (٣). وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا: أخبرنا المسعوديُّ، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة، فإنَّ الله تبارك وتعالى يَبرزُ لأهل الجنَّة كلَّ يوم جمعة، في كثيبٍ من كافور أبيض، فيكونون منه في القرب. قال ابنُ المبارك: على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم (٤) إلى الجمعة(٥) في الدنيا، وزاد: ((فيحدثُ الله لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك))(٦). قال يحيى: وسمعت غيرَ المسعودي يزيد فيه: وهو (٧) قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. (١) في (م) و(ف) و(ق): تشتهيه. والمثبت من (ظ) والنكت والعيون ٣٥٤/٥ . والكلام منه. (٢) المحرر الوجيز ١٦٦/٥ . (٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن عدي في الكامل ١١٧٣/٣، وفيه سَلْم بن سالم البلخي ، وهو ضعيف، ونوح ابن أبي مريم، وهو كذاب. ويغني عنه حديث صهيب # عند مسلم (١٨١): ((إذا دخل أهل الجنة الجنة ... )) وفي آخره: ((فيكشف الحجاب. فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل)) وسلف الحديثان ١٠/ ٤٨٢- ٤٨٣. (٤) في (م) و(ق): لمسارعتهم. ولم تجود في (ف). (٥) في النسخ عدا (ق): الجمع. (٦) هو عند ابن المبارك في الزهد (٤٣٦ - زوائد نعيم). وأخرجه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير (٩١٦٩) وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٩٦) من قول عبد الله بن عتبة. قال ابن فورك في مشكل الحديث: تفرد به المنهال بن عمرو وهو ضعيف. اهـ. قلنا والمسعودي اختلط بأخرة. الميزان ٢/ ٥٧٤ . (٧) لفظة: وهو. ليست في (ف) و(م). ٤٥٧ سورة ق: الآيات ٣٥ -٣٨ قلت: قوله: ((في كَثِيب)) يريدُ أهلَ الجنَّة، أي: وهُم على كثيب؛ كما في مرسل الحسن، قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ أهل الجنة ينظرون إلى ربِّهم في كلِّ يوم جمعة، على كَثِيبٍ من كافور)) الحديث. وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة)) (١). وقيل: إنَّ المزيدَ ما يزوَّجون به من الحور العين؛ رواه أبو سعيد الخدريّ مرفوعاً (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَقَّبُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ هَلْ مِن ◌َحِيصِ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامِ وَمَا مَسَّنَا FV سَُهِيدٌ ٣٨ مِن ◌ُّنُوبٍ قوله تعالى: ﴿وَكَّرْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ﴾ أي: كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمَّةٍ هم أشدُّ منهم بطشاً وقوَّة. ﴿فَقَُّواْ فِ الْبِلَدِ﴾ أي: ساروا فيها طلباً للمهرب(٣). وقيل: أثَّروا في البلاد؛ قاله ابنُ عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا (٤). وقال النضر ابن شميل: دَوَّروا. وقال قتادة: طَوَّفوا(٥). وقال المؤرِّج: تباعدوا؛ ومنه قول امرئ القيس (٦): رَضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ وقد نَقَّبْتُ في الآفاق حَتَّى ثم قيل: طافوا في أقاصي البلاد طلباً للتجارات، وهل وجدوا من الموت محيصاً؟ وقيل: طوَّفوا في البلاد يلتمسون مَحيصاً من الموت. قال الحارث بن حِلُّزة: (١) ص ٤٩٧ - ٤٩٨ . (٢) وأخرجه أحمد (١١٧١٥) مطولاً. (٣) الصحاح (نقب). (٤) أخرج قولي ابن عباس ومجاهد الطبريُّ ٤٦٠/٢١. (٥) ينظر النكت والعيون ٣٥٥/٥ . (٦) ديوانه ص٩٩، وسلف ٥/ ٥٧ . ٤٥٨ سورة ق: الآيات ٣٦ - ٣٨ ت وجالوا في الأرض كُلَّ مجالٍ (١) نَقَّبوا في البلاد من حَذَرِ المو وقرأ الحسنُ وأبو العالية: ((فَتَقَبُوا)) بفتح القاف وتخفيفها(٢). والنَّقْب: هو الخرقُ والدخول في الشيء. وقيل: النقْبُ الطريقُ في الجبل، وكذلك المَنْقَبُ والمَنْقَبة؛ عن ابن السكِّيت. ونَقَبَ الجدارَ نَقْباً، واسم تلك النَّقْبة نَقْبٌ أيضاً (٣)، وجمع النَّقْب الثُّقُوب، أي: خرقوا البلاد وساروا في نُقوبها. وقيل: أَثَّروا فيها كتأثير الحديد فيما ينقُب. وقرأ السُّلَميُّ ويحيى بن يَعْمَر: ((فَنَقِّبُوا)) بكسر القاف والتشديد على الأمر (٤)؛ للتهديد(٥) والوعيد، أي: طَوِّفوا البلادَ وسيروا فيها فانظروا هَل مِن الموت مَحِيصٌ أو مهرب؟(٦) ذكره الثعلبي. وحكى القشيريُّ: ((فَتَقِبُوا)) بكسر القاف مع التخفيف (٧)، أي: أَكثَروا السيرَ فيها، حتی نَقِبت دوابُهم. الجوهريّ: ونَقِب البعيرُ بالكسر: إذا رَقَّتْ أخفافُه، وأنقبَ الرجلُ، إذا نَقِبَ بعيرُه، ونَقِبَ الخُفُّ الملبوسُ، أي: تخرَّق(٨). والمَحِيصُ مصدرُ حاص عنه يَحِيص حَيْصاً، وحُيوصًا، ومَحِيصاً، ومَحاصاً، وحَيَصاناً، أي: عَدلَ وحَادَ. يقال: ما عنه مَحِيص، أي: مَحِيدٌ ومَهْرَبٌ. والانحياصُ (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ١١/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٧/٥ . (٢) نسبها في القراءات الشاذة ص١٤٤ لابن عباس وعبيد عن أبي عمرو. (٣) الصحاح (نقب). (٤) ذكرها ابن جني في المحتسب ٢٨٥/٢ عن يحيى بن يعمر. (٥) في (ظ) و(م): بالتهديد. (٦) في (ظ) و(م): ومهرب. (٧) وذكرها الزمخشري في الكشاف ١١/٤. (٨) الصحاح (نقب). ٤٥٩ سورة ق: الآيات ٣٦ - ٣٨ مثله؛ يقال للأولياء: حاصوا عن العدوّ، وللأعداء انهزموا(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي: فيما ذكرناه في هذه السورة تذكرةٌ وموعظةٌ ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ أي: عقلٌ يتدبَّر به؛ فكنَى بالقلب عن العقل؛ لأنَّه موضِعه؛ قال معناه مجاهدٌ وغيره. وقيل: لمن كان له حياةٌ ونفسٌ مميِّزةٌ، فعبّر عن النفس الحيَّة بالقلب؛ لأنَّه وطَنُها ومعدِنُ حياتها؛ كما قال امرؤ القيس(٢) : أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكٍ قاتلي وأنَّكِ مهما تأمُري القلبَ يفعلٍ وفي التنزيل: ﴿لَّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠]. وقال يحيى بن معاذ: القلبُ قلبان؛ قلبٌ محتشٍ بأشغال الدنيا، حتى إذا حضر أمرٌ من الأمور الآخرة، لم يَدْرِ ما يصنع، وقلبٌ قد احتشى بأهوال الآخرة، حتى إذا حضر أمرٌ من أمور الدنيا، لم يَذْرِ ما يصنع، لذهاب قلبه في الآخرة. ﴿أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ﴾ أي: استمعَ القرآن. تقول العرب: ألقٍ إليَّ سمعك، أي: استمع(٣). وقد مضى في (طه)) كيفية الاستماع وثمرته (٤). ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد القلب؛ قال الزَّجَّاج(٥): أي: قلبه حاضرٌ فيما يسمع. وقال سفيان: أي: لا يكون حاضراً وقلبه غائب(٦). ثم قيل: الآية لأهل الكتاب؛ قاله مجاهد وقتادة. وقال الحسن: إنَّها في اليهود والنصارى خاصة. وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنَّها في أهل القرآن خاصَّة(٧). (١) الصحاح (حيص). (٢) في ديوانه ص١٣، والكلام في النكت والعيون ٣٥٦/٥ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٤٩/٥ . (٤) ١٤ / ٢٦. (٥) في معاني القرآن ٤٩/٥ . (٦) تفسير الطبري ٢١/ ٤٦٤ بنحوه. (٧) النكت والعيون ٣٥٦/٥ دون ذكر مجاهد. ٤٦٠ سورة ق: الآيات ٣٨ - ٤٠ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ﴾ تقدَّم في ((الأعراف))(١) وغيرها. واللُّغوبُ: التعبُ والإعياء، تقول منه: لَغَب يَلْغُب بالضم لُغُوباً، ولَغِب بالكسر يَلْغَب لُغُوباً، لغةٌ ضعيفةٌ فيه. وألغبته أنا، أي: أنصبته (٢) . قال قتادة والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة؛ زعموا أنَّ الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أوَّلها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت؛ فجعلوه راحةً، فأكذبهم الله تعالى في ذلك(٣). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ ﴾ ٤٠ اُلْغُرُوبِ ﴿ وَمِنَ الَيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ فیه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرِ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ خطابٌ للنبيِّ ﴾؛ أمرَه بالصبر على ما يقوله المشركون، أي: هَوِّنْ أمرَهم عليك. ونزلت قبل الأمر بالقتال؛ فهي منسوخة. وقيل: هو ثابتٌ للنبيِّ# وأمته. وقيل: معناه: فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم: إنَّ الله استراح يوم السبت(٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قيل: إنه أراد به الصلواتِ الخمس. قال أبو صالح: قبل طلوع الشمس: صلاةُ الصبح، وقبل الغروب: صلاة العصر. ورواه جرير بن عبد الله مرفوعاً (٥)؛ قال: كنا جلوساً عند النبيِّ # إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((أمَا إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا (١) ٩/ ٢٣٧-٢٣٨. (٢) الصحاح (لغب). (٣) النكت والعيون ٣٥٦/٥. (٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٠/٣-٢١، والكشاف ١٢/٤، والمحرر الوجيز ١٦٨/٥. (٥) النكت والعيون ٣٥٧/٥ .