النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة الحجرات: الآية ٩
الجميع. فَمَحْمَلُ(١) الإصلاح بالعدل في قوله: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدَّلِ﴾ على مذهب
محمد واضحٌ منطبق على لفظ التنزيل. وعلى قول غيره وجْهُه أن يُحمل على كون الفئة
الباغية قليلةَ العدد. والذي(٢) ذكروا أن الغرض إماتةُ الضغائن وسلُّ الأحقاد دون
ضمان الجنايات، ليس بحُسن الطباق المأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط.
قال الزمخشري: فإن قلتَ: فلِمَ قُرِن بالإصلاح الثاني العدلُ دون الأوّل؟ قلتُ:
لأن المراد بالاقتتال في أوّل الآية أن يقتتلا باغيتين أو راكبتي شبهة، وأيتُهما كانت
فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصلاحُ ذات البَيْن، وتسكينُ
الدِّماء(٣) بإراءة الحقِّ والمواعظِ الشافية ونفي الشبهة، إلا إذا أصرَّتا فحينئذ تجب
المقاتلة، وأمَّا الضمانُ فلا يتَّجه. وليس كذلك إذا بغت إحداهما؛ فإن الضمان متَّجِهٌ
على الوجهين المذكورين.
التاسعة: ولو تغلَّبوا على بلد فأخذوا الصدقاتِ وأقاموا الحدود وحكموا فيهم
بالأحكام، لم تُثَنَّ عليهم الصدقات ولا الحدود، ولا يُنقض من أحكامهم إلا ما كان
خلافاً للكتاب أو السنة أو الإجماع، كما تنقض [من] أحكام أهل العدل والسنة(٤).
قاله مُطَرِّف وابن الماجِشون. وقال ابن القاسم: لا تجوز بحال. ورُويَ عن أصْبَغ أنه
جائز. ورُويَ عنه أيضاً أنه لا يجوز؛ كقول ابن القاسم. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه عمل
بغير حقٍّ ممن لا تجوز تَوْليته، فلم يجز كما لو لم يكونوا بغاة(٥). والعمدةُ لنا ما
قدَّمناه من أن الصحابة ﴾ لمَّا انجلت الفتنة وارتفع الخلاف بالهدنة والصلح، لم
يَعرِضوا لأحد منهم في حكم. قال ابن العربيّ(٦): الذي عندي أن ذلك لا يصلح؛
(١) في (ز) و(م) : فحمل .
(٢) في الكشاف : والذين .
(٣) في (م) : الدهماء .
(٤) الكافي ١ / ٤٨٦ ، وما بين حاصرتين منه.
(٥) وقع في أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٠/٤ والكلام منه: فلم يجز كما لو كانوا بغاة . وجاء في
نسخة منه موافقاً لما ذكره المصنف .
(٦) في أحكام القرآن ٤/ ١٧١٠ .

٣٨٢
سورة الحجرات: الآية ٩
لأن الفتنة لمَّا انجلت كان الإمام هو الباغي، ولم يكن هناك مَن يعترضه. والله أعلم.
العاشرة: لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأٌ مقطوعٌ به، إذ كانوا كلُّهم
اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا اللهَ عزَّ وجل، وهم كلُّهم لنا أئمةٌ، وقد تعبَّدَنَا بالكفّ
عما شجر بينهم، وألا نذكرَهم إلَّا بأحسن الذِّكر؛ لحرمة الصحبة، ولنهي النبيِّ ◌ِ
عن سَبِّهم (١)، وأن الله غفر لهم، وأخبرنا بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من
الأخبار من طرق مختلفةٍ عن النبيِّ ﴾ أنَّ طلحةَ شهيدٌ يمشي على وجه الأرض(٢)،
فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً، لم يكن بالقتل فيه شهيداً. وكذلك لو كان ما
خرج إليه خطأً في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بقتلٍ
في طاعة، فوجب حملُ أمرهم على ما بيَّنَّاه. وممَّا يدلُّ على ذلك ما قد صحَّ وانتشر
من إخبار عليٍّ بأنَّ قاتل الزبير في النار. وقوله: سمعت رسول اللـه 8# يقول: ((بشِّر
قاتل ابن صفية بالنار))(٣). وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبيرَ غيرُ عاصيين ولا
آثمين بالقتال؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يقل النبيُّ# في طلحةَ: ((شهيد)». ولم
(١) ورد النهي عن سبهم في أحاديث كثيرة ، منها الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ، ومسلم
(٢٥٤١) عن أبي سعيد الخدري أن النبي 8# قال: ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد
ذهباً لم يدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) وسلف ٢٦١/٥، وص٣٤٨ من هذا الجزء، وينظر في الموضع
الثاني الآيات والأحاديث التي ذكرها المصنف والتي تضمنت الثناء عليهم، والوعيد الشديد لمن سبَّهم
وقلَّل من شأنهم .
(٢) أخرجه الترمذي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (١٢٥) من حديث جابر ، قال الترمذي : هذا حديث غريب
لا نعرفه إلا من حديث الصَّلْت ، وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وفي صالح بن موسى
من قبل حفظهما .
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في الفصل للوصل المدرج في النقل ١/ ١٩٠ من طريق زيد بن أخزم عن
علي مرفوعاً، وقال: جعل هذا الراوي وأظنه زيد بن أخزم قوله : بشِّر قاتل ابن صفية بالنار ، من كلام
النبي # وذلك وهم ، إنما هو من قول علي بن أبي طالب ، روى ذلك أبو سلمة التبوذكي ... وكذلك
رواه زائدة بن قدامة وشيبان ... اهـ. وأخرجه موقوفاً على علي # أحمد (٦٨١) ، وابن أبي عاصم في
الآحاد والمثاني (١٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٤٣). لكن الحافظ ابن حجر ذكر في الفتح ٢٢٩/٦
أن علياً رفعه إلى النبي # كما رواه أحمد وغيره من طريق زر بن حبيش عن علي بإسناد صحيح . اهـ.
ولم نقف عليه مرفوعاً عند أحمد.

٣٨٣
سورة الحجرات: الآيتان ٩ - ١٠
يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك مَن قعد غيرُ مخطِئ في التأويل. بل صوابٌ
أراهم الله الاجتهاد. وإذا كان كذلك لم يُوجِب ذلك لعنَهم والبراءةَ منهم وتفسيقَهم،
وإيطالَ فضائلهم وجهادهم، وعظيمَ غنائهم في الدِّين، ﴾.
وقد سُئل بعضُهم عن الدماء التي أُريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. وسُئِل بعضهم عنها
أيضاً فقال: تلك دماءٌ قد طَهَّر الله منها يدي؛ فلا أخْضِب بها لساني. يعني في التحرز
من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه.
قال ابن فُورَك: ومن أصحابنا مَن قال: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من
المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسفَ مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك
عن حدِّ الولاية والنبوَّة؛ فكذلك الأمرُ فيما جرى بين الصحابة.
وقال المحاسبي: فأمَّا الدِّماء فقد أشكل علينا القولُ فيها باختلافهم. وقد سُئِل
الحسن البصريُّ عن قتالهم فقال: قتالٌ شهده أصحاب محمد ﴿ وغِبْنا، وعلِموا
وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال
الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلمَ بما دخلوا فيه منا، ونتبعُ ما اجتمعوا عليه، ونقفُ
عند ما اختلفوا فيه، ولا نبتدعُ رأياً منا، ونعلمُ أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عزَّ وجلَّ،
إذ كانوا غير متَّهمين في الدِّين، ونسأل الله التوفيق.
قوله تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ أي: في الدِّين والحُرمة لا في
النسب؛ ولهذا قيل: أُخوَّةُ الدِّين أثبتُ من أخوَّة النسب، فإن أُخوَّة النسب تنقطعُ
بمخالفة الدين، وأُخوَّة الدِّين لا تنقطع بمخالفة النسب. وفي الصحيحين عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا

٣٨٤
سورة الحجرات: الآية ١٠
تَحَسَّسُوا، ولا تناجَشُوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا))(١). وفي رواية: ((لا تَحَاسدوا، ولا
تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدَابروا، ولا يبغْ بعضكم على بَيْع بعض، وكونوا عباد
الله إخوانًا. المسلِم أخو المسلم؛ لا يَظْلِمه ولا يَخْذُلْه ولا يَحْقِره. التقوى ها هنا
ويشير إلى صدره ثلاثَ مرات ((بَحَسْبِ امرئ من الشِّر أن يَحْقِر أخاه المسلم. كلُّ
المسلِم على المسلم حرامٌ دَمُه ومالُه وعِرْضُه)) لفظ مسلم (٢) .
وفي غير الصحيحين عن أبي هريرة؛ قال النبيُّ ﴾: ((المسلم أخو المسلم، لا
يظلمه، ولا يَعِيبه، ولا يَخْذله، ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عليه الريح إلا بإذنه،
ولا يؤذيه بقُتار قِدْره إلا أن يَغْرِف له غَرْفة، ولا يشتري لبنيه الفاكهةَ فيخرجون بها إلى
صبيان جاره ولا يطعمونهم منها)). ثم قال النبيُّ ﴾: ((احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا
قليل))(٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيِّنَ أَخَوَبِّكُمْ﴾ أي: بين كلِّ مسلمين تخاصما(٤).
وقيل: بين الأوس والخزرج، على ما تقدَّم(٥). وقال أبو عليٍّ: أراد بالأخَوَيْن
الطائفتين؛ لأن لفظ التثنية يَرِد، والمراد به الكثرة؛ كقوله تعالى: ﴿بَلّ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانٍ﴾(٦) [المائدة: ٦٤]. وقال أبو عبيدة: أي: أصلحوا بين كلِّ أخَوَين، فهو آتٍ
(١) صحيح البخاري (٦٠٦٦)، وصحيح مسلم واللفظ له (٢٥٦٣): (٣٠)، وهو عند أحمد أيضاً
(٧٨٥٨)، وسيرد معنى: ولا تحسسوا، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُواْ﴾.
(٢) صحيح مسلم (٢٥٦٤): (٣٢)، وهو عند أحمد أيضاً (٧٧٢٧). والنّجش: هو أن يمدح السلعة
لينفقها ويروّجها ، أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها . النهاية (نجش). وسلف قطعة
منه ٣٨٩/١٤.
(٣) أخرجه الثعلبي كما في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٦ عن أبي هريرة ﴾. قال ابن
حجر : إسناده ضعيف . اهـ. والقُتار : هو ريح القِدر والشِّواء ونحوهما . النهاية (قتر).
(٤) الوسيط ٤ /١٥٤.
(٥) في المسألة الأولى من الآية السابقة .
(٦) الحجة لأبي علي ٢٠٩/٦، وقال: قوله: ﴿بَّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ يريد بل نعمتاه، وليس هذه النعم
بنعمتين اثنتين ، إنما يراد نعم الدنيا ونعم الآخرة .

٣٨٥
سورة الحجرات: الآيتان ١٠ - ١١
على الجميع. وقرأ ابن سيرين ونصرُ بن عاصم وأبو العالية والجَحدريُّ ويعقوب:
(بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ)) بالتاء على الجمع(١). وقرأ الحسن: ((إِخْوَانِكُمْ))(٢). الباقون:
((أَخَوَيْكُمْ)) بالياء على التثنية.
الثالثة: في هذه الآية والتي قبلها دليلٌ على أن البغيَ لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن
الله تعالى سماهم إخوةً مؤمنين مع كونهم باغين. قال الحارث الأعور: سُئِل عليُّ بن
أبي طالب ه - وهو القدوة - عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصِفِّين: أمشركون
هم؟ قال: لا، من الشِّرك فرُّوا. فقيل له(٣): أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا
يذكرون الله إلا قليلاً. قيل له: فما حالهم؟ قال: إخوانُنا بَغَوْا علينا(٤).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوْ خَيْرًا مِنْهُمْ
وَلَ نِسَآءُ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنِّ وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ
بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُ الَّلِمُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْرٍ عَسَوَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ
مِّنْ نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرُ مِنْهُنَّ﴾ فيه أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَقَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًاً
، قيل: عند الله. وقيل: (خَيْرًا مِنْهُمْ)) أي: معتقَدًا وأسلمَ باطناً(٥). والسُّخْرِية:
الاستهزاء. سَخِرت منه أسْخَر سَخَرًا؛ بالتحريك، ومَسْخَرًا وسُخْرًا؛ بالضم. وحكى
أبو زيد: سَخِرت به (٦)، وهو أردأ اللغتين. وقال الأخفش: سَخِرْتُ منه وسَخِرت به،
(١) قراءة يعقوب - وهو من العشرة - في النشر ٣٧٦/٢، وذكرها عن أبي العالية ابن الجوزي في زاد
المسير ٧ /٤٦٤ .
(٢) المحتسب ٢٧٨/٢، وهي قراءة شاذة.
(٣) لفظة : له ، ليست في (م) .
(٤) تفسير البغوي ٢١٣/٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٦/١٥، والبيهقي ١٧٣/٨ عن أبي البَخْتري.
(٥) النكت والعيون ٣٣٢/٥.
(٦) بعدها في (ظ) : وضحكت به وهزئت به .

٣٨٦
سورة الحجرات: الآية ١١
وضَحِكت منه وضَحكت به، وهَزِئت منه وهزِئت به، كلُّ ذلك يقال(١). والاسم
السُّخْرِية والسُّخْريّ والسّخريّ(٢)؛ وقُرِئ بهما قوله تعالى: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
سُخْرِبًا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقد تقدَّم(٣). وفلان سُخْرَةٌ: يُتَسَخَّر في العمل. يقال: خادمٌ
سُخْرة، ورجل سُخْرةٌ أيضًا: يُسخر منه. وسُخَرة - بفتح الخاء - يَسْخَر من الناس.
الثانية: واختلف في سبب نزولها، فقال ابن عباس: نزلت في ثابت بنٍ قيس بن
شماس كان في أذنه وَقْر، فإذا سبقوه إلى مجلس النبيِّ ﴾، أوسعوا له إذا أتى حتى
يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعةٌ مع
النبيِّ ◌َ﴾، فلمَّا انصرف النبيُّ :﴿ أخذ أصحابه مجالسَهم منه؛ فَرَبَض كلُّ رجل منهم
بمجلسه(٤)، وعَضُوا فيه(٥)، فلا يكاد يوسِّع أحد لأحد حتى يَظَلَّ الرجل لا يجد
مجلسًا فيظل قائمًا. فلمَّا انصرف ثابت من الصلاة، تخطّى رقاب الناس ويقول:
تفسَّحوا تفسَّحوا، ففسحوا له حتى انتهى إلى النبيِّ :﴿ وبينه وبينه رجلٌ فقال له:
تفسَّح. فقال له الرجل: قد وجدتَ مجلساً فاجلس. فجلس ثابت من خلفه مُغْضَبًا، ثم
قال: مَن هذا؟ قال: فلان، فقال ثابت: ابن فلانة! يعيِّره بها، يعني أُمَّا له في
الجاهلية، فاستحيا الرجل، فنزلت(٦).
وقال الضخَّاك: نزلت في وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أوّل السورة(٧)
استهزؤوا بفقراء الصحابة، مثل عمَّار وخبَّاب وابن فُهيرة وبلال وصُهيب وسلمان
(١) لفظة: ذلك ، من (ظ) والصحاح (سخر)، وما سيرد منه .
(٢) في (ظ) و(م) : والاسم السخرية ، والسخري.
(٣) ص٣٧ من هذا الجزء.
(٤) أي: لصق به وأقام ملازماً له . ينظر اللسان (ربض).
(٥) أي : لزم كل منهم مجلسه .
(٦) تفسير البغوي ٢١٤/٤، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص ٤١٥ مختصراً دون نسبة . قال الحافظ
ابن حجر في الكافي الشافي تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٧ : ذكره الثعلبي ومن تبعه عن ابن عباس
بغير سند .
(٧) في المسألة الأولى من كل من الآيتين الأولى والثانية .

٣٨٧
سورة الحجرات: الآية ١١
وسالم مَوْلى أبي حُذيفة وغيرهِم؛ لِمَا رأَوا من رَثاثة حالهم؛ فنزلت في الذين آمنوا
منهم (١). وقال مجاهد: هو سُخرية الغنيّ من الفقير(٢). وقال ابن زيد: لا يسخر مَن
ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعلَّ إظهارَ ذنوبه في الدنيا خيرٌ له في الآخرة(٣).
وقيل: نزلت في عكرمةَ بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلماً، وكان المسلمون إذا
رأَوه قالوا: ابن فرعون هذه الأمة. فشكا ذلك إلى رسول الله ﴾، فنزلت(٤).
وبالجملة؛ فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رَثَ
الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير ◌َبِيق في محادثته، فلعله أخلصُ ضميراً وأنقى(٥)
قلباً ممن هو على ضدِّ صفته؛ فيظلمَ نفسه بتحقير من وقّره الله، والاستهزاءٍ بمن عظّمه
الله. ولقد بلغ بالسَّلف إفراط توقّهم وتصوُّنهم من ذلك أن قال عمرو بن شُرَحْبِيل: لو
رأيتُ رجلاً يُرضع عنزاً، فضحكتُ منه، لخشيتُ أن أصنع مثل الذي صنع (٦) .
وعن عبد الله بن مسعود : البلاء مُوَكَّل بالقول؛ لو سخرتُ من كلب، لخشيتُ
أن أُحوَّل كلباً(٧).
و ((قوم)) في اللغة للمذكَّرين خاصة. قال زهير:
أقومٌ آلُ حِصن أم نساءٌ(٨)
وما أدري وسوف إخالُ أدري
وسُمُّوا قومًا لأنهم يقومون مع داعيهم في الشدائد، وقيل: إنه جمع قائم، ثم
(١) يعني من بني تميم، والكلام في تفسير البغوي ٤/ ٢١٤ .
(٢) تفسير مجاهد ٢ / ٦٠٦ - ٦٠٧ بنحوه .
(٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٣٦٥ بنحوه .
(٤) المحرر الوجيز ١٤٩/٥.
(٥) في الكشاف ٥٦٥/٣ - ٥٦٦ والكلام منه : أتقى .
(٦) قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٥٧ : لم أره عنه ، وفي ابن أبي
شيبة [٨/ ٥٧٧] عن أبي موسى من قوله نحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٧٨ .
(٨) ديوان زهير ص١٣٦، وسلف ١٠٩/٢ .

٣٨٨
سورة الحجرات: الآية ١١
استُعمِل في كلِّ جماعة وإن لم يكونوا قائمين. وقد يدخل في القوم النساء مجازًا، وقد
مضى في ((البقرة)) بيانه(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْا مِنْهُنَّ﴾ أفرد النساء بالذكر؛
لأن السُّخرية منهنَّ أكثرُ. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]
فشمل الجميع.
قال المفسرون: نزلت في امرأتين من أزواج النبيِّ ﴿ سَخِرتا من أمِّ سلمةَ، وذلك
أنها ربطت خَصْرَيْها بسَبِيبَة - وهو ثوبٌ أبيضُ، ومثلُها السِّبُّ(٢) - وسدلت طرفيها
خلفها، فكانت تجرُّها، فقالت عائشة لحفصةَ رضي الله عنهما: انظري [إلى] ما تجرُّ
خلفها؛ كأنه لسان كلب، فهذه كان سخريتهما(٣).
وقال أنس وابن زيد: نزلت في نساء النبيِّ لَ*، عَيَّرن أمَّ سلمةَ بالقِصَر (٤). وقيل:
نزلت في عائشةَ، أشارت بيدها إلى أم سَلمة، يا نبيَّ الله، إنها لقصيرة(٥).
وقال عكرمة عن ابن عباس: إن صفيةً بنتَ حُيَيٍّ بن أخطب أتت رسولَ الله ﴾.
فقالت: يا رسول الله، إن النساء يُعَيِّرْنَني، ويقلن(٦): يا يهوديةُ بنتَ يهوديَّين! فقال
رسول الله﴾: ((هَلَّا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد))(٧).
فأنزل الله هذه الآية.
(١) ١٠٨/٢ - ١٠٩ .
(٢) وقع في هامش (ق): السِّبّ: الخمار والعمامة ، وقد تقدم .
(٣) أسباب النزول للواحدي ص٤١٦، وما بين حاصرتين منه .
(٤) أورده عن أنس الواحدي في أسباب النزول ص٤١٦، والبغوي في تفسيره ٢١٤/٤، والزمخشري في
الكشاف ٣/ ٥٦٦ .
(٥) ينظر تفسير أبي الليث ٢٦٤/٣، وزاد المسير ٤٦٦/٧ .
(٦) بعدها في (م) : لي .
(٧) أسباب النزول ص٤١٦، والكشاف ٥٦٦/٣، قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث
الكشاف ص١٥٧ : ذكره الثعلبي عن عكرمة عن ابن عباس بغير إسناد. اهـ. وأخرجه الترمذي (٣٨٩٢)
عن صفية بنت حيي بنحوه ، قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث صفية إلا من حديث
هاشم الكوفي ، وليس إسناده بذاك القوي .

٣٨٩
سورة الحجرات: الآية ١١
الرابعة: في صحيح الترمذي عن عائشةَ قالت: حَكَيت للنبيِّ :﴿ رجلاً، فقال:
((ما يسرُّني أني حَكَيت رجلاً وأنَّ لي كذا وكذا)). قالت فقلت: يا رسول الله، إنَّ صفية
امرأة؛ وقالت بيدها هكذا، يعني أنها قصيرة. فقال: ((لقد مزجتٍ بكلمةٍ (١) لو مُزِج بها
البحر لمُزِجٍ))(٢).
وفي البخاريِّ(٣) عن عبد الله بن زَمْعة قال: نهى النبيُّ﴾ أن يضحك الرجل ممَّا
يخرج من الأنفس. وقال: ((لِمَ يضربُ أحدكم امرأته ضَرْبَ الفَحْل، ثم لعله يعانقها)).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((إن الله لا ينظر إلى
صُوَركم وأموالكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم)) (٤). وهذا حديث عظيمٌ يترتب
عليه ألَّ يقطع بمغيب(٥) أحد لِمَا يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة،
فلعلَّ مَن يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وَصْفًا مذموماً لا تصحُ معه
تلك الأعمال، ولعلَّ مَن رأينا عليه تفريطاً أو معصيةً يعلم الله من قلبه وصفًا محمودًا
يغفر له بسببه. فالأعمالُ أماراتٌ ظنيةٌ، لا أدلةٌ قطعية. ويترتَّبُ عليها عدمُ الغُلُوِّ في
تعظيم مَن رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدمُ الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة. بل
تُحتقر وتُذمُّ تلك الحالةُ السيئة، لا تلك الذاتُ المسيئة. فتدبّر هذا، فإنه نظرٌ دقيق،
وبالله التوفيق.
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَلَّمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ اللَّمْزُ: العَيْب، وقد مضى في
(١) في (ظ) : لقد قلت كلمة .
(٢) سنن الترمذي (٢٥٠٢) وهو عند أحمد (٢٥٥٦٠)، وأبي داود (٤٨٧٥)، وقوله : وقالت بيدها، أي:
أشارت بها. وقوله : لقد مزجت بكلمة ، أي : مزجت أعمالك بكلمة . تحفة الأحوذي ٢٠٩/٧ .
(٣) برقم (٦٠٤٢) .
(٤) صحيح مسلم (٢٥٦٤): (٣٤)، وهو عند أحمد (٧٨٢٧).
(٥) في (خ) و(م): بعيب، وفي (ظ) و(ق): بمعيب، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في المفهم
٥٣٩/٦ والكلام منه .

٣٩٠
سورة الحجرات: الآية ١١
(براءة))(١) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَتِ﴾ [آية: ٥٨]. وقال الطبري:
اللَّمْزُ باليد والعين واللِّسان والإشارة. والهَمْزُ لا يكون إلا باللِّسان.
وهذه الآية مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: لا يقتل
بعضكم بعضًا؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتل أخيه قاتلٌ نفسَه. وكقوله
تعالى: ﴿فَسَلِمُوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] يعني يسلِّم بعضكم على بعض(٢). والمعنى:
لا يَعِبْ بعضكم بعضًا .
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جُبير: لا يطعُن بعضكم على بعض(٣).
وقال الضحاك: لا يَلْعَن بعضكم بعضًا(٤). وقُرِئ: ((ولا تَلْمُزُوا)) بالضم(٥).
وفي قوله: ((أَنْفسَكُم)) تنبيهٌ على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب
غيرَه لأنه كنفسه؛ قال:8#: ((المؤمنون كجسد(٦) واحد، إن اشتكى عضو منه، تداعى
له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى))(٧) .
وقال بكر بن عبد الله المُزَني: إذا أردت أن تنظر العيوب جَمَّةً فتأمل عَيَّابًا؛ فإنه
إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب. وقال:﴿: ((يُبصِر أحدكم القَذاة في عين
أخيه ويدع الجِذْعِ في عينه))(٨). وقيل: مِن سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن
(١) ٢٤٣/١٠.
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٨٣/٤ .
(٣) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة الطبري ٢١/ ٣٦٧ .
(٤) النكت والعيون ٣٣٢/٥ .
(٥) قرأ بها يعقوب - وهو من العشرة - كما في النشر ٢٧٩/٢ - ٢٨٠.
(٦) في (ظ) و(ف) و(ق) : كرجل .
(٧) أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير، وسلف ٣٣٣/١٠ .
(٨) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٢)، وابن حبان (٥٧٦١) من حديث أبي هريرة ، والقَذاة:
ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تين أو وسخ أو غير ذلك. وهذا الحديث ضربه النبي *
مثلاً لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيِّرهم به ، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجِذْع إلى
القَذاة . النهاية (جذع) .

٣٩١
سورة الحجرات: الآية ١١
عيوب غيره، قال الشاعر:
أشغله عن عيوبه وَرَعُهْ
المرءُ إن كان عاقلاً ورِعًا
عن وجع الناس كلِّهم وَجَعُهُ(١)
كما السقيمُ المريضُ يَشغلهُ
وقال آخر :
فيهتكَ اللهُ سترًا عن (٢) مساويكا
لا تكشفنَّ مساوي الناس ما ستروا
ولا تَعِب أحداً منهم بما فيكا (٣)
واذكر محاسنَ ما فيهم إذا ذُكروا
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِ ﴾ النَّبَزُ - بالتحريك - اللَّقب، والجمع
الأنباز. والنَّبْزُ - بالتسكين - المصدر، تقول: نَبَزَه يَنْبِزُهُ نَبْزًا، أي: لَقَبَّه. وفلان يُنَبِّز
بالصبيان، أي: يلقِّبهم، شُدِّد للكثرة. ويقال: النَّبَزُ والنَّزَب لَقَبُ السوء. وتنابزوا
بالألقاب، أي: لَقَّب بعضُهم بعضاً (٤).
وفي الترمذيِّ عن أبي جَبيرة بن الضخَّاك قال: كان الرجل منا يكون له
الاسمين(٥) والثلاثة، فيُدعَى ببعضها، فعسى أن يَكره، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَتَبَرُواْ
◌ِالْأَلَقَبِ﴾. قال: هذا حديث حسن. وأبو جَبيرة هذا هو أخو ثابت بن الضحاك بن
(١) أوردهما ابن عبد البر في بهجة المجالس ١٦٢/١ ضمن أربعة أبيات، ونسبهما لبشر بن الحارث ،
وجاء فيه الشطر الأول من البيت الأول : وكل من كان مسلماً ورعاً . وفيه أيضاً : عيوبهم ، بدل :
عيوبه .
(٢) في (ظ) : من .
(٣) أوردهما ابن عبد البر في بهجة المجالس ٢٥٦/٣ ونسبهما لمحمود الوراق. وأوردهما دون نسبة ابن
قتيبة في عيون الأخبار ١٨/٢، وابن عبد ربه في العقد الفريد ٣٣٥/٢ ، والماوردي في أدب الدنيا
والدين ص ٢٤٢، ووقع في بهجة المجالس وعيون الأخبار وأدب الدنيا والدين : لا تلتمس من ،
بدل: لا تكشفن . وفي العقد الفريد : لا تهتكن ، بدل : لا تكشفن .
(٤) الصحاح (نبز) دون قوله: ويقال : النبز والنزب لقب السوء، وقد ذكره الزمخشري في الكشاف
٥٦٦/٣.
(٥) كذا في النسخ، وفي نسخة المباركفوري ١٥٣/٩ : الاسمان.

٣٩٢
سورة الحجرات: الآية ١١
خليفة الأنصاري. وأبو زيد سعيد بنُ الربيع صاحبُ الهَرَوي ثقة(١).
وفي مصنَّف أبي داود عنه قال: فينا نزلت هذه الآية، في بني سلمةَ: ﴿وَلَا تَنَبَرُواْ
بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنّ﴾ قال: قَدِمَ رسول الله ﴾ وليس منا رجلٌ إلا وله
اسمان أو ثلاثة، فجعل رسول اللـه * يقول: يا فلان، فيقولون: مَهْ يا رسول الله، إنه
يغضب من هذا الاسم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَ نَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبٍ﴾(٢). فهذا قول.
وقولٌ ثانٍ: قال الحسن ومجاهد: كان الرجل يُعَيَّر بعد إسلامه بكفره: يا
يهوديُّ، يا نصرانيُّ، فنزلت(٣). ورُويَ عن قَتادةَ وأبي العالية وعكرمة.
وقال قتادة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسقُ، يا منافق. وقاله مجاهد(٤)
والحسن أيضاً.
﴿يِّسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنِّ﴾ أي: بئس أن يُسَمَّى الرجلُ كافرًا أو زانياً بعد
إسلامه وتوبته. قاله ابن زيد(٥). وقيل: المعنى أن مَن لَقَّب أخاه أو سخِر منه، فهو
فاسق. وفي الصحيح: ((من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهما إن كان كما
قال، وإلا رجعت عليه))(٦). فمن فعل ما نهى الله عنه من السُّخرية والهَمْز والنَّز،
فذلك فُسوق وذلك لا يجوز .
وقد رُويَ أن أبا ذرِّ كان عند النبيِّ ﴾، فنازعه رجل، فقال له أبو ذَرٍّ: يا ابن
اليهودية! فقال النبيُّ ﴾: ((ما ترى ها هنا من(٧) أحمرَ وأسودَ، ما أنت بأفضلَ منه)).
(١) سنن الترمذي (٣٢٦٨)، ووقع في مطبوعه: هذا حديث حسن صحيح، بزيادة : صحيح، ولم يذكر
هذه الزيادة المزي في التحفة ١٣٨/٩. وأبو جبيرة صحابي ذكره ابن حجر في الإصابة ٥٩/١١ في
القسم الأول ، وقال : قيل: ليس له صحبة .
(٢) سنن أبي داود (٤٩٦٢)، وهو عند أحمد (٨٢٨٨)، وسنن ابن ماجه (٣٧٤١).
(٣) أخرجه عن الحسن الطبري ٢١/ ٣٧١ بنحوه .
(٤) أخرجه عن قتادة ومجاهد الطبري ٢١/ ٣٧٠ بنحوه .
(٥) ينظر النكت والعيون ٣٣٣/٥، وزاد المسير ٤٦٨/٧ .
(٦) أخرجه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠)، وأحمد (٥٠٣٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٧) لفظة: من ، ليست في (م) .

٣٩٣
سورة الحجرات: الآية ١١
يعني بالتقوى، ونزلت: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِ﴾(١).
وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب: أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب،
فنهى الله أن يُعَيَّر بما سلف(٢). يدلُّ عليه ما رُويَ أن النبيَّ ﴾ قال: ((مَن عَيَّر مؤمنًا
بذنب تاب منه، كان حقًّا على الله أن يَبْتَلِيَهُ به ويَفْضَحَه فيه في الدنيا والآخرة)»(٣).
الثالثة: وقع من ذلك مستثنَى مَن غلب عليه الاستعمال، كالأعرج والأحدب،
ولم يكن له فيه كسب، يَجِد في نفسه منه عليه، فجوَّزته الأمة، واتفق على قوله أهل
المِلَّةُ(٤). قال ابن العربيّ(٥)؛ وقد ورد - لَعَمْرُ الله - من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه
[كقولهم] في صالح: جَزَرة؛ لأنه صَحَّف («خرزة))(٦) فلُقِّب بها(٧). وكذلك قولُهم في
محمد بن سليمان الحضرمي: مُطَيَّن؛ لأنه وقع في طين، ونحو ذلك ممَّا غلب على
المتأخرين، ولا أُراه سائغًا في الدِّين. وقد كان موسى بن عليٍّ بن رَباح المصريُّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧١١/٤، وأخرجه أحمد (٢١٤٠٧) عن أبي ذر أن النبي ﴾ قال له:
((انظر، فإنك ليس بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى)). وأورد الغزالي في الإحياء ٣/ ١٧٥ أن
أبا ذر قال لرجل: يا ابن الحمراء - في خصومة بينهما - فبلغ ذلك رسول الله # فقال: ((يا أبا ذر ارفع
رأسك فانظر ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل)). قال العراقي في
المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: أخرجه ابن أبي الدنيا في العفو وذم الغضب بإسناد صحيح .
(٢) تفسير البغوي ٢١٥/٤، وأخرجه الطبري ٢١/ ٣٧١ .
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥٠٥) عن معاذ بن جبل مرفوعاً بلفظ: من عيَّر أخاه بذنب ، لم يمت حتى يعمله.
قال أحمد بن منيع (هو شيخ الترمذي): من ذنب قد تاب منه . قال الترمذي: هذا حديث غريب وليس
إسناده بمتصل ، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل . اهـ. قال ابن الجوزي في الموضوعات
٢/ ٢٧٥: هذا حديث لا يصح عن رسول الله % والمتهم به محمد بن الحسن . قال أحمد بن حنبل:
ما أراه يساوي شيئاً ، وقال يحيى : كان كذاباً ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال الدارقطني :
لا شيء .
(٤) في (ظ) و(ف) و(ق): اللغة ، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي
١٧١١/٤ والكلام منه .
(٥) في أحكام القرآن ١٧١١/٤ - ١٧١٢ وما سيرد بين حاصرتين منه .
(٦) في أحكام القرآن : زجره ، بدل : خرزة ، وهو تحريف.
(٧) تاريخ بغداد ٣٢٢/٩ - ٣٢٣ .

٣٩٤
سورة الحجرات: الآية ١١
يقول: لا أجعل أحدًا صغَّر اسم أبي [في حِلِّ](١)، وكان الغالبُ على اسمه التصغير
بضمِ العين. والذي يضبط هذا كلَّه: أنَّ كلَّ ما يكرهه الإنسان إذا نُودي به، فلا يجوز
لأجل الأذِيَّة. والله أعلم.
قلت: وعلى هذا المعنى ترجم البخاريُّ رحمه الله في كتاب الأدب من الجامع
الصحيح في ((باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير لا يُراد به
شَيْن الرجل)) قال: وقال النبيُّ ﴾: ((ما يقول ذو اليَدَيْن))(٢) .
قال أبو عبد الله بن خُوَيْزِ مَنْدَاد: تضمنت الآية المفعَ من تلقيب الإنسان بما
يكره، ويجوزُ تلقيبه بما يحب، ألا ترى أن النبيَّ ◌َ﴿ لَقَّب عمرَ بالفاروق، وأبا بكر
بالصدِّيق، وعثمانَ بذي النُّورين، وخُزيمةَ بذي الشهادتين، وأبا هريرةَ بذي الشِّمالين
وبذي اليدين(٣)، في أشباه ذلك.
الزَّمخشريُّ(٤): رُوي عن النبيِّ﴾: ((من حق المؤمن على المؤمن أن يُسَمِّيَه
بأحبِّ أسمائه إليه))(٥). ولهذا كانت التَّكْنِيَّةُ من السُّنة والأدب الحسن، قال عمر ﴾:
(١) أخرج قوله الترمذي إثر حديث (٧٧٣) وقال: وأهل العراق يقولون: موسى بن عُلَيٍّ بن رباح
- بالتصغير كما في تحفة الأحوذي ٣/ ٤٨٤ - وأهل مصر يقولون : موسى بن عَلي .
(٢) علقه البخاري قبل حديث (٦٠٥١) وجاء فيه قوله: وما لا يراد به شين الرجل ، بعد قوله : ما يقول ذو
اليدين. ووصله أحمد (٧٢٠١)، والبخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣): (٩٧) من حديث أبي هريرة ﴾.
وذو اليدين صحابي اسمه: خِرباق، وقيل: عمير، والأول هو الصواب كما في نزهة الألباب في
الألقاب لابن حجر ٣١٣/١ . وذكره أيضاً في الإصابة ٢٢٢/٣ قال: يقال هو الخِرباق ، وفرق بينهما
ابن حبان .
(٣) كذا في النسخ، ولعل هذا في الكلام سقطاً، وذكر ابن حجر في نزهة الألباب ٢٩٦/١ أن ذا الشِّمالين
هو عمير بن عبد عمرو ، صحابي استشهد ببدر ، وهو غير ذي الیدین.
(٤) في الكشاف ٣/ ٥٦٦ .
(٥) قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٧ : لم أجده هكذا ، وروى البيهقي
في الشعب في الحادي والستين [٨٧٧٢] عن عثمان بن طلحة رفعه: ((ثلاث مصفين لك ودَّ أخيك ...
وتدعوه بأحب أسمائه إليه)) وفيه موسى بن عبد الملك بن عمير وهو ضعيف . وروى أبو يعلى والطبراني
(٣٤٩٩) عن حنظلة بن جذيم قال: كان رسول الله # يعجبه أن يدعى الرجل بأحب الأسماء إليه.

٣٩٥
سورة الحجرات: الآيتان ١١ - ١٢
أشيعوا الكُنَى فإنها منبهة(١). ولقد لُقِّب أبو بكر بالعتيق والصدِّيق، وعمرُ بالفاروق،
وحمزةُ بأسد الله، وخالدُ بسيف الله. وَقلَّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام مَن
ليس له لَقَب. ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلُّها - من العرب والعجم -
تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
وقال الماورديُّ(٢): فأمَّا مستحَبُّ الألقاب ومستحسَنُها فلا يُكره. وقد وَصَف
رسول الله ﴾ عددًا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجلِّ الألقاب.
قلت: فأمَّا ما يكون ظاهرُها الكراهةَ، إذا أُريد بها الصفةُ لا العيبُ؛ فذلك كثير.
وقد سُئِل عبد الله بنُ المبارك عن الرجل يقول: حُميدٌ الطويل، وسليمان الأعمش،
وحُميدٌ الأعرج، ومروان الأصفر(٣)، فقال: إذا أردت صفته ولم تُرِد عيبه، فلا بأس
به (٤). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سَرْجِس قال: رأيت الأصلع - يعني عمر -
يقبّل الحجر. في رواية: الأُصَيْلِعِ(٥).
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبِّ﴾ أي عن هذه الألقاب الذي يتأذى بها السامعون.
﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي.
قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَ بَعْضَ الظََّنِّ إِثْرَّ وَلَا
تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِهِ مَيْنًا
فَكَرِهْتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ◌َ
فيه عشر مسائل :
(١) في (ظ) : فإنها سنة .
(٢) في النكت والعيون ٣٣٣/٥ .
(٣) في (ف) و(م): الأصغر. وهو خطأ. ومروان الأصفر: هو أبو خَلَف البصري، من رجال التهذيب.
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٩٧) ، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع
(١٢٧٣) .
(٥) صحيح مسلم (١٢٧٠) : (٢٥٠)، وهو عند أحمد (٢٢٩).

٣٩٦
سورة الحجرات: الآية ١٢
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اُلَّنِّ﴾ قيل: إنها نزلت في
رجلين من أصحاب النبيِّ# اغتابا رفيقهما. وذلك أن النبيَّ :﴿ كان إذا سافر ضمَّ
الرجلَ المحتاج إلى الرجلين المُوسِرَيْن فيخدمُهما. فضمَّ سلمان إلى رجلين، فتقدَّم
سلمان إلى المنزل، فغلبته عيناه فنام ولم يهيئ لهما شيئاً، فجاءا فلم يجدا طعاماً
وإدامًا، فقالا له: انطلق فاطلب لنا من النبيِّ# طعامًا وإدامًا، فذهب فقال له
النبيُّ#: «اذهب إلى أسامةَ بنِ زيد فقل له: إن كان عندك فضلٌ من طعام فليعطك))
وكان أسامةُ خازنَ النبيِّ ﴾، فذهب إليه، فقال أسامة: ما عندي شيء، فرجع إليهما
فأخبرهما، فقالا: قد كان عنده ولكنه بخل. ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة،
فلم يجد عندهم شيئًا، فقالا: لو بعثنا سلمانَ إلى بئر سُمَيحة (١)، لغار ماؤها. ثم
انطلقا يتجسَّسان؛ هل عند أسامةَ شيءٌ، فرآهما النبيُّ # فقال: ((ما لي أرى خضرة
اللحم في أفواهكما)) فقالا: يا نبيَّ الله، والله ما أكلنا في يومنا هذا لحمًا ولا غيرَه.
فقال: ((ولكنكما ظَلتما تأكلان لحم سلمانَ وأسامة)). فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ
كَثِيرًا مِّنَ اُلَّنِ إِنَّ بَعْضَ الََّنِ إِذْ﴾ (٢) ذكره الثعلبيّ. أي: لا تظنوا بأهل الخير سوءًا إن
كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير.
الثانية: ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبيَّ ﴾ قال: ((إياكم والظنَّ، فإن
الظنّ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تَناجشوا، ولا تحاسدوا،
ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)) لفظ البخاري(٣). قال علماؤنا:
فالظنُّ هنا وفي الآية هو التُّهمة. ومحلُّ التحذيرِ والنهي إنما هو تُهْمَةٌ لا سبب لها
(١) هي بئر بالمدينة غزيرة . القاموس (سمح).
(٢) تفسير البغوي ٢١٥/٤، وأورده الزمخشري في الكشاف ٥٦٩/٣ مختصراً عن ابن عباس رضي الله
عنهما . قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٨ : هكذا ذكره الثعلبي
وربيعة بغير سند ولا راو ، وفي الترغيب لأبي القاسم الأصبهاني من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى نحوه .
(٣) برقم (٦٠٦٦)، وهو عند مسلم (٢٥٦٣): (٢٨) وسلف في المسألة الأولى من الآية العاشرة.

٣٩٧
سورة الحجرات: الآية ١٢
يوجبها، كمن يُتَّهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلاً ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك.
ودليلُ كون الظنِّ هنا بمعنى التُّهمة قولُه بعد هذا (١): ﴿وَلَا تََّتَسُواْ﴾. وذلك أنه قد يقع
له خاطرُ التهمة ابتداءً، فيريد أن يتجسَّس خبر ذلك ويبحثَ عنه، ويتبصَّر ويتسمَّع
ليحقّق (٢) ما وقع له من تلك التُّهمة. فنهى النبيُّ ﴾ عن ذلك.
وإن شئت قلت: والذي يُميِّز الظنون التي يجب اجتنابُها عمَّا سواها: أنَّ كلَّ ما
لم تُعرَف له أَمارةٌ صحيحة وسببٌ ظاهر كان حراماً واجبَ الاجتناب. وذلك إذا كان
المظنونُ به ممن شُوهد منه السترُ والصلاح، وأُونِسَت منه الأمانة في الظاهر، فظنُّ
الفساد به والخيانةِ محرَّمٌ؛ بخلاف مَن اشتهره الناس (٣) بتعاطي الرِّيَب، والمجاهرة
بالخبائث .
وعن النبيِّ ﴾: ((إن الله حَرَّم من المسلم دَمَه وعِرْضَه، وأن يَظُنَّ به ظنَّ
السُّوء))(٤). وعن الحسن: كنا في زمنِ الظنُّ بالناس فيه حرام، وأنتَ اليوم في زمن
اعمل واسكُتْ وظُنَّ في الناس ما شئت.
الثالثة: للظنِّ حالتان: حالةٌ تُعرف وتَقْوَى بوجه من وجوه الأدلة، فيجوز الحكم
بها، وأكثرُ أحكام الشريعة مبنيةٌ على غلبة الظن، كالقياس وخبر الواحد، وغير ذلك
من قِيَم المتلَفات وأروشِ الجنايات.
(١) في (م) : قوله تعالى ، بدل: قوله بعد هذا.
(٢) في (ظ): لتحقق ، وفي (م): لتحقيق، والمثبت من (ف) و(ق) وهو الموافق لما في المفهم ٦/ ٥٣٤
والكلام منه.
(٣) في الكشاف ٣/ ٥٦٧ (والكلام منه): اشتهر بين الناس.
(٤) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٥٧ : أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث ابن عمر بإسناد فيه
لين، ولفظه: رأيت رسول الله# يطوف بالكعبة ... ((والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم
عند الله حرمة منك: ماله ودمه وأن يظن به إلا خيراً)). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي #
نظر إلى الكعبة ، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمسلم أعظم حرمة منك ، حرم الله دمه وماله
وعرضه ، وأن يظن به ظن السوء) اهـ. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((كل المسلم
على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) وسلف في المسألة الأولى من الآية العاشرة.

٣٩٨
سورة الحجرات: الآية ١٢
والحالة الثانية: أن يقع في النفس شيءٌ من غير دلالة، فلا يكون ذلك أولى من
ضده، فهذا هو الشكّ، فلا يجوز الحكم به، وهو المنهيُّ عنه على ما قررناه آنفاً.
وقد أنكرت جماعة من المبتدِعة تعبُّدَ اللهِ بالظنّ، وجوازَ العمل به؛ تحكّماً في
الدِّين ودعوى في المعقول(١). وليس في ذلك أصلٌ يُعوَّل عليه، فإن البارئ تعالى لم
يذمَّ جميعه، وإنما ورد(٢) الذمُّ في بعضه. وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة: ((إياكم
والظنَّ)) وهذا لا حجة فيه؛ لأن الظنَّ في الشريعة قسمان: محمودٌ، ومذموم،
فالمحمود منه ما سَلِم معه دينُ الظانِّ والمظنونِ به عند بلوغه. والمذمومُ ضدُّه؛ بدلالة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِثْرٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقوله: ﴿لَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، وقوله: ﴿وَظَنْتُمْ ظَرَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًاً
بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وقال النبيُّ ﴾: ((إذا كان أحدكم مادحًا أخاه [لا محالة] فليقل:
أحسب كذا، ولا أُزِّي على اللـه أحدًا))(٣). وقال: ((إذا ظننت فلا تُحقِّق، وإذا
حسدتَ فلا تَّبْغ، وإذا تطيّرت فامض)) خرَّجه أبو داود(٤).
وأكثرُ العلماء على أن الظنَّ القبيح بمن ظاهرُه الخير لا يجوز، وأنه لا حَرَج في
الظن القبيح بمن ظاهره القبح، قاله المهدويّ.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسُواْ﴾ وقرأ أبو رجاء والحسن باختلاف وغيرهما:
(١) وقع في أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٢/٤ والكلام منه : تحكم في الدين ودعوى في العقول .
(٢) في (م) : أورد .
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٤٢٢)، والبخاري (٦٠٦١)، ومسلم (٣٠٠٠) عن أبي بكرة ﴾، والكلام في
أحكام القرآن لابن العربي، وما بين حاصرتين منه.
(٤) لم نقف عليه عند أبي داود ، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٦٢)، والطبراني في
الكبير (٣٢٢٧)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٥٢) و(٢٣٧) من حديث حارثة بن النعمان ﴾.
ووقع فيها : وإذا حسدت فاستغفر ، بدل : وإذا حسدت فلا تبغ . وفي الإسناد إسماعيل بن قيس
الأنصاري ، قال البخاري والدارقطني : منكر الحديث ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن عدي :
عامة ما يرويه منكر . ميزان الاعتدال ٢٤٥/١ .

٣٩٩
سورة الحجرات: الآية ١٢
((وَلَا تَحَسَّسُوا)) بالحاء(١). واختلِف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقال الأخفش:
ليس تبعد إحداهما من الأخرى؛ لأن التجسُّس: البحثُ عما يكتم عنك. والتحسُّس
- بالحاء - : طلبُ الأخبار والبحثُ عنها(٢). وقيل: إن التجسُّس ـ بالجيم - : هو
البحث؛ ومنه قيل: رجلٌ جاسوس: إذا كان يبحث عن الأمور. وبالحاء: هو ما أدركه
الإنسان ببعض حواسِّه. وقولٌ ثانٍ في الفرق: أنه بالحاء يطلبه (٣) لنفسه، وبالجيم أن
يكون رسولاً لغيره. قاله ثعلب. والأوّل أعرف (٤). جَسَستُ الأخبار وتجسَّستها، أي:
تفخّصت عنها، ومنه الجاسوس(٥) .
ومعنى الآية: خذوا ما ظهر، ولا تتَّبعوا عوراتِ المسلمين، أي: لا يبحث
أحدكم عن عيب أخيه حتى يطّلع عليه بعد أن ستره الله.
وفي كتاب أبي داود(٦) عن معاوية قال: سمعت رسول اللـه ﴾ يقول: ((إنك إن
اتبعت عورات الناس؛ أفسدتهم، أو كِذْتَ أن تفسدهم)) فقال أبو الدرداء: كلمةٌ
سمعها معاوية من رسول الله ﴾ نفعه الله تعالى بها.
وعن المقدام بن مَعْدي كَرِب عن أبي أمامة، عن النبيِّ ◌َ# قال: ((إن الأمير إذا
ابتغى الرِّيبة في الناس أفسدهم))(٧).
وعن زيد بن وَهْب قال: أُتَيَ ابنُ مسعود فقيل: هذا فلانٌ تقطر لحيته خمراً. فقال
(١) قراءة الحسن في القراءات الشاذة ص ١٤٣، وقراءة أبي رجاء في المحرر الوجيز ١٥١/٥، وزاد
المسير ٧ / ٤٧١ .
(٢) مجمع البيان ٢٦/ ٩٥ .
(٣) في (ق) و(م) : تطلّبه.
(٤) النكت والعيون ٣٣٤/٥، وينظر المفهم ٥٣٥/٦.
(٥) الصحاح (جسس) .
(٦) برقم (٤٨٨٨) .
(٧) أخرجه أبو داود (٤٨٨٩) عن المقدام بن معد يكرب وأبي أمامة كلاهما عن النبي 8﴾. وأخرجه أحمد
(١٣٨١٥) عن المقداد بن الأسود وأبي أمامة عن النبي # .

٤٠٠
سورة الحجرات: الآية ١٢
عبد الله: إنا قد نُهينا عن التجسُّس، ولكن إن يظهر لنا نأخذ به(١).
وعن أبي بَرْزة الأسلميِّ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((يا معشر مَن آمن بلسانه ولم
يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تَتَّبِعوا عوراتِهم، فإنه (٢) مَن اتَّبع
عوراتِهم يتّبع الله عورته، ومن يَتَبع الله عورته يفضحه في بيته)(٣).
وقال عبد الرحمن بن عوف: حَرَست ليلةً مع عمرَ بنِ الخطاب ﴾ بالمدينة إذ
تبيَّن لنا سراج في بيت، بابُه مُجافٍ على قوم، لهم أصوات مرتفعة ولَغَط، فقال عمر:
هذا بيت ربيعةَ بنِ أميةَ بنِ خلف، وهم الآن شَرْب(٤)، فما ترى؟ قلت: أرى أنَّا قد
أتينا ما نهى الله عنه، قال الله تعالى: ((وَلَا تَجَسَّسُوا)) وقد تجسَّسنا، فانصرف عمر
(٥)
وتر کهم(٥).
وقال أبو قِلابة: حُدِّث عمرُ بن الخطاب أن أبا مِحْجَن الثَّقَفيَّ يشرب الخمر مع
أصحاب له في بيته، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجلٌ، فقال أبو
مِحجن: إن هذا لا يحلُّ لك! قد نهاك الله عن التجسُّس، فخرج عمر وتركه(٦).
وقال زيد بن أسلم: خرج عمر وعبد الرحمن يَعُسَّان(٧)، إذ تبيَّنت لهما نارٌ،
فاستأذنا، ففُتح الباب، فإذا رجلٌ وامرأةٌ تغني، وعلى يد الرجل قَدَح، فقال عمر:
وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين! قال عمر: فَمَن هذه منك؟
قال: امرأتي، قال: فما في هذا القَدَح؟ قال: ماءٌ زلال؛ فقال للمرأة: وما الذي
تغنين؟ فقالت :
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٩٠) .
(٢) في (م) : فإن .
(٣) أخرجه أحمد (١٩٧٧٦)، وأبو داود (٤٨٨٠).
(٤) الشَّرْب، بفتح الشين: القوم يشربون. القاموس (شرب).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٤٣)، والطبراني في مسند الشاميين (١٨٠٦)، والحاكم ٣٧٧/٤ ، والبيهقي
٣٣٣/٨.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٤٤).
(٧) أي: يطوفان بالليل . ينظر اللسان (عسس) .