النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة الحجرات: الآية ٢ مقيَّد بصفة، أعني الجهرَ المنعوتَ بمماثلةِ ما قد اعتادوه منه(١) فيما بينهم، وهو الخُلوُ من مراعاة أُبَّهة النبوّة وجلالةِ مقدارها وانحطاطِ سائر الرتب وإن جلَّت عن رتبتها (٢). ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من أجل أن تحبط، أي: تبطل(٣)؛ هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: أي: لئلا تحبَطَ أعمالكم وأنتم لا تشعرون(٤). الثالثة: معنى الآية الأمرُ بتعظيم رسول اللـه 8﴾ وتوقيرِه، وخفضٍ الصوت بحضرته وعند مخاطبته، أي: إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدِّ الذي يبلغه بصوته، وأن تغضُّوا منها بحیث یکون كلامه عاليًا(٥) لکلامکم، وجھرُه باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيَّته(٦) عليكم لائحة، وسابقتُه واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشِيّة الأبلق. لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتَبْهَرُوا منطقه بصخَبكم(٧). وفي قراءة ابن مسعود: ((لَا تَرْفَعُوا بِأَصْوَاتِكُمْ))(٨). وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره عليه الصلاة والسلام. وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفًا لهم، إذ هم ورثةُ الأنبياء(٩). الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي(١٠): حرمةُ النبيِّ لَ﴿ مَيّتًا كحرمته حيًّا، (١) في (ز) و(م) : منهم . (٢) الكشاف ٣/ ٥٥٥، وما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٣) المفهم ٧/ ٤٠٠ . (٤) قوله : وأنتم لا تشعرون ، ليست في (م). (٥) في (ز) و(ظ) و(م): غالبًا، والمثبت من (خ) و(ق) وهو الموافق لما في الكشاف ٣/ ٥٥٤ والكلام منه . وسقط هذا الموضع من (ف) . (٦) في (خ) و(ز): مرتبته، وفي (م): مزيتة . (٧) في (ظ) : بضجتكم . (٨) أورد قراءة ابن مسعود الزمخشري في الكشاف ٥٥٥/٣ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٥/٥. (٩) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/٤، والمحرر الوجيز ١٤٥/٥. (١٠) في أحكام القرآن ٤/ ١٧٠٢ - ١٧٠٣ . ٣٦٢ سورة الحجرات: الآية ٢ وكلامُه المأثورُ بعد موته في الرِّفعة مثلُ(١) كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرِئ كلامه، وجب على كلِّ حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به. وقد نبَّه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وكلامُ النبيِّ# من الوحي، وله من الحكمة (٢) مثلُ ما للقرآن، إلا معانيَ مستثناة، بيانها في كتب الفقه. الخامسة: وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهرِ ما يُقصد به الاستخفافُ والاستهانة؛ لأن ذلك كفرٌ والمخاطبون مؤمنون. وإنما الغرضُ صوتٌ هو في نفسه والمسموع من جَرْسِهِ(٣) غيرُ مناسب لِمَا يُهاب به العظماء ويوقَّر الكبراء، فيتكلَّفُ الغضَّ منه وردَّه إلى حدٍّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير. ولم يتناول النهي أيضاً رفَعَ الصوت الذي لا يتأذى(٤) به رسول الله ﴾؛ وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاندٍ أو إرهاب عدوٍّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب لمَّا انهزم الناس يوم حُنين: ((اصرخ بالناس)»(٥)، وكان العباس أجهرَ الناس صوتًا (٦). يُروى أن غارة أتتهم يومًا فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدَّة صوته (٧)، وفيه يقول نابغة بني جعدة: (١) في (ز) و(خ) و(ق) و(م) : مثال . (٢) في أحكام القرآن لابن العربي: وله من الحرمة. (٣) الجَرس : الصوت، ويكسر . القاموس (جرس). (٤) في (ف) و(ق) و(م): الذي يتأذى، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في الكشاف ٣/ ٥٥٥ والكلام إلى آخر المسألة منه . (٥) أخرجه مسلم (١٧٧٥) : (٧٦) بلفظ : أي عباس، ناد أصحاب السَّمُرة ... وسلف بلفظ مسلم ١٠ / ١٤٥ . (٦) قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٥: لم أجده. اهـ. وسلف ١٠ / ١٤٥ . (٧) قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٥٥ : لم أجده . ٣٦٣ سورة الحجرات: الآيتان ٢ - ٣ زَجْرُ أبي عُرْوة السِّباعَ إذا أشفق أن يختلظنَ بالغنم(١) زعمت الرواة أنه كان يزجر السِّباع عن الغنم، فيفْتُقُ مرارةَ السبع في جوفه(٢). السادسة: قال الزجاج: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ التقدير: لأن تحبط، أي: فتحبط أعمالكم، فاللام المقدرةُ لامُ الصيرورة(٣)، وليس قوله: ((أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)) بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمانَ على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا يختاره بإجماع. كذلك لا يكون الكافر كافراً من حيث لا يعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الَّهِ أُوْلَكَ الَّذِينَ أَمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ ٠ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: يخفضون أصواتهم عنده إذا تكلَّموا إجلالًا له، أو كلَّموا غيره بين يديه إجلالًا له. قال أبو هريرة: لمَّا نزلت: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾، قال أبو بكر : والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السِّرار (٤). وذكر سُنَيد قال: حدثنا عبَّاد بن العوام، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قال: لمَّا نزلت: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهْ﴾ قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا أكلِّمَك بعد هذا إلا كأخي السِّرار (٥). وقال عبد الله بن الزبير: لمَّا نزلت: ((لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ)) ما حدَّث عمر عند (١) ديوان النابغة الجعدي ص١٥٨، وفيه : يلتبسن ، بدل : يختلطن . (٢) قال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٥٥ : لم أجده . (٣) معاني القرآن للزجاج ٣٢/٥. (٤) أخرجه الحاكم ٤٦٢/٢، والبيهقي في الشعب (١٥٢١). (٥) لم نقف عليه من حديث أبي سلمة ، وأخرجه البزار (٥٦)، والحاكم ٧٤/٣ ، والواحدي في أسباب النزول ص٤٠٨ من حديث أبي بكر ته . ٣٦٤ سورة الحجرات: الآيتان ٣ - ٤ النبي ﴾ بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه ممَّا يخفض؛ فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آَمْتَحَنَ الَهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَ﴾(١). قال الفراء: أي: أخلصَها للتقوى(٢). وقال الأخفش: أي: اختصها للتَّقْوَى(٣). وقال ابن عباس: ((امْتَحَنَّ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)): طهّرهم من كلِّ قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى. وقال عمر : أذهبَ عن قلوبهم الشهوات (٤). والامتحان افتعال من مَحَنْتُ الأَدِيمَ مَحْنًا حتى أوسعته(٥). فمعنى امتحن الله قلوبهم للتقوى: وسَّعها وشرحها للتقوى. وعلى الأقوال المتقدمة: امتحن قلوبهم فأخلصها، كقولك: امتحنت الفضة، أي: اختبرتها حتى خلصت. ففي الكلام حذف يدلُّ عليه الكلام، وهو الإخلاص. وقال أبو عمرو: كلُّ شيءٍ جَهَدته فقد محنته. وأنشد : أتت رذايا بادِياً كَلالُها قد محنت واضطربت آطالها (1) ﴿لَمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم(٧)؛ قَدِم الوفد منهم على النبيِّ ﴾، فدخلوا المسجد ونادَوُا النبيَّ ﴾ من وراء حجرته أنِ اخرج إلينا، فإنَّ مَدْحَنَا زَيٌْ وَذَمَّنَا (١) تفسير البغوي ٢١٠/٤، وهو بنحو حديث البخاري السالف في المسألة الأولى من الآية السابقة دون قوله: فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُونَ أَصْوَتَهُمْ﴾. (٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٧٠. (٣) النكت والعيون ٣٢٧/٥ . (٤) أورد قول عمر الزمخشري في الكشاف ٥٥٧/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٥/٥. (٥) في تهذيب اللغة ١٢١/٥: محنتُ الأديم محناً: إذا مددتَه حتى توسِّعَه. (٦) أورده مع قول أبي عمرو والزمخشري في الكشاف ٣/ ٥٥٧ . قوله: رذايا جمعَ رذِيَّة: وهو الضعيف من كل شيء. والآطال جمع إطل وهو الخاصرة، والكلال: التعب. القاموس (رذي) و(أطل). (٧) تفسير مجاهد ٦٠٦/٢، وأخرجه الطبري ٣٤٦/٢١ - ٣٤٧. ٣٦٥ سورة الحجرات: الآية ٤ شَيْنٌ. وكانوا سبعين رجلًا قَدِمُوا لِفِداءٍ ذَرارِي لهم؛ وكان النبيُّ # نام للقائلة. ورُويَ أن الذي نادى الأقرعُ بن حابس، وأنه القائل: إنَّ مَدْحَيَ زَيْنٌ وإنَّ ذَمِّي شَيْن؛ فقال النبيُّ:﴿: ((ذاك الله))(١). ذكره الترمذي عن البَرَاء بن عازب أيضًا (٢). وروى زيد بن أرقم فقال: أتى أناس النبيَّ 8# فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيًّا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يكن مَلِكًا نَعِشْ في جنابه. فأتَوا النبيَّ #، فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد، يا محمد، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣). قيل: إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل: كانوا تسعة(٤) نفر: قيس بن عاصم، والزّبْرِقَان بن بَدْر، والأَقْرَع بن حابس، وسُويد بن هشام(٥)، وخالد بن مالك، وعطاء ابن حابس، والقَعْقاع بن مَعْبَد، ووَكِيع بن وكيع، وعُيَيْنَة بنِ حِصْن وهو الأحمق المطاع، وكان من الجرَّارين يجرُّ عشْرَة آلافِ قناة (٦)، أي: يتبعه، وكان اسمه حذيفة، وسمِّي عُيْيَنة لِشَترٍ (٧) كان في عينيه. ذكر عبد الرزاق في عيينة هذا: أنه الذي نزل فيه: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَّهُ عَن ذِكْنَا﴾ (٨) [الكهف: ٢٨]. وقد مضى في آخر (١) أخرجه أحمد (١٥٩٩١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٧٨)، والطبري ٣٤٦/٢١، والطبراني في الكبير (٨٧٨). (٢) برقم (٣٢٦٧) وقال: هذا حديث حسن غريب. ولم يسم الرجل الذي نادى النبي # . (٣) أخرجه الطبري ٣٤٥/٢١ - ٣٤٦، والطبراني في الكبير (٥١٢٣) وفيه داود بن راشد الطُّفاوي لين الحديث كما قال ابن حجر في التقريب . ووقع عند الطبري والطبراني : جناحه ، بدل : جنابه . (٤) في النسخ عدا (ز) و(ظ): عشر، والمثبت منهما وهو الموافق لما في النكت والعيون ٣٢٨/٥ والكلام منه . (٥) في النسخ : وسويد بن هاشم ، والمثبت من النكت والعيون ، وزاد المسير ٤٥٩/٧ ونسسب القول لابن إسحاق ، والإصابة ٤ /٣٠٤ . (٦) القناة: الرمح، يعني كان يتبعه عشرة آلاف مقاتل. (٧) الشَّتَر : انقلاب الجَفْن من أعلى وأسفل . القاموس (شتر). (٨) سلف ٢٦٠/١٣ . ٣٦٦ سورة الحجرات: الآية ٤ ((الأعراف)) من قوله لعمر ما فيه كفاية(١). ذكره البخاري(٢). ورُويَ أنهم وَفدوا وقت الظَّهِيرة ورسولُ اللـه ﴾ راقد، فجعلوا ينادونه: يا محمد(٣)، اخرج إلينا. فاستيقظ وخرج، ونزلت. وسُئِل رسول الله ﴾ عنهم(٤ فقال: ((هم جُفاة بني تميم، لولا أنهم من أشدِّ الناس قتالاً للأعور الدجال، لدعوت الله علیهم أن یھلکھم»(٥). والحُجُرات جمع حُجْرة، كالغُرُفات جمع غُرْفة، والُظُلُمات جمعُ ظُلْمة. وقيل: الحُجُرات جمع الحُجَر، والحُجَر جمع حُجْرة، فهو جمع الجمع. وفيه لغتان: ضمُّ الجيم وفتحُها. قال : ولمَّا رأَونا باديًا رُكَباتُنا على موطنٍ لا نخلِط الجِدَّ بالهَزْلِ(٦) والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يُحوط عليها. وحَظيرة الإبل تسمَّى الحجرة، وهي فُعْلة بمعنى مفعولة(٧). (١) ٩/ ٤٢١ - ٤٢٢. وخلاصته أن عيينة قال لأخيه الحر بن قيس بن حصن: هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال : سأستأذن لك عليه ، فاستأذن لعيينة ، فلما دخل قال : يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجَزْل ، ولا تَحكم بيننا بالعدل . قال : فغضب عمر حتى هم بأن يقع به ... (٢) برقم (٧٢٨٦) . (٣) بعدها في (م) : يا محمد . (٤) لفظة: عنهم ، ليست في (ز) و(م). (٥) الكشاف ٥٥٨/٣، وأخرجه الثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف ص١٥٦ من طريق يعلى ابن الأشدق عن سعد بن عبد الله. ويعلى بن الأشدق، قال عنه البخاري: لا يكتب حديثه، وقال ابن حبان: وضعوا له أحاديث فحدث بها ولم يدر . الميزان ٤ /٤٥٦ - ٤٥٧. وأخرج البخاري (٢٥٤٣) واللفظ له، ومسلم (٢٥٢٥) من حديث أبي هريرة قال : ما زلت أحب بني تميم منذ ثلاث ، سمعت من رسول الله ﴾ يقول فيهم، سمعته يقول: ((هم أشد أمتي على الدجّال)). (٦) الكتاب ٥٧٩/٣، وتفسير غريب القرآن ص٤١٥، والمحتسب ٥٦/١. قوله: رُكّبات: هو جمع رُكْبة، وهو الشاهد في البيت على فتح جيم حجرات. وقال محقق الكتاب: بدوّ الركبة كناية عن التأهب للحرب. (٧) الكشاف ٥٥٨/٣ . ٣٦٧ سورة الحجرات: الآيات ٤-٦ وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاعِ: ((الحُجَرات)) بفتح الجيم استثقالاً للضمتين(١). وقُرِئ: ((الحُجْرات)) بسكون الجيم تخفيفًا(٢). وأصل الكلمة المنع، وكلُّ ما منعت أن يوصل إليه فقد حَجَرت عليه. ثم يحتمل أن يكون المنادي بعضًا من الجملة فلهذا قال: ((أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» أي: إنَّ الذين ينادونك من جملة قوم الغالبُ عليهم الجهل. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًاً لَّهُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ أي: لو انتظروا خروجك لكان أصلحَ لهم في دينهم ودنياهم. وكان ◌َ﴿ لا يحتجبُ عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بِمُهمَّات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب. وقيل: كانوا جاؤوا شفعاءَ في أُسارى بني عنبر، فأعتق رسول الله ﴾ نصفهم، وفادى على النصف، ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء(٣). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ فيه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِن جَءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ﴾ قيل: إن هذه الآيةَ نزلت في الوليد بن عُقبةَ بنِ أبي مُعَيْط. وسببُ ذلك ما رواه سعيد عن قتادةَ أن النبيَّ ◌َ﴾ بعث الوليد بنَ عُقبَةُ مُصَدِّقًا (٤) إلى بني المُضْطَلق، فلمَّا أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم - (١) النشر ٣٧٦/٢، وهي من العشرة. (٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤٣ ونسبها لابن أبي عبلة. (٣) بنحوه في تفسير البغوي ٢١١/٤. (٤) المصدِّق : آخذ الصدقات . القاموس (صدق) . ٣٦٨ سورة الحجرات: الآية ٦ في رواية: لإحْنَة كانت بينه وبينهم -، فرجع إلى النبيِّ ﴾، فأخبره أنهم قد ارتدُّوا عن الإسلام. فبعث نبيُّ اللـه ﴾ خالدَ بنَ الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يَعْجَل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلًا، فبعث عُيُونَه، فلمَّا جاؤوا أخبروا خالدًا أنهم متمسكّن بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلمَّا أصبحوا أتاهم خالد، ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبيِّ اللـه ﴾ فأخبره، فنزلت هذه الآية، فكان يقول نبيُّ اللـه ﴾: ((التأنّي من الله، والعجلةُ من الشيطان))(١). وفي رواية: أن النبيِّ ﴿ بعثه إلى بني المُصْطَلِقِ بعد إسلامهم، فلمَّا سمعوا به ركبوا إليه، فلمَّا سمع بهم خافهم، فرجع إلى رسول اللـه﴿ فأخبره أن القوم قد همُّوا بقتله، ومنعوا صدقاتهم. فهمَّ رسول الله ﴿ بغزوِهم، فبينما هم كذلك إذ قَدِم وفدهم على رسول الله 8 فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤديَ إليه ما قِبَلَنَا من الصدقة، فاستمر راجعًا، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنَّا خرجنا لنقاتله، واللهِ ما خرجنا لذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢)؛ وسُمِّيَ الوليدُ فاسقًا، أي: كاذبًا. قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: الفاسق: الكذَّاب. وقال أبو الحسن الوراق(٣): هو المعلِن بالذنب. وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله. وقرأ حمزة والكسائي: ((فتثبتوا)) من التثُبُّت. الباقون: ((فَتَبَيِّنُوا)) من التّبيُّن(٤) ﴿أَن تُصِيبُواْ﴾ أي: لئلا (١) النكت والعيون ٣٢٨/٥، ٣٢٩ وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٠٣/٤، وأخرجه الطبري ٣٥١/٢١ - ٣٥٢، وجاء عنده : التبين من الله، بدل : التأني من الله ، وهو مرسل. (٢) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية ٢٩٦/٢، والطبري ٣٥٢/٢١ - ٣٥٣ عن يزيد بن رومان مرسلا، وينظر حديث أحمد (١٨٤٥٩). وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الوليد بن عقبة: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن - فيما علمت - أن قوله عز وجل: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبَاٍ﴾ نزل في الوليد بن عقبة ... الخ وذكر الخبر. (٣) هو عبد الوهاب بن عبد الحكم بن نافع أبو الحسن البغدادي الوراق ، كان كبير الشأن من خواصٌ الإمام أحمد ، مات في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ومئتين . سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ . (٤) السبعة ص٢٣٦، والتيسير ص٩٧ ، ووقع في (ف) و(م): التبيين ، بدل : التبين. ٣٦٩ سورة الحجرات: الآية ٦ تصيبوا(١)، فـ((أن)) في محل نصب بإسقاط الخافض. ﴿قَوْمًا بِجَهَلَةٍ﴾ أي: بخطأ. ﴿فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ على العجلة وتركِ التأنِّي. الثانية: في هذه الآية دليلٌ على قَبول خبر الواحد إذا كان عَدْلًا(٢)، لأنه إنما أمر فيها بالتثبُّت عند نقل خبر الفاسق. ومَن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعًا؛ لأن الخبر أمانةٌ والفسقَ قرينةٌ يبطلها(٣). وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما يتعلَّق بالدعوى والجحود، وإثباتِ حقِّ مقصودٍ على الغير، مثل أن يقول: هذا عبدي، فإنه يُقبَل قوله. وإذا قال: قد أنفذ فلان هذا لك هدية، فإنه يقبل ذلك. وكذلك يُقبَل في مثله خبرُ الكافر (٤). وكذلك إذا أقرَّ لغيره بحقِّ على نفسه فلا يبطل إجماعًا. وأمَّا في الإنشاء(٥) على غيره فقال الشافعي وغيرُه: لا يكون وليًّا في النكاح. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون وليًّا؛ لأنه يَلي ما لها، فَيَلِي بُضْعَها؛ كالعدل، وهو وإن كان فاسقًا في دينه إلا أن غَيْرته موفّرة، وبها يحمي الحريم، وقد يَبْذلُ المالَ ويصونُ الحرمة، وإذا وَلَيَ المال فالنكاح أوْلَى (٦). الثالثة: قال ابن العربي(٧): ومن العَجَب أن يجوِّز الشافعيُّ ونظراؤه إمامةَ الفاسق. ومَن لا يؤتمن على حبة مالٍ [كيف] يصحُّ أن يؤتمن على قنطار دِين؟ وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلُّون بالناس لمَّا فسدت أديانهم ولم يمكن تركُ الصلاة وراءهم، ولا اسْتُطِيعت إزالتُهم، صُلِّيَ معهم ووراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسِنْ [معهم]، وإذا أساؤوا فاجتنب (١) الوسيط ١٥٢/٤. (٢) النكت والعيون ٣٢٩/٥ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٣. (٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤ /٣٨١ - ٣٨٢. (٥) في أحكام القرآن لابن العربي ١٧٠٣/٤ والكلام وما سيأتي منه : وأما في الإنسان . (٦) جاء في أحكام القرآن لابن العربي : فالبضع أولى . (٧) في أحكام القرآن ٤/ ١٧٠٣ - ١٧٠٤ ، وما سيأتي بين حاصرتين منه . ٣٧٠ سورة الحجرات: الآية ٦ إساءتهم (١). ثم كان من الناس مَن إذا صلَّى معهم تَقِيَّةً أعاد (٢) الصلاة لله، ومنهم مَن كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول، فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع مَن لا يرضى من الأئمة، ولكنْ يعيدُ سِرًّا في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره. الرابعة: وأمَّا أحكامه إن كان واليًا فيَنْفُذ منها ما وافق الحقَّ، ويُردُّ ما خالفه، ولا يُنْقَض حكمُه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية [تؤثر]، أو قولٍ يُحكى؛ فإن الكلام كثيرٌ، والحقَّ ظاهر(٣). الخامسة: لا خلاف في أنه يصحُّ أن يكون رسولًا عن غيره في قول يُبَلِّغه، أو شيء يُوصله، أو إذن يُعلِمه، إذا لم يخرج عن حقِّ المرسِل والمبلَّغ، فإن تعلَّق به حقٌّ لغيرهما لم يُقْبَل قوله. وهذا جائزٌ للضرورة الداعية إليه، فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إلا العدولُ لم يحصل منها (٤) شيء؛ لعدمهم في ذلك. والله أعلم. السادسة: وفي الآية دليلٌ على فساد قول مَن قال: إن المسلمين كلَّهم عدولٌ حتى تثبت الجُرحة؛ لأن الله تعالى أمر بالتثبُّت قبل القَبول، ولا معنى للتثبُّت بعد إنفاذ الحكم، فإنْ حَكَمَ الحاكم قبل التثُّت، فقد أصاب المحكومَ عليه بجهالة. السابعة: فإن قضى بما يغلب على الظنِّ، لم يكن ذلك عملًا بجهالة، كالقضاء بالشاهدين العدلين، وقَبولِ قول العالم المجتهد. وإنما العملُ بالجهالة قَبولُ قولِ مَن لا يحصل غلبةُ الظنِّ بقوله(٥). ذكر هذه المسألةَ القُشَيْريُّ، والتي قبلها المَهْدَوي. (١) أخرجه البخاري (٦٩٥). عن عبيد الله بن عديّ بن خيار أنه دخل على عثمان # وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة وتحَرَّج، فقال عثمان: الصلاةُ أحسن .... الخ. (٢) في النسخ عدا (ف) ، والأحكام: أعادوا ، والمثبت من (ف). (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٤ وما بين حاصرتين منه. (٤) في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠ والكلام منه: لم يحصل منهم. (٥) في (م) : بقبوله . ٣٧١ سورة الحجرات: الآيتان ٧ - ٨ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ آلْأَمِ لَعِنْتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ (٣) ٨ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ﴾ فلا تَكذِبوا، فإن الله يُعلِمه أنباءكم فَتُفْضَحون(١). ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِ لَعَنْتُمْ﴾ أي: لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر لنالكم مشقةٌ وإثم، فإنه لو قتل القومَ الذي سعى بهم الوليدُ بن عُقبة إليه، لكان خطأً، ولَعَنَتَ مَن أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم . ومعنى طاعةِ الرسول لهم: الائتمارُ بما يأمرونه(٢) فيما يبلِّغونه عن الناس والسماعُ منهم. والعَنَت: الإثم، يقال: عَنِت الرجل. والعَنَت أيضاً: الفجور والزنى، كما في (٣) سورة النساء(٣). والعَنتُ أيضًا الوقوعُ في أمر شاقٌّ؛ وقد مضى في آخر ((براءة)»(٤) القولُ في ((عَنِثُمْ)) بأكثرَ من هذا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيَنَ﴾ هذا خطابٌ للمؤمنين المخلِصين(٥) الذين لا يكذبون النبيَّ ﴾ ولا يخبرون بالباطل، أي: جعل الإيمان أحبَّ الأديان إليكم. ﴿وَزََّهُ﴾ بتوفيقه ﴿فِى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حسَّنه إليكم حتى اخترتموه. وفي هذا ردٌّ على القدرية والإمامية وغيرِهم، حسب ما تقدَّم في غير موضع. فهو سبحانه المنفردُ بخلق ذواتِ الخلق وخلقٍ أفعالهم وصفاتِهِم واختلافِ ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له. (١) في (ز) و(ظ): فتفتضحوا. (٢) في (ز) : يأمروهم، وفي (ق) و(م): يأمر به . (٣) ٦/ ٢٢٨. (٤) ١٠ / ٤٤١ . (٥) بعدها في (ز) : الصادقين . ٣٧٢ سورة الحجرات: الآيتان ٧ - ٨ ﴿وَكَرَّةَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُ﴾ قال ابن عباس: يريد به الكذبَ خاصَّة (١). وقاله ابن زيد(٢). وقيل: كلُّ ما أخرج (٣) عن الطاعة، مشتقٌ من فَسَقتِ الرُّطَبَةُ: خرجت من قِشرها، والفأرة من جُحرها. وقد مضى في ((البقرة))(٤) القولُ فيه مستوفّى. والعصيانُ جميع المعاصي(٥) . ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿أَوْلَِّكَ﴾ يعني هم (٦) الذين وفَّقهم الله، فحبَّب إليهم الإيمان وكرَّه إليهم الكفر، أي: قبَّحه عندهم ﴿هُمُ الرَّشِدُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَّكَوْمَ نُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. قال النابغة : يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياء فالسَّنَدِ أقْوَتْ وطال عليها سالِفُ الأمَدِ (٧) والرَّشَدُ: الاستقامةُ على طريق الحقِّ مع تَصَلُّبٍ فيه، من الرَّشادة(٨) وهي الصخرة. قال أبو الوازع: كلُّ صخرة رشادٌ. وأنشد: وغيرُ مُقَلَّدٍ ومُوَشَّماتٍ صَلِينَ الضَّوءَ من صُمِّ الرَّشادِ(٩) (١) الوسيط ١٥٣/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٢١٢. (٢) أخرجه الطبري ٣٥٦/٢١ مطولًا. (٣) في (م)، والنكت والعيون ٣٢٩/٥ وهذا القول منه: كل ما خرج. (٤) ٣٦٨/١ . (٥) الوسيط ١٥٣/٤. وتفسير البغوي ٢١٢/٤، ووقع في (م): جمع، بدل: جميع، وهو خطأ. (٦) كذا في النسخ، ولعل لفظة: ((هم)) زائدة، فسياق الكلام: أولئك - يعني الذين وفقهم الله، فحبب إليهم الإيمان ... الخ ــ هم الراشدون. (٧) ديوان النابغة الذبياني ص ٣٠، وسلف ١٠/ ٤٧٤ . (٨) في (م) : الرشاد . (٩) الكشاف ٥٦٢/٣، قال شارح شواهده ص ٣٧ : الظاهر أن الشاعر يصف الديار بأنها لم يبق فيها غير وتد الخباء المقلَّد بالحبل، وغير المغير لونها بالنار. والوشم والتوشيم: تغيير اللون، أي التي احترقت بضوئها، أي: حرها، ومن صُمِّ الرَّشاد بيان لها، والصمّ: جمع صماء، أي: صلبة. ٣٧٣ سورة الحجرات: الآيات ٨ - ٩ ﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل الله ذلك بكم فضلًا، أي: للفضل(١) والنعمة، فهو مفعول له. ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ((عَلِيمٌ)) بما يُصلِحِكم ((حَكِيمٌ)) في تدبيركم. قوله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّأَ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَِلُواْ أَلَّتِى تَبْغِى حَتَّى نَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ فيه عشر مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَأْ﴾ روَى المُعْتَمِرُ بن سليمان [عن أبيه] عن أنس بن مالك قال: قلت(٢): يا نبيَّ اللـه، لو أتيتَ عبدَ الله بنَ أُبَيِّ. فانطلق إليه النبيُّ ﴾، فركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرضٌ سَبِخة، فلمَّا أتاه النبيُّ :﴿ قال: إليكَ عني! فوالله لقد أذاني نَتْن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لَحمارُ رسول الله ﴾ أطيبُ ريحًا منك. فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه، وغضب لكلِّ واحد منهما أصحابه، فكان بينهم(٣) حربٌ بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أُنزِل فيهم هذه الآية (٤). وقال مجاهد: نزلت في الأوس والخزرج . قال مجاهد: تقاتلَ حيَّان من الأنصار بالعصيِّ والنِّعال فنزلت الآية(٥). ومثله عن سعيد بن جبير: أن الأوس والخزرج كان (١) في النسخ: الفضل، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٣٥/٥، والكلام منه، ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٢١١/٤ . (٢) كذا في النسخ ، ووقع عند أحمد والبخاري ومسلم: قيل ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٩٨/٥ : لم أقف على اسم القائل. (٣) في (ز) و(ق) : بينهما . (٤) أخرجه أحمد (١٢٦٠٧)، والبخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩) وما بين حاصرتين منها ، وقوله : سَبِخَّة ؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٩٨/٥ : هي الأرض التي لا تنبت ، وكانت تلك صفة الأرض التي مر بها * إذ ذاك . (٥) تفسير مجاهد ٦٠٦/٢، وأخرجه الطبري ٣٦١/٢١ . ٣٧٤ سورة الحجرات: الآية ٩ بينهم على عهد رسول الله﴿ قتالٌ بالسَّعَف والنِّعال ونحوه؛ فأنزل الله هذه الآية (١) فيهم(١). وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مُدارَأَةٌ (٢) في حقٍّ بينهما؛ فقال أحدهما: لآخذنَّ حقي منك(٣) عَنوة؛ لكثرة عشيرته. ودعاه الآخر إلى أن يحاكمه إلى رسول الله ﴾، فأبى أن يتَّبعه؛ فلم يزل الأمر بينهما حتى تواقعا(٤)، وتناول بعضهم بعضًا بالأيدي والنعال والسيوف، فنزلت هذه الآية(٥). وقال الكلبي: نزلت في حرب سُمير وحاطب، وكان سُمير قتل حاطبًا، فاقتتل الأوس والخزرج حتى أتاهم النبيُّ #، فنزلت(٦). وأمر الله نبيَّه ◌ُ ﴾ والمؤمنين أن يُصلحوا بينهما. وقال السُّدّيُّ: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: ((أم زيد)» تحت رجل من غير الأنصار، فتخاصمت مع زوجها، أرادت أن تزور قومها، فحبسها زوجها وجعلها في عُلِّيَّة لا يَدخل عليها أحدٌ من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى أهلها(٧)، فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستغاث أهله، فجاء(٨) بنو عمه ليحولوا بين (١) النكت والعيون ٣٣٠/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٠٤/٤، وقوله: السَّعَف هو جمع سَعَفة - بالتحريك - وهي أغصان النخيل . النهاية (سعف) . (٢) المدارأة: المخالفة والمدافعة. اللسان (درأ). ووقع في (خ): مولاة ، وفي (ز): مماراة . (٣) لفظة : منك ، ليست في (م) . (٤) في (خ) و(ز) و(ظ) و(ف) : تواقعوا . (٥) أخرجه الطبري ٣٦١/٢١ مطولاً . (٦) حرب سُمَيْر وحرب حاطب: حربان وقعتا بين الأوس والخزرج، كان الظَّفَر في حرب سُمَير للأوس ، وحرب حاطب للخزرج، وبينهما نحو مئة سنة على ما ذكرابن الأثير في الكامل ٦٧١/١ وقال: حرب حاطب آخر وقعة بينهم إلا يوم بُعاث حتى جاء الله بالإسلام. (٧) في (ز) و(م) : قومها . (٨) في (م): فخرج . ٣٧٥ سورة الحجرات: الآية ٩ المرأة وأهلها، فتدافعوا واجتلدوا(١) بالنعال، فنزلت الآية(٢). والطائفة تتناول الرجلَ الواحدَ والجمع والاثنين، فهو ممَّا حُمِل على المعنى دون اللفظ؛ لأن الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله: ((حتى يفيئوا إلى أمر الله فإن فاؤوا فخذوا بينهم بالقسط)). وقرأ ابن أبي عَبْلَة: ((اقتتلتا)) على لفظ الطائفتين (٣). وقد مضى في آخر («براءة)) القولُ فيه (٤). وقال ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قال: الواحد فما فوقه(٥)، والطائفةُ من الشيء: القطعةُ منه. ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ بالدعاء إلى كتاب الله؛ لهما أو عليهما ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: تعدَّت ولم تُجِب إلى حكم الله وكتابه. والبغيُ: التطاول والفساد. ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجعَ إلى كتابه. ﴿فَإِن فَآءَتْ﴾: رجعت ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدَّلِ﴾ أي: احملوها على الإنصاف. ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ أيها الناس فلا تقتتلوا. وقيل: أقسطوا، أي: اعدلوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ أي: العادلين المحقِّين. الثانية: قال العلماء: لا تخلو الفئتانِ من المسلمين في اقتتالهما؛ إمَّا أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا أو لا. فإن كان الأوّلُ، فالواجبُ في ذلك أن يُمْشَى بينهما بما يُصلِحِ ذاتَ البَيْن، ويُثمِر المكافَّة والموادعة. فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي، صِير إلى مقاتلتهما. وأمَّا إن كان الثاني - وهو أن تكون إحداهما باغيةً على الأخرى - فالواجبُ أن (١) في (م): وتجالدوا . (٢) النكت والعيون ٥/ ٣٣٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٠٥/٤، وأخرجه الطبري ٢١/ ٣٦٠ بنحوه. (٣) الكشاف ٥٦٣/٣، وذكر قراءة ابن أبي عبلة أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ٤٦٣/٧. (٤) ١٠ / ٤٢٩ . (٥) سلف ١٥ / ١١٤. ٣٧٦ سورة الحجرات: الآية ٩ تُقاتَل فئةُ البغي إلى أن تكُفَّ وتتوب، فإن فعلتْ أُصلِح بينها وبين المبغيِّ عليها بالقسط والعدل. فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما مُحِقَّة، فالواجبُ إزالةُ الشبهة بالحجَّة النّيِّرة والبراهينِ القاطعة على مراشد الحقّ. فإن ركبتا متن اللَّجاج ولم تعملا على شاكلة ما هُدِيَتَا إليه ونُصِحتا به من اتّباع الحقّ بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. والله أعلم(١). الثالثة: في هذه الآية دليلٌ على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيُها على الإمام، أو على أحد من المسلمين. وعلى فساد قول مَن منع من قتال المؤمنين، واحتجَّ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((قتالُ المؤمن كفر))(٢). ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك! وقد قاتل الصدِّيق ه مَن تمسك بالإسلام وامتنع من الزكاة (٣)، وأمر ألا يُتبع مُوَلِّ، ولا يُجهَز على جريج. ولم تَحِلَّ أموالهم، بخلاف الواجب في الكفار. وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزومَ المنازل لَمَا أقيم حدٌّ ولا أُبطِل باطل، ولَوَجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كلِّ ما حرَّم الله عليهم من أموال المسلمين وسَبْي نسائهم وسفكِ دمائهم، بأن يتحزَّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خذوا على أيدي سفهائكم))(٤). الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي(٥): هذه الآية أصلٌ في قتال المسلمين، (١) الكشاف ٣/ ٥٦٤ . (٢) أخرجه أحمد (٣٦٤٧)، والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤): (١١٦) عن ابن مسعود ﴾. (٣) أخرجه أحمد (١١٧)، والبخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة. (٤) سلف ٧ / ٢٠٤ . (٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٧٠٥ - ١٧٠٦، وما سيرد بين حاصرتين منه . ٣٧٧ سورة الحجرات: الآية ٩ والعمدةُ في حرب المتأوِّلين، وعليها عوَّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملَّة، وإياها عنى النبيُّ ◌َ﴾ بقوله: («تَقْتَلُ عَمَّارًا(١) الفئةُ الباغية)). وقولِه عليه الصلاة والسلام في شأن الخوارج: ((يخرجون على حينٍ (٢) فُرقة)) أو ((على خير(٣) فِرقة))، والروايةُ الأولى أصحُّ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((تقتلهم(٤) أَوْلَى الطائفتين إلى الحق)»(٥). وكان الذي قتلهم عليّ بن أبي طالب ومَن كان معه. فتقرَّر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدِّين أن علياً ﴾ كان إمامًا، وأنَّ كلَّ مَن خرج عليه باغٍ، وأنَّ قتاله واجبٌ حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح؛ لأن عثمان ﴾ قُتِل والصحابةُ بُرآء من دمه، لأنه مَنع من قتال مَن ثار عليه وقال: لا أكونُ أوّل مَن خَلَف رسولَ الله﴾ في أمته بالقتل، فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة وفدى بنفسه الأمة. ثم لم يمكن ترك الناس سُدّى، فعُرِضت على باقي الصحابة الذين ذكرهم [عمر] في الشورى، وتدافعوها، وكان عليٍّ كرَّم الله وجهه أحقَّ بها وأهلها، فقبلَها حَوْطةً على الأمة أن تُسفَك دماؤها بالتهارج والباطل، أو يتخرق أمرها إلى ما لا يتحصَّل. فربما تغيَّرِ الدِّين وانقضَّ عمود الإسلام. فلمَّا بويع له، طلب أهل الشام في شرط البيعة (١) في النسخ الخطية: عثمان، والمثبت من (م) وهو الصواب، والحديث عند أحمد (٢٦٥٦٣)، ومسلم (١٢٩١٦): (٧٣) عن أم سلمة رضي الله عنها . (٢) في (ق) و(م) وأحكام القرآن لابن العربي: خير ، والمثبت من بقية النسخ . (٣) في (ق) و(م) وأحكام القرآن: حين ، وجاء في نسخة من أحكام القرآن : خير ، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) و(ف)، وهو الذي يريده المصنف كما سيرد، وهو ما رجَّحه النووي أيضاً في شرح صحيح مسلم ١٦٦/٧، والحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٢/ ٢٩٥؛ لقوله في رواية أخرى: ((يخرجون في فُرقة من الناس)) و: ((عند فُرقة)). أي: في وقت افتراق المسلمين، وهو ما كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. وأما رواية: خير؛ فقد نقل النووي عن القاضي عياض أن المراد به خير القرون، وهم الصدر الأول، أو أن المراد به علي وأصحابه، فعليه كان خروجهم حقيقة؛ لأنه كان الإمام حينئذ. والحديث عند أحمد (١١٠١٨) والبخاري (٣٦١٠) و(٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤) عن أبي سعيد الخدري﴾. (٤) في أحكام القرآن لابن العربي والكلام منه : لقتلهم، بدل : لقوله عليه الصلاة والسلام : تقتلهم . (٥) أخرجه أحمد (١١٠١٨)، ومسلم (١٠٦٤): (١٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ . ٣٧٨ سورة الحجرات: الآية ٩ التمكن من قَتَلة عثمان وأَخْذَ القَوَد منهم، فقال لهم عليٍّ ﴾: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحقَّ تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحقُّ بيعةً وقَتَلَةُ عثمانَ معك نراهم صباحًا ومَساء. فكان عليٍّ في ذلك أسدَّ رأيًا وأصوبَ قِيلًا؛ لأن عليًّا لو تعاطى القَوَد منهم، لتعصبت لهم قبائلُ وصارت حربًا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقدَ البيعةُ، ويقعَ الطلبُ من الأولياء في مجلس الحكم؛ فيجري القضاء بالحق. ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخيرُ القصاص إذا أدَّى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيتِ الكلمة. وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليًّا من ولاية، ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيًا(١) أن البداية (٢) بقتل أصحاب عثمانَ أولى. قلت: فهذا قولٌ في سبب الحرب الواقع بينهم. وقال جِلَّة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب، بل فجأةً، وعلى سبيل دَفْع كلِّ واحد من الفريقين عن أنفسهم؛ لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأنَّ الأمر كان قد انتظم بينهم، وتمَّ الصُّلح والتفرُّق على الرضا. فخاف قَتَلةُ عثمانَ ﴾ من التمكين منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدؤوا بالحرب سَحَرةً في العسكرَيْن، وتختلفَ السهام بينهم، ويصيحَ الفريق الذي في عسكر عليٍّ: غَدَر طلحة والزبير. والفريقُ الذي في عسكر طلحةَ والزبير: غدر عليٍّ. فتمَّ لهم ذلك على ما دَبَّروه، وَنشِبَت الحرب، فكان كلُّ فريق دافعًا لمَكْرته عند نفسه، ومانعًا من الإشاطة (٣) بدمه. وهذا صوابٌ من الفريقين وطاعةٌ لله تعالى، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذه السبيل. وهذا هو الصحيح المشهور. والله أعلم. (١) في النسخ الخطية عدا (ظ) فإنها غير واضحة فيه : رأوا ، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي والكلام منه . (٢) في (م) : البداءة . (٣) الإشاطة: الإهلاك، وشاط دمُه وأشاط دَمه وبدمه: أذهبه، وأشاط فلان فلاناً إذا أهلكه . اللسان (شيط) . ٣٧٩ سورة الحجرات: الآية ٩ الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى حَّى تَّفِىّءَ إِلَىَ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أمرٌ بالقتال. وهو فرضٌ على الكفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلَّف قوم من الصحابة ﴿ عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وَقَّاص وعبدِ الله بنِ عمر (١) ومحمد ابن مسلمةَ وغيرِهم. وصوَّب ذلك عليُّ بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كلُّ واحد منهم بعذر قبله منه . ويُروى أن معاويةَ ﴾ لمَّا أفضى إليه الأمر، عاتب سعدًا على ما فعل، وقال له: لم تكن ممن أصلح بين الفئتين حين اقتتلا، ولا ممن قاتل الفئة الباغية. فقال له سعد: ندمتُ على تركي قتالَ الفئةِ الباغية. فتبيّن أنه ليس على الكلِّ دَرَكٌ(٢) فيما فعل، وإنما كان تصرُّفاً بحكم الاجتهاد وإعمالاً بمقتضى الشرع. والله أعلم. السادسة: قوله تعالى: ﴿فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ ومن العدل في صلحهم ألا يُطالَبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تَلَفٌ على تأويل، وفي طلبهم [له] تنفيرٌ لهم عن الصلح واستشراءٌ(٣) في البغي، وهذا أصل في المصلحة(٤). وقد قال لسان الأمة(٥): إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريفُ منهم لأحكام قتال أهل التأويل، إذ كان أحكامُ قتال أهل الشرك قد عُرِفت على لسان الرسول 18. وفِعله(٦). السابعة: إذا خرجت على الإمام العدل خارجةٌ باغيةٌ ولا حجة لها، قاتلهم الإمام (١) في النسخ عدا (ف) : عمرو ، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٧ والكلام منه . (٢) الدَّرَك: التبعة. القاموس (درك). (٣) أي: تفاقم: القاموس (شری). (٤) بعدها في (ظ) : وأصلح في الجملة . (٥) هو أبو بكر ابن الطيب الباقلاني، لقّبه بذلك القاضي عياض في ترتيب المدارك ٥٨٥/٤، وسلفت ترجمته ١ / ٦٤ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٠٨/٤ وما بين حاصرتين منه . ٣٨٠ سورة الحجرات: الآية ٩ بالمسلمين كافَّة، أو بمن فيه كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فإنْ أبَوا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يُقتل أسيرهم، ولا يُتبع مُذْبِرُهم، ولا يُذَقَّف (١) على جريحهم، ولا تُسْبَى ذراريهم ولا أموالُهم. وإذا قَتَل العادلُ الباغيَ، أو الباغي العادلَ وهو وليُّه، لم يتوارثا. ولا يرث قاتلٌ عمداً على حال. وقد قيل: إن العادلَ يَرِث الباغي، قياسًا على القصاص(٢). الثامنة: وما استهلكه البغاة والخوارج(٣) من دم أو مال ثم تابوا، لم يؤاخَذوا به (٤). وقال أبو حنيفة: يضمنون. وللشافعي قولان. وجْهُ قولِ أبي حنيفةَ أنه إتلاف بُعُذْوان، فيلزم الضمان. والمعوَّل في ذلك عندنا أن الصحابة * في حروبهم(٥) لم يَتبعوا مُذْبِراً، ولا ذَفَّقُوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمنوا نفساً ولا مالًا، وهم القُدْوة. وقال ابن عمر: قال النبيُّ ﴾: ((يا عبدَ الله، أتدري كيف حكم الله فيمن بَغَى من هذه الأمة))؟ قال: الله ورسوله أعلم. فقال: ((لا يُجهَز على جريحها، ولا يُقتل أسيرها، ولا يُطلب هاربها، ولا يُقسم فَيْئُها))(٦). فأمَّا ما كان قائماً رُدَّ بعينه. هذا کلُّه فیمن خرج بتأويل يسوغ له. وذكر الزَّمَخْشري في تفسيره(٧): إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا مَنَعة لها، ضَمِنَت بعد الفيئة ما جَنَت، وإن كانت كثيرة ذاتَ مَنَعة وشوكة، لم تَضمَن؛ إلا عند محمدٍ بن الحسن رحمه الله، فإنه كان يُفتي بأنَّ الضمان يَلزمها إذا فاءت. وأمَّا قبل التَّجَمُّع والتَّجَنُّد، أو حين تتفرَّق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند (١) أي : لا يُجهز . (٢) الكافي ٤٨٦/١ . (٣) في (ز) و(ظ): وما استهلك البغاة من الخوارج، وفي (ف) : وما استهلك الخوارج أو البغاة . (٤) الكافي ١ / ٤٨٦ . (٥) في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧١٠ والكلام منه : خروجهم . (٦) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٨٤٩)، والحاكم ١٥٥/٢، والبيهقي ١٨٢/٨ وفيه كوثر بن حكيم تفرد به كما قاله البزار ، وقال فيه ابن معين : ليس بشيء . وقال أحمد : أحاديثه بواطيل ليس بشيء . ميزان الاعتدال ٤١٦/٣ . (٧) ٣/ ٥٦٤، والكلام منه إلى آخر المسألة منه.