النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة الحجرات: الآية ١٤
بالعَذِرات، وأغلَوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله ﴾: أتيناك بالأثقال والعيال،
ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنُّون عليه، فأنزل الله
تعالى فيهم هذه الآية(١).
وقال ابن عباس: نزلت في أعراب أرادوا أن يَتَسَمَّوْا باسم الهجرة قبل أن
يهاجروا، فأعلم الله أن لهم أسماءَ الأعراب، لا أسماءَ المهاجرين(٢).
وقال السدِّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: [وهم] أعراب
مُزَيْنَة وجُهَيْنة، وأسْلمَ وغِفارَ، والدِّيل وأشجع؛ قالوا: آمنًا؛ ليأمنوا على أنفسهم
وأموالهم، فلما استُنفروا إلى الحديبية(٣)، تخلَّفوا،
فنزلت. وبالجملة؛ فالآية خاصة لبعض الأعراب؛ لأن منهم مَن يؤمن بالله واليوم
الآخر كما وصف الله تعالى(٤).
ومعنى ((وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)) أي: استسلمنا خوف القتل والسَّبْي، وهذه صفة
المنافقين؛ لأنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قلوبهم، وحقيقةُ الإيمان
التصديق بالقلب. وأمَّا الإسلام فقَبول ما أتى به النبيُّ :﴿ في الظاهر، وذلك يَحْقِن
الدّم.
﴿وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني إن تُخلِصوا الإيمان ﴿لَا يَلِتْكُرُ﴾ أي: لا ينقصكم
﴿مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا﴾. لاته يليته ويلوته: نقصه .
وقرأ أبو عمرو: ((لا يألِتكم)) بالهمزة(٥)، مِن أَلَت يَأْلِت أَلْتًا(٦)، وهو اختيار أبي
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٤١٩ .
(٢) ينظر النكت والعيون ٣٣٧/٥، وأخرجه الطبري ٣٩٠/٢١ بنحوه.
(٣) في النسخ : المدينة، والمثبت من تفسير البغوي ٢١٨/٤ والكلام وما سلف بين حاصرتين منه ،
وينظر زاد المسير ٧ /٤٧٦ .
(٤) يشير المصنف إلى قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُنَتٍ﴾ [الآية: ٩٩].
(٥) السبعة ص ٦٠٦، والتيسير ص٢٠٢ .
(٦) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢٨٤/٢، والوسيط ١٦٠/٤.

٤٢٢
سورة الحجرات: الآيات ١٤ - ١٦
حاتم؛ اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَلَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. قال الشاعر:
جَهْدَ الرِّسَالة لا أَلْتًا ولا كَذِبا(١)
أبلِغْ بني تُعَلٍ عني مُغَلْغَلَةٌ
واختار الأولى أبو عبيد . قال رؤبة :
وليلةٍ ذاتٍ نَدّى سَرَيْتُ
ولم يَلِتْني عن سُرَاها لَيْتُ(٢)
أي: لم يمنعني عن سُراها مانع، وكذلك ألاته عن وجهه، فَعَلَ وأفْعَل بمعنّى.
ويقال أيضًا: ما ألاته من عمله شيئًا، أي: ما نقصه، مثل أَلَّتَه . قاله الفرّاء: وأنشد:
ويأكلنَ ما أغْنَى الوَليُّ فلم يَلِتْ كأنَّ بحافات النِّهاء المَزَارعا(٣)
قوله: فلم يَلِتْ، أي: لم يَنقص منه شيئًا. وأَعْنَى: بمعنى أنبت؛ يقال: ما أَعْنَت
الأرض شَيئًا، أي: ما أنبتت. والوليُّ: المطر بعد الوَسْميّ(٤)، سُمِّي ولِيًّا لأنه يلي
الوَسْميّ.
ولم يقل: لا يَلِتاكم(٥)؛ لأن طاعة الله تعالى طاعةُ الرسول.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بَِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ
بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَدِفُونَ ﴿ قُلْ أَتْعَلِّمُونَ اللَّهَ
بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ أي: صدَّقوا
(١) البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص ٧٤، وفيه: لا محكاً ولا بُطُلا، بدل: لا ألتاً ولا كذبا.
وأورده برواية المصنف الفراء في معاني القرآن ٩٢/٣، والأزهري في تهذيب اللغة ٣٢٠/١٤.
والمُغَلْغَلة : الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد. القاموس (غلل).
(٢) لم نقف عليه في ديوانه، وسلف ٦/١٣ .
(٣) أورده ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٢٠٩ ونسبه لعدي ، وفيه : يلث ، بدل : يلت . وقوله :
النّهاء هو جمع نهي - بالكسر والفتح - ، أي: الغدير. القاموس (نهى).
(٤) الوسميُّ : هو مطر الربيع الأول، سمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات . ينظر اللسان (وسم).
(٥) في (م) : ولا يألتاكم.

٤٢٣
سورة الحجرات: الآيات ١٥ - ١٨
ولم يشكُوا، وحقّقوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة . ﴿أُوْلَتِكَ هُمُ الصَّدِفُونَ﴾ في
إيمانهم، لا مَن أسلم خوفَ القتل ورجاءَ الكسب. فلمَّا نزلت حلف الأعراب أنهم
مؤمنون في السرِّ والعلانية وكذبوا، فنزلت: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ الذي أنتم
عليه. ﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(١).
قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَى إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ
أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَاللَّهُ
بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ إشارة إلى قولهم: جئناك بالأثقال والعيال.
و((أن)) في موضع نصب على تقدير: لأن أسلموا . ﴿قُل لَّا تَعُنُواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ﴾ أي:
بإسلامكم. ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَلَكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ((أن) في(٢) موضع نصب، تقديره :
بأن. وقيل: لأن. وفي مصحف عبد الله: (إِذْ هَدَاكُمْ))(٣). ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنكم
مؤمنون. وقرأ عاصم: ((إنْ هداكم))(٤) بالكسر، وفيه بُعد؛ لقوله: ((إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)).
ولا يقال : يَمُنُّ عليكم أن يهديكم إن صدقتم. والقراءة الظاهرة ((أنْ هَدَاكُمْ)). وهذا لا
يدلُّ على أنهم كانوا مؤمنين، لأن تقدير الكلام: إن آمنتم فذلك مِنّة الله عليكم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابن كثير وابن
مُحَيْصن(٥) بالياء على الخبر، ردًّا على قوله: ((قَالَتِ الْأَعْرَابُ)). الباقون بالتاء على
الخطاب.
(١) تفسير أبي الليث ٢٦٧/٣، وبنحوه في تفسير البغوي ٢١٩/٤، وزاد المسير ٧/ ٤٧٧.
(٢) لفظة : في، من (ف) و (ق) .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤٤ .
(٤) قراءة شاذة، وذكرها الزمخشري ٣/ ٥٧٢ دون نسبة، وقراءة عاصم كقراءة الجماعة: أن هداكم.
(٥) بعدها في (ف) و(ق) و(م): وأبو عمرو، وهو خطأ، وينظر السبعة ص ٦٠٦، والتيسير ص ٢٠٢ .

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
سورة ق
وهي خمسٌ وأربعون آية
مكيةٌ كلُّها في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر. قال ابن عباس وقتادة: إلا آية،
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن
أُنُوبٍ﴾ [الآية: ٣٨](١).
وفي صحيح مسلم عن أمِّ هشام بنت حارثةً بن النعمان قالت: لقد كان تَنُّورنا
وتَنُّور رسول اللـه ﴾ واحداً، سنتين أو سنةً وبعضَ سنة، وما أخذتُ ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ
اٌلْمَجِيدِ﴾ إلَّا عن لسان رسول الله ﴾؛ يقرؤها كلَّ يوم جمعةٍ على المنبر، إذا خطب
(٢)
الناس(٢).
وعن عمر بن الخطاب ، سألَ أبا واقد الليثيّ: ما كان يقرأُ به رسول الله ◌ِ﴾
في الأَضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأُ فيهما ب﴿قٍَ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١](٣).
وعن جابر بن سَمُرَةَ أنَّ النبيَّ ﴾ كان يقرأ في الفجر ب﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾،
وكان (٤) صلاتُه بعدُ تخفيفاً(٥).
(١) النكت والعيون ٣٣٩/٥.
(٢) صحيح مسلم (٨٧٣): (٥٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٤٥٦).
(٣) أخرجه مسلم (٨٩١): (١٤).
(٤) في (ق) و(م): وكانت.
(٥) أخرجه أحمد (٢٠٨٥٤) (٢١٠٠٣)، ومسلم (٤٥٨).
۔

٤٢٥
سورة ق: الآيات ١ - ٥
قوله تعالى: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴿ بَلْ عِبُواْ أَنْ جَاءَهُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ
اُلْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عَجِيبُ ﴿ أَِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ قَدْ عَلْنَا مَا
نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ وَعِندَنَا كِنَبَّ حَفِيْظُ ﴿﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيّ
آَمْرٍ مَّرِیچ
قوله تعالى: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ قرأَ العامَّةُ: ((قاف)» بالجزم. وقرأ الحسن وابنُ
أبي إسحاق ونصر بن عاصم: ((قافٍ)) بكسر الفاء(١)؛ لأنَّ الكسرَ أخو الجزم، فلمَّا
سَكْنَ آخِرُهُ، حرَّكوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفيُّ بفتح الفاء(٢) حرَّكه إلى أَخفّ
الحركات. وقرأ هارونُ ومحمد بن السَّمَيْفَعِ: ((قافُ)) بالضم(٣)؛ لأنَّه في غالب الأمر
حركةُ البناء، نحو: منذُ وقظٌ وقبلُ وبعدُ.
واختلف في معنى ((ق)) ما هو؟ فقال يزيد (٤) وعكرمةُ والضَّحَّاك: هو جبل محيظٌ
بالأرض من زُمُرُّدةٍ خضراءَ، اخضرَّتِ السماءُ منه، وعليه طَرَفا السماءِ، والسماءُ عليه
مَقْبِيَّةٌ، وما أصابَ الناسُ من زُمُرُّدٍ، كان مما تساقطَ من ذلك الجبل(٥). ورواه أبو
الجوزاء عن عبد الله بن عباس.
قال الفرَّاء: كان يجب على هذا أن يظهرَ الإعرابُ في ((ق))؛ لأنَّه اسمٌ وليس
بهجاء. قال: ولعلَّ القافَ وحدها ذُكرتْ من اسمه؛ كقول القائل(٦):
قلتُ لها قِفي فقالتْ قافْ
أي: أنا واقفة(٧). وهذا وجهٌ حسنٌ. وقد تقدَّم أوّل ((البقرة))(٨).
(١) قراءة الحسن وابن أبي إسحاق في المحتسب ٢٨١/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٤٤، والمحتسب ٢٨١/٢.
(٣) ينظر البحر المحيط ١٢٠/٨.
(٤) في (ف) و(ق) و(م): ابن زيد. والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٥) ينظر قولهم في تفسير البغوي ٤/ ٢٢٠، والمحرر الوجيز ١٥٥/٥.
(٦) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد سلف ٢٣٩/١ .
(٧) معاني القرآن للفراء ٧٥/٣ .
(٨) ٢٣٩/١.

٤٢٦
سورة ق: الآيات ١ - ٥
وقال وهب: أشرفَ ذو القرنين على جبلٍ قاف، فرأى تحتَهُ جبالاً صغاراً، فقال
له: ما أنت؟ قال: أنا قاف؛ قال: فما هذه الجبالُ حولك؟ قال: هي عروقي، وما
من مدينةٍ إلا وفيها عِرقٌ من عروقي، فإذا أراد اللهُ أنْ يزلزل مدينةً، أمرني فحرَّكتُ
عِرقي ذلك، فتزلزلتْ تلك الأرض؛ فقال له: يا قاف، أخبرني بشيءٍ من عظمةِ الله؛
قال: إنَّ شأن ربّنا لعظيمٌ، وإنَّ ورائي أرضاً مسيرة خمس مئة عام في خمس مئة عام،
من جبالِ ثلجٍ يحطم بعضُها بعضاً، لولا هي لاحترقتُ من حرِّ جهنّم. قال: زدني،
قال: إنَّ جبريل عليه السلام واقفٌ بين يدي الله تُرْعَدُ فرائصُه، يخلقُ الله من كلِّ
رِعدةٍ مئة ألف ملك، فأولئك الملائكة وقوفٌ بين يدي الله تعالى، منكسو رؤوسهم،
فإذا أذِنَ الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا الله؛ وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ
الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّهْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] يعني قول:
لا إله إلا الله(١).
وقال الزجَّاج(٢): قوله: ((ق)) أي: قُضِيَ الأمر، كما قيل في ((حم)) أي: حُمَّ
الأمرُ. وقال ابن عباس: ((ق)) اسمٌ من أسماء الله تعالى أقسم به(٣). وعنه أيضاً: أنَّه
اسمٌ من أسماء القرآن. وهو قول قتادة(٤) . وقال القُرظيُّ: افتتاحُ أسماء الله تعالى
قديرٌ وقاهرٌ وقريبٌ وقاضٍ وقابض(٥). وقال الشَّعبيُّ: فاتحةُ السورة(٦). وقال أبو بكر
(١) قال ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٤: كأن هذه من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس،
لِمَا رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب. وعندي أنّ هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق
زنادقتهم، يلبّسون على الناس أمر دينهم ... وإنما أباح الشارع الرواية عنهم ... فيما قد يجوزه العقل، فأما
ما تحيله العقول ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظن كذبه، فليس من هذا القبيل. والله أعلم.
(٢) في معاني القرآن ٤١/٥ .
(٣) أخرجه الطبري ٤٠٠/٢١ .
(٤) ذكره عن ابن عباس ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٥/٥، وأخرجه عن قتادة الطبريُّ ٤٠٠/٢١.
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٠، والمحرر الوجيز ١٥٦/٥ .
(٦) المحرر الوجيز ١٥٥/٥، وفيه: اسم السورة.

٤٢٧
سورة ق: الآيات ١ - ٥
الورَّاق: معناه: قِفْ عند أمرنا ونهينا ولا تَعْدُهما (١). وقال محمد بن عاصم
الأنطاكيُّ: هو قُرْبُ الله من عباده، بيانه ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. وقال ابنُ
عطاء: أَقسم اللهُ بقوَّة قلب حبيبه محمدٍ ﴿، حيثُ حَمَلَ الخطابَ، ولم يُؤثِّر ذلك
فيه؛ لعلوِّ حاله(٢).
﴿وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ أي: الرفيع القدر. وقيل: الكريم؛ قاله الحسن. وقيل:
الكثير؛ مأخوذٌ من كثرة القَدْرِ والمنزلة، لا من كثرة العدد، من قولهم: كثير فلان(٣)
في النفوس؛ ومنه قول العرب في المثل السائر: لها (٤) في كلِّ شجرٍ نار، واسْتمجدَ
المَرْخُ والعَفار(٥). أي: استكثر هذان النوعان من النَّار، فزادا على سائر الشجر؛ قاله
ابن بحر (٦).
وجواب القسم قيل هو: ﴿قَدّ عَلْنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ﴾ على إرادة اللام؛ أي:
لقد علمنا. وقيل: هو ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [ق: ٣٧] وهو اختيارُ الترمذيِّ محمد بن
عليٍّ قال: (ق)) قَسَمٌ باسم هو أعظمُ الأسماء التي خَرجتْ إلى العباد: وهو القدرة،
وأقْسم أيضاً بالقرآن المجيد، ثم اقتصَّ ما خَرجَ من القدرة من خَلْقِ السماوات
والأرضين وأرزاق العباد، وخَلْقِ الآدميين، وصفةٍ يوم القيامة والجنة والنار، ثم
قال: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧] فوقع القسمُ على هذه الكلمة،
كأنَّه قال: ((ق)) أي: بالقدرة والقرآن المجيد، أقسمتُ أنَّ فيما اقتصصتُ في هذه
(١) زاد المسير ٥/٨ .
(٢) ذكر أبو حيان في البحر ٨/ ١٢٠ أن المفسرين اختلفوا في مدلول ((ق)) على أحد عشر قولاً متعارضة، لا
دليل على صحة شيء منها .
(٣) في النكت والعيون - والكلام منه - : فلان كثير.
(٤) لفظة: لها. ليست في (م).
(٥) المَرْخ والعَفار شجرتان من أسرع الشجر خروج نار، والاستمجاد: الاستكثار من المجد، وهو كثرة
الشرف؛ وهذا المثل يضرب في تفضيل القوم على بعض إذا كانوا كلهم ذوي خير، ولبعضهم مزية
وتَقدُّمٌ ليس للآخرين. المستقصى في أمثال العرب ١٨٣/٢ - ١٨٤.
(٦) النكت والعيون ٣٤٠/٥ .

٤٢٨
سورة ق: الآيات ١ - ٥
السورة ﴿لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
وقال ابن كيسان: جوابه ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾. وقال أهل الكوفة: جواب هذا القسم
﴿بَلْ عِبُوَا﴾(١). وقال الأخفش(٢): جوابه محذوف، كأنَّه قال: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾
لَتُبعثُنَّ، يدلُّ عليه: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾.
قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبُوْ أَن ◌َهُمْ مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ((أَنْ)) في موضع نصبٍ على تقدير:
لأن جاءهم منذرٌ منهم، يعني محمداً ﴾. والضميرُ للكفَّار، وقيل: للمؤمنين والكفار
جميعاً(٣). ثم ميَّز بينهم بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ﴾ ولم يقل: فقالوا، بل قبَّح
حالَهم وفِعلَهم (٤) وَوَصَفَهُمْ بالكفر، كما تقول: جاءني فلانٌ فَأَسمعني المكروهَ، وقال
لي الفاسق: أنت كذا وكذا.
﴿هَذَا شَىْءُ عِيدٌ﴾ العجيب: الأمر الذي يُتعجّبُ منه، وكذلك العُجابُ؛ بالضمِّ،
والعُجَّابُ - بالتشديد - أكثر منه، وكذلك الأُعجوبة(٥). وقال قتادة: عجّبهم أن دُعوا
إلى إله واحد. وقيل: من إنذارهم بالبعث والنشور(٦). والذي نصّ عليه القرآن أولى.
قوله تعالى: ﴿أَهِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ نُبعث؛ ففيه إضمار. ﴿ذَلِكَ رَبْعٌ بَعِيدٌ﴾
الرَّجع: الرَّدُّ، أي: هو ردٌّ بعيد، أي: محال. يقال: رَجَعْته أرْجِعه رَجْعًا، ورَجَع هو
يَرجِعِ رُجوعاً، وفيه إضمارٌ آخر، أي: وقالوا أنُبْعَثُ إذا متنا. وذِكْرُ البعثِ وإنْ لم يَجْرِ
هاهنا، فقد جرى في مواضع، والقرآنُ كالسورة الواحدة. وأيضاً ذِكْرُ البعثِ منطوٍ تحت
قوله: ﴿بَلْ عِبُوَاْ أَن ◌َهُمْ تُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأنَّه إنَّما يُنذر بالعقاب والحساب في الآخرة.
(١) المحرر الوجيز ١٥٥/٥.
(٢) في معاني القرآن له ٢/ ٦٩٦ بنحوه. وينظر المحرر الوجيز ١٥٥/٥.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ١٥٦/٥ .
(٤) قوله: وفعلهم. من (م).
(٥) الصحاح (عجب).
(٦) النكت والعيون ٣٤٠/٥.
------

٤٢٩
سورة ق: الآيات ١ - ٥
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِّنَا مَا نَقُصُ الْأَرَضُ مِنْهُمّ﴾ أي: ما تأكلُ من أجسادهم، فلا
يَضِلُّ عنَّا شيءٌ حتى تتعذَّر علينا الإعادة. وفي التنزيل: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ
عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتٍَ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥١-٥٢].
وفي الصحيح: ((كلُّ ابنِ آدم يأكلُه التراب، إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ وفيه
يُرَكَّبُ)) وقد تقدَّم(١).
وثبت أنَّ الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكلُ الأرضُ أجسادهم؛ حرَّم الله على
الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بيَّنَّا هذا في كتاب ((التذكرة))، وتقدَّم أيضاً في هذا
الكتاب(٢).
وقال السُّدِّي: النقص هنا الموت، يقول: قد علمنا منهم من يموتُ ومن
يبقى (٣)؛ لأنَّ من مات دُفِنَ، فكأنَّ الأرض تَنْقُصُ من الناس.
وعن ابن عباس: هو من يدخل في الإسلام من المشركين (٤).
﴿وَعِنْدَنَا كِتَبَّ حَفِيْظٌ﴾ أي: بعدَّتهم وأسمائهم، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل. وقيل:
اللوح المحفوظ(٥)، أي: محفوظٌ من الشياطين، أو محفوظٌ فيه كلُّ شيء. وقيل:
الكتاب عبارةٌ عن العلم والإحصاء؛ كما تقول: كتبتُ عليك هذا، أي: حفظتُهُ.
وهذا تَرْكُ الظاهر من غير ضرورة. وقيل: أي: وعندنا كتابٌ حفيظُ لأعمال بني آدم،
لنحاسبهم عليها.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ﴾ أي: القرآن في قول الجميع؛ حكاه
(١) صحيح مسلم (٢٩٥٥): (١٤٢)، وسلف معناه ١٧ / ٤٩٠.
(٢) التذكرة ١٦٣/١ -١٦٤، وسلف ٤٠٩/٥ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٠ .
(٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٥٧ نقلاً عن الثعلبي. ثم قال: وهذا قولٌ أجنبي من المعنى الذي
قبل وبعد.
(٥) الوسيط للواحدي ٤/ ١٦٣.

٤٣٠
سورة ق: الآيات ١ - ٥
الماورديُّ(١). وقال الثعلبيُّ: بالحقِّ: القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: محمدٌ ﴾.
﴿فَهُمْ فِّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾ أي: مختلط. يقولون مرَّةٌ: ساحر، ومرَّةً: شاعر، ومرَّةً:
كاهن؛ قاله الضَّحَّاك وابنُ زيد. وقال قتادة: مختلف. الحسن: مُلتبِس؛ والمعنى
متقارب. وقال أبو هريرة: فاسد(٢)، ومنه: مَرِجَتْ أماناتُ الناس، أي: فسدت؛
ومَرِجَ الدینُ والأمرُ: اختلط. قال أبو دؤاد:
مَرِجَ الدِّينُ فَأَعْدَدْتُ لِه مُشْرفَ الحارِكِ محبوكَ الكَتَدْ(٣)
وقال ابن عباس: المَرِيج: الأمر المنكر (٤). وقال عنه عمران بن أبي عطاء:
((مريج)): مختلط(٥). وأنشد:
فجالتْ فالتمستُ به حَشاها فَخِرَّ كأنه خُوطٌ مَرِيجُ(٦)
الخُوطُ : الغصن .
وقال عنه العوفيُّ: في أمرٍ ضلالة(٧)، وهو قولهم: ساحرٌ شاعرٌ مجنونٌ كاهن.
وقيل : متغيِّر.
(١) في النكت والعيون ٣٤١/٥ .
(٢) النكت والعيون ٣٤١/٥ دون ذكر ابن زيد، وأخرجه عنه الطبري ٤٠٨/٢١. وينظر إعراب القرآن
للنحاس ٤ /٢٢٠ .
(٣) الصحاح (مرج)، والبيت أيضاً في إصلاح المنطق ص٩٠ ، وأمالي القالي ٣١٠/٢. قال البكري في
سمط اللآلي ٩٥٧/٢ : الكتد: موصل العنق في الظهر، ومحبوك: مُدمج. اهـ. والحارِك: أعلى
الكاهل، وقيل: الحارك منبت أدنى العُرف إلى الظهر الذي يأخذ به الفارس إذا ركب.
(٤) أخرجه الطبري ٤٠٦/٢١، واستدل عليه ابنُ عباس بالبيت الآتي.
(٥) أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما مريج: مختلف. وكذا ذكره
النحاس في إعراب القرآن ٤/ ٢٢٠ دون إسناد.
(٦) البيت لعمرو بن الداخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٠٣/٣. وفيه: فراغت، بدل: فجالت. قال
شارحه: راغت، أي: البقرة، وخرَّ السهم: سقط كأنه خوطٌ، أي غصن. مريج، أي: سهل.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٢٠ دون ذكر العوفي .

٤٣١
سورة ق: الآيات ١ - ١١
وأصل المَرَج: الاضطراب والقلق. يقال: مَرِجَ أمرُ الناس، ومَرِج الدِّين(١)،
وَمَرِج الخاتم في إصبعي، إذا قَلِقَ من الهزال.
وفي الحديث: (كيف بك يا عبدَ الله إذا كنتَ في قوم قد مَرِجَتْ عهودُهم
وأمانَاتُهم، واختلفوا، فكانوا هكذا وهكذا)). وشبَّك بين أصابعه. أخرجه أبو داود(٢)،
وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(٣).
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَا مِن
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتَّنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ (٣)
زوج (@)
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآِ مَآءَ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ
وَحَبَّ الْحَصِيدِ ) وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَمَا طَلَعٌ نَضِيدٌ ﴿ رِزْقًا لِّلْعِبَادِّ وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً
مَّيْثًا كَذَلِكَ الْخُرُوِجُ
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَاءِ فَوَقَهُمْ﴾ نظرَ اعتبار وتفكُّر، وأنَّ القادرَ على
إيجادها قادرٌ على الإعادة. ﴿كَيْفَ بَيَْهَا﴾ فرفعناها بلا عَمَد ﴿وَزَيَّتَهَا﴾ بالنجوم
﴿وَمَا لَا مِنْ فُرُوجِ﴾ جمع فَرْج: وهو الشَّق؛ ومنه قول امرئ القيس:
تَسُدُّ به فَرَجَها من دُبُرْ(٤)
وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق(٥). ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ﴾ تقدَّم في ((الرعد) بيانه(٦). ﴿وَلْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ﴾ أي: من كل
نوع من النبات ﴿بَهِيج﴾ أي: حَسَنٍ يسرُّ الناظرين. وقد تقدَّم في ((الحج)) بيانه(٧).
(١) في (م): ومرج أمر الدين، والمثبت موافق لغريب القرآن لابن قتيبة ص ٤١٧ والكلام منه.
(٢) في سننه (٤٣٤٢)، (٤٣٤٣)، وسلف ١٣ / ٥٨ .
(٣) ٥٥١/٢ .
(٤) ديوان امرئ القيس ص١٦٤، وصدره: لها ذنب مثل ذيل العروس.
(٥) مجمع البيان ١٠٣/٢٦.
(٦) ٠٨/١٢
(٧) ١٤/ ٣٢٥.

٤٣٢
سورة ق: الآيات ٦ - ١١
﴿َّصِرَةَ﴾ أي: جعلنا ذلك تبصرةً لِنَدُلَّ به على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم: نصب
على المصدر؛ يعني: جعلنا ذلك تبصيراً وتنبيهاً على قدرتنا ﴿وَذِكْرَى﴾ معطوف عليه.
﴿لَكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: راجعٍ إلى الله تعالى، مفكِّرٍ في قدرته(١).
قوله تعالى: ﴿وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب ﴿مَآءُ مُّبَرًَّا﴾ أي: كثير البركة.
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَثَّتٍ وَحَبَّ الْخَصِيدِ﴾ التقدير: وحبَّ النبت الحصيد، وهو كلُّ ما يُحصد.
هذا قول البصريين(٢). وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال:
مسجد الجامعِ، وربيعُ الأوّلِ، وحقُّ اليقينِ، وحبل الوريد، ونحوها؛ قاله الفرّاء(٣).
والأصل: الحبُّ الحصيد، فحُذفتِ الألف واللام، وأضيف المنعوت إلى النعت.
وقال الضحاك: حبُّ الحصيد: البُرُّ والشَّعيرُ. وقيل: كلُّ حبِّ يُخصد ويُذَّخر
ويُقتات (٤).
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ﴾ نصب(٥) رذًا (٦) على قوله: ((وَحَبَّ الحَصِيدِ)) و(بَاسِقَاتٍ))
حال. والباسقات: الطّوال؛ قاله مجاهد وعكرمة وقتادة. وقال عبد الله(٧) بن شدَّاد:
بُسُوقها: استقامتها في الطول(٨).
وقال سعيد بن جبير: مستويات(٩). وقال الحسنُ وعكرمة أيضاً والفرَّاء: مواقير
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٣/٥ .
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٢١/٤، ومشكل إعراب القرآن ٦٨٣/٢.
(٣) في معاني القرآن ٧٦/٣ .
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٤٢/٥ دون نسبة.
(٥) في النسخ: نصب على الحال، ولعل قوله: ((على الحال)) سبق قلم. والصواب حذفه ..
(٦) في (ف): معطوف.
(٧) في (م): قاله مجاهد وعكرمة وقال قتادة وعبد الله ... وهو خطأ، والمثبت من النسخ الخطية، وهو
الموافق لتفسير البغوي ٢٢١/٤، وغيره.
(٨) أخرجه الطبري ٢١/ ٤١٢ .
(٩) تفسير البغوي ٤/ ٢٢١ .

٤٣٣
سورة ق: الآيات ٦ - ١١
حوامل؛ يقال للشاة: بَسَقَتْ، إذا ولدت(١)، قال الشاعر:
فلما تَركنا الدار ظَلَّتْ (٢) مُنيفةً بِقُرَّانَ فيه الباسقاتُ المَواقِرُ(٣)
والأوّل في اللغة أكثر وأشهر؛ بسَقَ النخلُ بسُوقاً: إذا طال. قال (٤):
ولكنْ من نِتاج الباسقاتِ
لنا خمرٌ وليستْ خمرَ كَرْمٍ
وفاتَ ثمارُها أيدي الجُناةِ
كرامٌ في السماء ذَهَبْنَ طُولاً
ويقال: بسق فلانٌ على أصحابه، أي: عَلَاهم، وأبسقتِ الناقةُ: إذا وقع في
ضَرْعها اللِّبَأْ(٥) قبل النّتاج، فهي مُبْسِق، ونُوقٌ مباسيق.
وقال قطبةُ بنُ مالك: سمعتُ النبيَّ # يقرأ: (بَاصِفَاتٍ)) بالصاد؛ ذكره الثعلبيّ(٦).
قلت: الذي في صحيح مسلم عن قطبةً بن مالك قال: صلَّيتُ وصلَّى بنا
رسولُ اللهِ ﴾ فقرأ: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ حتى قرأ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ﴾ قال: فجعلتُ
أردِّدها، ولا أدري ما قال(٧). إلَّا أنَّه يجوز (٨) إبدالُ الصاد من السين لأجل القاف(٩).
(١) في النسخ الخطية: إذا بسقت ولدت، والمثبت من (م). وقول عكرمة في النكت والعيون ٣٤٣/٥
بنحوه، وأخرجه عنه الحربي في غريب الحديث ١١٢٣/٣ بلفظ: بسوقها كبسوق الشاة عند الولادة.
وأخرجه بنحوه عبد بن حميد وابن المنذر ضمن قصة كما في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ .
(٢) في (ق): طلَّت.
(٣) البيت للراعي النُّميري، وهو في ديوانه ص١١١، فلما تركْنَ الدار قلت منيفة، بقُرَّان منها ... وقوله:
منيفة، أي: تامة الطول والحُسن، وقُرَّان: قرية باليمامة.
(٤) هو أبو نواس، والبيتان في ديوانه ص١١٨، وسلفا ١٦٩/٨ .
(٥) في (ظ) و(م): اللبن، والمثبت من (ف) و(ق) وهو الموافق للصحاح (بسق) والكلام منه. واللِّبَأ؛
كعِنَب: أول اللبن في النّتاج.
(٦) وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٧٩٧)، والصغير (٦٩٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٥٦:
فيه عبد الله بن محمد بن صبيح، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. اهـ.
وقطبة بن مالك هو الثعلبي، ويقال الذبياني. قال البخاري وابن أبي حاتم: له صحبة. الإصابة ٨/ ١٦٥ .
(٧) صحيح مسلم (٤٥٧)، وأخرجه أحمد (١٨٩٠٣).
(٨) يعني في اللغة، لا في التلاوة، ووقع في (م): لا يجوز!
(٩) المحتسب ٢٨٢/٢-٢٨٣ والكشاف ٤ /٥ .

٤٣٤
سورة ق: الآيات ٦ - ١٥
﴿لَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ الطَّلْعُ: هو أوَّلُ ما يخرجُ من ثمر النخل؛ يقال: طَلَع الطَّلْعُ
طُلُوعاً، وأَطلعتِ النخلةُ، وطَلعها: كُفُرَّاها (١) قبل أنْ ينشقَّ.
﴿نَّضِيدٌ﴾ أي: متراكبٌ قد نُضِّد بعضُه على بعض. وفي البخاريّ: ((النَّضِيدُ)):
الكُفُرَّى مادام في أكمامه، ومعناه: منضودٌ بعضُه على بعض؛ فإذا خرج من أكمامه
فليس بنضيد (٢).
﴿وَرِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي: رزقناهم رزقاً، أو على معنى: أنبتناها رزقاً؛ لأنَّ الإنبات في
معنى الرزق، أو على أنَّه مفعولٌ له، أي: أنبتناها لنرزقهم (٣)، والرزقُ: ما كان مهيّاً
للانتفاع به. وقد تقدَّم القول فيه (٤).
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْئًا كَذَلِكَ الْخُوِجُ﴾ أي: من القبور، أي: كما أحيا الله هذه
الأرض الميتةً؛ فكذلك يخرجكم أحياءً بعد موتكم، فالكاف في محل رفع على
الابتداء(٥). وقد مضى هذا المعنى في غير موضع(٦). وقال: ((مَيْتًا))؛ لأنَّ المقصودَ
المكانُ، ولو قال: ميتة، لجاز.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّ وَثَمُودُ (١٧) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ
لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ الْأَيْكَّةِ وَقَوْمُ نُبَّحْ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ ﴿ أَفَعِيْنَا بِالْخَلْقِ
١٥
اُلْأَوَّلَّ بَلْ هُمْ فِی لَبْسِ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
٠
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كما كذَّب هؤلاء، فكذلك كذَّب
أولئك فحلّ بهم العقاب؛ ذكَّرهم نبأً من كان قبلَهم من المكذِّبين وخوَّفهم ما أخذهم.
(١) الكُفُرَّى: هو وعاء طلع النخل. الصحاح (كفر).
(٢) صحيح البخاري قبل الحديث (٤٨٤٨).
(٣) في (م): لرزقهم. والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق للكشاف ٥/٤، والكلام منه.
(٤) ١/ ٢٧٢ .
(٥) الكشاف ٤/ ٥ .
(٦) ١/ ٣٧٤ .

٤٣٥
سورة ق: الآيات ١٣ - ١٩
وقد ذكرنا قصصهم في غير موضع عند ذكرهم.
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ من هذه الأمم المكذبة. ﴿لَقَّ وَعِدِ﴾ أي: فحقَّ عليهم وعيدي
وعقابي.
قوله تعالى: ﴿أَفَعِيْنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي: أفعيينا به فنعيا بالبعث. وهذا توبيخٌ
لمنكري البعث، وجوابُ قولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾. يقال: عَييتُ بالأمر، إذا لم
تعرف وجهه(١).
﴿بَلَّ هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ أي: في خَيْرةٍ من البعث، منهم مصدِّقٌ ومنهم
مكذِّب(٢)؛ يقال: لَبَس عليه الأمرُ يَلْبِسه لَبْساً.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَّوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ, وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ
اَلْوَرِيدِ ﴿﴿ إِذْ يَنَفَى الْمُلَفِيَنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
رَقِيبُ عَنِيْدٌ ﴿ وَجَآءَتْ سَكْرَةُ أَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (®﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ﴾ يعني: الناس، وقيل: آدم(٣). ﴿وَنَعْلَمُ مَا نُوَسْوِسُ
◌ِهِ، نَفْسٌُ﴾ أي: ما يختلج في سرِّه وقلبه وضميره، وفي هذا زجرٌ عن المعاصي التي
يُستخفى بها. ومن قال: إنَّ المراد بالإنسان آدم؛ فالذي وسوستْ به نفسُهُ هو الأكلُ
من الشجرة، ثم هو عامٌّ لولده. والوسوسةُ: حديثُ النفس بمنزلة الكلام الخفيّ. قال
الأعشى :
كما استعان بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ
تَسمع للحَلي وَسواساً إذا انصرفتْ
وقد مضى في ((الأعراف)»(٤).
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو حبل العاتق وهو ممتدٌّ من ناحية حَلْقِهِ إلى
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٣/٥ .
(٢) هذا معنى قول قتادة الذي أخرجه عنه الطبري ٢١/ ٤٢١ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ١٥٩/٥.
(٤) ٩/ ١٧٥. والبيت في ديوان الأعشى ص ١٠٥ . وسلف شرحه ثمة.

٤٣٦
سورة ق: الآيات ١٦ - ١٩
عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال. روي معناه عن ابن عباس(١) وغيره، وهو
المعروف في اللغة. والحبل: هو الوريد، فأُضيف إلى نفسه؛ لاختلاف اللفظين(٢).
وقال الحسن: الوريد: الوتين وهو عِرقٌ معلَّقٌ بالقلب(٣). وهذا تمثيل للقرب؛
أي: نحن أقربُ إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة.
وقيل: أي: ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه. وقيل: أي: ونحن
أعلمُ بما توسوس به نفسه (٤) من حبل وريده الذي هو من نفسه؛ لأنَّه ◌ِرقٌ يخالط
القلب، فَعِلْمُ الربِّ أقربُ إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل قال: الوريد
عِرْقٌ يخالطُ القلب. وهذا القربُ قرب العلم والقدرة، وأبعاضُ الإنسان يَحجبُ
البعضُ البعضَ، ولا يحجبُ علمَ الله شيء(٥).
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقَّى الْمُلَفِيَنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فِيٌ﴾ أي: نحن أقربُ إليه من
حبل وريده حين يتلقّى المتلقيان، وهما الملكان المؤكَّلان به(٦)، أي: نحن أعلم
بأحواله؛ فلا نحتاج إلى مَلَكٍ يخبر، ولكنهما وَكِّلا به إلزاماً للحُجَّة، وتوكيداً للأمر
علیه.
وقال الحسن ومجاهد وقتادة: ((المُتَلَّقِّيَانِ)): ملكان يتلقيان عملك؛ أحدهما عن
يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. قال الحسن: حتى إذا
مثَّ طُوِيت صحيفةُ عملك، وقيل لك يوم القيامة: ﴿ اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ
حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] عَدَلَ واللهِ عليك من جعلك حسيبَ نفسك(٧).
(١) النكت والعيون ٣٤٦/٥.
(٢) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٤١٨، وتفسير الطبري ٤٢١/٢١، وتفسير البغوي ٢٢٢/٤.
(٣) النكت والعيون ٣٤٦/٥ .
(٤) بعدها في (ظ): وأقرب إليه، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٣٤٦/٥ -
٣٤٧ ، والكلام منه.
(٥) ينظر تفسير البغوي ٢٢٢/٤.
(٦) زاد المسير ٨/ ٩.
(٧) النكت والعيون ٣٤٧/٥ .

٤٣٧
سورة ق: الآيات ١٧ - ١٩
وقال مجاهد: وكَّل الله بالإنسان - مع علمه بأحوالهِ ـ مَلَكين بالليل، ومَلَكين
بالنهار يحفظانٍ عمله، ويكتبان أثره إلزاماً للحجة؛ أحدهما عن يمينه یکتب
الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، فذلك قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ
الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾(١).
وقال سفيان: بلغني أنَّ كاتبَ الحسنات أمينٌ (٢) على كاتب السيئات، فإذا أذنب
العبد(٣) قال: لا تعجل لعلَّه يستغفر الله.
وروي معناه من حديث أبي أمامة؛ قال: قال النبيَُّ﴾: ((كاتبُ الحسنات على
يمين الرجل، وكاتبُ السيئات على يسار الرجل(٤)، وكاتبُ الحسنات أمينٌ على
كاتب السيئات، فإذا عَمِلَ حسنةً؛ كتبها صاحبُ اليمين عشراً، وإذا عَمِلَ سيئةً، قال
صاحبُ اليمين لصاحب الشمال: دَعْهُ سبعَ ساعاتٍ لعله يَسْبِّح أو يستغفر))(٥).
وروي من حديث عليٍّ أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((إنَّ مقعدَ مَلكَيك على ثَنِيَّتك،
لسانُك قلمهما، ورِيقُك مِدَادُهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك، فلا تستحي من الله
ولا منهما))(٦).
وقال الضحاك: مجلسهما تحت الشعر (٧) على الحنك. ورواه عوف عن الحسن
(١) أخرجه الطبري بنحوه مختصراً ٤٢٥/٢١.
(٢) في تفسير الطبري ٤٢٦/٢١ - والقول مخرجٌ فيه -: أمير.
(٣) قوله: العبد، من (ف) و(م).
(٤) في (م): على يساره.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٧١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠٨/١٠ : وفيه جعفر بن
الزبير، وهو كذاب. اهــ. ورواه الطبراني في المعجم الكبير أيضاً (٧٧٦٥) بنحوه وضعفه العراقي في
تخريج أحاديث الإحياء ١٤٨/٤ - ١٤٩ .
(٦) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٥٩ الثعلبي من رواية جميل بن الحسن عن أرطأة بن
الأشعث العدوي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عن النبي # قال: ((مقعد ملكيك» فذكره.
اهـ. وأرطاة بن أشعث؛ قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١٧٠/١: هالك.
(٧) في (م): الثغر.

٤٣٨
سورة ق: الآيات ١٧ - ١٩
قال: وكان الحسن يُعجبه أن ينظف عَنْفَقته(١).
وإنما قال: ((فَعِيدٌ)) ولم يقل: قعيدان، وهما اثنان؛ لأنَّ المراد عن اليمين قعيدٌ،
وعن الشمال قعيد، فحذف الأوَّل لدلالة الثاني عليه. قاله سيبويه(٢)؛ ومنه قول
الشاعر :
عِندكَ راضٍ والرّأيُ مختلفُ(٣)
نحنُ بما عندنا وأنتَ بما
وقال الفرزدق :
وأَبَى فكان وكنتُ غيرَ غَدورٍ (٤)
إنِّي ضَمِنتُ لمن أتاني ما جنى
ولم يقل: راضيان ولا غدورين.
ومذهب المبرِّد: أنَّ الذي في التلاوة أوَّلٌ، أُخِّرَ اتِّساعاً، وحذف الثاني لدلالة
الأوَّل عليه. ومذهب الأخفش والفرَّاء: أنَّ الذي في التلاوة يؤدِّي عن الاثنين
والجمع، ولا حذف في الكلام(٥).
و(قَعِيدٌ)) بمعنى قاعد، كالسميع والعليم والقدير والشهيد. وقيل: ((فَعِيدٌ)) بمعنى
مُقَاعد، مثل أكيل ونديم بمعنى مُؤَاكل ومُنَادم(٦).
وقال الجوهريُّ: وفَعيلٌ وفَعولٌ؛ ممَّا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع؛ كقوله
تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] وقولِه: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُ﴾
[التحريم: ٤](٧). وقال الشاعر في الجمع، أنشده الثعلبي :
(١) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٣ .
(٢) ينظر الكتاب ٧٥/١-٧٦، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٤/٥، ومشكل إعراب القرآن ٦٨٣/٢.
(٣) البيت لقيس بن الخطيم كما نسبه سيبويه في الكتاب ٧٥/١. وسلف ١٨٨/١٠.
(٤) الكتاب ٧٦/١ ، ولم نقف عليه في ديوان الفرزدق.
(٥) معاني القرآن للأخفش ٦٩٦/٢، ومعاني القرآن للفراء ٧٧/٣، ومشكل إعراب القرآن ٦٨٤/٢.
(٦) الكلام بنحوه في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٤١٨ .
(٧) الصحاح (قعد).

٤٣٩
سورة ق: الآيات ١٧ - ١٩
أَلِكني إليها وخيرُ الرَّسو لِ أعلَمُهُمْ بنواحي الخبرُ(١)
والمراد بالقعيد هاهنا: الملازمُ الثابت، لا ضدُّ القائم(٢).
قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَيْدٌ﴾ أي: ما يتكلَّم بشيءٍ إلَّ كُتب
عليه؛ مأخوذٌ من لفظ الطعام، وهو إخراجُه من الفم.
وفي الرقيب ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه المتَبعُ(٣) للأمور. الثاني: أنَّه الحافظ؛ قاله
السُّدِّي. الثالث: أنَّه الشاهد؛ قاله الضَّحَّاك.
وفي العتيد وجهان: أحدهما: أنَّه الحاضرُ الذي لا يغيب. الثاني: أنَّه الحافظُ
المُعَدُّ إمَّا للحفظ وإمَّا للشهادة(٤).
قال الجوهري(٥): العتيدُ الشيء الحاضر المُهَيَّأ؛ وقد عَثَّدَه تعتيداً، وأعْتَدَه
إِعْتَاداً، أي: أعدَّه ليوم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَّكَئًا﴾ [يوسف: ٣١]، وفرسٌ
عَتَّدٌ وَعَتِدٌ؛ بفتح التاء وكسرها: المُعَدُّ للجري.
قلت: وكلُّه يرجع إلى معنى الحضور، ومنه قول الشاعر:
لئِن كُنتَ منِّي في العِيان مُغَيَّباً فِذِكْرُكَ عندي في الفؤادِ عَتِيدُ(٦)
قال أبو الجوزاء ومجاهد: يُكتبُ على الإنسان كلُّ شيءٍ حتى الأنينُ في
مرضه(٧). وقال عكرمة: لا يُكتب عليه (٨) إلَّا ما يُؤجر به أو يُؤزر عليه(٩). وقيل:
(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٤٦/١، وقوله: ألِكْني إليها، أي: كُنْ رسولي
إليها. وسلف ١٦ / ١٥ .
(٢) تفسير البغوي ٢٢٢/٤ .
(٣) في (ف): المنيع، وفي النكت والعيون - والكلام منه -: المتتبع.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٣٤٧ .
(٥) في الصحاح (عند).
(٦) لم نقف عليه.
(٧) المحرر الوجيز ١٦٠/٥ .
(٨) لفظة: عليه. ليست في (م).
(٩) تفسير البغوي ٢٢٢/٤ .

٤٤٠
سورة ق: الآيات ١٦ - ١٩
يُكتب عليه كلُّ ما يتكلّم به، فإذا كان آخر النهار مُحيّ عنه ما كان مباحاً، نحو:
انطلِقٍ، اقعد، كُلْ، مما لا يتعلَّق به أجرٌ ولا وِزر (١)، والله أعلم.
وروي عن أبي هريرة وأنس أنَّ النبيَّ لَ ﴾ قال: ((ما من حافظَين يرفعان إلى الله ما
حفظا، فيرى اللهُ في أوَّل الصحيفة خيراً، وفي آخرها خيراً، إلّا قال الله تعالى
لملائكته: اشهدوا أنِّي قد غفرتُ لعبدي ما بين طَرَفي الصحيفة))(٢).
وقال عليٍّ ﴾: إنَّ لله ملائكةٌ معهم صحفٌ بيض، فأَمْلُوا في أوَّلها وفي آخرها
خيراً، يُغفر لكم ما بين ذلك(٣).
وأخرج أبو نعيم الحافظ قال: حدَّثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن
إسحاق بن خزيمة، قال: حدّثنا جَدِّي محمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا محمد بن
موسى الحَرَشيُّ، قال: حدَّثنا سهيل بن عبد الله، قال: سمعتُ الأعمشَ يحدِّث عن
زيد بن وهب عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ الحافظَين إذا نزلا على
العبد أو الأمّة، معهما كتابٌ مختوم، فيكتبان ما يلفظ به العبدُ أو الأمة، فإذا أرادا أنْ
ينهضا، قال أحدُهما للآخر: فُكَّ الكتاب المختومَ الذي معك، فیفگُه له، فإذا فيه ما
كتب سواء، فذلك قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ﴾)) غريبٌ من حديث
الأعمش عن زيد، لم يروه عنه إلَّا سهيل (٤).
وروي من حديث أنس أنَّ نبيَّ اللـه ﴿ قال: ((إنَّ الله وَّل بعبده مَلَكين يكتبان
عمله، فإذا مات قالا: ربنا قد مات فلانٌ، فأُذَنْ لنا أنْ نصعد إلى السماء، فيقولُ الله
تعالى: إنَّ سماواتي مملوءةٌ من ملائكتي يسبِّحونني، فيقولان: ربنا نقيمُ في الأرض،
(١) ذكر نحو هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٦٠ عن الحسن وقتادة.
(٢) أخرجه عن أنس الترمذي (٩٨١). وفي إسناده تمام بن نجيح، وهو ضعيف. وقال ابن الجوزي في العلل
المتناهية ٤٥/١: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: تمام يروي أشياء موضوعة عن الثقات، كأنه
المتعمد لها.
(٣) ذكر نحوه الإمام السيوطي في الدر المنثور ٣٦/٦. وعزاه للطبري.
(٤) حلية الأولياء ٤/ ١٧٣، ٥٧/٥.